Полный текст (265 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
٦١- مجلس أبي العباس أحمد بن يحيى مع محمد بن قادم
حدثني أبو بكر الخياط قال: قال لي أبو العباس:
دخلت على محمد بن قادم فقال لي: كيف تقول: الذي أظنك زيدٌ؟ فقلت له: هذه غلط الفراء فيها. فقال: من أين غلط؟ قلت: أصل أن لا يضمر خبر المعرفة، ثم أضمره فقال: الذي أظنك زيد، يريد أظنكه، والهاء خبر الكاف فأضمره.
قال: فكيف أراد أن يقول؟ قلت: الذي أظن إياك، فتضمر الاسم. فإن قال: الذي أظنه زيد فجعل الهاء راجعة إلى الذي فالمسألة فاسدة، لأن الظن يبقى بغير خبر. فإن جعل الهاء كناية عن مذكور كأنه قال: الذي أظنه أخاك ثم كنى عنه بعد ذكره وعلم المخاطب به فأضمره هاء يرجع إلى الذي، كأنه يريد: الذي أظنه إياه زيد. فالمسألة جيدة.
стр. 107
٦٢- مجلس الأصمعي وأبي عبيدة مع المازني
حدثني أبو القاسم الصائغ، وأبو جعفر أحمد بن عبد الله قالا: حدثنا أبو محمد عبد الله بن مسلم قال: أخبرني ابن خبان النحوي قال: أخبرني المازني أنه سأل أبا عبيدة والأصمعي عن قول الأعشى:
لعمري لئن أمسى من الحي شاخصا ... لقد نال خيصا من عفيرة خائصا
فقلت: خيصا أو حيصا؟ فقالا: ما ندري. وقال الأصمعي: فلانٌ يخوص في بني فلان العطاء، إذا كان يعطي فيهم شيئا يسيرا. قال بكر: فقلت له: فينبغي أن يكون المصدر خوصا، فقال: ربما اشتق المصدر من غير لفظ الفعل، يقال أتيته أتية وأتوة، ولا نعلم أحدا يوثق بعربيته يقول: أتوته، إلا أن النحويين لما سمعوا أتوة قاسوه فقالوا: أتوته.
стр. 108
٦٣- مجلس أبي زيد سعيد بن أوس مع عبد الملك بن قريب
أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان قال:
قال الأصمعي: يقال في الوعيد والتهدد: قد رعد فلانٌ لنا وبرق، ورعدنا وبرقنا. ولا يقال أرعد فلانٌ ولا أبرق. قال أبو زيد: بل يقال ذلك.
قلت للأصمعي: الكميت يقول:
أبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر
فقال: الكميت ليس بحجة، كأنه يقول: هو مولد. قلت: فأخبرنا به أبو زيد عن العرب، أنه سمعه من الفصحاء. فأبى.
قال أبو حاتم: فجاءنا أعرابي من بني أبي بكر بن كلاب من أفصح الناس، كأنه مستوحشٌ من الناس، بدوي، وهو يقول:
قضي القضاء وجفت الأقلام ...
فسألته: كيف تقول أرعدت وأبرقت؟ قال أبو زيد، من قبل أن يجيب: دعوني أسأله وأتولى السؤال فأنا أرفق به. فقال له: كيف تقول في التهدد: إنك لتبرق وترعد؟ فقال: أفي الجخيف تعني أم في الوعيد؟ أقول: إنك لتبرق لي وترعد.
فقال لي الأصمعي: انظر إلى الشعر القديم كيف هو. ثم أنشد لرجل من بني كنانة شعرا علويا:
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد
стр. 109
٦٤- مجلس أبي عثمان المازني مع أبي يعلى بن أبي زرعة
قال أبو يعلى: قرأ أبو عثمان: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ .
وأنشد، قال: أنشدني الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء:
كأن رماحنا أشطان بئرٍ ... بعيدٍ بين جاليها جرورٍ
بالرفع، وهو ظرف في الأصل، فصيره اسما ورفعه.
قال: وأنشدني:
ويشرق بين الليت منها إلى الصقل ...
قلت: فمن قرأ بينكم؟ قال: يريد ما بينكم. قلت: فتحذف الموصول وتترك الصلة؟ قال: نعم أقول: الذي قام وقعد زيد، ومعناه الذي قام والذي قعد زيد. وقد حذف الموصوف في كتاب الله جل وعز. قال الله جل وعز: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قرضاً حسناً﴾ معناه: والذين أقرضوا الله. هذا مثله.
стр. 110
٦٥- مجلس أبي عمر مع الأصمعي
حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس محمد بن يزيد قال: حدثني إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي قال:
قال أبو عمر الجرمي يوما في مجلس الأصمعي: أنا أعلم الناس بالنحو. فسكت عنه الأصمعي ساعة، قال: ثم قال له: يا أبا عمر، كيف تنشد:
قد كن يكنن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدين للنظار
كيف تقول: بدين أو بدأن؟ قال أبو عمر: بدأن. فقال له الأصمعي: يا أبا عمر، أنت أعلم الناس بالنحو –يمازحه- وإنما هو بدون؛ لأنه من بدا يبدو، أي ظهرن.
стр. 111
٦٦- مجلس أبي العباس مع أبي عثمان المازني
قال أبو العباس محمد بن يزيد: سألت أبا عثمان فقلت: من أجاز ما صبك الله علي، فجعل ((ما)) حالا كيف يكون تقديره؟ فقال: كأنه قال: خيرا أم شرا صبك الله علي، فقلت له: إنما يسأل عن الحال بكيف، وما إنما يسأل بها عن صفات الآدميين وذات غيرهم، كقولك: ما عندك؟ فيقول: حمارٌ أو تمر. وتقول: ما عبد الله؟ فيقول ظريف أو أحمق. ولو احتملت ما أن تدخل على كيف فتكون سؤالا عن حال لاحتملت أن تدخل على متى فيسأل بها عن الزمان، وعلى أين فيسأل بها عن المكان، وعلى كم فيسأل بها عن العدد، كما تقول: كيف ذهب عبد الله أراكباً أم ماشياً؟ فذكر أن من أجاز ذلك في ((ما)) إنما استكرهه. فهذا القياس. وإنما اضطر الشاعر فأدخلها على كم فقال –وهو الفرزدق:
فما تك يا ابن عبد الله فينا ... فلا ذلا نخاف ولا افتقارا
أراد: كم أقمت فينا، ولو رفع يكون لكانت ما ويكون بمنزلة الكون، جعله وقتا، مثل مقدم الحاج. قال الله تبارك وعلا: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ، أي دوامي فيهم.
قال أبو العباس: ويجوز أن يسأل بها عن المصدر نحو خير وشر، وتجعله حالا، نحو: جاء زيد مشيا.
стр. 112
قال أبو العباس: وسألته: لم قال سيبويه في النسب إلى عدة عدى فلم يردد الواو، زعم لبعدها عن ياء النسب، ورد في النسبة إلى شية؟ فقال: من قبل أنه لو لم يردد في شية وحذف الهاء لبقيت على حرفين، أحدهما حرف لين، وهذا لا يكون في الأسماء.
قال أبو العباس: وسألته لم قالوا: جاءني الذي في الدار فجعله كالجر والنصب، وقال في الاثنين: اللذان فأعرب ورأيت اللذين؟ فقال: من قبل أن التثنية لا تخطئ الواحد والجمع أبدا، والجمع قد يكون له أبنيةٌ، فهو كالواحد، فلما كان الواحد مبنيا بنيت الجمع إذ كان يختلف، ولم ابن ما لم يكن قط إلا على طريقة واحدة. وأما قولهم: هنة وهنتان ومنة ومنتان فأسكنوا في التثنية ما كان في الواحد متحركا، فإنما أسكنوا ذلك من الواحد في الوصل. وأما التثنية فقد سلموا علامتها بالألف والنون. والدليل على أنهم إلى الواحد قصدوا بالإسكان، قولهم إذا وصلوا: ياهنة افعلي. وأما قولهم اللذان ولم يقولوا اللذيان كما قالوا في عمٍ عميان، فلأن ياء عم تحركت في النصب، فلما جاءت بعدها ألفٌ توجب فيها الفتحة تحركت لذلك. وياء الذي ساكنة على كل حال، فلذلك حذفت لما جاءت الألف لالتقاء الساكنين، إذ لم يجز أن تتحرك البتة.
стр. 113
٦٧- مجلس عيسى بن عمر مع الكسائي
قال أبو العباس أحمد بن يحيى: وجدت بخط إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
حكى الأصمعي عن عيسى بن عمر والكسائي، أنه جمعهما الحسن بن قحطبة أول ما دخل بغداد. قال الكسائي: فسألته عن ((همك ما أهمك)) قال: فذهب يقول: يجوز كذا ويجوز كذا. قال: فقلت له: عافاك الله، وإنما أريد كلام العرب، ولم تجيء بكلام العرب. قال الأصمعي: تقول همني: أذابني. وأهمني: أقلقني، فكيف شئت فقل. وأنشد:
وانهم هاموم السديف الواري ...
قال أبو العباس: وليس يخطئ أحدٌ في هذه المسألة.
стр. 114
٦٨- مجلس أبي حاتم سهل بن محمد مع رجل من أهل إصبهان
حدثني أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم الطبري قال:
حضرت أبا حاتم السجستاني وحضره رجلٌ من أهل إصبهان، فقال له: يا أبا حاتم، تنعت المعرفة بنكرة؟ فقال: نعم إذا لم يوصف به غيره كانت النكرة كالمعرفة. قال الله جل وعز: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحدٌ﴾ . فالله جل وعز معرفة، وأحد نكرة، ولكن لما كان أحدٌ لم يوصف به غير الله صار معرفة. وهذه الآية فيها اختلاف.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: قوله جل وعز: ﴿قل هو الله أحد﴾ . فهذا مضمر على شريطة التفسير، كقولك: إنه أمة الله ذاهبةٌ. وقوم يجعلونه مضمرا قبله مذكورٌ.
وهذا قول من عد بسم الله الرحمن الرحيم آية، فيكون هو يرجع إلى هذا المذكور، ويكون أحدٌ على هذا بدلا، أو خبر ابتداء محذوف.
قال سيبويه: يجوز في هذه أربعة أوجه. ومثل هذه الآية قوله جل وعز: ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ لأن قوله هو الله أحد بمنزلة قولك: هذا زيد منطلق وزيد راكب، فيجور أن تجعل ذا ابتداء وزيدا بدلا منه، ومنطلق خبر ابتداء.
والوجه الثاني: أن تجعل ذا ابتداء وزيد خبره ومنطلق بدل من زيد، تقديره: هذا منطلق.
стр. 115
والوجه الثالث: أن تضمر ابتداء فتقول: هذا زيد مقبل، كأنك قلت: هذا زيد هو مقبل، هو ابتداء ومقبل خبره.
والوجه الرابع: وهو أردؤها، كأنك أردت أن تخبر أنه زيد وأنه مقبلٌ أيضا، كأنه جمع الأمرين، كأنه جمع أنه زيد وأنه منطلق.
ومن قرأ: شيخا، نصبه على الحال، أي في حال شيخوخته.
وقال أبو عثمان المازني في قوله جل وعز: ﴿قل هو الله أحد﴾ : هو ابتداء، والله ابتداء ثان وأحدٌ خبر الابتداء الثاني، والابتداء الثاني وخبره خبر الابتداء الأول.
فإن قيل: أيكون هو ابتداء والله خبره، وأحدٌ وصف الله؟ قيل: لا يجوز، لأن الله معرفة وأحد نكرة، والنكرة لا تكون وصفا للمعرفة، لأنهما جنسان مختلفان.
ومثل قول أبي حاتم أن أحداً لم يوصف به غير الله فصار معرفة، قول أبي العباس محمد بن يزيد، فإنه سئل عن دعاء الناس: يا حليما لا يعجل، ويا حيا لا يموت، ويا قادرا لا يعجز، هل هذا نكرة، وعلام ينتصب؟ فقال: نصبه كنصب يا رجلا ظريفا إلا أن هذا معرفة. وقولك: يا رجلا ظريفا، نكرة، لأنك إذا قلت يا رجلا ظريفا فهذا لكل من له هذا النعت. والآخر ليس مثل هذا، وهو مثل قولك: يا رجلا في الدار لا يبرح أقبل، إذا كان في الدار جماعة قيام كل يبرح إلا واحدا فإنه يثبت، فعلمت ذاك شائعا فيهم فدعوته. فهو معرفة، لأنه ليس يشركه أحد منهم، فقد شاركهم بأنه في الدار وباينهم بأنه لا يبرح وهم يبرحون. وقد علم المنادى الذي لا يبرح في الجملة، وأنه فيهم. فقولك: يا حيا لا يموت معرفة بالمعرفة المتقدمة أنه لا يشركه في البقاء أحدٌ، وقد يشترك الخلق في الحياة. وكذا يا قادرا لا يعجز.
стр. 116
فهذا المعنى في اليقين المتقدم، هو الذي جعل هذا معرفة وخصة ونصبه، كنصب يا رجلا في بابه.
ومثل نصب هذا قولك للرجل تسمية عاقلة لبيبة، ثم تنادي فتقول: يا عاقلة، فهو معرفة ولكنك نصبته لأنك تحكي أصل النكرة قبل أن تسمى به، فنصب هذا كنصب يا رجلا في الدار ظريفا أقبل، فقولك: يا قادرا لا يعجز، نصبه أيضا كنصب هذا.
والمعنى الذي ذكرناه أخصر، وهو بعد يرجع إلى أنه معرفة بالإشارة. وليس هذا مثل قولك: يا خيرا من زيد، لأن يا خيرا من زيد جميعاً معرفة، ومثل حضرموت، ليس واحدٌ أحق بالمعرفة من الآخر. وقولك: يا حليما لا يعجل، ويا قادرا لا يعجز، الذي أوجب المعرفة إنما هو النعت الذي لا يكون إلا لله جل وعز، فكيف يكون هذا مثله. وهو كقولك: يا رجلاً صالحا كما قال أولا أشبه، لأن هذا نعتٌ ومنعوت مثله، فنصبهما واحد، كما قال أولاً. وهذا الحق. والزائد على يا رجلاً ظريفا، أن النعت خاص لا يكون إلا لله، فبهذا وجبت المعرفة. ولو نعت غير الله جل وعز بنعتٍ لكان إنما يجري على الاسم في معرفته ونكرته.
стр. 117
٦٩- مجلس سيبويه مع حماد بن سلمة
حدثنا أبو جعفر قال: حدثنا ابن عائشة عبيد الله قال: حدثنا حماد بن سلمة قال:
جاء سيبويه مع قوم يكتبون شيئا من الحديث، فكان فيما أمليت ذكر الصفا عن رسول الله ﷺ فقلت: ((صعد رسول الله ﷺ الصفا)) وهو الذي كان يستمل فقال: ((صعد النبي ﷺ الصفاء)) . فقلت: يا فارسي لا تقل الصفاء؛ لأن الصفا مقصور. فلما فرغ من مجلسه كسر القلم وقال: لا أكتب شيئا حتى أحكم العربية!
وأما محمد بن يزيد فقال: حدثني غير واحد من أصحابنا قال: كان سيبويه مستمليا لحماد بن سلمة، وكان حماد فصيحا، فاستملاه يوما قول رسول الله ﷺ : ((ليس من أصحابي أحدٌ إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء)) . فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء. فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما هو استثناء. فقال سيبويه: لا جرم والله، لأطلبن علما لا تلحنني معه. فمضى ولزم مجلس الأخفش مع يعقوب الحضرمي والخليل وسائر النحويين.
стр. 118
٧٠- مجلس الأخفش مع يعقوب الحضرمي
حدثنا أبو جعفر قال: حدثني أبو حاتم قال: قال سعيد بن مسعدة الأخفش في قوله جل وعز: ﴿وقولوا للناس حسنى﴾ . قال أبو حاتم: فقلت: حسنى لا يجوز، لأن حسنى مثل فضلى، ولا يكون إلا بالألف واللام.
قال: فسكت وأومأ الأخفش إلى يعقوب. قال أبو حاتم: رد هذا القول من الأخفش يعقوب الحضرمي لي.
стр. 119
٧١- مجلس عيسى بن عمر مع أبي عمرو بن العلاء
حدثني أبو الحسن محمد بن أحمد بن مابنداذ قال: حدثني أبو جعفر رومي قال: حدثني محمد بن سلام الجمحي قال: قال لي يونس بن حبيب:
كان عيسى بن عمر يتحدث في مجلس فيه أبو عمرو بن العلاء، فقال عيسى في حديثه: ضربه فحشت يده، بالضم. فقال أبو عمرو: ما تقول يا أبا عمر؟ فقال عيسى: فحشت يده. قال أبو عمرو: فحشت يده.
قال يونس: والتي رده عنها جيدة، يقال حشت يده بالضم وحشت بالفتح وأحشت. وقال يونس: وكان إذا اجتمعا في مجلس لم يتكلم أبو عمرو مع عيسى بن عمر، يعني لحسن إنشاده وفصاحته.
стр. 120
٧٢- مجلس الطرماح مع رجل من بني عبس
قال أبو حاتم: حدثني الأصمعي قال:
جاء رجلٌ من بني عبس إلى حلقةٍ فيها الطرماح، فقال: ما عنى كثير بقوله لعبد الملك بن مروان:
فأنت المعلى يوم عدت قداحهم ... وجاء المنيح وسطها يتقلقل
فقال: أراد بالمعلى أنه أعلاهم حظا، كالمعلى من القداح. فقال الطرماح: لا، ولكنه أراد أنك السابع من ملوكهم ولك أوفر الحظ؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يسمون القداح إلى سبعة: أولها الفذ، والتوءم، والرقيب، والمسبل والحلس، والنافس، والمعلى. وفي عددها يقول أعشى بني ربيعة:
ومروان سادس من قد مضى ... وكان ابنه بعده سابعا
وقال أبو نواس:
ملك الخلافة خمسةٌ ... وبخير سادسهم سدس
стр. 121
٧٣- مجلس عمرو بن بحر الجاحظ مع بشر المريسي
حدثني أبو الحسن قال: حدثني أبو العباس محمد بن يزيد قال: حدثني أبو عثمان المازني قال:
قال لي الجاحظ: رأيت المريسي وقد سئل عن رجل فقال: هو على أحسن حال وأهيؤها. قال: فقلت لأصحابه: لحن. فقالوا لي: أترى أننا نبطل قول المريسي ونقبل منك؟ فذهبوا فسألوا ثمامة فقالوا: إن المريسي سئل عن رجل فقال: هو على أحسن حال وأهيؤها. فقال الجاحظ: لحن. فقال ثمامة: أخطأ الجاحظ، الجاحظ أحمق! هذا يجوز على قوله:
إن سليمى والله يكلؤها ...
стр. 122
٧٤- مجلس ذي الرمة مع رؤبة بن العجاج بحضرة بلال
حدثني علي بن سليمان قال: حدثني ابن الحرون محمد بن الحسن قال:
جمع بلال بن أبي بردة بين ذي الرمة وبين رؤبة بن العجاج، وكان ذو الرمة معتزلياً، وكان رؤبة مثبتا، فقال له رؤبة: والله ما افتحص قطاة أفحوصا، ولا تقرمص أسد قرموصا، إلا كان ذلك بقضاءٍ وقدرٍ من الله.
فقال له ذو الرمة: آلله، ألأن وثب الذئب على حلوبةٍ لصبيةٍ عالةٍ عيايل ضرائك نسبت ذلك إلى الله! فقال له رؤبة: أفبقدرة من الذئب أكل الحلوبة! هذا كذبٌ ثانٍ! فقال ذو الرمة: للكذب على الذئب أهون من الكذب على خالق الذئب.
стр. 123
٧٥- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع أبي الخطاب الأخفش
قال أبو العباس: قال أبو عبيدة: كنا عند أبي عمرو بن العلاء، فسأله سائل عن جمع يدٍ من الإنسان، فقال أيدٍ، وأنكر أن تكون الأيادي إلا في النعم، فلما قمنا قال لي أبو الخطاب الأخفش: أما إنها في علمه، غير أنها لم تحضره. ثم أنشد أبو الخطاب الأخفش بيت عدي بن زيد العبادي:
أنكرت ما تبينت في أيادينا ... وإشناقها إلى الأعناق
ويروى: ((ساءها ما بنا تبين في الأيدي)) . قال أبو عمرو: يعني بنته هندا، باتت عنده مع أمها في السجن وهي جويرية صغيرة، فقالت: يا أباه أي شيءٍ هذا في يدك –تعني الغل- وبكت منه. ففي ذلك يقول: ((ساءها ما بنا تبين)) .
وهذا الأخفش هو أبو الخطاب البصري، وقد حكى عنه أبو عبيدة وسيبويه أشياء كثيرة.
وللبصريين أبو الحسن الأخفش صاحب سيبويه، وكتبه في العروض والنحو ومعاني القرآن مشهورة.
وللبغداذيين عبد الله بن محمد البغداذي الأخفش، وأحد من روى الشعر، وقد أخذ عنه ابن السكيت والطوسي.
هذه الحكاية عن المبرد.
стр. 124
٧٦- مجلس محمد بن يزيد مع أبي إسحاق
حدثني بعض أصحابنا قال: حدثني أبو إسحاق الزجاج قال: كنت في ابتداء أمري قد نظرت في علم الكوفيين وانقطعت إليه، فاستكثرت منه حتى وقع لي أني لم أترك منه شيئا، وأني قد استغنيت به عن غيره. فلما قدم محمد بن يزيد بغداد قصدته يوما وأنا عندي أنه إن ناظرني قطعته لا أشك فيه، فدخلت إليه فلما قعدت قلت له: كيف تقول ما أحسن زيدا؟ فقال: ما أحسن زيدا. قلت: زيد بأي شيء تنصبه؟ فقال: التقدير شيء حسن زيدا، فما اسمٌ مبتدأ، وأحسن خبره وفيه ضمير الفاعل، وزيداً مفعول به، والمعنى معنى التعجب. فذهبت أتخطى المسألة فقال لي: على رسلك أقنعك هذا الجواب؟ قلت: ما تركت فيها شيئًا. قال: فإنها تنتقض عليك. قلت: من أين؟ قال: كيف جاز أن تكون ما اسما بغير صلة، وإنما تكون اسما تاما في الجزاء، نحو: ما تصنع أصنع، أو في الاستفهام نحو: ما صنعت يا رجل؟ وما عندك؟ فهي ابتداءٌ وما بعدها خبرها، فكيف جاز أن تكون في غير هذين الموضعين اسما بغير صلة؟ وأنت لو قلت رأيت أو أعجبني ما، لم يكن كلاما حتى تقول: رأيت ما صنعت، أو أعجبني ما عندك، ونحو ذلك مما يكون صلة للذي. فلم يكن عندي في هذا جواب. فقال: الجواب عن السؤال أن يقال: إنما صلح أن تكون ما في الاستفهام اسما بغير صلة، لأنها لو وصلت علمت، وإنما يسأل السائل عما يجهل، كما تقول: من أبوك؟ فلو قلت: من في الدار أبوك، كنت مخبرا لما علمته وغير مستخبر عما جهلته. وكذلك في الجزاء هي، لأنها هناك شائعة مبهمة
стр. 125
تقول: ما ركبت ركبت، فذلك واقع على كل مركوب. وكقولك: من يأتني آته. فهذا واقعٌ على جميع الناس.
وأنت إذا قلت: ما أحسن زيدا فقد تعجبت من حسنه ولم تصف أن الذي حسنه شيءٌ بعينه، فلذلك لزمها أن تكون مبهمة غير مخصوصة، كما تقول: شيءٌ جاء بك، أي ما جاء بك إلا شيء. وكذلك: ((شر أهر ذا ناب)) ، أي ما أهره إلا شر. ومثله: إني مما أن أفعل كذا وكذا، يريد من الأمر أن أفعل كذا وكذا، فلما كان الأمر مجهولا كانت ما لإبهامها بغير صلة.
قال: فذهبت أتجاوز، واستحسنت ما سمعت، فقال لي: أقنعك هذا؟ فقلت: لا أعلم فيه شيئًا غيره. قال: فإن قيل لك: إذا قلت شيءٌ أحسن زيدا فقد أخبرت ولم تتعجب، فإذا وضعت ((ما)) في موضع شيء أين وقع التعجب؟ قال: فبقيت ولم تكن عندي جواب. فقال: الجواب في ذلك أن ما إنما صلح ذلك فيها لإبهامها وتصرفها. ألا ترى أنك تقول: ما أقمت أقمت، فتكون مؤقتة وحقيقتها أنها وصلتها مصدر. وكذلك ما صنعت يسرني، فإن شئت كانت في معنى الذي، وإن شئت كانت والفعل مصدرا، وتكون استفهاما وتكون جزاء، وتكون خبراً، وتكون نكرة في مثل قول:
ربما تكره النفوس من الأمر ... .. .... .... .... .... ....
وتقع لذات غير الآدميين، ولنعوت الآدميين كقولك: ما عبد الله؟ فيقال: شريف أو وضيع، أو غني أو فقير.
стр. 126
فقلت: فكيف تقول: ما أعظم الله وما أحلم الله! فقال: أقول ما أعظم الله. فقل: كذا تقول؟ فقال: كذا أقول وكذا يقول عقلاء الناس. قلت: بأي شيء ينتصب الله؟ وهل يجوز أن يكون شيءٌ عظم الله وحلمه؟ فقال: نعم هذا المعنى أنه إنما هو انتباهك على ما لم تزل تعلم أنه وصفه جل وعز عند الشيء تصادفه من تفضله، فأنت الذاكر له بالحلم عندما رأيته عيانا. وهذا الذي كنت تعلمه قبل المشاهدة فأنت ذلك الشيء الذي ذكرناه بالحلم والعظمة عند هذه المشاهدة. فأنعم النظر عافاك الله فيما ذكرنا، فإنك تجده لازما لا يجوز غيره.
فقلت في نفسي: هذا هو الحق، وما سوى ذلك باطل. وانصرفت من عنده، ثم بكرت إليه كالمعتذر، ولزمته.
стр. 127
٧٧- مجلس أبي محمد اليزيدي مع أبي عبيد الله
حدثنا أبو زيدٍ عمر بن شبة النميري قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن الحريش عن أبي محمد اليزيدي النحوي قال:
كنت جالسا مع أبي عبيد الله وزير المهدي فقال لكاتب بين يديه: اكتب. فجرى في كلامه أسدٌ فقال له: إن أسد كان يفعل كذا وكذا، فلم يجر أسدا. قال أبو محمد: فالتفت إليه فقلت إن أسدا كان يفعل كذا وكذا. فقال: الألف ما يصنع بها ها هنا؟ قلت له: هذه الألف ليست بزائدة على الفعل، هذه الألف هي فاء الفعل. قال: وما الدليل على هذا؟ وإنما أسد أفعل مثل أحمر لا يجري. فقلت له: إنما أسد مثل فعل، وقد غلطت، عد الحروف كم حرف أسدٌ؟ قال: ثلاثة. قلت: فعلٌ كم حرف هو؟ قال: ثلاثة. فقلت أفعل مثل أحمر كم حرفٍ هو؟ قال: أربعة. قلت: لو كان أسد أفعل كان أربعة أحرف.
стр. 128
٧٨- مجلس أبي محمد مع أبي عبيد الله والكسائي
قال أبو محمد: وسألني أبو عبيد الله ونحن بعيساباذ فقال: ما تقول يا أبا محمدٍ في الشراء، مقصور أو ممدود؟ قلت له: ممدود. قال: والكسائي حاضر. قال: فسأل الكسائي فقال: مقصور. قلت: أخطأ الكسائي. قال: وكيف ذاك؟ قلت له: كيف تجمع شرى؟ قال: أشرية. قلت: فإن هذا دليل على أن شراء ممدود؛ لأن كل ممدودٍ جماعة بالهاء، مثل قولك: كساء وأكسية، وبناء وأبنية، وسماء وأسمية، وفناء وأفنية. فقال الكسائي: ما سمعت أعرابيا إلا وهو يقصره. فقلت: برح الخفاء، ادع بالأعراب فهم ها هنا حولك –وقد كانت أصابتهم مجاعة- فدعا منهم بعدةٍ فدخلوا عليه. قال أبو محمد: فكلمت الأعراب الفصحاء وناشدتهم الشعر حتى عرفنا مذاهبهم في العلم، ثم قلت للكسائي: ترضى أن يكونوا بيننا وبينك؟ قال: نعم. فقلت لأفصحهم: كيف تقول في الكلام: اكتب هذا في شراك. قال: سبحان الله، اكتب هذا في شرائك، فمد. فخجل الكسائي.
стр. 129
٧٩- مجلس أبي محمد مع الأحمر
قال أبو محمد اليزيدي: وكنت جالسا مع الفضل بن الربيع، فدخل علينا علي الأحمر، فجلس إلى الفضل، فقال لي الفضل: من كان أعلم بالنحو: الكسائي أو أبو عمرو بن العلاء؟ وكان أبو عمرو أستاذ أبي محمد. قال: قلت له أصلحك الله، لم يكن أحدٌ بالنحو أعلم من أبي عمرو. فقال الأحمر: لم يكن يعرف التصريف. فقلت له: ليس التصريف من النحو، إنما هو شيءٌ ولدناه نحن واصطلحنا عليه. وكان أبو عمرو أنبل من أن ينظر فيما ولد الناس.
قال: ولم؟ قلت: لأنه جاور البدو أربعين سنة، ولم يقم الكسائي بالبدو أربعين يوما.
ثم قلت له: أنت أيضا تزعم أن الكسائي لم يكن يبصر التصريف وأنت تزعم أنك علمته. فسكت. فلما أراد أن يقوم أخذت دواة وقرطاسا وكتبت:
زعم الأحمر المقيت علي ... والذي أمه تدين بمقته
أنه علم الكسائي تصريفا ... فإن كان ذا كذا فباسته
ثم دفعت الرقعة إلى الفضل، فما زال يضحك منها والأحمر لا يدري من أي شيءٍ يضحك.
стр. 130
٨٠- مجلس أبي محمد مع الكسائي
أبو زيد عمر بن شبة قال: أخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن الحريش قال: سأل الفضل بن الربيع الفراء مرة فقال: من أعلم أبو محمد، أو الكسائي؟ فقال الفراء: عافى الله أبا محمد، أبو محمد رجلٌ عاقل، والكسائي الكسائي: اسمه وصوته، لم نلق أحدا أعلم منه.
قال أبو محمد: فلقيته فقلت: يا دباغ إنما سئلت عن تزكيتي أو علمي. قال: يا أبا محمد، المعذرة إليك، والله ما تعمدته. فقلت له: ويحك فضحت الكسائي في تسع مسائل خطأته فيها بين يدي المهدي.
فقال له أبو إسحاق: كيف كان السبب؟ قال: كان انقطاعه إلى الحسن الحاجب أخي المفضل الحاجب مولى أمير المؤمنين، وكان انقطاعي إلى يزيد بن منصور الحميري خال أمير المؤمنين المهدي، وبه لقيت اليزيدي، فوصفني يزيد للمهدي ووصف الحسن الحاجب الكسائي فقال المهدي: اجمع بينهما فقلت للكسائي: أسألك أم تسألني؟ قال: سل. قال: قلت: كيف تقول: مررت حجاما برجل. قال: كما قلت. فقلت: أخطأت. فقال المهدي للكسائي: مكانك، أخبرني، أنت الحجام أم الرجل؟ لئن كنت الحجام فأقبح بهذه المسألة، أو يكون الحجام هو الرجل فهو أقبح منها أن تفرق بين الحجام ونعته فتقدمه. فقال الكسائي: العرب تفعل هذا، قالت:
لعزة موحشا طلل ...
стр. 131
فسكت المهدي حين سمع ذلك، فقلت ها هنا: ما يوحشك من هذا، إن ((مررت)) إذا جاءت أبدا لا تتعلق إلا باسم تخفضه، ولا يحال بينها وبين الخافض، وليس هذا في:
لعزة موحشا طلل ...
قال: فاشتهاها المهدي وقال: صدقت. واستخفني المهدي وضحك.
стр. 132
٨١- مجلس سيبويه مع محمد بن عبد الله الأنصاري
أبو علي عسل بن ذكوان العسكري قال: حدثنا أبو عثمان بكر بن محمد بن حبيب المازني قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قاضي البصرة قال:
سألت سيبويه: كيف تجمع الجواب؟ فقال: لا يجمع.
قال أبو عثمان: الجواب مصدر، والمصادر لا تجمع، ألا ترى أن جواب على مثال فسادٍ وصلاح، فكما لا يجمع الفساد والصلاح فكذلك لا يجمع الجواب مثله. وقد جمعت من المصادر أحرف قليلة، وليس يطرد عليه الباب، إلا أنه قد قيل: أمراضٌ وأشعار، وعقول، وألباب، وأوجاع، وآلام، فلا يحملنك هذا على أن تقيس فتجمع المصادر. فتقول: ضربته ضربا كثيرا، ولا تقول ضروبا كثيرة، ولو قلت ذلك لصارت أصنافا من الضرب.
قال: وقولهم كتاب الجوابات خطأٌ، وهو مولد. وكذلك أجوبة كتبي، وإنما يقال كتبت إليك فلم تجبني جواب كتابي.
стр. 133
٨٢-مجلس أبي عمرو بن العلاء مع رجل من أهل العلم
الرياشي العباس بن الفرج قال: حدثنا الأصمعي قال: سأل رجلٌ أبا عمرو بن العلاء عن مسألة فأجابه، ثم سأله عن مسألة أخرى فأجابه وأمسك السائل، فقال أبو عمرو متمثلا.
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأجرى أو تناهى فأقصرا
ولا أركب الأمر المغيب غيبه ... بعميائه حتى أروز وأنظرا
كما تفعل العشواء يركب دفها ... وتبرز دفا للمعاذير معورا
قال الرياشي: قلت للأصمعي: ما كانت المسألة؟ قال: سئل: هل تنزو الضبع؟ قال: يقال ملخ الضبعان الضبع، إذا نزا. فقال له: أفكل ذكرٍ هكذا ينزو؟ قال: لا، يقال تراصعت الطير، وتشابكت السباع وتعاظلت. والحافر ينزو، والإبل تضرب، وسفد الديك، وتقافطت الغنم، وتقامطت.
стр. 134
٨٣- مجلس الأعمش مع أبي عمرو بن العلاء
أبو سعيد الأشج قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: قال لي الأعمش في حديث عبد الله بن مسعود حين خرج على أصحابه فقال: إني لأعلم بمكانكم فما يمنعني من الخروج إليكم إلا مخافة أن أملكم، إن رسول الله ﷺ كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا. فقال له أبو عمرو بن العلاء، وكان إذ ذاك بالكوفة: إنما هو: ((يتخوننا بالموعظة)) . فقال الأعمش: ((يتخولنا)) فقال أبو عمرو: ((يتخوننا)) . فقال الأعمش: وما يدريك؟ فقال أبو عمرو، إن شئت أن أعلمك أن الله جل وعز لم يعلمك من العربية حرفاً واحداً أعلمتك. فسأل عنه الأعمش فأخبر بمكانه من العلم، فكان بعد ذلك يدنيه ويسأله عن الشيء إذا أشكل عليه.
стр. 135
٨٤- مجلس الأصمعي مع الفراء
عمر بن شبة قال: حدثني الخليل بن عمرو قال:
لقي الأصمعي الفراء على الجسر ببغداذ، فقال له: أسألك؟ فقال: سل يا أبا سعيد. فقال: ما معنى قول الشاعر:
أصم دعاء جارتنا تحجي ... لآخرنا وتنسى أولينا
فقال الفراء: صادفت قوما صما، كما قال الشاعر:
فأصممت عمرا وأعميته ... عن الجود والمجد يوم الفخار
أي صادفته أعمى. قال: وحكى الكسائي: دخلت بلدة فأعمرتها: وجدتها عامرة؛ ودخلت بلدة فأخربتها: وجدتها خرابا. فقال الأصمعي للفراء: أنت أعلم الناس. ومضى ولم يكلمه بعد.
стр. 136
٨٥- مجلس عبد الله بن إدريس الأودي مع يحيى بن آدم
أبو سعيد الأشج قال: كان عبد الله بن إدريس الأودي يذهب إلى تحريم النبيذ من بين أهل الكوفة، فقال ذات يوم: وددت أني وجدت فقيها يحاجني ألزمه الحجة في تحريمه. فحضره يحيى بن آدم فناظره في ذلك، وكان يحيى يذهب إلى تحليله، فقال له ابن إدريس: تترك الحديث فإنك تعارض بأحاديث التحليل، ولكن هلم النظر، ألست تقول: إنما يحرم السكر؟ قال: كذاك أقول. قال: يحرم القدح الذي منه يسكر الإنسان؟ قال: نعم. قال: فما تقول في رجل شرب تسعة أقداح من نبيذ فلم يسكر؟ قال: هذا حلال. قال: فإن شرب عاشرا فسكر، قال: هذا حرام ولو لم يتقدم العاشر تسعة أقداح قبله ما سكر منه. قال: فما تقول أنت في رجل له أربع نسوةٍ أيتزوج أخرى؟ قال: لا. قال: وما تقدم حلال؟ قال: نعم. قال: فلولا الأربع لم تحرم الخامسة. فقال: خدعتني. فقال له يحيى: قال رسول الله ﷺ : ((الحرب خدعة)) .
стр. 137
٨٦- مجلس أبي عاصم مع عبد الله بن المثنى وأبي عمر الضرير
عمر بن شبة قال:
سمعت أبا عاصم قال لعبد الله بن المثنى الأنصاري، وأبو عمر الضرير عنده: يا أبا عبد الله، ما تقول في رجل حضره الموت فقال: يقسم عني ألف درهم من دار سليمان بن ثوابة إلى دار بني عمير، أترى الدارين داخلة في هذه الصدقة؟ قال: لا أراها يا أبا عاصم، إنما قال: من إلى. فقال أبو عاصم: لكني أراهما داخلتين؛ لأن الله يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ . ألا إن المرفقين داخلان في الذراعين. فقال أبو عمر: القول ما قلت، وهو نظير قوله: أعطه من درهم إلى عشرة دراهم، والدرهم داخلٌ فيه.
стр. 138
٨٧- مجلس نصيب مع الكميت
حدثنا الرياشي قال: قال أبو كناسة: اجتمع نصيبٌ والكميت، فاستنشده نصيبٌ من شعره، فأنشده الكميت:
هل أنت عن طرب الأيفاع منقلب ...
حتى بلغ قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعةٌ ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب
فعقد نصيبٌ في يده واحدة، فقال الكميت: ما هذا؟ قال: أُحصي خطأك، تباعدت في قولك: ((الأنس والشنب)) ، ألا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء في شفتيها حوةٌ لعسٌ ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
ثم أنشد: أبت هذه النفس إلا ادكارا ...
فلما بلغ إلى قوله:
إذا ما الهجارس غنينها ... تجاوبن في الفلوات الوبارا
قال نصيب: الفلوات لا تسكنها الوبار. فلما بلغ إلى قوله:
стр. 139
كأن الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
قال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا قط! فانكسر الكميت وأمسك.
стр. 140
٨٨- مجلس الكسائي مع أبي الحسن المروزي
قال أبو عمر الدوري:
رأيت الكسائي وهو يسأل أبا الحسن المروزي وقد أقام أربعين سنة يختلف إلى الكسائي وهو يقول: كيف تقول: مررت بدجاجةٍ تنقرك أو تنقرك؟ فقال: تنقرك. فقال له الكسائي: استحييت لك، بعد أربعين سنة لا تعرف حروف النعت أنها تتبع الأسماء، تقول تنقرك من نعت الدجاجة! والكسائي ينقر أنفه ويعبث به.
стр. 141
٨٩- مجلس أبي توبة بن دراج مع الفراء
أبو توبة بن دراج: سألت الفراء عن الطلة فقال: مرأة الرجل طلته، وحنته، وربضه، وبيته، وطلبه، وخلبه. قال: ويقال للرجل هو طلب نساءٍ، وشيع نساء، وزير نساء. وأنشد:
وجمة تسألني أعطيت ... ولم تصرني حنةٌ وبيت
قال: الحنة: المرأة والبيت. لم تصرني، أي لم تملني لم تعطفني، ومنه ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ يقول: أملهن إليك. ومن قرأ ﴿فصرهن﴾ يقول: اقطعهن. والجمة: الجماعة التي تسأل في الدية، يقال لهم جمة.
قلت: زدني من هذا. قال: كل ما عطفك على شيءٍ فهو إصرٌ من عهدٍ أو رحم، فقد أصرك. ويقال: ما يأصرني عليه حق، أي يعطفني عليه. وقال النابغة:
أيا ابن الحواصن والحاصنات ... أتنقض إصرك حالا فحالا
يقول: أتنقض عهدك. ويقال: قطع الله إصرة ما بيننا. والصور أيضا: الميل يميل الرجل عنقه إلى الشيء. والنعت أصور. قال:
فقلت لها غضي فإني إلى التي ... تريدين أن أحبو بها غير أصورا
стр. 142
٩٠- مجلس الأصمعي مع شعبة بن الحجاج
حدثنا عمر بن شبة قال: قال الأصمعي: أنشدت شعبة بن الحجاج لفروة بن مسيك المرادي:
فما جبنوا أني أشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحس وتسفع
فقال شعبة: ما هكذا أنشدني سماك بن حرب، قال:
فما جبنوا أني أشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحش وتسفع
قال عمر: تحس: تقتل، من قوله جل وعز: ﴿إذ تحسونهم بإذنه﴾ ، وتحش: توقد. قال الأصمعي: قال لي شعبة: لو فرغت للزمتك.
وأنشدني سماك:
للمست بالوجعاء طعنة مرهب ... حران أو لثويت غير محسب
قال شعبة: ثم قال لي سماك: يا شعبة، تدري: ما غير محسب؟ قال: قلت: لا. قال: أي غير مكرم؛ يقال لم يحسبوا ضيفهم، أي لم يكرموه.
стр. 143
٩١- مجلس أبي عمرو بن العلاء مع رجل من أهل المدينة
حدثنا أبو هفان قال: قال مصعب الزبيري: أنشد رجلٌ من أهل المدينة أبا عمرو بن العلاء قول ابن قيس:
إن الحوادث بالمدينة قد ... أوجعنني وقرعن مروتيه
فانتهره أبو عمرو وقال: ما لنا ولهذا الشعر الرخو، إن هذه الهاء لم تدخل في شيء من الكلام إلا أرخته. فقال المدني: قاتلك الله، ما أجهلك بكلام العرب! قال الله جل وعز في كتابه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ، و ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ. وَلَمْ أدر ما حسابيه﴾ وتعيبه. فانكسر أبو عمرو انكسارا شديدا.
قال أبو هفان: وأنشد هذا الشعر عبد الملك بن مروان فقال: أحسنت يا بن قيس لولا أنك خنثت قوافيه! فقال: يا أمير المؤمنين، ما عدوت قول الله تعالى في كتابه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ. هَلَكَ عني سلطانيه﴾ . فقال له عبد الملك: أنت في هذا أشعر منك في شعرك.
стр. 144
٩٢- مجلس أبي مسلم صاحب الدولة مع معاذ بن مسلم
حدثنا الحسن بن الحسن بن محمد الشيباني، عن محمد بن أنس قال:
دخل أبو مسلم عبد الرحمن صاحب الدولة، قبل أن يرتفع حاله، إلى معاذ بن مسلم الهراء النحوي، فسمع معاذا يناظر رجلا في النحو فقال لمعاذ: كيف تقول من ﴿تؤزهم أزاً﴾ يا فاعل افعل، وصلها بيا فاعل [افعل] من إذا الموءودة سئلت: فأجابه الرجل فسمع كلاما لم يعرفه، فقام من عندهم، وأنشأ يقول:
قد كان أخذهم في النحو يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزنج والروم
لما سمعت كلاما لست أعرفه ... كأنه زجل الغربان والبوم
تركت نحوهم والله يعصمني ... من التقحم في تلك الجراثيم
стр. 145
فأنشدوه الشعر فقال معاذ:
عالجتها أمرد حتى إذا ... شبت ولم تحكم أباجادها
سميت من يبصرها جاهلا ... يصدرها من بعد إيرادها
سهل منها كل مستصعبٍ ... طودٍ علا أقران أطوادها
следующие страницы →