← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلو قلت: (الجسم إما غيرُ أبيض وإما غيرُ أسود) واستثنيت نقيض المقدم فقلت: (لكنه أبيض) أنتج عين التالي، الذي هو (غير أسود)؛ لأن الأبيض غير أسود بالضرورة. وكذلك لو استثنيت نقيض التالي فقلت: (لكنه أسود) أنتج عين المقدم، الذي هو (غير أبيض)؛ لأن الأسود غير أبيض ضرورة. وكذلك لو استثنيت عين التالي فقلت: (لكنه غير أسود) لم يُنتج شيئًا؛ لأن غير الأسود صادق بالأبيض وغير الأبيض، وهكذا. وهذه العجالة هي التي أردنا أن نذكرها قبل الشروع في أدب البحث والمناظرة؛ لأن أدب البحث والمناظرة لا يفهمه إلا من له إلمام بما ذكرنا في هذه العجالة. (وبالله التوفيق). وبهذا ينتهي مقرر السنة الأولى وسيأتي مقرر السنة الثانية من قواعدِ ومباحث أدب البحث والمناظرة إن شاء الله -تعالى-.

стр. 142

آداب البحث والمناظرة تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ) تحقيق سعود بن عبد العزيز العريفي إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد القسم الثاني البحث والمناظرة

стр. 143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ آداب البحث والمناظرة اعلم أولًا أن البحث في اللغة الفحص والتفتيش. ومنه قوله -تعالى-: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، والمتناظران كل منهما يفحص ويفتش عما يصحح به حجته ويبطل به حجة خصمه. والمناظرة: مفاعلة على بابها من اقتضاء الطرفين، وهي من النظر أو النظير، وكلاهما معروف لغة. والنظر في الاصطلاح: هو الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن. وقد قدمنا تعريفه وتعريف الفكر في الاصطلاح (١). فالمناظرة في اللغة: المقابلة بين اثنين كل منهما ينظر إلى الآخر، أو كل منهما ينظر بمعنى يفكر، والفكر هو المؤدي إلى علم أو غلبة ظن. وهي في الاصطلاح: المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق، فكأنها بالمعنى الاصطلاحي مشاركتهما في النظر الذي هو الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن ليظهر الصواب. والأصل في مشروعيتها قوله -تعالى-: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

стр. 144

[النحل / ١٢٥] وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] وقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣]. فأقل مراتب حكمها الجواز إن كانت على الوجه المطلوب، وقيل بعضهم باستحبابها. وقيل إن القدر الذي يلزم لإبطال شبه خصوم الحق فرض كفاية، وليس ببعيد والله أعلم. وموضوع هذا الفن: الأبحاث الكلية التي تندرج تحتها أبحاث جزئية من حيث هي موجهة مقبولة، أو غير مقبولة، فالأبحاث الكلية: كالمناقضة والنقض والمعارضة الكليات (١). والأبحاث الجزئية المندرجة تحت هذه: كمعارضة دليل بعينه، وكنقض دليل خاص. وقبول ذلك وعدمه يعرف من هذا الفن، فكل نقض بالتخلف أو استلزام الفساد، فهو وظيفة مقبولة، وكل إفساد للمقدمة، قبل إثباتها مع إقامة دليل الإفساد فهو غصب غير مقبول. وقد علمت معنى الموضوع في المقدمة (٢)، وبه تعلم أن موضوع كل فن ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كما أشرنا له الآن بالأمثلة (٣)، فموضوع علم الطب بدن الإنسان، وموضوع الحساب

стр. 145

الأعداد، وموضوع الفرائض التركات، وهكذا. وموضوع هذا الفن الأبحاث الكلية المشتملة على الأبحاث الجزئية من حيث إنها موجهة مقبولة، أو غير موجهة ولا مقبولة.

стр. 146

فصل في تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب وبيان ما تجري فيه المناظرة وما لا تجري فيه اعلم أن الكلام ينقسم إلى مفرد ومركب، وقد أوضحناهما فيما سبق في المقدمة المنطقية (١). والمفرد لا تجري فيه المناظرة، وقد يجري فيه الاستفسار إن كان غريبًا. والمركب الناقص كالتقييدي تجري فيه المناظرة بشرط أن يكون قيدًا للقضية. والمركب التقييدي كالحيوان الناطق. والمركب الإنشائي التام كحملة الأمر والنهي والاستفهام والتمني ونحو ذلك: إن جاء به المتكلم من قبل نفسه فإنه لا تجري فيه المناظرة، وإن نقله عن غيره طولب بتصحيح النقل، فإن صححه خرج من العهدة، وهذا هو الأظهر؛ لأن الأحاديث النبوية التي يطالب من حَدَّث بها بتصحيحها منها ما معناه إنشائي كما هو معلوم، خلافًا لجماعة قالوا: إن المركب الإنشائي لا يكون محلًا للبحث أصلًا، ولا يكون منقولًا حتى يطالب صاحبه بتصحيح النقل، والأول هو الصواب إن شاء الله -تعالى-. وأما المركب الخبري التام -وهو ما قدمنا أنه هو المسمى بالتصديق، وبالقضية، وأوضحنا معناه في المقدمة (٢) عند النحويين،

стр. 147

والبلاغيين، والمنطقيين، وما يسميه به كل منهم- فهو محل البحث والمناظرة، وعليه ترد اعتراضات المعترض، وإجابة المجيب، كما سترى تفاصيله إن شاء الله تعالى. واعلم أن التعريفات والتقسيمات قد تجري فيها المناظرة، فإن قيل: كيف جرت فيها وهي لا تخلو أن تكون من قبيل المفرد أو المركب الناقص؟ فالجواب أن المناظرة إنما جرت فيها من حيث إنها متضمنة مركباتٍ خبريةً تامة. وإيضاح ذلك في التعريف أنك لو عرفت الإنسان مثلًا بأنه هو "الحيوان الناطق" فهذا المركب التقييدي -الذي هو "الحيوان الناطق" الذي هو في قوة المفرد؛ لأنه يساوي الإنسان، ومساوي المفرد مفرد- يتضمن مركبات خبرية تامة، فكأَنك ادعيت في ضمن ذلك التعريف الدعاوى الآتية: الأولى: أن هذا التعريف حدٌّ لا رسم. والثانية: أنه مؤلف من الذاتيات، لا العرضيات. والثالثة والرابعة: أنه مانع من دخول غير المحدود، جامع لجميع أفراد المحدود. والخامسة: أنه لا يستلزم شيئًا من أنواع المحال، كالدور السبقي والتسلسل ونحو ذلك. فجريان المناظرة في التعريف باعتبار هذه القضايا الخبرية التامة التي تضمنها التعريف، وقد تقدم جميع إيضاحها في المقدمة

стр. 148

المنطقية (١). وأما إيضاح ذلك في التقسيمات فإنك لو قسمت كليًّا إلى جزئياته فقلت مثلًا: الجسم إما متحرك أو ساكن، فكأنك ادعيت في ضمن هذا التقسيم الدعاوى الآتية: الأولى: أن هذا التقسيم حاصر لجميع أنواع المقسَّم، بمعنى أنه لا يوجد جسم خال من الحركة أَو السكون أو متصف بهما معًا في وقت واحد. والثانية: أن الأقسام المذكورة كل واحد منها أخص مطلقًا من المقسَّم؛ لأنه لو لم يكن أخص منه لما صح انقسامه إليه وإلى غيره. والثالثة: أن كل واحد من تلك الأقسام مباين للآخر، فلا مساواة بين اثنين منهما، ولا عموم مطلقًا، ولا من وجه، ولا خصوص مطلقًا، ولا من وجه. الرابعة: أنه لا يدخل في التقسيم شيء مما ليس من أنواع المقسَّم. فجريان المناظرة في التقسيمات باعتبار هذه المركبات الخبرية التامة التي تضمنها التقسيم. وبما أوضحنا تعلم أن حاصل المناظرة في التعريف والتقسيم الاعتراض على تلك الدعاوى الضمنية؛ كأن يُدّعى في التعريف أنه غير

стр. 149

جامع مثلًا، أو يدعى في التقسيم أنه غير حاصر، أو أن بعض الأقسام ليس أخصّ مطلقًا من المقسَّم، أو أَن بعضها لا يباين بعضًا، وهكذا. فتحصّل أن محل المناظرة ثلاثة أقسام: الأول: المركب الخبري التام، وهو محلها الأصلي. الثاني: التقسيم. الثالث: التعريف، وقد أوضحنا وجهة المناظرة فيهما آنفًا.

стр. 150

فصل في التقسيم اعلم أولًا أن الشيء المنقسم يسمى مقسَّمًا، وموردَ القسمة، والأجزاءُ المنقسم هو إليها تسمى أقسامًا، وكل قسم بالنسبة إلى الآخر يسمى قسيمًا له. والأجزاء الداخلة في المقسَّم ولم تذكر في الأقسام تسمى واسطة. والتقسيم في اللغة: جعل الشي أقسامًا، أي أجزاء. وهو في اصطلاح أهل هذا الفن ينقسم إلى نوعين: الأول: تقسيم الكل إلى أجزائه. الثاني: تقسيم الكلي إلى جزئياته. أما تقسيم الكل إلى أجزائه فهو تحصيل الحقيقة المركبة بذكر جميع أجزائها التي تتركب منها، كقولك: الكرسي خشب ومسامير، والشجرة جذع وأغصان. وأما تقسيم الكلي إلى جزئياته، فضابطه ذكر أفراد الكلي التي هو قدر مشترك بينها بأداة تقسيم كـ "إما" و"أو"، بشرط كون الأفراد متباينة أو متخالفة (١).

стр. 151

كقولك: المعلوم إما موجود أو معدوم، والعدد إما زوج أو فرد، وقد قدمنا في المقدمة المنطقية إيضاح الكل والكلي والجزء والجزئي، وأوضحنا الفوارق بين تقسيم الكل إلى أجزائه والكلي إلى جزئياته فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١). واعلم أن تقسيم الكلي إلى جزئياته يشمل تقسيماتٍ متعددةً باعتبارات مختلفةٍ، فيقسم باعتبار تباين الأقسام وتخالفها، إلى حقيقي واعتباري. أما التقسيم الحقيقي فهو ما كانت الأقسام فيه متباينة في المفهوم والماصدق، أعني تباينها في العقل والخارج معًا. وإيضاحه أن يكون العقل حدَّ لكم قسم من تلك الأقسام حقيقة تُباينُ حقيقة ما سواه، وبها يتميز عن غيره من الأقسام، ولا يكون في الخارج شيء واحد من تلك الأقسام يمكن أن تتحقق فيه الحقائق المتباينة، ولو باعتبارات مختلفة، كتقسيم العدد إلى زوج وفرد، والجسم إلى متحرك وساكن، فإن الزوج يباين الفرد مفهومًا وماصدقًا، والسكون يباين الحركة مفهومًا وماصدقًا، فتقسيم العدد إلى فرد وزوج، والجسمِ إلى متحرك وساكن، ونحوُ ذلك هو المسمى بالتقسيم الحقيقي. وأما التقسيم الاعتباري فهو ما كانت الأقسام فيه متخالفة -أي متباينة- في المفهوم دون الماصدق، أعني تباينها في العقل وحده دون

стр. 152

الخارج؛ لإمكان أن يوجد في الخارج شيء واحد تتحقق فيه حقائق الأقسام المختلفة في المفهوم باعتبارات مختلفة. ومثاله ما يسمى في الاصطلاح بالنوع الإضافي، وقد أوضحناه فِيما مضى (١)، كالحيوان مثلًا فإنه جنس بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد كالإنسان والفرس مثلًا، وهو نوع بالنسبة إلى ما فوقه كالنامي؛ لأن الحيوان نوع من جنس النامي، ونوعه الآخر النبات؛ لأنه نامٍ، أي يكبُر تدريجيًّا، وكالنامي؛ فإنه جنس بالنسبة إلى ما تحته من الأفراد كالحيوان والنبات، ونوع بالنسبة إلى ما فوقه كالجسم؛ لأن منه ناميًا وغير نام كالحجر. فلو قسّمت الحيوان فقلت: الحيوان إما جنس وإما نوع، تعني بكونه جنسًا إضافته إلى ما تحته، وبكونه نوعًا إضافته إلى ما فوقه، فهذا التقسيم يسمى تقسيمًا اعتباريًّا؛ لأنك قسمت الحيوان فيه إلى جنس ونوع باعتبارين مختلفين. والجنس والنوع في هذا المثال مختلفان في المفهوم؛ لأن النوع يغاير مفهومُه مفهومَ الجنس كما تقدم إيضاحه في الكليات الخمس (٢)، فقسما هذا التقسيم مختلفان في المفهوم، ولكنهما في هذا المثال المذكور متحدان في الماصدق، لأن عين المراد بالجنس فيه هو عين المراد بالنوع فيه، فالمراد بهما معًا إنما هو الحيوان، ولكنه صار جنسًا باعتبار، ونوعًا باعتبار آخر، فتغاير المفهوم بالاعتبارين، والماصدق واحد.

стр. 153

وكما لو قلت: النامي إما جنس وإما نوع، تعني بكونه جنسًا إضافته إلى ما تحته كالحيوان والنبات، وبكونه نوعًا إضافته إلى ما فوقه كالجسم، وهكذا. قال بعضهم: ألا ترى أن الملون جنس بالنسبة إلى الأسود والأحمر مثلًا، فتقول في تعريف الأحمر: هو الملون بالحمرة. وهكذا، مع أن الملّون نوع بالنظر إلى المكيف؛ لأن المكيف يتنوع إلى ملون ومشموم وملموس ونحو ذلك. وهو أيضًا فصل بالنظر إلى الكثيف؛ لأنه يميز الكثيف عن اللطيف؛ لأنك تقول في تعريف الكثيف: هو جسم ملون. والملوّن أيضًا خاصةٌ بالنظر إلى الجسم؛ لأن ما ليس بجسم كالهواء (١) لا يكون ملونًا. والملون أيضًا عرض عام بالنسبة إلى الحيوان؛ لأن الجمادات ملونة أيضًا. فصح في الملون أنه جنس باعتبار، ونوع باعتبار، وفصل باعتبار، وخاصة باعتبار، وعرض عام باعتبار، ومعلوم أن كل واحد من هذه الكليات الخمس يخالف غيره منها في المفهوم كما أوضحناه في تعريفنا لكل واحد منها في المقدمة المنطقية (٢)، مع أن المقصود بجميعها لا يختلف في الماصدق؛ لأن المراد بها كلِّها الملونُ، فلو قلت: الملون إما جنس، وإما نوع، وإما فصل، وإما خاصة، وإما

стр. 154

عرض عام، فهذه الأقسام التي قسمت إليها الملون مختلفة في المفهوم، متحدة في الماصدق، وإذن فهذا التقسيم اعتباري لا حقيقي. وبما ذكرنا تعلم أن التباين في اصطلاح أهل هذا الفن هو المخالفة في المفهوم والماصدق معًا. وأن التخالف هو المخالفة في المفهوم فقط دون الماصدق، وقد قدمنا أنواع التباين في اصطلاح المنطقيين، وأنه ينقسم إلى تباين مخالفة وتباين مقابلة، وأوضحنا جميع أقسام كل (١). واصطلاحات الفنون قد تختلف في الشيء الواحد. وينقسم التقسيم بالنظر إلى طريق حصر المقسَّم إلى قسمين: عقلي واستقرائي. وإيضاحه أنه لا طريق يعرف بها الحصر المذكور إلا العقل والاستقراء، ولا ثالث البتة. فإن كان طريق الحصر العقلَ فهو تقسيم عقلي، وإن كان طريقه الاستقراءَ فهو تقسيم استقرائي. واعلم أن ضابط التقسيم العقلي هو تقسيم المقسَّم إلى الشيء ونقيضه، أو إلى الشيء ومساوي نقيضه، فمثال تقسيمه إلى الشيء ونقيضه كقولك: العدد إما زوج وإما ليس زوج. والمعلوم إما موجود أو ليس بموجود؛ لما قدمنا من أن النقيضين هما السلب والإيجاب.

стр. 155

ومثال تقسيمه إلى الشيء ومساوي نقيضه قولك: العدد إما زوج وإما فرد، لأن لفظة (فرد) مساوية لـ (ليس بزوج)؛ لأن العقل يحكم بمجرد النظر في حصر الأقسام في الشيء ونقيضه، إذ لا واسطة بين النقيضين البتة، وكذلك: الشيء ومساوي نقيضه، فالعقل يحكم بمجرد النظر فيهما بحصر الأقسام فيهما. وما يزعمه بعض المتكلمين (١) من أن ما يسمونه الحال المعنوية واسطةٌ ثبوتية بين المعدوم والموجود، فلا هي موجودة على الحقيقة، ولا هي معدومة على الحقيقة، لا شك في أنه باطل، وأنه من الأوهام الخيالية التي لا أساس لها من الحقيقة. ولا شك أن العقل الصحيح يحكم بالحصر القطعي في الشيء ونقيضه أو مساوي نقيضه كما ذكرنا. واعلم أن التقسيم العقلي قد يتعدد فتكون الأقسام أكثر من اثنين، كقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥] فإنه يتضمن تقسيمين عقليين قطعييين، وبهما تكون الأقسام ثلاثة. وإيضاحه أن تقول: إما أن يكون خلْقُهم صدر من خالق هو خالقهم، أو لم يصدر من خالق أصلًا، وهذا تقسيم عقلي قطعي، منحصر في النقيضين المذكورين، ثم تُقسم أحد القسمين تقسيمًا عقليًّا

стр. 156

آخر فتقول: وعلى فرض أنهم خلقهم خالق فلا يخلو: إما أن يكون ذلك الخالق هو أنفسهم، أو ليس بأنفسهم، [فصح] (١) بالحصر العقلي انحصار الأقسام في ثلاثة: الأول: أنهم خلقوا من غير شيء خالق لهم. الثاني: أنهم خلقهم خالق هو أنفسهم. الثالث: أنهم خلقهم خالق غير أنفسهم. ومعلوم بطلان القسمين الأولين، وصحة الثالث كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله -تعالى-. وأما التقسيم الاستقرائي الذي هو ما كان حصر المقسم في أقسامه فيه بطريق الاستقراء فهو ما لا يحكم العقل فيه بحصر، ولكن صاحب التقسيم استقرأ الأقسام أي تتبعها حتى علم بالتتبع والاستقراء أنه لم يبق قسم فِي الخارج غير ما ذكر. كقولهم العنصر: إما ماء، وإما تراب، وإما هواء، وإما نار، وزعموا أنهم استقصوا تتبع أقسام العنصر فلم يجدوا له في الخارج من الأقسام إلا هذه الأربعة، مع أن العقل يجوز وجود غيرها من الأقسام. وكقولهم: الكلمة إماسم، وإما فعل، وإما حرف. وكقولهم: المبتدأ إما ظاهر، وإما مضمر.

стр. 157

وكقولهم: الخبر إما مفرد، أو جملة، أو شبه جملة، كالظرف والجار والمجرور، ونحو ذلك. فتتبع الأفراد الخارجية حتى لم يبق منها فرد هو الحصر الاستقرائي. وأصل الاستقراء من قولهم: استقريت البلد، إذا تتبعته قرية قرية. واعلم أن الحصر في التقسيم قد يكون قطعيًّا وقد يكون ظنيًّا، فالعقلي قطعي مطلقًا، والاستقرائي قد يكون قطعيًّا، كقولنا الخبر إما مفرد أو جملة أو شبه جملة؛ لأنا نقطع أن تتبع أفراد الخبر الخارجية يعلم به أنه ليس قسم رابع للخبر، وقد يكون ظنيًّا. تنبيه: اعلم أن الأصل في التقسيم العقلي أن يؤتى به عن طريق الترديد بين النفي والإثبات، كما قدمنا من أن أصله التقسيم إلى الشيء ونقيضه، والنقيضان هما النفي والإثبات، كقولك: المعلوم إما موجود وإما لا. وأما التقسيم الاستقرائي فالأصل فيه ألا يكون بالترديد بين النفي والإثبات، كما قدمنا في المثال بالعناصر وأقسام الكلمة وأقسام المبتدأ وأقسام الخبر. وقد يعرض لصاحب التقسيم عارض يستوجب إيراد الاستقرائي على طريق إيراد العقلي، وذلك كقصد ضبط الأقسام ومنع انتشارها، كقولهم: العنصر إما تراب أو لا، وهذا إما ماء أو لا، وهذا إما هواء أو لا، وهو النار.

стр. 158

والقسم الأخير في هذا النوع يكون أعم من نفس المراد به؛ لأن نقيض الهواء أعم من النار كما ترى. وكقولهم الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها وإما لا، والثاني هو الحرف، والأول إما أن يكون الزمن جزءًا من مفهومه وإما لا، الأول الفعل، والثاني الاسم. فنحو هذا من التقسيم الاستقرائي جيء به على صورة التقسيم العقلي بين الإثبات والنفي للعارض المذكور. فإذا جاء صاحب التقسيم بكل نوع من هذين النوعين على ما هو الأصل فيه لم يلتبس أحدهما بالآخر، وإذا جاء بالاستقرائي في صورة العقلي، أو بالعقلي في صورة الاستقرائي التبس أحدهما بالآخر. والتباس الاستقرائي بالعقلي يضر صاحبه؛ لأن خصمه يتوهم أن التقسيم عقلي فيعترض عليه بتجويز العقل قسمًا آخر، الذي هو مفروض في الاستقرائي، فيضطر إلى بيان أنه استقرائي جيء به في صورة العقلي. بخلاف التباس العقلي بالاستقرائي، فلا يضر؛ لأن العقل فيه لا يجوّز قسمًا آخر. وزاد بعض أهل هذا الفن التقسيم الجعلي والقطعي: أما الجعلي فكتقسيم المؤلف كتابًا أبواب الكتاب أو فصوله إلى عشرة مثلًا، فالمؤلف هو الذي جعل الأقسام عشرة، فهو جعلي بالنسبة إليه، واستقرائي بالنسبة إلى قارئ الكتاب.

стр. 159

وأما القطعي فهو ما كان قطع العقل فيه بنفي قسم آخر مستندًا إلى دليل أو تنبيه، ومثاله أن يدل على الحصر المذكور إجماع شرعي، ومثل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به، فإن علة الإجبار إما البكارة، وإما الجهل بالمصالح، فإن قال المعترض: أين دليل الحصر في الأمرين؟ أجيب بأنه هو الإجماع على عدم التعليل بغيرهما، فإسناد التقسيم المذكور إلى الإجماع صغيّره قطعيًّا، ومعلوم أن التقسيم القطعي أعم من هذا التقسيم، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح.

стр. 160

فصل في شروط صحة التقسيم أما تقسيم الكل إلى أجزائه فيشترط الصحته شرطان: الأول: أن يكون حاصرًا لجميع الأجزاء التي تركب منها الكل، مانعًا من دخول قسم آخر ليس من أقسام المقسَّم. الثاني: أن يكون كل قسم مباينًا لما عداه من الأقسام، ومباينًا أيضًا للمقسَّم بالنظر إلى الحَمل لا بالنظر إلى التحقق. ومثال ما استوفى الشرطين قولك: الكرسي خشب ومسامير؛ لأن أجزاء الكرسي منحصرة في الخشب والمسامير، ولا يدخل فيها قسم آخر من غير أقسام الكرسي، والمسامير مباينة للخشب، وهي والخشب كلاهما مباين للكرسي بالنظر إلى الحمل، إذ لا يجوز أن تقول: المسامير كرسي، ولا الخشب كرسي، مع أنه إذا تحقق الكرسي في الخارج تحققت أجزاؤه ضرورة، وهي الخشب والمسامير، وذلك هو معنى قولنا: لا بالنظر إلى التحقق. وأما تقسيم الكلي إلى جزئياته فيشترط الصحته ثلاثة شروط: الأول: أن يكون حاصرًا لجميع أقسام المقسَّم، بمعنى كونه جامعًا للأقسام العقلية كلها إن كان التقسيم عقليًّا، وجامعًا لما جميع الأقسام الموجودة في الخارج إن كان استقرائيًّا، وأن يكون مانعًا من دخول قسم من غير أقسام المقسم. الشرط الثاني: أن يكون كل قسم منها أَخصَّ مطلقًا من المقسَّم،

стр. 161

فلا يجوز أن تكون النسبة بينه وبين واحد منها المساواة، أو العمومَ والخصوصَ من وجه، أو العمومَ والخصوصَ المطلقَ إن كان القسم أعمَّ مطلقًا من المقسَّم، فإن كان أخصَّ منه مطلقًا فهو الشرط المطلوب. الشرط الثالث: أن يكن كل قسم من الأقسام مباينًا لما سواه منها، فلا يصح كون بعض الأقسام مساويًا لبعضها أو أعمَّ مطلقًا أو من وجه أو أخصَّ مطلقًا أو من وجه منه. وقد قدمنا أن التباين في التقسيم العقلي لا بد أن يكون في العقل والخارج معًا، وأنه في التقسيم الاعتباري يكون في العقل دون الخارج. ومثال التقسيم العقلي المستوفي للشروط الثلاثة قولك: (الممكن إما موجود أو ليس بموجود)، فهذا التقسيم حاصر لأقسام المقسّم العقلية، مانع من دخول غيرها، فالمقسم في هذا المثال هو الممكن، وأقسامه العقلية منحصرة في كونه موجودًا أو ليس بموجود، ولا يدخل فيهما قسم لغير هذا المقسم، ولا يخرج عنهما قسم منه؛ لأن العقل يحصر الأقسام في الشيء ونقيضه؛ إذ لا واسطة بين النقيضين، والموجود وما ليس بموجود كلاهما أخص من الممكن؛ لصدقه بكل واحد منهما، والموجود وما ليس بموجود يباين كل منهما الآخر عقلًا وخارجًا. ومثاله في الاستقرائي تقسيم العنصر إلى الأقسام الأربعة، وهو واضح مما ذكرنا.

стр. 162

وإذا استكمل التقسيم بنوعيه الشروط المذكورة كان تقسيمًا صحيحًا، وإذا اختل شرط منها لم يكن صحيحًا، وورد عليه الاعتراض من جهة اختلاله. ومثال اختلال شرط الجمع قولك: (الحيوان إما ناطق وإما صاهل)؛ لأن هذا التقسيم غير حاصر؛ لأنه لم يشمل الناهق ونحوه. ومثال اختلال المنع قولك: (الحيوان إما أبيض وإما ناطق وإما صاهل. إلخ. . .)؛ لدخول الثلج ونحوه في قسم الأبيض مع أنه ليس من أقسام الحيوان. ومثال اختلال شرط كون كل قسم أخص مطلقًا من المقسَّم مع مساواته له قولك: (الحيوان إما حساس وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ لأن الحساس يساوي المقسم الذي هو الحيوان في المثال المذكور. ومثاله مع كون بعض الأقسام أعم من المقسم قولك: (الحيوان إما نام وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ لأن النامي أعم من المقسم الذي هو الحيوان في هذا المثال. ومثاله مع كونه أعم من وجه وأخص من وجه قولك: (الحيوان إما أبيض وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ لأن قسم الأبيض أعم من المقسم الذي هو الحيوان في المثال من وجه، وأخص منه من وجه، فيجتمعان في الحيوان الأبيض كالديك الأبيض، وينفرد الحيوان عن الأبيض في الحيوان الأسود كالغراب، وينفرد الأبيض عن الحيوان في الثلج والعاج ونحوهما.

стр. 163

ومثاله مع كون بعض الأقسام مباينًا للمقسم قولك: (الحيوان إما حجر وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ لأن قسم الحجر يباين المقسم الذي هو الحيوان في المثال المذكور. ومثال اختلال شرط مباينة بعض الأقسام بعضًا مع المساواة بين اثنين منها قولك: (الحيوان إما ناطق وإما بشر وإما صاهل وإما ناهق) إلخ؛ فإن قسم الناطق وقسم البشر متساويان في الماصدق. ومثاله مع العموم والخصوص المطلق قولك: (الحيوان إما حساس وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ فإن قسم الحساس أعم مطلقًا من الناطق والصاهل، وهما أخص منه مطلقًا؛ لصدق الحساس بهما وبغيرهما. ومثاله مع العموم والخصوص من وجه قولك: (الحيوان إما أسود وإما ناطق وإما صاهل) إلخ؛ فإن قسم الأسود أعم من وجه من الناطق والصاهل، وأخص منهما من وجه، يجتمعان في الإنسان الأسود والفرس الأسود، وينفرد الناطق والصاهل عن الأسود في الإنسان والفرس الأبيضين، وينفرد الأسود عنهما في الغراب والفحم ونحو ذلك. والقصد مطلق المثال، والمثال لا يعترض بأن الأسود كما أن بينه وبينهما العمومَ والخصوصَ من وجه أنه كذلك في المقسم، فبين الأسود والمقسم الذي هو الحيوان في المثال المذكور عموم وخصوص من وجه أيضًا كما هو واضح؛ إذ لا مانع من تداخل الأمثلة وكون المثال الواحد صالحًا لشيئين فأكثر.

стр. 164

فصل في بيان أوجه الاعتراض على التقسيم وبيان طرفي المناظرة في التقسيم اعلم أولًا أنه قد اشتهر عند علماء هذا الفن أن الذي يعترض على التقسيم بأحد وجوه النقض الآتية يسمى مستدِلًا، وأن صاحب التقسيم أو الذي يبين بطلان الاعتراضات عليه يسمى مانعًا، عكس الاصطلاح الأصولي المعروف، ولا مشاحة في الاصطلاح. وقد عرفت مما قدمنا أن تقسيم الكلي إلى جزئياته تشترط لصحته ثلاثة شروط، وقد قدمناها قريبًا موضحة، وأن تقسيم الكل إلى أجزائه له شرطان، وقد قدمناهما موضحين قريبًا، وبينا أن الاعتراض على التقسيم إنما يتوجه بسبب اختلال أحد الشروط المذكورة، وقد قدمنا أمثلة اختلالها، وورود الاعتراض على التقسيم بسبب اختلال أي واحد من الشروط، ومثلنا لذلك كله في تقسيم الكلي إلى جزئياته، وسنذكره مع المثال هنا في تقسيم الكل إلى أجزائه. وإيضاحه أنك قد علمت مما مر أن الشرطين المشترطين لصحة تقسيم الكل إلى أجزائه: الأول منهما كونه جامعًا مانعًا، والثاني كون كل قسم من أقسامه مباينًا لما عداه منها، ومباينًا أيضًا للمقسم بالنظر إلى الحمل، لا بالنظر إلى التحقق، وبذلك تعلم أن الاعتراض يتوجه إليه باختلال أحد الشرطين، كان يكون غير جامع أو غير مانع، أو يكون بعض أقسامه غير مباين لبعض، أو غير مباين للمقسم من حيث الحمل.

стр. 165

فمثال ورود الاعتراض عليه بكون غير جامع قولك في كرسي مركب من ذهب وخشب ومسامير: (هذا الكرسي ذهب ومسامير)؛ لأن ذلك لم يشمل الجزء الخشبي، فهو غير جامع لجميع الأجزاء التي هي أقسامه. ومثال كونه غير مانع قولك: (الكرسي: المتحيز [و] (١) المسامير)، تعني: الجزء الخشبي ومسامير؛ لأن لفظ المتحيز وإن كان صادقا بالجزء الخشبي فإنه لا يمنع غير أجزاء الكرسي من الدخول كالحجر لأنه متحيز. ومثال توجه الاعتراض إليه بكون بعض الأقسام غير مباين لبعضها الآخر قولك في كرسي مركب من خشب وصفائح حديد ومسامير: (هذا الكرسي قطع حديد -تعني الصفائح- وخشب ومسامير)؛ لأن قطع الحديد لا تباين المسامير؛ لأن كل واحد منها قطعة من حديد في الجملة، وإن كانت قطع الحديد المذكورة تختلف هيآتها؛ لأن اختلاف الهيآت لا يغير الحقيقة، فلا شك في أنه يصدق على كل من الصفائح والمسامير أنه قطع من حديد. ومثال توجه الاعتراض عليه بكون بعض الأقسام غير مباين للمقسَّم من حيث الحمل قولك: (الكرسي مسامير وشيء يجلس عليه) تعني الجزء الخشبي؛ لجواز الحمل في قولك الكرسي شيء يجلس عليه.

стр. 166

فصل في الأجوبة عن الاعتراضات الموجهة إلى التقسيم وهي راجعة إلى ما يسمونه تحرير المراد، وضابطه عندهم أن يوضح صاحب التقسيم مراده الذي قصده في تقسيمه بما يدفع عنه الاعتراض، وهو أربعة أنواع: الأول: تحرير المراد من المقسَّم؛ بأن يوضِّح أنه قصد به معنًى لا يتوجه إليه الاعتراض، وأنه غير المعنى الذي ظنه السائل. ومن أمثلته أن يقول صاحب التقسيم: الكلمة إما اسم أو فعل. فيعترض المستدل هذا التقسيم فيقول: هو تقسيم استقرائي غير حاصر للأقسام الموجودة في الخارج؛ لأنه لم يشمل الحرف، وهو قسم من أقسام الكلمة، وكل تقسيم غيرُ جامع -أي حاصر لجميع الأقسام- فهو فاسد. فيجيب صاحب التقسيم -فيقول: أمنعُ كونه غيرَ حاصر- بتحرير مراده، ويوضح أن مراده بالمقسَّم الذي هو الكلمة في المثال المذكور معنى خاص، وهو ما دل عليه معنى في نفسه، والحرف لا يدل على معنى في نفسه بل في غيره، وحصر أقسام المقسَّم حاصل على المعنى الذي قصده، وبين أنه هو مراده، فيندفع عنه الاعتراض بتحرير مراده في المقسم. النوع الثاني: تحرير المراد من الأقسام. ومثاله أن يقول صاحب التقسيم: الإنسان إما ذكر وإما أنثى.

стр. 167

فيقول المستدل: هذا تقسيم استقرائي غير جامع للأقسام الموجودة في الخارج؛ لأنه لا يشمل الخنثى المشكل، وهو قسم من أقسام الإنسان موجود في الخارج. فيجيب صاحب التقسيم فيقول: أمنع كونه غير جامع؛ لأني أردت بتقسيمي الأقسام المشهورة الغالبة في الوجود، ولم أرد ما يشمل القسم النادر وجوده الذي لا يكاد يخطر بالبال في أغلب الأوقات، وتقسيمي حاصر على ما أوضحت من مرادي بالأقسام. النوع الثالث: تحرير المراد من التقسيم. كأن يقول صاحب التقسيم: العنصر إما تراب أو لا، وهذا إما هواء أو لا، وهذا إما ماء أو لا، وهو النار كما تقدم إيضاحه. فيقول المستدل: هذا تقسيم ظاهره أنه عقلي؛ للترديد فيه بين النفي والإثبات، وهو تقسيم غير جامع؛ لأن العقل يجوّز قسما خامسًا وسادسًا. . . إلخ من أقسام العنصر، وكل تقسيم كان غير جامع فهو فاسد. فيجيب صاحب التقسيم فيقول: أمنعُ قولك إن كل تقسيم جوّز فيه العقل قسمًا آخرَ غير مذكورٍ فاسد؛ لأن محل ذلك في التقسيم العقلي خاصة، وأما التقسيم الاستقرائي فلا يَبطل بمجرد تجويز العقل قسما آخرَ غير مذكور، بل لا يبطل إلا بوجود قسم في الخارج غيرِ مذكور في التقسيم كما تقدم إيضاحه. فاندفع عنه الاعتراض بتحرير مراده من التقسيم، وأن مراده

стр. 168

التقسيمُ الاستقرائي الذي لا يَبطل بمجرد تجويز العقل قسمًا آخر، لا التقسيمُ العقلي كما ظنه المستدِل. ويدخل في هذا النوع أن يظن المستدِل التقسيم حقيقيًّا، فيُعترض عليه بأن الأقسام ليست متباينة في المفهوم والماصدق، فيجيب صاحبه بأن التقسيم اعتباري لا حقيقي، ولا يشترط فيه تباينُ الأقسام في العقل والخارج، بل يكفي فيه تخالفها، وهو تباينها في العقل فقط دون الخارج، كما تقدم إيضاحه وأمثلته. النوع الرابع: تحرير المراد من المذهب العلمي الذي بني عليه صاحب التقسيم تقسيمه. ومثاله أن يقول صاحب التقسيم: المعلوم إما موجود وإما معدوم. فيقول المستدِل: هذا تقسيم عقلي غيرُ جامع؛ لأن ما يسميه المتكلمون الحال سواءٌ كانت معنوية أو نفسية قسمٌ من أقسام المعلومِ لم يذكر في التقسيمِ، وهي واسطة ثبوتية بين الوجود والعدم، فلا هي من قسم الموجود ولا هي من قسم المعدوم، وكل تقسيم غيرُ جامع فهو فاسد. فيجيب صاحب التقسيم فيقول: أمنعُ كون تقسيمي غيرَ جامع؛ لأني بنيت تقسيمي على مذهب من يقول إن الحال المذكورة لا أصل لها، وإنما هي خيال وهمي محض، وأن العقل الصحيح يحصر المعلوم في الشيء ونقيضه حصرًا لا شك فيه.

стр. 169

فقد أبطل الاعتراض الوارد على تقسيمه بتحرير المراد الذي قصده من المذهب العلمي الذي بني عليه تقسيمه، وقد أوضحنا في غير هذا الموضع أن الحال المذكورة خيال وهمي لا حقيقة له البتة، وأن كل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكلَّ ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا كما لا يخفى (١). واعلم أن ما ذكرنا من الاعتراضات على التقسيم والأجوبة عنها ينبغي أن ينظر قبله هل صاحب التقسيم ناقل له عن غيره أو لا؛ فإن كان ناقلًا عن غيره ولم يلتزم صحته لم يتوجه إليه إلا المطالبة بتصحيح النقل عن المصدر الذي نقل عنه، من كتابٍ أو راوٍ مثلًا. وإن كان جاء التقسيم من تلقاء نفسه أو نقله عن غيره والتزم صحته: فإن كان في كلامه شيء غير واضح فللسائل الاستفسار عنه، وعليه البيان والإيضاح، وإن كانت الكلمات لا إجمال فيها ولا لبس ولا اشتراك فللسائل الاعتراض على التقسيم بالأوجه التي ذكرنا، ولخصمه الجواب عنها بالأجوبة التي بينّا، وإن عجز عن الجواب عن أحد الاعتراضات المذكورة فعليه الانتقال إلى تقسيم آخر، وإن وجد تقسيمه صحيحًا لا خلل فيه وجب عليه تسليمه والاعتراف بصحته، وهذا هو ترتيب المناظرة في التقسيم.

стр. 170

فصل اعلم أن التقسيم قد يكون دليلًا مستقلًا في التصورات، وجزءَ دليل في التصديقات. أما كونه دليلًا مستقلًا في التصورات فقد أشرنا إليه في المقدمة المنطقية (١) في الكلام على المُعرِّفات، وبينّا أن (القسمة) من المُعرِّفات التي تتميز بها الحقيقة المعرِّفة عن غيرها، ومرادنا بالقسمة التقسيم المذكور، ومثّلنا لذلك بتعريف (العلْم) بالتقسيم بأن نقول: الاعتقاد إما جازم أو غير جازم، والجازم إما مطابق أو غير مطابق، والمطابق إما ثابت لا يقبل التشكيك بحال وإما لا، فظهر من التقسيم: اعتقاد جازم مطابق ثابت لا يقبل التشكيك بحال، وهو (العلم)، كما قدمنا إيضاحه وما يحترز عنه بكل لفظ من ألفاظ التقسيم المذكورة، فهذا التقسيم صار دليلًا مستقلًا لتصور (العلم)؛ لأنه يحصل به تصور (العلم) بأنه اعتقاد جازم مطابق ثابت لا يقبل التشكيل بحال، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء. وأما كون التقسيم جزءَ دليل في التصديقات فلأن الدليل المعروفَ عند أهل الأصول بالسبر والتقسيم، وعند الجدليين بالتقسيم والترديد، متركب من أصلين: أحدهما التقسيم، وهو حصر جميع أقسام المقسَّم، والثاني هو سبر تلك الأقسام كلها، أي اختبارها وتمييز ما يصلح منها وما لا يصلح، وبه تعلم أن التقسيم صار أحدَ ركني هذا الدليل التصديقي، وقسمه الثاني هو سبر الأقسام -أي اختبارها-، فإذا

стр. 171

صح التقسيم واستوفى شروطه المذكورةَ وصح سبرها وهو اختبار صحيحها من فاسدها، وصالحِها من غيره، كان الأمران المذكوران دليلًا تصديقيًّا، والتقسيم جزء منه. وهذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم يستعمله المنطقيون في مقاصد آخر، وهو ما قدمنا أنهم يسمونه الشرطي المنفصل (١). واعلم أنا قد بسطنا الكلام في هذا الدليل في كتابنا "أَضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" في سورة مريم، في الكلام على قوله -تعالى-: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، وبينّا المراد به عند الأصوليين والجدليين والمنطقيين، وأوضحنا الفرق بين ما تريد به كل طائفة منهم وبين ما تريد به الأخرى، وذكرنا له أربعة أمثلة قرآنية، وبينّا بعض آثاره التاريخية العقائدية والأدبية، ولذلك سنختصر الكلام عليه هنا، فنذكر له مثالًا في القرآن، ومثالًا في الأصول، ومثالًا في الجدل. فمن أمثلته في القرآن قوله -تعالى-: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥]. وقد قدمنا أن التقسيم في هذه الآية عقلي، وإنما كانت الأقسام ثلاثة لأنهما تقسيمان عقليان قطعيان، لأنا نقول: إما أن يكونوا خُلقوا بلا خالق أصلًا، أو خلقهم خالق، وهذا تقسيم عقلي قطعي؛ لحصره في الشيء ونقيضه، ثم نقسم القسم الثاني الذي هو قولنا: أو خلقهم خالق، فنقول: لا يخلو ذلك الخالق من أن يكون أنفسَهم أو ليس بأنفسهم، وهذا أيضًا تقسيم عقلي قطعي؛ لحصره في الشيء ونقيضه،

стр. 172

فصارت الأقسام في التقسيمين ثلاثة: الأول كونهم خلقوا بلا خالق أصلًا، الثاني أنهم خَلقوا أنفسهم، الثالث أنهم خلقهم خالق غيرُ أنفسهم. فهذا التقسيم العقلي الصحيح جزء الدليل التصديقي، وجزءه الآخرُ هو سبر هذه الأقسام الثلاثة واختبارها، وتمييز الصحيح منها من الباطل. وبالسبر الصحيح يتبين أن القسمين الأولين -وهو أنهم خُلقوا بدون خالق أو أنهم خَلقوا أنفسهم- باطلان غاية البطلان كما لا يخفى، وأن القسم الثالث -وهو أنهم خلقهم خالق- صحيحٌ لا شك فيه، وهذا الخالق الذي خلقهم هو خالق السموات والأرض ومن فيهما علوًا كبيرًا-. فالقسم الصحيح من الأقسام حُذف في الآية؛ لدلالة المقام عليه، فدل التقسيم والسبر المذكوران على أن لهم خالقًا هو الذي خلقهم، وهو الذي يستحق عليهم أن يعبدوه وحده، فكونهم خلقهم خالق تصديق، وكان التقسيم جزء الدليل عليه، ومن المعلوم أن الحصر والتقسيم إن كانا قطعيين كان السبر والتقسيم دليلًا قطعيًّا، كالآية التي مثلنا بها، فدلالتها على أنه -تعالى- هو الخالق المستحق للعبادة وحده قطعية؛ لأن الحصر والإبطال [فيها] (١) قطعيان. واعلم أن الأصوليين إنما يستعملون هذا الدليل في إثبات العلة بحصر أوصاف المحل، وإبطال غير الصالح للتعليل، فيتعين الباقي الصالح للتعليل. كقول الشافعي: علة تحريم الربا في البر إما الكيل وإما الطُعم وإما الاقتيات والادخار مثلًا، ثم يستدل على بطلان وصف الكيل ووصف الاقتيات والادخار بأن ملء الكف من البر لا يجوز فيه الربا، مع أنه غير

стр. 173

مكيل وغير مقتات ولا مدخر، لكنه مطعوم، فيتعين الطُعم للعلية. وقصدنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ومن أمثلته عندهم قصة الأعرابي الذي جاء النبيَّ ﷺ وقال: هلكتُ، واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال له ﷺ أعتق رقبة (١). فنقول: علة عتق الرقبة إما أن تكون كونَه أعرابيًّا، أو كونَ الموطوءة أهلًا لا سُرِّية، أو هي الجماع في نهار رمضان. ثم نرجع للأقسام بالسبر الصحيح فنجد كونه أعرابيًّا ليس بصالح للتعليل؛ لأن حكم جماع الحضري في نهار رمضان كحكم جماع الأعرابي. وكون الموطوءة أهلًا ليس بصالح؛ لأن وطء أَمته بالتسرّي في نهار رمضانَ كحكم وطء زوجته، فيبقى الجماع في نهار رمضان، فيتعيّن كونه هو العلة. فقولنا (علة الكفارة الجماع) تصديق، والتقسيم جزء من دليله المذكور. ومن أمثلته الجدلية التاريخية العقائدية قول عبد الله بن محمد الأذرمي (٢) لأحمد بن أبي دؤاد (٣) أمام الواثق بالله (٤) ما حاصله

стр. 174

ومضمونه هو هذا الدليل، فخلاصة ما قاله له: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها -وهي كون القرآن مخلوقًا- إما أن يكون النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو لا، وهذا تقسيم عقلي صحيح؛ لحصره في الشيء ونقيضه، ثم نرجع للقسمين المذكورين بالسبر الصحيح فنجدك يا ابن أبي دؤاد على غير الصواب في جميع الاحتمالات، فعلى تقدير أن النبي ﷺ وخلفاءه الراشدين كانوا غير عالمين بها فلا يمكن أن تكون عالمًا بها، وإذًا فأنت تدعو الناس لما لا علم لك به، وهذا غير صواب منك. وعلى تقدير أنهم كانوا عالمين بها ولم يدعوا الناس إليها فإنك يا ابن أبي دؤاد يسعك في أمة محمد ﷺ ما وسعه هو وخلفاءَه الراشدين، فأنت على غير صواب في دعائك إلى شيء علمه النبي وأصحابُه وتركوا دعوة الناس له؛ لأنك يسعك ما وسعهم. وقد بسطنا الكلام على هذه القصة، وذكرنا أنه روي عن الخطيب (١) أن الواثق بالله كان حاضرًا لهذا الكلام، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، وأَطلق سراح الشيخ الشامي، ولم يَمتحن بعد ذلك أحدًا بخلق القرآن، وأن هذا الدليل صار هو أول مصدر لكبح جماح فتنة القول بخلق القرآن. ومن أراد بسط الكلام في هذا الدليل فلينظر كتابنا أضواء البيان، في الكلام على آية مريم التي أشرنا إليها. وقد اكتفينا بهذه الكلمات القليلة المبيِّنة أن التقسيم قد يكون جزء دليل تصديقي.

стр. 175

فصل في التعريفات والاصطلاح فيها هنا قد يختلف مع الاصطلاح المنطقي المتقدم في بعض الأحوال. واعلم أن أقسام التعريف عند أهل هذا الفن أربعة: الأول: اللفظي، وضابطه هو ما قدمناه من كونه تعريف لفظ بلفظ آخرَ مرادفٍ له أوضحَ منه عند السامع، كتعريف الغضنفر بالأسد، وقد أوضحناه بأمثلة في المقدمة المنطقية (١)، ومعلوم أن هذا النوع من التعريف نسبي؛ لأن شهرة أحد الرديفين تختلف بِاختلاف الأشخاص، فترى بعضهم لا يعرف القمح إلا باسم البر، وبعضهم لا يعرفه إلا باسم الحنطة، وقس على ذلك. القسم الثاني من أقسام التعريف: هو المعروف بالتعريف التنبيهي، وضابطه أنه إحضار معنى في ذهن المخاطب كان معلومًا عنده سابقًا، ولكنه قد غاب عنه علمه وقت التعريف حتى نُبه عليه بالتعريف، ولا يخفى أن الفرق بين اللفظي والتنبيهي اعتباري؛ لأن الاعتبار فيه بحال المخاطب، فإن كان لم يسبق له علم بمعنى الحقيقة المعرفة فالتعريف لفظي، وإن كان قد سبق له بها علم ولكنها غابت عن ذهنه وأَراد المعرِّف إحضار معناها الغائب عنه في ذهنه بالتعريف فالتعريف تنبيهي، وبذلك تعرف أن التعريفين المذكورين متفقان حقيقة وماصدقًا؛ لأن الاختلاف بينهما باعتبار أمر خارج عن حقيقتهما، وهو

стр. 176

حال المخاطب من سبق علم له بالأمر وعدمه. تنبيه: اعلم أن اللفظ الدال على الموضوع يسمى عنوانًا، ومعناه المطابقي يسمى مفهومًا، وأَفراده الموجودة في الخارج تسمى ماصدقًا، وسميت بذلك لأنها هي ما صدق عليه المفهوم. القسم الثالث من أقسام التعريف وهو التعريف الحقيقي، وضابطه أنه تعريف الماهية التي لأفرادها وجود في الخارج بالحد والرسم، على نحو ما قدمنا إيضاحه (١)، كتعريف الإنسان بأَنه الحيوان الناطق ونحو ذلك. القسم الرابع من أقسام التعريف هو التعريف الاسمي، وهو تعريف ماهية متخيلة، ولكنها لا يُعلم وجودها في الخارج. تنبيه: اعلم أن من المقرر في فن المنطق أن من أَنواع تقسيم القضايا تقسيمها إلى قضية خارجية وقضية حقيقية، وإيضاح الفرق بينهما أن كل قضية اعتُبر في صدق عنوانها على مفهومه الذي هو حقيقة الموضوع وجودُ الأفراد الخارجية في أحد الأزمنة الثلاثة فهي المسماة بالخارجية؛ لوجود أفراد موضوعها في الخارج، وأما إن لم يُعتبر وجودُها في الخارج بل اكتُفي فِيها بتقدير الوجود مع كونه غير واقع بالفعل فهي المسماة بالحقيقة. ومثال الخارجية (كل إنسان حيوان)؛ لأن العنوان الذي هو لفظ (الإنسان) في هذا المثال معتبر في صدقه وجود أفراده في الخارج، كزيد وعمرو.

стр. 177

ومثال الحقيقية قولك: (العنقاء طائر عجيب الشكل طويل العنق يصطاد الصبيان وصغار البقر)؛ لأن العنقاء طائر تتخيله العرب ولا وجود لفرد من أفراده فِي الخارج البتة، ولذلك كانوا يضربون المثل للمفقود الذي لا طمع في وجوده بحال بقولهم: (طارت به العنقاء). ومن أمثلة [الحقيقية] (١) تعريف الصَّفَر بأنه (دابة في جوف الإنسان تعض على شراسيفه إذا جاع)، والشراسيف أصول الأضلاع؛ لأن الصفر شيء تتخيله العرب مع أنه لا وجود له في الخارج، ومنه قول أعشى باهلة (٢): لا يتّأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شرسوفه الصفرُ قولهم (العنقاء طائر، والصفر دابة) لم يعتبر في صدق عنوانه على موضوعه الوجود الخارجي، بل اكتُفي بتقدير الوجود؛ لأن الطائر والدابة المذكورين لو فُرض وجودهما في الخارج لصدق عليهم الاسم، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى الفرق بين الخارجية والحقيقة بقولي: كل قضية على ما ذكروا ... في صدق عنوان لها يعتبرُ وجود موضوع لها في الحالِ ... أو المضي أو الاستقبالِ فخارجية على المعهودِ ... وحيث لا اعتبار بالوجودِ

стр. 178

بل كان بالتقدير للوجود مع ... كون الوجود خارجًا قد لا يقع فهي الحقيقية والفرق أضا ... بينهما بأنه لو فُرضا الحصر للألوان في السوادِ ... في خارج والغير ذو انفقادِ فقولك البياض لون فنّدوا ... بحسب الأول إذ لا يوجدُ وكِذْبُه لفقده في الخارجِ ... مع اعتبارنا الوجودَ الخارجي وصادق بالاعتبار الثاني ... كونَ البياضِ أحدَ الألوانِ إذ فيه معنى كلِّ ما لو وجدا ... كان بياضًا فبحيث لو بدا وجوده يكون لونًا فعلمْ ... الصدقُ مع كون البياض منعدمْ وصدقُ حصر اللون بالسوادِ ... بحسَب الأول أمرٌ بادِ وكِذْبه بحسَب الثاني اتضحْ ... فما أبيح افعل ودع ما لم يُبحْ انتهى محل الغرض من الأرجوزة المذكورة. ولا يخفى أنا ذكرنا في الأبيات ثلاث كلمات كلُّها يمنعه كثير من علماء العربية. إحداها: إتباع (قد) بلا النافية في قولنا: قد لا يقع، وقد أجازه بعضهم، وقال ابن مالك في خلاصته (١): "والمصروف قد لا ينصرف".

стр. 179

الثانية: تعريف لفظة (غير) بالألف واللام، وإنما جئنا به لأن عامة المتأخرين تساهلوا فيه، وجرى على ألسنتهم بكثرة، ولا يخلو من قول بجوازه وإن كان ضعيفًا، والنظم لضيقه أصله محل الضرورات. الثالثة: الوقف على لفظة (منعدم) بالسكون، مع أنها منصوبة؛ لأنها خبر المصدر الكوني، وذلك لغة ربيعة فلا بأس به، كما قال بعضهم: كذا لدى ربيعةَ المنوّنُ ... في نصبٍ أَو في غيره يسكنُ وبحث الحقيقيات والخارجيات من المباحث التي أشرنا في المقدمة المنطقية (١) إلى أنا تركناها اختصارًا مع مباحثَ كثيرةٍ من فن المنطق. وإذا عرفت الفرق بين الخارجية والحقيقية فاعلم أن ضابط التعريف الحقيقي هنا هو ما كانت الحقيقة المعرَّفة فيه موضوع القضية الخارجية. وأن ضابط التعريف الاسمي هو ما كانت الحقيقة المعرَّفة فيه موضوع القضية الحقيقية. وكل واحد من التعريفين المذكورين ينقسم إلى حد تام وناقص، أو رسم تام وناقص، وقد قدمنا إيضاح الجميع وأمثلته وشروطه في

стр. 180

مقاصد التصورات فأَغنى ذلك عن إعادته هنا (١). وكثير من أهل هذا الفن لا يشترطون في التعريف اللفظي الجمع ولا المنع، فيجوز عندهم تعريف الأعم بالأخص وعكسُه، وبه قال قليل من المنطقيين. وعلى عدم الاشتراط جرى اللغويون، كقولهم: (البلوط ثمرُ شجرٍ يؤكل ويدبغ بقشره)، فهذا غير مانع لكثرة الثمار التي تؤكل ويدبغ بقشرها غيرِ البلوط. وكقولهم: (العندليب طائر) و (الورد زهر) ونحو ذلك. وكقولهم في تعريف الأعم بالأخص: (الطيب مسك) ونحو ذلك. وقد قدمنا أن المنطقيين يشترطون الجمع والمنع الذين هما الطرد والعكس كما تقدم إيضاحه (٢)، وهو قول جماهير المتأخرين منهم إلا من شذ. وقد يكون التعريف اللفظي بمركب يقصد به تعيين الحقيقة لا تفصيلها، كقولهم في تعريف الإنسان: (شبح منتصب القامة عريض الأظفار يمشي على اثنين لا ريش له). أما التعريف بما يساوي المعرَّف -بالفتح- فهو محل اتفاق كما
следующие страницы →