← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حال المخاطب من سبق علم له بالأمر وعدمه. تنبيه: اعلم أن اللفظ الدال على الموضوع يسمى عنوانًا، ومعناه المطابقي يسمى مفهومًا، وأَفراده الموجودة في الخارج تسمى ماصدقًا، وسميت بذلك لأنها هي ما صدق عليه المفهوم. القسم الثالث من أقسام التعريف وهو التعريف الحقيقي، وضابطه أنه تعريف الماهية التي لأفرادها وجود في الخارج بالحد والرسم، على نحو ما قدمنا إيضاحه (١)، كتعريف الإنسان بأَنه الحيوان الناطق ونحو ذلك. القسم الرابع من أقسام التعريف هو التعريف الاسمي، وهو تعريف ماهية متخيلة، ولكنها لا يُعلم وجودها في الخارج. تنبيه: اعلم أن من المقرر في فن المنطق أن من أَنواع تقسيم القضايا تقسيمها إلى قضية خارجية وقضية حقيقية، وإيضاح الفرق بينهما أن كل قضية اعتُبر في صدق عنوانها على مفهومه الذي هو حقيقة الموضوع وجودُ الأفراد الخارجية في أحد الأزمنة الثلاثة فهي المسماة بالخارجية؛ لوجود أفراد موضوعها في الخارج، وأما إن لم يُعتبر وجودُها في الخارج بل اكتُفي فِيها بتقدير الوجود مع كونه غير واقع بالفعل فهي المسماة بالحقيقة. ومثال الخارجية (كل إنسان حيوان)؛ لأن العنوان الذي هو لفظ (الإنسان) في هذا المثال معتبر في صدقه وجود أفراده في الخارج، كزيد وعمرو.

стр. 177

ومثال الحقيقية قولك: (العنقاء طائر عجيب الشكل طويل العنق يصطاد الصبيان وصغار البقر)؛ لأن العنقاء طائر تتخيله العرب ولا وجود لفرد من أفراده فِي الخارج البتة، ولذلك كانوا يضربون المثل للمفقود الذي لا طمع في وجوده بحال بقولهم: (طارت به العنقاء). ومن أمثلة [الحقيقية] (١) تعريف الصَّفَر بأنه (دابة في جوف الإنسان تعض على شراسيفه إذا جاع)، والشراسيف أصول الأضلاع؛ لأن الصفر شيء تتخيله العرب مع أنه لا وجود له في الخارج، ومنه قول أعشى باهلة (٢): لا يتّأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شرسوفه الصفرُ قولهم (العنقاء طائر، والصفر دابة) لم يعتبر في صدق عنوانه على موضوعه الوجود الخارجي، بل اكتُفي بتقدير الوجود؛ لأن الطائر والدابة المذكورين لو فُرض وجودهما في الخارج لصدق عليهم الاسم، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى الفرق بين الخارجية والحقيقة بقولي: كل قضية على ما ذكروا ... في صدق عنوان لها يعتبرُ وجود موضوع لها في الحالِ ... أو المضي أو الاستقبالِ فخارجية على المعهودِ ... وحيث لا اعتبار بالوجودِ

стр. 178

بل كان بالتقدير للوجود مع ... كون الوجود خارجًا قد لا يقع فهي الحقيقية والفرق أضا ... بينهما بأنه لو فُرضا الحصر للألوان في السوادِ ... في خارج والغير ذو انفقادِ فقولك البياض لون فنّدوا ... بحسب الأول إذ لا يوجدُ وكِذْبُه لفقده في الخارجِ ... مع اعتبارنا الوجودَ الخارجي وصادق بالاعتبار الثاني ... كونَ البياضِ أحدَ الألوانِ إذ فيه معنى كلِّ ما لو وجدا ... كان بياضًا فبحيث لو بدا وجوده يكون لونًا فعلمْ ... الصدقُ مع كون البياض منعدمْ وصدقُ حصر اللون بالسوادِ ... بحسَب الأول أمرٌ بادِ وكِذْبه بحسَب الثاني اتضحْ ... فما أبيح افعل ودع ما لم يُبحْ انتهى محل الغرض من الأرجوزة المذكورة. ولا يخفى أنا ذكرنا في الأبيات ثلاث كلمات كلُّها يمنعه كثير من علماء العربية. إحداها: إتباع (قد) بلا النافية في قولنا: قد لا يقع، وقد أجازه بعضهم، وقال ابن مالك في خلاصته (١): "والمصروف قد لا ينصرف".

стр. 179

الثانية: تعريف لفظة (غير) بالألف واللام، وإنما جئنا به لأن عامة المتأخرين تساهلوا فيه، وجرى على ألسنتهم بكثرة، ولا يخلو من قول بجوازه وإن كان ضعيفًا، والنظم لضيقه أصله محل الضرورات. الثالثة: الوقف على لفظة (منعدم) بالسكون، مع أنها منصوبة؛ لأنها خبر المصدر الكوني، وذلك لغة ربيعة فلا بأس به، كما قال بعضهم: كذا لدى ربيعةَ المنوّنُ ... في نصبٍ أَو في غيره يسكنُ وبحث الحقيقيات والخارجيات من المباحث التي أشرنا في المقدمة المنطقية (١) إلى أنا تركناها اختصارًا مع مباحثَ كثيرةٍ من فن المنطق. وإذا عرفت الفرق بين الخارجية والحقيقية فاعلم أن ضابط التعريف الحقيقي هنا هو ما كانت الحقيقة المعرَّفة فيه موضوع القضية الخارجية. وأن ضابط التعريف الاسمي هو ما كانت الحقيقة المعرَّفة فيه موضوع القضية الحقيقية. وكل واحد من التعريفين المذكورين ينقسم إلى حد تام وناقص، أو رسم تام وناقص، وقد قدمنا إيضاح الجميع وأمثلته وشروطه في

стр. 180

مقاصد التصورات فأَغنى ذلك عن إعادته هنا (١). وكثير من أهل هذا الفن لا يشترطون في التعريف اللفظي الجمع ولا المنع، فيجوز عندهم تعريف الأعم بالأخص وعكسُه، وبه قال قليل من المنطقيين. وعلى عدم الاشتراط جرى اللغويون، كقولهم: (البلوط ثمرُ شجرٍ يؤكل ويدبغ بقشره)، فهذا غير مانع لكثرة الثمار التي تؤكل ويدبغ بقشرها غيرِ البلوط. وكقولهم: (العندليب طائر) و (الورد زهر) ونحو ذلك. وكقولهم في تعريف الأعم بالأخص: (الطيب مسك) ونحو ذلك. وقد قدمنا أن المنطقيين يشترطون الجمع والمنع الذين هما الطرد والعكس كما تقدم إيضاحه (٢)، وهو قول جماهير المتأخرين منهم إلا من شذ. وقد يكون التعريف اللفظي بمركب يقصد به تعيين الحقيقة لا تفصيلها، كقولهم في تعريف الإنسان: (شبح منتصب القامة عريض الأظفار يمشي على اثنين لا ريش له). أما التعريف بما يساوي المعرَّف -بالفتح- فهو محل اتفاق كما

стр. 181

تقدم إيضاحه. واعلم أن أهل هذا الفن يشترطون شروطًا لحسن التعريف الحقيقي والاسمي، وهي عندهم شروط في الحسن لا في الصحة، والمنطقيون يجعلون بعضها شرطًا في الصحة لا الحسن، وهو أظهر. وشروط الحسن المذكورة عند أهل هذا الفن أربعة: الأول: السلامة من الأغلاط اللفظية، كتقديم الضمير على مفسِّره لفظًا ورتبة، وكالعطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل أصلًا، وكفَكّ ما يجب فيه الإدغام وعكسه، وكل هذا معروف في محله، وكونُه شرطًا للحُسْن صحيح. الثاني: ألا يكون في ألفاظ التعريف لفظ مجازي إلا مع قرينة تعيّن المراد. الثالث: ألا يكون فيه لفظ مشترك بين معنيين فأكثرَ إلا مع قرينة تعيّن المراد. وهذان قد قدمنا أَنهما شرطان في صحة التعريف عند المنطقيين لا في حسنه (١)، وهو الأظهر، ومحل اشتراط عدم الاشتراك المذكور عند أهل هذا الفن دون القرينة إذا لم يصح إرادة كل واحد من المعاني على سبيل البدل، فإن صح إرادةُ جميعها على ذلك الوجه صح عندهم استعماله بدون القرينة.

стр. 182

الشرط الرابع: من شروط الحُسْن ألا يكون في التعريف لفظ غريب غيرُ ظاهر الدلالة على معناه المراد به، أو موهمٌ لمعنًى غيرِ المعنى المراد لصاحب التعريف.

стр. 183

فصل في أوجه الاعتراض على التعريف الحقيقي والاسمي اعلم أن الاعتراض يتوجه إلى كل واحد منهما، سواء كان حدًّا تامًّا أو ناقصًا، أو رسمًا تامًّا أو ناقصًا، باختلال شرط من شروط التعريف المتقدمة في مقاصد التصديقات، وشروط الصحة عند أَهل هذا الفن أربعة، فالاعتراض على التعريفين المذكورُ عندهم بواحد من أربعة أمور، وأحرى إن كان باثنين منها فأكثر: الأول: ألا يكونَ التعريف مطردًا، أي مانعًا. الثاني: ألا يكونَ منعكسًا، أي جامعًا. الثالث: [أن] (١) يستلزمَ المحال، كالدور السبقي. الرابع: ألا يكونَ أظهرَ وأوضحَ من المعرَّف -بالفتح-، وقد أوضحنا هذا بأمثلته في المقدمة المنطقية. وأما التعريف اللفظي فعلى قول من لا يشترط فيه الجمع ولا المنع فلا يتوجه إليه الاعتراض بعدم الطرد أو العكس، وإنما يتوجه عليه الاعتراض باستلزامه المحال كالدور السبقي، أو كويه غيرَ أظهرَ وأوضحَ من المعرَّف. وأما على قول من يشترط فيه الجمع والمنع، وهم المنطقيون

стр. 184

وبعض الجدليين، فإنه يتوجه إليه الاعتراض من الجهات الأربع المذكورة التي يُعترض بها على الحقيقي والاسمي. وقد عرفتَ مما مر أن الاعتراض يتوجه إلى التعريف من حيث إنه غيرُ حسن وإن لم يكن فاسدا، وذلك بتخلف شرط من شروط الحُسْن المذكورة، ككونه مشتملًا على بعض الأغلاط اللفظية، وكأن يكون في ألفاظ التعريف لفظ مجازي دون قرينة تعيّن المراد، أو لفظٌ مشترك بين معنيين فأكثرَ دون قرينة تعيّن المقصود، وقد قدمنا أن هذين شرطان لصحته عند المنطقيين، وهذا أظهر، وكان يكون في ألفاظ التعريف لفظ غريب غيرُ ظاهر الدلالة على معناه المقصود، أو موهمٌ لمعنًى غيرِ المراد. وإذا عرفتَ أوجه الاعتراض على التعريف، فلا يخفى عليك أن الطريقة المعهودةَ في ذلك هي أن تجعل وجه الاعتراض مقدمةً صغرى من دليل المعترض، وهو قياس اقتراني من الشكل الأول، وتضمَّ إليها كبرى صورتُها مثلًا: (وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد، أو فهو غير حسن). كقولك: هذا التعريف الحقيقي غير مانع، وكل تعريف حقيقي كان كذلك فهو فاسد، ينتج: هذا التعريف الحقيقي فاسد، وهو المراد، وهكذا. وكقولك: هذا التعريف في بعض ألفاظه غلط، وكل تعريف كان كذلك فهو غير حسن، ينتج من الشكل الأول: هذا التعريف غير حسن، وهكذا.

стр. 185

واعلم أن ترتيب المناظرة في التعريف كترتيبها في التقسيم، وقد أوضحناه في الكلام على التقسيم (١)، وبه تعلم أَن أول ما يبدأ به المناظر في التعريف هو أن ينظر في كلام خصمه هل هو ناقل له عن غيره أو لا؟ وإن كان ناقلًا له فهل هو ملتزم صحته أو لا. فإن كان ناقلًا ولم يلتزم الصحة فلا يتوجه إليه إلا المطالبة بتصحيح النقل، وإن كان ملتزمًا صحة ما نقل أو غير ناقل عن غيره بل هو آت بالتعريف من تلقاء نفسه فإن كان في ألفاظ تعريفه لفظ غير واضح المعنى استُفسر عنه وعليه البيان. كأن يعرِّف موجبَ القصاص في النفس فيقول: هو القتل بما يَقتل غالبًا كالزخيخ، فلخصمه أن يقول: وما مرادك بالزخيخ؟ وعليه أن يبين أن مراده به النار. وإن كانت ألفاظ تعريفه واضحة المعاني فإن كانت سالمة من أوجه الاعتراض وجب تسليمها وقبولها، وإن كان فيها خلل اعتُرض عليه بأحد أوجه الاعتراض التي بيّنّا، وعليه أن يجيب عن الاعتراض عليه بأحد الأجوبة المقررة في هذا الفن.

стр. 186

فصل في أجوبة صاحب التعريف عن أوجه الاعتراض الأربعة المذكورة، التي يعترض بها عندهم على التقسيم الحقيقي والاسمي، حدًّا كان كل واحد منهما أو رسمًا، تامًّا كان كل واحد منهما أو ناقصًا. أما الاعتراض على التعريف بعدم الطرد أو العكس -أعني بهما الجمع والمنع كما أوضحناه مرارًا- فالجواب عنه بتحرير المراد، وهو أربعة أنواع: الأول: تحرير المراد من المعرَّف -بالفتح-، ومثاله أن تعرف الماء المستوجب للماء في حديث "إنما الماء من الماء" (١) بأنه المني الخارج بلذة معتادة. فيقول المستدل: هذا التعريف غير منعكس، أعني غير جامع لجميع أقسام المعرَّف؛ لأنه لم يشمل خروج المني بغير لذة معتادة، كخروجه بسبب لدغ عقرب له في ذكره، وكخروجه بسبب نزوله في ماء حار، أو هزة دابة له، ونحو ذلك، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيجيب صاحب التعريف فيقول: أمنع قولك: إن هذا التعريف غيرُ جامع؛ لأن المراد بالماء في التعريف المنيُّ الغالبُ نزولُه، ولم يُرَد به النادر الذي هو الخارج بدون لذة معتادة، وهذا على قول من يقول:

стр. 187

إن الغسل لا يجب من خروج المني إلا إذا كان خارجًا بلذة معتادة كمالك وأصحابه ومن وافقهم. ومثاله في عدم المنع أن يعرِّف ذا الخف الذي تجوز المسابقة عليه بجُعْل بأنه الإبل خاصة. فيقول خصمه: هذا التعريف غير مانع؛ لأن ذا الخف يدخل فيه الفيل، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: أمنع قولك: إنه غير مانع؛ لأني أردت بذي الخف النوعَ الغالب المتعارَف، ولم أُرِد الفرد النادر الذي يندر ركوبُه ولا يكاد يخطر بالبال وهو الفيل. واعلم أن مثالنا هذا لا يعترض بدعوى كون هذه التعريفات من قبيل اللفظي، وأكثرهم لا يشترطون فيه الجمع والمنع، لأنا نقول: هي من قبيل التعريف بالرسم؛ لأنها عرّفت بخواصَّ لتلك الأشياء، ولو سلمنا أنها لفظية، فالمثال يكفي فيه وروده على قولٍ ولو غيرِ قوي، بل يكفى فيه الفرض والاحتمال كما هو معروف، قال صاحب مراقي السعود (١): والشأن لا يُعترض المثال ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال وكلا المثالين المذكورين جواب بتحرير المراد من المعرَّف -بالفتح-، الأول عن عدم الجمع، والثاني عن عدم المنع، وضابط تحرير المراد من المعرَّف -بالفتح- هو تفسير صاحب التعريف الحقيقةَ

стр. 188

المعرَّفة بمعنًى يقصده هو أعمُّ أَو أخصَّ من المعنى المتبادر منها؛ ليكون بذلك المعرَّف -بالفتح- مساويًا للمعرِّف -بالكسر-. النوع الثاني: تحرير المراد من بعض أجزاء التعريف، وضابطه تفسير صاحب التعريف بعضَ أجزائه بمعنَى يقصده هو أعمُّ أو أخصَّ من المعنى المتبادر منه؛ ليكون المعرِّف والمعرَّف متساويين. ومثاله في الاعتراض بعدم الجمع: تعريف الحيوان بأنه (الجسم النامي الحساس المفكر). فيقول المستدل: هذا التعريف غير جامع؛ لأن قيد المفكر مخرجٌ غيرَ المفكر، كالفرس والبغل مثلًا، مع دخولهما في الحيوان، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: أمنع قولك: إن هذا التعريف غيرُ جامع، ويفسِّر المفكر بأن مراده به المتحرك بالإرادة؛ لأنه فكّر في الحركة وأرادها ففعلها، والمفكر على هذا التفسير شامل لجميع أنواع الحيوان، فهو جواب عن عدم الجمع بتحرير المراد من بعض أجزاء التعريف. ومثال الجواب عن عدم المنع بتحرير المراد من بعض أجزاء التعريف أن يقال في تعريف الإنسان: هو (حيوان منتصب القامة يمشي على اثنين لا ريش له). فيقول المستدل: هذا التعريف غيرُ مانع؛ لأن الديك مثلًا إذا نُزع ريشُه كان حيوانًا منتصب القامة يمشي على اثنين لا ريش له، وكل

стр. 189

تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: أمنع قولك: إن هذا التعريف غيرُ مانع؛ لأني أردت بقولي: لا ريش له، كونَه لا ينبت له ريش أصلًا، وهو بذلك المعنى مانع من دخول منزوع الريش من الطير. النوع الثالث: تحرير المراد من المذهب العلمي الذي بَنى عليه المعرِّف تعريفه. كتعريف الورد بأنه زهر، فيقول المستدل: هذا التعريف غير مانع؛ لدخول غير الورد من الأزهار، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: إنما بنيت تعريفي على مذهب من لا يشترط في التعريف اللفظي المنع، لا على مذهب من يشترط ذلك. وكتعريف الطيب بأنه مسك، فيقول المستدل: هذا غير جامع؛ لأنه لا يشمل غير المسك من أنواع الطيب، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف أيضًا: أمنع ذلك؛ لأني بنيته على مذهب من لا يشترط الجمع في اللفظي، لا على مذهب من يشترطه. النوع الرابع: تحرير المراد من نوع التعريف، وهو يكون في اعتراض المعترض على التعريف متوهمًا كونه حقيقيًّا أو اسميًّا في حال كونه لفظيًّا، أو متوهمًا كونه حدًّا تامًّا وهو ناقص، أو كونه حقيقيًّا وهو اسمي. وضابط هذا النوع أن يبين صاحب التعريف النوع الذي أراده من تعريفه، كأن يعرف الإنسان بأنه (منتصب القامة يمشي على اثنين)،

стр. 190

فيظن خصمه أن هذا التعريف حقيقي وأنه رسم، فيعترض عليه بأنه غير مانع من دخول الطير، وكل تعريف كان كذلك فهو فاسد، فيقول صاحب التعريف: أمنع كون هذا التعريف حقيقيًّا، وإنما هو لفظي، واللفظي لا يُشترط فيه المنع. وقد اتضح في الأنواع الأربعة أن تحرير المراد من المعرَّف -بالفتح- ومن بعض أجزاء التعريف، كلاهما راجع إلى منع الصغرى من دليل المعترض، وأما تحرير المراد من المذهب العلمي ومن نوع التعريف فكلاهما راجع إلى منع كبراه كما لا يخفي على من فهم ما ذكرنا. واعلم أن الاعتراض على التعريف يجاب عنه بأجوبة أخرى غيرِ تحرير المراد المذكورة: فإن اعتُرض عليه بأنه غير أظهر من المعرَّف -بالفتح-، فالجواب بمنع ذلك استنادًا إلى أن الظهور والخفاء نسبيان. كأن تعرف البر تعريفًا لفظيًّا بأنه الحنطة، فيعترضه المعترض بأن الحنطة أخفى من البر، وكل تعريف لم يكن فيه المعرِّف -بالكسر- أظهر من المعرَّف -بالفتح- فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: أمنعُ قولك: إن الحنطة أخفى من البر؛ لأن بعض الناس أظهرُ عنده الحنطة من البر، وهو الذي عَنيتُ خطابه بتعريفي. وإن اعتُرض على التعريف باستلزامه المحال كالدور السبقي،

стр. 191

فجواب صاحب التعريف بمنع الاستلزام المذكور، مستندًا في ذلك إلى انفكاك الجهة، أو كونِ الدور المذكور غيرَ محال كالدور المعي، وقد تقدم إيضاح الدور المعي ومثاله في المقدمة المنطقية فأغنى ذلك عن إعادته هنا (١). وأما انفكاك الجهة فكتعريف الدلالة الوضعية اللفظية بأنها (كون اللفظ بحيث إذا أطلق فُهم منه معناه بعد العلم بوضع اللفظ). فيقول المعترض: هذا التعريف مستلزم للمحال وهو الدور؛ لأنه جُعل فيه فهمُ المعنى متوقفًا على العلم بالوضع، ومعلوم أن العلم بالوضع يتوقف على فهم المعنى، وكل تعريف استلزم الدور فهو فاسد. فيقول صاحب التعريف: أمنع كون التعريف مستلزمًا للدور المحال؛ لأن فهم المعنى من اللفظ متوقف على العلم بتعيين عين ذلك اللفظ لِعين ذلك المعنى، وأما العلم بوضع اللفظ للمعنى فهو متوقف على مطلق المعنى لأعلى تعيينه، فجهة توقف كل منهما على الآخر غير جهة توقف صاحبه عليه، ومتى انفكت جهة توقف أحدهما عن جهة توقف الآخر لم يتحقق الدور. واعلم أن الاعتراض على التعريف إن كان من جهة اختلال بعض شروط حسنه فله أجوبة أخرى غيرُ ما ذكرنا: فإن قال المعترض: هذا التعريف فيه لفظة كذا، وهي غلط، وكل تعريف كان كذلك فهو غير حسن فلصاحب التعريف عن ذلك جوابان:

стр. 192

الأول: منع كون ذلك اللفظ غلطًا، لجريانه على بعض المذاهب النحوية. والثاني: القول بموجَبه؛ بأن يقول: سلمنا أن ذلك اللفظ غلط، ولكنه لا تتوقف عليه صحه التعريف، وأمَّا لا يلزمني إلا صحة التعريف، فلم أعتدَّ إلا بالذي لا بد منه، وهو صحة تعريفي. وإن اعتُرض على التعريف بأن فيه لفظة كذا يراد بها كذا وهو معنى مجازي وليس ثَمّ قرينةٌ تعيّن المراد، وكل تعريف كان كذلك فهو غير حسن. فلصاحب التعريف عن ذلك جوابان أيضًا: الأول: أن يدعيَ أن ذلك اللفظة المجازيَّ صار حقيقة عرفيةً في المعنى المقصود. والثاني: أن يدعيَ أن ثَم قرينةً تبيّن المراد، ولكن المعترض غفل عنها. وإن كان قال: هذا التعريف مشتمل على لفظ كذا، وهو لفظ مشترك؛ لوضعه لمعاني متعددة، وليس هناك قرينة تعيّن المراد، وكل تعريف كان كذلك فهو غير حسن فلصاحب التعريف عن ذلك ثلاثة أجوبة: الأول: أن يجيب بأنّ اللفظ المدّعى أنه مشترك قد صار حقيقة عرفية في المعنى الذي يقصده دون غيره من المعاني. والثاني: أن يقول بموجَبه، فيقول: سلّمنا أنه مشترَك، ولكن عدم حسن استعمال المشترَك في التعريف محله فيما لم تصحَّ فيه إرادةُ كل

стр. 193

معنى من معانيه، وهنا تصح إرادة كل معنى من معانيه، فلو تعدى اللصوص على رجل اسمه (زيد) في محل معيّن، فعوّروا عينه الباصرة، وغوّروا عينه الجارية، واستلبوا عينه التي هي فضته وذهبه، فقال قائل: عرّف لنا الشيء الذي تعدى عليه اللصوص في ذلك المحل المعين، فقال: المعرِّف: هو عين زيد، فاعترض عليه المعترض بأَنَّ العين لفظ مشترك، فإنه يجيب بأن إطلاق العين في التعريف على كل واحد من الثلاثة صحيح؛ لأنه كلَّه حق، واللفظي لا يُشترط فيه الجمع عند أكثر أهل هذا الفن، والمشترك إن كان كذلك فلا مانع منه في التعريف. وقد قدمنا أن إطلاق المجاز والمشترك دون قرينة تعين المراد في التعريفات يبطل التعريف عند المنطقيين، فالسلامة من ذلك شرط صحة عندهم لا شرط في الحسن، خلافًا لأهل هذا الفن، وقد قدمنا أن قول المنطقيين فيه أظهر. الثالث: إثبات قرينة تعين المراد من المشترك ولكن المعترض لم ينتبه لها. واعلم أن التعريف تتوجه إليه اعتراضات غيرُ ما ذكرنا، وكلها راجع في الحقيقة إلى الدعاوي الضمنية التي تضمنها التعريف كما قدمنا إيضاحَه، كأن يقول صاحب التعريف مثلًا: هذا التعريف حقيقي، وهو حد تام، فإنّ كلامه هذا يستلزم الدعاوي الآتية: الأولى: أنه بالجنس والفصل القريبين.

стр. 194

الثانية: أن أجزاءه كلها ذاتية لا عرضية. فيُعترض عليه بغير ما تقدم: كأن يقول المعترض: أجزاء تعريفك هذا ليست ذاتية بل هي عرضية، أو بعضُها عرضي. وكأن يقول: هذان الجزآن ليسا هما الجنسَ والفصلَ القريبين. وكأن يدعيَ أن لتلك الحقيقة حدًا تامًا غير ماذكره؛ لاستحالة إمكان حدين لحقيقة واحدة؛ لأن الحد لا يكون إلا بالفصل الذي هو المميز الذاتي، وتعدده مستحيل؛ لأن الفصل القريب لا يمكن تعدده لحقيقة واحدة كما هو معلوم في محله؛ لأن تعدده يفضي إلى المستحيل، وهو كون الحقيقة الواحدة في ذاتها حقيقتين متباينتين؛ لأن كل جنس قريب إذا ذُكر معه الفصل حصلت حقيقة الماهية؛ لأنها مركبة عندهم من جنس وفصل، كما تقدم إيضاحه (١)، فلو فرضنا تعدد الفصل القريب للماهية الواحدة لكان كل واحد من الفصلين مع الجنس حقيقة مستقلة غير الحقيقة الأخرى، والمفروض أنها حقيقة واحدة، فلا يمكن كونُها حقيقتين مختلفتين، وتعددُ الفصل يستلزم ذلك، وما استلزم المحال فهو محال، هكذا يقولون، والعلم عند الله تعالى. واعلم أن هذه الدعاوى المذكورةَ لا يُقبل الاعتراض بها إلا بدليل يُنتجها، فلا تُقبل من المعترض بدعواه المجردة عن الدليل، فإن أقام الدليل على أحد أوجه الاعتراض المذكورةِ كان لصاحب التعريف أن

стр. 195

يجيب عن دليله بالمنع، سواء ذكر دليل المنع أو لم يذكره، وسيأتي في الكلام على المنع إن شاء الله ما يزيد هذا إيضاحًا. فلو قال المعرِّف: تعريفي الإنسان بأنه (الحيوان الناطق) حد تام؛ فأجزاؤه ذاتية؛ لأنها حد وفصل قريبان. فقال المعترض: لا أسلم أن الناطق مثلًا ذاتي، بدليل أن الضاحك غير ذاتي، والناطقُ والضاحكُ لا فرق بينهما. فيقول صاحب التعريف: أمنع قولك: إن الناطق غير ذاتي، وأنه لا فرق بينه وبين الضاحك. وإن شاء اقتصر على هذا المنع مجردًا عن الدليل، وإن شاء أقام عليه الدليل، وأدلة الفرق بينهما قد قدمناها موضحة في المقدمة المنطقية (١). ومثال إقامة الدليل على الفرق بينهما ببعض الفوارق التي قدمناها أن يقول: لو رأيت إنسانًا يضحك لكان لك أن تسأله عن سبب ضحكه فتقولَ له: ما أضحكك؟ بخلاف كون الإنسان ناطقًا -أي ذا قوة عاقلة مفكرة يقدر بها على إدراك العلوم والآراء-، فليس لك أن تقول له: ما سبب كونك ناطقًا؟ كما تقدم إيضاحه.

стр. 196

فصل في تسمية طرفي المناظرة في التعريف اعلم أن من علماء هذا الفن من يسمي ناقض التعريف المعترِض عليه: (سائلًا) وموجهَه المدافعَ عنه: (معللا). وأكثرهم على أن ناقضه يسمى: (مستدلا) وموجهه يسمى: (مانعًا)، ولا مشاحة في الاصطلاح. وهم يريدون بذلك أن الاعتراض على التعريف لا يتم بالدعوى مجردة، بل لا بد لمدعي فساد التعريف من إقامة الدليل على دعواه اختلال شرط من شروط صحته مثلًا، وبذلك يتجه كونُه مستدلًا. ويقصدون بتسمية الآخرِ مانعًا أنّ جوابه عن الاعتراض على تعريفه يكفي أن يكون بمنع مقدمة من مقدمات دليل البطلان، سواء ذكر سندًا لمنعه أو لم يذكره، كما أشرنا إليه قريبًا، وبذلك يتجه كونُه مانعًا. ونحوُ هذا يجري في توجيه تسمية طرفي المناظرة في التقسيم، التي أشرنا لها سابقًا والعلم عند الله -تعالى-.

стр. 197

فصل في التصديق وبيان المناظرة فيه وقد قدمنا تعريفَ التصديق بإيضاح، وذكرنا انقسامه إلى ضروري ونظري، وبينا أمثلة ذلك في الاصطلاح المنطقي (١)، وهو عند أهل الفن ينقسم إلى تصديق بديهي وتصديق نظري، والتصديق البديهي عندهم هو ما لا يحتاج إلى نظر واستدلال، سواء كان محتاجًا إلى تنبيه أو كان غير محتاج إليه، والتصديق البديهي عندهم ينقسم بالتقسيم الأول إلى قسمين: الأول البديهي الجلي، والثاني البديهي الخفي. والبديهي الجلي ينقسم عندهم إلى أربعة أقسام: الأول: البديهي الأولى، وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها بمجرد تصورهما -أعني الموضوع والمحمول- من غير احتياج إلى واسطة أصلًا، كقولك: الواحد نصف الاثنين، والكل أكبر من الجزء، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، ونحو ذلك؛ فإن مجرد تعقلك للواحد والنصف والاثنين، وتعقلك للكل والعظم والجزء، وتعقلك للنقيضين وللارتفاع والاجتماع، يجعلك تحكم بثبوت المحمول للموضوع في الأمثلة الثلاثة المذكورة كما هو واضح من غير احتياج إلى شيء زائد. القسم الثاني من أقسام البديهي الجلي: هو ما يسمونه البديهي الجلي الفطري، وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع بعد تصورهما بواسطة قياس اقتراني طبيعي،

стр. 198

بمعنى أنه مركوز في طبيعة الإنسان، لا يمكن أن يغيب عن ذهنه؛ للزوم إدراكه لإدراك طرفي القضية، كالحكم على الأربعة بأنها زوج؛ لأنك إذا تصورت معنى الأربعة والزوجية لزم عقلًا أن تدرك أنها عدد منقسم إلى متساويين، وتدرك أن كل عدد منقسم إلى متساويين فهو زوج. وصورة القياس الطبيعي المذكور أن تقول: الأربعة عدد منقسم إلى متساويين، وكل عدد كان كذلك فهو زوج، ينتج من الشكل الأول: الأربعة زوج. وهذا القياس لا يغيب عن ذهنك، وهذه النتيجة هي ما يسمى بالبديهي الجلي الفطري، وقد قدمنا ما يزيد هذا إيضاحًا في الكلام على أنواع الدلالة في مبحث اللازم في الذهن والخارج معًا (١). النوع الثالث من أنواع البديهي الجلي: التجريبي، وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع بواسطة تجريب ومشاهدات متكررة مفيدة للعلم بأن هذا الوقوع المتكرر على نمط واحد من غير تخلف لا بد له من سبب، وإن لم يكن عالمًا بحقيقة هذا السبب. وهذا القسم واضح، ومن أمثلته قولك: الماء يُروي، والخبز يشبع، والنار محرقة، والسقمونيا مسهل للصفراء، والسكنجبيل مسكن لها، وهكذا؛ لأنها قضايا علمت بالتجريب، وتكرُّرُ المشاهدة لترتب المسبَّب فيها على السبب، فحصل الجزم بها بواسطة ذلك

стр. 199

التكرر المذكور. الرابع من أنواع البديهي الجلي: المشترك بين عامة الناس، وهو نوعان: الأول: الحسي، وهو كل قضية يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها استنادًا إلى إدراك الحواس الظاهرة، كقولك: (الشمس مضيئة)؛ لأنك تدرك إضاءتها بحاسة عينك، وقولك: (هذا الحرير لين)؛ لأنك تدرك لينه بحاسة لمسك، و (هذا الكلام واضح)؛ لأنك تدرك وضوحه بحاسة سمعك. وهذه الأمثلة الإدراك فيها بالحواس الظاهرة. والثاني من نوعيه: الوجداني، وهو الذي يسميه بعضهم بالمشاهدات، وهو كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع استنادًا إلى إدراك الحواس الباطنة، كقولك: اللذة عارض يعرض للإنسان، والألم كذلك، والفرح والخوف ونحو ذلك كذلك؛ فإن الإنسان يدرك حصول اللذة والألم والفرح والخوف ونحو ذلك بحواسه الباطنة. وأما البديهي الخفي فأشهر أنواعه اثنان: الأول: البديهي الخفي الحدسي، وأصل الحدس الظن والتخمين، وضابط البديهي الحدسي هو كل قضية يحكم فيها العقل بثبوت المحمول للموضوع استنادًا إلى حدس قوي من النفس يزول معه الشك ويحصل به اليقين.

стр. 200

كقولك: ارتفاع الماء في الأنهار سبب ارتفاع ماء الآبار التي ليست بعيدة من الأنهار. وجرت عادة أهل هذا الفن وأهل فن المنطق بأنهم يمثلون للحدسيات بأن نور القمر مكتسب من نور الشمس؛ قالوا: لأن القرائن تقوي هذا الحدس حتى يصير يقينيا؛ لأن نور القمر يشاهد كماله ونقصانه بحسب بعده من الشمس وقربه منها، ويجزمون بناء على هذا بأن نوره مكتسب من نورها. ونحن دائمًا نتوقى هذا المثال ونحوه تأدبًا مع ظاهر القرآن في قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] (١). وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الحدسيات من الظنيات لا من اليقينيات. وقال العلامة محمد بن الحسن البناني (٢) في شرحه لسلم الأخضري: والتحقيق أن الحدس عبارة عن الظفر عند الالتفات إلى المطالب بالحدود الوسطى دفعة، فلا حركة فيه، وإلا كان فكرًا؛

стр. 201

فالانتقال في الحدس دفعي لا تدريجي، عكس الفكر. انتهى محل الغرض منه. ومعنى كلامه أن الحدسيات لا يُحتاج فيها إلى العلم بدليلها ثم الانتقالِ من علم الدليل إلى علم المدلول الذي هو الحدسيات؛ لأنها من البديهيات لا من النظريات، بل يكفي في إدراكها التأمل في الطرف المتكرر الذي هو الحد الأوسط كما تقدم إيضاحه. فالحد الأوسط في المثال المتقدم كون ارتفاع ماء الأنهار سببًا في ارتفاع ماء الآبار، لأنك تقول: ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار، وكل سبب في شيء يوجد معه مسبَّبه، ينتج من الشكل الأول: ارتفاع ماء الأنهار يوجد معه مسبَّبه، أي وهو ارتفاع ماء الآبار، وهو المطلوب، فإذا التفت إلى هذا المطلوب بالحد الوسط الذي هو كون هذا سببًا في هذا حصل لك المطلوب دفعة من غير تدريج، وهو معنى [كون] (١) الانتقال فيه دفعيًا لا تدريجيًا، والله -تعالى- أعلم. وقال بعضهم: هو كل قضية يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها بناءً على محسوسات أخرى لا يحتاج العقل في ترتب هذه عليها إلى نظر واستدلال. وهو راجع لما ذكرنا. النوع الثاني: من نوعي البديهي الخفي هو البديهي المتواتر، وضابطه أنه كل قضية يحكم العقل فيها بثبوت المحمول للموضوع

стр. 202

استنادًا إلى إخبار جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، كقولك: مدينة بغداد موجودة، ودمشق موجودة. وحقيقة التواتر وشروطه كل ذلك مبين في علوم الحديث وعلم الأصول. فهذه الأقسام الستة هي أقسام التصديق البديهي، الأربعة الأول منها من البديهي الجلي، والأخيران من البديهي الخفي، كما رأيت إيضاحه، وهذه البديهيات الست تعرف باليقينيات. ومذهب الأخضري (١) وابن الحاجب (٢) ومن وافقهما أنها ست، ولكن حذفوا منها النوع الفطري، وجعلوا الحسي نوعين: ما يدرك منه بالحواس الظاهرة جعلوه قسمًا مستقلًا وسموه المحسوسات، وما يدرك بالحواس الباطنة جعلوه قسمًا آخر مستقلًا وسموه بالمشاهدات والوجدانيات، وعلى ذلك درج الأخضري في سلّمه في قوله: أجلُّها البرهانُ ما أُلف مِنّ ... مقدماتٍ باليقين تَقترنْ من أولياتٍ مشاهداتِ ... مجرباتٍ متواتراتِ وحدَسياتٍ ومحسوساتِ ... فتلك جملة اليقينياتِ ونبه بعض شروحه على أن الصواب هو التقسيم الذي ذكرنا. وإذا عرفتَ أقسام التصديق البديهي، وأن أربعة منها من النوع

стр. 203

الجلي، واثنين من النوع الخفي، فاعلم أن النوع الآخر من نوعي التصديق هو التصديق النظري، وقد قدمنا أن النظري هو ما يُحتاج في إدراكه إلى تأمل. وضابط التصديق النظري عند أهل هذا الفن هو: كل قضية لا يحكم العقل بثبوت محمولها لموضوعها إلا بعد النظر فيها والاستدلال عليها، كقولك: العالم حادث، وخالقه أزلي، بمعنى أنه لا أول لوجوده. وقد عرفت مما مر أن التصديق ثلاثة أقسام: الأول تصديق بديهي جلي، والثاني تصديق بديهي خفي، والثالث تصديق نظري. أما التصديق البديهي الجلي فليس محلًا للمناظرة، ولا يجوز لأحد اعتراضه بحال، والمناقشة فيه تسمى مكابرة، وهي غير مقبولة، وصاحبها لا يريد الحق، وإنما يريد الباطل، كأن يرفع من شأن نفسه، ويضع من شأن خصمه، فإذا قال لك أحد: الكل أكبر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، أو الأربعة زوج، أو الشمس مضيئة، أو الماء يُروي، ونحو ذلك، فليس لك المناقشة في شيء من ذلك، بل يجب عليك تسليمه؛ لأنه بديهي جلي. وأما البديهي الخفي فلا يحتاج إلى دليل؛ لأنه بديهي، وإنما يحتاج إلى تنبيه. والتنبيه في الاصطلاح عندهم: مركب يُقصد به إزالة الخفاء لا الاستدلالُ، ومثاله في الحدس القياس الاقتراني الذي ذكرناه في أن

стр. 204

ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار، وبينا أن البناني قال: إن تأمل الحد الوسط فيه يكفي في إدراك المطلوب. ومثال التنبيه في المتواتر أن تقول: وجود بغداد أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وكل شيء أخبر به عدد كذلك فهو حق، ينتج من الشكل الأول: وجود بغداد حق. وهذا القياس للتنبيه لا الاستدلال؛ لأن من المعلوم أن ما أخبر به العدد المذكور فهو حق؛ ولأن المتواترات من البديهيات. ومثال الاستدلال على التصديق النظري قولك: أنا مخلوق بعد أن كنتُ معدومًا، وكل مخلوق بعد أن كان معدومًا فلا بد له من خالق، ينتج من الشكل الأول: أنا لا بد لي من خالق. وقد علمت مما مر أن المناظرة في التصديق لا تكون إلا في نوعين لا ثالث لهما: الأول التصديق النظري، وهو المحتاج إلى الدليل. والثاني التصديق البديهي الخفي، وهو المحتاج إلى التنبيه. وهذه تفاصيل طرق المناظرة فيهما: اعلم أولًا أنك إذا ألقى إليك صاحب التصديق تصديقًا نظريًا أو تصديقًا بديهيًا خفيًّا فلكل واحد منهما حالتان: أما حالتا التصديق النظري فالأولى منهما أن يكون ألقاه إليك مجردًا عن الدليل؛ لأجل إيهام أنه من البديهيات التي لا تحتاج لدليل،

стр. 205

أو لغرض آخر، والثانية أن يكون ألقاه إليك مقرونًا بالدليل. وهاتان هما حالتا البديهي الخفي؛ لأنه تارة يلقيه إليك مجردًا عن التنبيه لأجل إيهام أنه من الجليات أو لغرض آخر، وتارة يلقيه إليك مقرونًا بالتنبيه، فالأقسام أربعة: الأول: [تصديق] (١) نظري مجرد عن الدليل. الثاني: [تصديق] (٢) نظري مقرون بالدليل. الثالث: بديهي خفي مجرد عن التنبيه. الرابع: بديهي خفي مقرون بالتنبيه. فإن كان ألقى إليك [تصديقًا] (٣) نظريًا مجردًا عن الدليل، أو بديهيًا خفيًّا مجردًا عن التنبيه فليس لك في الاعتراض عليه إلا شيء واحد: وهو المنع، كأن تقول: أمنع هذه الدعوى، أو: لا أسلم لك هذه الدعوى، أو: هذه الدعوى ممنوعة، أو غير مسلمة، ونحو ذلك. ويكفيك الاقتصار على واحدة من تلك العبارات، فيكون منعك هذا منعًا مجردًا عن السند، وهو الأظهر عندي. وقد قال غير واحد من أهل هذا الفن: إنه لا مانع من أن تذكر مع المنع المذكور السند الذي استندت إليه في المنع، فيكون منعك

стр. 206

المذكورُ مقرونًا بالسند. والذي يظهر أن إتيانه بالسند في منع دعوى لم يُقم صاحبها عليها دليلًا أنه من أنواع الغصب، والغصب وظيفة غير مقبولة عند أهل هذا الفن، وسيأتي في الكلام على الغصب أن السائل إذا عمد إلى دعوى غير مستدل عليها أو إلى مقدمة دليل لم يُقم المعلل عليها دليلًا فأقام دليلًا على بطلان إحداهما أنه يكون غاصبًا، والغصب وظيفة غير مقبولة في هذا الفن، ووجه كونه غاصبًا ظاهر؛ لأن الاستدلال لصاحب التصديق المحتاج إلى دليل أو تنبيه، فإذا منعه السائل واستدل على منعه فقد غصب وظيفة المعلل التي هي الاستدلال، واقتران المنع بسندٍ استدلال بذلك السند على بطلان دعوى المعلل قبل أن يستدل عليها فكونه من قبيل الغصب ظاهر. والظاهر أن من أجاز اقتران المنع المذكور بالسند من أَهل هذا الفن يرى هذا النوع من الغصب جائزًا كما لا يخفى. ومثاله في التصديق النظري أن تقول: العالم كله حادث، فيقول خصمك القائلُ بقدمه من الفلاسفة الضالين: أمنع دعواك هذه. ومثاله في البديهي الخفي أن تقول: ارتفاع ماء الأنهار سبب في ارتفاع ماء الآبار، فيقول خصمك: أمنعُ هذه الدعوى، أو: لا أسلمها، ونحو ذلك من العبارات المتقدمة. وسيأتي إن شاء الله (١) أوجه الجواب عن المنع المذكور، مع أمثلة

стр. 207

استدلال السائل على المنع الذي ذكرنا أنه من الغصب. وإذا عرفت أن التصديق الذي لم يكن مقرونًا بدليل إن كان نظريًا، أو بتنبيه إن كان بديهيًا خفيًّا، لا يصح الاعتراض على واحد منهما إلا بالمنع مجردًا عن السند، أو مع السند عند من يجيز ذلك، فاعلم أن صاحب التصديق إذا ألقى إليك تصديقًا نظريًا مصحوبًا بالدليل على صحته، أو تصديقًا بديهيًا خفيًّا مصحوبًا بتنبيه يزيل عنه الخفاء، فلك في الاعتراض على صاحب التصديق حينئذ ثلاث طرق (١)، كل واحدة منها يجوز للسائل المناظرة بها، والاعتراض على صاحب التصديق بها: الطريق الأولى: هي أن تمنع مقدمة معينة من مقدمات الدليل، كأن تمنع صغراه فقط، أو كبراه فقط، وإن منعت الصغرى ومنعت الكبرى أيضًا فهما منعان. وهذا النوع الذي هو منع مقدمة معينة من الدليل هو أسلم وظائف السائل، وأبعدها عن شائبة الغصب، وهو المعروف بالمناقضة، وإنما سمي مناقضةً لاستلزامه الإبطال في بعض الموارد، ويسمى أيضًا بالنقض التفصيلي؛ لتفصيل السائل في المنع بتبيين المقدمة الممنوعة، ويسمى أيضًا بالمنع الحقيقي، والممانعة، فهذه كلها أسماء له عند أهل هذا الفن.

стр. 208

وقد قدمنا في المقدمة المنطقية أن المقدمة الصغرى في القياس الاقتراني هي المشتملة على الحد الأصغر، وهو موضوع النتيجة دائمًا، وأن المقدمة الكبرى فيه هي المشتملة على الحد الأكبر، وهو محمول النتيجة دائمًا، وأن المقدمة الكبرى في الاستثنائي هي الشرطية، متصلة كانت أو منفصلة، وأن الصغرى فيه هي الاستثنائية، كما نقله ابن عرفة عن الفارابي، وقد أوضحنا كل ذلك فيما تقدم (١). وكثير من أهل هذا الفن يعبرون عن المنع بالمطالبة بالدليل، والمطالبة به في الحقيقة كأنها منع ضمني، وعلى كل حال فهي عندهم منع، وبعضهم يعترض على المنع المذكور بالمطالبة بالدليل؛ لأنه لا يشمل البديهي الخفي؛ لأن صاحبه لا يطالب بدليل، وإنما يطالب بتنبيه يزيل الخفاء كما عرفت مما تقدم. ومثال منع المقدمة الصغرى في هذه الطريق من طرق المناظرة في الاقتراني ما لو قال: التفاح ربوي، ثم أقام الدليل على هذا التصديق فقال: كل تفاح مكيل، وكل مكيل ربوي، ينتج من الشكل الأول: التفاح ربوي. فيقول خصمه: أمنع صُغرى دليلك هذا، وهي قولك: كل تفاح مكيل. ومثال منع الكبرى أن يقول: الخيل السائمة تجب فيها الزكاة، ثم

стр. 209

يقيم الدليل على ذلك فيقول: الخيل السائمة مال، وكل مال تجب فيه الزكاة، ينتج من الشكل الأول: الخيل السائمة تجب فيها الزكاة. فيقول خصمه: أمنعُ كُبرى دليلك هذا، وهي قولك: وكل مال تجب فيه الزكاة. ومثاله في الاستثنائي أن يريد إثبات أن هذا إنسان فيقول: لو كان هذا حيوانًا لكان إنسانًا، لكنه حيوان، ينتج فهو إنسان. فيقول خصمه: أمنعُ المقدمة الكبرى من دليلك هذا، وهي الشرطية، أعني قولك: لو كان هذا حيوانًا لكان إنسانًا. ومثال منع الصغرى في القياس الاستثنائي أن يريد إثبات أن الذُرَة ليست بربوية، فيقول: لو كانت الذُرةُ ربوية لكانت مكيلة، لكنها غيرُ مكيلة، ينتج: فهي غير ربوية. فيقول خصمه: أمنعُ صُغرى دليلك هذا، وهي قولك: لكنها غيرُ مكيلة. ومثاله في التنبيه أن يقول صاحب التصديق: حرمة الحمر الأهلية قطعية. ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: حرمتها أخبر بها عن النبي ﷺ عددٌ يستحيل تواطؤهم على الكذب، وكل حرمة أخبرَ بها عن النبي ﷺ عددٌ يستحيل تواطؤهم على الكذب فهي قطعية، ينتج من الشكل الأول: حرمة الحمر الأهلية قطعية. فيقول خصمه: أمنعُ صغرى دليلك هذا، وهي قولك: إن حرمتها أخبر بها عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب.

стр. 210

واعلم أنا لا نطيل الكلام على التنبيه لقلة الفائدة فيه؛ لأن البديهي لا يحتاج في أصل ثبوته إلى دليل، وإنما يحتاج لتنبيه يزيل عنه الخفاء، ولا يتوجه إليه منع حقيقي صادق في نفس الأمر إلا إذا كان صاحبه جاء به على غير وجهه، كالمثال الذي ذكرنا، وإنما ذكرناه على غير وجهه لنوضح مثال ورود المنع عليه، والمثال لا يُعترض كما تقدم، وسنأتي إن شاء الله فيما يأتي بأمثلة للتنبيه والاستدلال صحيحة، يكون المنع الوارد عليها باطلًا، لنوضح وجه بطلانه. وقد قال الجرجاني (١) في رسالته في البحث والمناظرة ما نصه: وأما التنبيه فيتوجه عليه ذلك، ولا يكثر نفعه [إذْ] (٢) لم يُقصد به إثبات الدعوى، فلا يُقدح في ثبوته المستغني عن الإثبات، بخلاف الاستدلال. انتهى منها. وهو واضح. وبناء على ذلك سنقلل الكلام في التنبيه ونبسطه في الاستدلال. وهذه الأمثلة التي ذكرنا كلُّها أمثلة لمنع مقدمة معينة من دليل المعلل على تصديقه، مع كون المنع المذكور مجردًا عن السند. ومن المعلوم أن المنع المذكور للمقدمة المعينة تارة يكون مجردًا عن السند، وتارة يكون مقرونًا بالسند، ولا ينبغي أن يكون المنع المذكور مقرونًا بالسند إلا بعد إقامة المعلل عليه الدليل؛ فإن منعه السائل

стр. 211

بالسند قبل استدلال المعلل فهو غصب، وقد قدمنا أن الغصب وظيفة غير مقبولة عند أهل هذا الفن، خلافًا لمن أجازه من أهل هذا الفن، كركن الدين أبي حامد محمد بن محمد العميدي السمرقندي الحنفي (١)، وهو أول من ميز هذا الفن عن غيره من العلوم، وجعله فنًا مستقلًا على الكيفية التي يتناقلها أهله (٢)، وهو يجيز الغصب المذكور، هو ومن تبعه، وأكثر أهل هذا الفن على أنه وظيفة غير مقبولة، وهو الصواب؛ لأن ارتكاب الغصب يصيّر السائل في منزلة المعلل، كعكسه، وهذا لا ينبغي في المناظرة. وقد يقول صاحب السنَد إنه ليس من الغصب؛ لأنه ليس بدليل مركب تام. ويجاب بأنه دليل على المنع، وإن حُذف بعض مقدماته، فلو قلتَ مثلًا: لا يجوز أن يكون كذا، فكأنك قلت: العقل يجوّز خلاف الدعوى، وكل دعوى يجوّز العقل خلافها فليست بصحيحة إلا احتمالًا، واحتمال الصحة لا يستلزم الصحة، فمنعها بطلب الدليل عليها واضح. أما إن أقام المعلل الدليل على إحدى مقدمتي دليله، أو عليهما، فمنَعهما منعًا مقرونًا بالسند الذي هو دليل المنع، فهو مقبول جائز. وإذا عرفت أن منع مقدمة معينة من مقدمات الدليل قد يكون مجردًا عن السند كما مثلنا، وقد يكون مقرونًا بالسند جوازًا اتفاقًا مع

стр. 212

إقامة صاحبها الدليل عليها، وقد يكون بدون إقامته الدليل عند من يجيز ذلك، فاعلم أن السند في اصطلاح أهل هذا الفن هو ما يذكره السامع معتقدًا أنه يستلزم نقيض الدعوى التي يوجِّه إليها المنع. وإيضاح ذلك أنه هو المستند الذي يستند إليه المانع في إبطال الدعوى الممنوعة، ويسمى "المستنَد"، وربما قيل له: "الشاهد". واعلم أن السند المذكور قد تختلف تقسيماته باختلاف الاعتبارات، فينقسم بالنظر إلى صورته التي يورد عليها إلى ثلاثة أقسام: الأول: السند اللمي، ويسمى "الجوازي". والثاني: السند القطعي. والثالث: السند الحَلِّي، بالحاء المهملة المفتوحة ثم تشديد اللام بعدها ياء النسب. أما اللمي فهو منسوب إلى لفظ "لِمَ"، المركبةِ من لام الجر، و"ما" الاستفهامية المحذوف ألفها، على القاعدة المشار إليها بقول ابن مالك في الخلاصة: و(ما) في الاستفهام إن جُرّتْ حُذفْ ... أَلفُها وأَوْلِها الها إن تقفْ (١) وإنما نسب هذا النوع من السند إلى "لِمَ" لأنها تذكر فيه، وضابط

стр. 213

هذا النوع من السند أن المانع يمنع مقدمة من دليل المعلل مثلًا، ويستند في ذاك المنع إلى أن العقل يجيز أن يكون الأمر على خلاف ما ذكره المعلل، وإذا كان العقل يجيز خلافه فلا يتعيّن هو مع تجويز خلافه؛ لأن تطرق ذلك الاحتمال سند في عدم نهوض ذلك الاستدلال، ولهذا كان اللمي يسمى الجوازي لما ذكرنا. ومن أمثلته أن يقول المعلل صاحب التصديق: ذلك الشبح إنسان، ثم يقيم الدليل على هذا التصديق فيقول: لأنه ناطق، وكل ناطق إنسان، ينتج من الشكل الأول: هو -أي الشبح المذكور- إنسان، وهذا هو عين التصديق المدعى الذي أقيم عليه الدليل. فيمنع السائل صغرى هذا القياس الاقتراني التي هي: هو -أي الشبح المذكور- ناطق، ويقرن هذا المنع بالسند اللمي المقتضي جوازَ كون ذلك الشبح غيرَ ناطق فيقول: لا نسلم أن ذلك الشبح ناطق، وهذا هو معنى منعه صغرى الدليل، ثم يأتي بالسند اللمي فيقول مثلًا: لم لا يكون حجرًا، أو يقول: لم لا يجوز أن يكون غير ضاحك، أو: لم لا يجوز أن يكون غير ناطق، وتجويز كونه حجرًا سند لكونه غير ناطق، وكذلك تجويز كونه غير ضاحك سند لكونه غير ناطق، وكونه غيرَ ناطق واضح أنه سند لمنع كونه ناطقًا كما ترى. ومن أمثلته أن يقول المعلِّل صاحبُ التصديق: هذا الإنسان وارث لهذا الإنسان قطعًا، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه ابنُه، وكل ابن وارث لأبيه، ينتج من الشكل الأول: هذا الابن [وارث] (١)

стр. 214

لأبيه، وهو عين التصديق المدعَى الذي أقيم عليه الدليل، وهو كون هذا الإنسان الذي هو الابن وارثًا لهذا الإنسان الذي هو الأب. فيقول السائل أمنع كبرى دليلك هذا، وهي قولك: وكل ابن وارثٌ لأبيه، وهذا هو المنع، ويقرن هذا المنعَ بالسند اللمي المقتضي جواز كون ذلك الابن لا يرث ذلك الأب، فيقول مثلًا: لم لا يجوز أن يكون الابن كافرًا، أو: لم لا يجوز أن يكون عبدًا، أو: لما لا يجوز أن يكون الأب كافرًا، أو: لم لا يجوز أن يكون الأب عبدًا، وهكذا. وأما النوع الثاني وهو السند القطعي فضابطه أن يكون السند المقرونُ بالمنع فيه التصريحُ القاطع من صاحب المنع المقترنِ بالسند، بما ينافي دعوى المعلل التي أقام عليها الدليل، من غير تعرض منه إلى بيان منشأ الغلط في الدعوى الممنوعة، قائلًا: إن السند المذكور قد قطع العقل بصحته. ومثاله أن يقول المعلل صاحب التصديق: ذلك الشبح ليس بإنسان، ثم يقيم الدليل على ذلك فيقول: لأنه حجر، ولا شيء من الحجر بإنسان، ينتج من الشكل الأول: ذلك الشبح ليس بإنسان، وهو عين التصديق الذي أقيم عليه الدليل. فيقول السائل: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك: لأنه أي الشبح المذكور حجر، ويقرن هذا المنع بالسند القطعي فيقول: كيف يكون الشبح المذكور حجرًا وهو ناطق، فقطعه بأنه ناطق ينافي دعوى المعلل التي أقام عليها الدليل، وهي كون الشبح المذكور ليس بإنسان، وذلك يمنعه صغرى الدليل منعًا مقرونًا بالسند القطعي.

стр. 215

ومن أمثلته أن يقول المعلل الحنفي صاحب التصديق: صوم رمضان يصح بنية قبل الزوال، ثم يقيم الدليل على هذا التصديق فيقول: لأنه تكفي فيه النية قبل الزوال، وكل صوم تكفي فيه النية قبل الزوال فهو صحيح. فيقول السائل الشافعي أو المالكي أو الحنبلي: أمنع صغرى دليلك هذا، وهي قولك؛ لأنه تكفي فيه النية قبل الزوال، ثم يقرن منع هذه الصغرى بالسند القطعي فيقول: كيف تكفي فيه النية قبل الزوال وقد وقع الشروع فيه أولًا فاسدًا؛ لتجرده عن النية، و"الأعمال بالنيات" (١)، "ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (٢). واعلم أن قصدنا دائمًا بالأمثلة التي اختلف فيها الأئمة مطلقُ المثال لفهم القاعدة، وليس قصدُنا مناقشةَ أدلة أقوالهم، وترجيحَ الراجح منها بالدليل. والشأن لا يُعترض المثالُ ... إذ قد كفى الفرض والاحتمال وأما النوع الثالث من أنواع السند الذي هو السند الحَلّي، وربما سموه الحل، فضابطه أن يكون مرادُ السائل المانع تبيينَ منشأ غلط المعللِ صاحب التصديق، وتعيينَ موضع غلطه، وإنَّما يورد هذا النوع
следующие страницы →