هي قوله (قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص)، فقوله (يجب فيه القصاص) ثبوت، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجب المذكور.
الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدل صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها.
كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوان يُسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل.
فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة، وهذا أضعف أنواعه؛ لأن المستدل يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها.
الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدِل عن مقدمة غيرِ مشهورة؛ مخافةَ منع الخصم لها لو صرح بها.
كقول مشترط النية في الوضوء والغُسل: كل ما هو قُربة تُشترط فيه النية كالصلاة، ويسكت عن المقدمة الصغرى التي هي: الوضوء والغسل قُربة.
فيقول المعترض كالحنفي: أُسلّم أن كل ما هو قربة تُشترط فيها النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغُسل.
فلو صرح المستدل بالصغرى فمنعها المعترض خرج عن القول بالموجِب.
وبعضهم يقول في هذا المثال: السكوت عن مقدمة مشهورة.
стр. 352
ووجه الأول أن المشهورة كالمذكورة، فكأنها غير مسكوت عنها لشهرتها، وهذا النوع من القول بالموجَب إنما ورد على السكوت عنها. ووجه قول من قال (عن مقدمة مشهورة) هو أن الشهرة هي سبب جواز الحذف؛ لأن حذف غير المشهور قد يؤدي إلى عدم فهم الكلام.
واعلم بأن بعض أهل الأصول يقول: إن القول بالموجَب والقلبَ كلاهما معارضة في الحكم. وقد ذكرنا أنه الصواب في القلب سابقًا، وجعلهما الفخر الرازي (١) من القوادح في العلة.
وأظهرُ القولين أنه إن قال: (هذا الذي نفيتَ ليس مبنى مذهبي) أنه يُصدّق في ذلك، فإن استنتج من الدليل ما يتوهم أنه محل النزاع أو مُلازمُه فقال المعترض: (ليس هو محل النزاع ولا ملازمًا له) فجوابه عن هذا أن يُثبت أنه هو محل النزاع أو ملازم له بطريق من طرق الإثبات.
والحق أن القول بالموجَب يرِدُ على جميع الأدلة، قياسًا كان الدليل أو غيرَه، فقول الرازي إنه من القوادح في العلة لا يظهر كلَّ الظهور؛ لأنه أعم من ذلك.
وتطبيق القول بالموجَب على الاعتراض في البحث والمناظرة أنه شبيه بالنقض؛ لأن المعترض يقول: دليلك مسلّم، ولكن الحكم الذي هو مدلولُه متخلّف عنه، وتخلف المدلول عن الدليل نقض في البحث والمناظرة، ولكنه عندهم مبطل للدليل؛ لأن تخلف المدلول عندهم
стр. 353
مبطل للدليل، كما تقدم إيضاحه (١).
والقول بالموجَب يتخلف فيه المدلول في دعوى المعترض عن الدليل، مع اعتراف المعترض بتسليم نفس الدليل، ومن هنا خالف النقضَ وإن أشبهه من حيث تخلفُ المدلول عن الدليل في كل منهما، والأقرب أنه من نوع المعارضة؛ لأن المعترض يعارض دليل الخصم بدليل آخرَ يقتضي أن دليله في [غير] (٢) محل النزاع.
ولو قيل إنه نوع خاص من المنع: وهو منع بعد تسليم دليل المستدل، وهذا المنع منع لكون دليله في محل النزاع = لكان له وجه. والعلم عند الله -تعالى-.
وهذا الذي بيناه هنا القولُ بالموجَب في اصطلاح أهل الأصول، ولم نتعرض للقول بالموجب في اصطلاح البلاغيين، وهو عندهم نوع من البديع المعنوي، وقد أوضحناه بأمثلته في رسالتنا في منع المجاز في القرآن.
стр. 354
فصل في السؤال الثاني عشر
وهو القادح المعروف في الأصول بالقدح في إفضاء الحكم إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم.
وضابطه الاعتراض بان المصلحة التي شُرع من أجلها الحكم لم يفض إليها الحكم.
ومثاله أن يقال في علة مصاهرة المحارم على التأبيد: إنها الحاجة إلى ارتفاع الحجاب، ووجه المناسبة أنه يفضي إلى رفع الفجور؛ لأن التأبيد التحريم يقطع الطمع، وقطع الطمع في النكاح يجعل المحرمة بالمصاهرة لا تتوق النفس إليها؛ لأنها بذلك تصير كالأخت والأم، فلا ينظر إليها نظرة شهوة، ولا يكون بينه وبينها ما يدعو إلى الريبة.
فيقول المعترض: هذا الحكم لم يفض إلى المصلحة المقصودة؛ لأن قطع الطمع في النكاح أدعى إلى الفجور؛ لأن النفس حريصة على ما مُنعت منه، كما قال الشاعر (١):
مُنعتَ شيئًا فأكثرتَ الولوعَ به ... أَحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعا (٢)
وقوة داعية الشهوة مع اليأس من حلّية النكاح مظنة الفجور.
والجواب عن هذا الاعتراض ببيان إفضاء الحكم إلى المصلحة،
стр. 355
كأن يقول في هذه المسألة: تأبيد التحريم يمنع عادةً من مقدمات الهم والنظر، وبالدوام يصير كالأمر الطبيعي، فلا يبقى المحل مشتهىً، كالأمهات والأخوات، كما هو مشاهد، ولا شك أن اليأس له أثر كبير في صدود النفس عما يئست منه، كما قال بعض المتأخرين من أدباء قُطْر شنقيط، وهو خال والدي شقيقُ أمه:
فكن يائسًا منها ففي اليأس راحةٌ ... وإن رسيس الشوق يطردُه اليأسُ
وهكذا يصح مثالًا لا شاهدًا؛ لتأخر قائله.
وكونُ اليأس يُريح من الطمع أمر معروف مشهور في شعر العرب، ومنه قول امرئ القيس:
أبيني لنا إن الصَريمة راحةٌ ... من الأمر ذي المخلوجة المتلبّسِ (١)
فإن معنى بيته أنها إن صرّحت له بالصريمة والقطيعة استراح من الطمع الذي لا يدري صاحبه أيحصل على شيء أم لا.
ووجه تطبيق هذا القادح في البحث والمناظرة ظاهر؛ لأنه منع؛ إذ المعترض يمنع فيه حصولَ المصلحة المقصودة بتشريع الحكم. وقد قدمنا لك أن جميع القوادح راجعة إلى المنع والمعارضة. وبعضهم يقول: إنها كلها راجعة إلى المنع.
стр. 356
فصل في السؤال الثالث عشر
وهو القادح المعروف في الأصول بكون الوصف خفيًّا غير ظاهر، كقول المالكية في انعقاد البيع بالمعاطاة دون صيغة دالة عليه: هذا البيع حصل فيه الرضا، وكل بيع كان كذلك فهو صحيح، فهذا البيع صحيح.
وكأن يقال: هذا القتل عمدٌ عدوان، وكل قتل كان كذلك يجب فيه القصاص، فهذا القتل يجب فيه القصاص.
فيقول المعترض: الرضا في العقود والقصد في الأفعال مثلًا كلاهما أمر خفي؛ لأنه شيء كامن في باطن الشخص، فقد يُظن عامدًا وهو ليس كذلك، وقد يُظن راضيًا وهو ليس كذلك.
فالجواب عن هذا القادح ضبطُه بصفة ظاهرة، كضبط الرضا بصيغ العقود، وضبط العمْد بفعل يدل عليه عادة، كاستعمال السلاح كالسيف والرمح في القتل.
والقصد مطلق المثال وهذا القادح راجع إلى المنع كما لا يخفى؛ لأنه مُنع فيه ظهور الوصف.
стр. 357
فصل في السؤال الرابع عشر
وهو القادح المعروف في الأصول بكون الوصف غيرَ منضبط، كأن يقول: العلة في قصر الصلاة رفعُ المشقة، والعلة في حد القذف مثلًا الزجر عن أعراض الناس.
فيقول المعترض: المشقة لا تنضبط؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة، والزجر لا ينضبط؛ لاختلافه أيضًا باختلاف الأشخاص.
وقد يجاب عن هذا بإناطة المشقة بالمظنة كالسفر، وهو منضبط، وإناطة الزجر بالحدود مثلًا، وهي منضبطة.
وقد يجاب عن عدم الانضباط بأن العرف قد يصيّره منضبطًا؛ للرجوع للعرف في المسائل التي تختلف باختلاف الأحوال، وله اتجاه، فالعرف مثلًا قد يحدد المشقة التي يجوز بسببها الجلوس في الصلاة، وهكذا، وهذا القادح راجع إلى المنع كما لا يخفى.
стр. 358
فصل في السؤال الخامس عشر
وهو القادح المعروف في الأصول بمخالفة حكم الفرع لحكم الأصل، كأن يقول المستدل: لا يجوز أن يكون الصداق المعقودُ عليه النكاحُ عبدًا آبقًا، أو بعيرًا شاردًا، قياسًا على البيع في منع ذلك، بجامع العلة التي هي منع المعاوضة بما فيه غرر.
فيقول المعترض: الحكم في الفرع مخالف للحكم في الأصل حقيقة، وإن ساواه بدليلك صورةً، والمطلوبُ مساواته له حقيقة، فما هو مطلوبك ليس ما أفاده دليلُك، والدليل إذا نُصب في غير محل النزاع كان فاسدًا، كما تقدم إيضاحه في القول بالموجب؛ (١) لأن المقصود من الدليل إثبات محل النزاع.
وإيضاحه أن عدم الصحة في البيع [حرّم] (٢) الانتفاعَ بالمبيع، وفي النكاح [حرّم] التلذذَ بالمنكوحة، فاختلفا.
والجواب عن هذا القادح هو أن البطلان شيء واحد، وهو عدم ترتيب المقصود من العقد عليه، وإنما اختلف المحل بكونه بيعًا ونكاحًا، واختلاف المحل لا يستلزم اختلافَ ما حل فيه، بل اختلاف المحل شرط في القياس ضرورة، فكيف يجعل شرطه مانعًا منه؟ فيلزم امتناعه أَبدًا.
стр. 359
وهذا القادح راجع إلى المنع؛ لأن المعترض يمنع إفادة دليل المستدل مطلوبَه؛ لأنه في غير محل النزاع في دعوى الخصم، وهما مفترقان من حيث أن هذا لا يسلّم دليل خصمه، والقول بالموجَب يسلّم فيه دليل خصمه، ثم يمنع كونه في محل النزاع.
وقد اكتفينا هنا بهذه الجمل التي ذكرناها من القوادح؛ لأن ما تركناه راجع إلى ما ذكرنا، بل قد أوضحنا أنها كلها راجعة إلى المنع والمعارضة، أو المنع فقط، وأشرنا إلى تطبيقها في البحث والمناظرة عند الكلام على كل قادح.
стр. 360
فصل في إيضاح طرق مناظرة المتكلمين في الأدلة التي جاءوا بها
ونفوا بها بعض صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة الصحيحة ويكفينا في هذا البحث تطبيقُه في مثال واحد؛ لأن جميع الصفات حكمُها واحد، فإيضاح مثال واحد منها مستلزمٌ لإيضاح جميعِها؛ لأنها كلَّها من باب واحد؛ لأن الموصوفَ بها -جل وعلا- واحد، وهو منزه كلَّ التنزيه عن مشابهة الخلق في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، فإيضاح مثال واحد منها إيضاحٌ لها كلِّها.
وذلك المثال الذي نذكره في هذا الموضوع هو استواء الله -جل وعلا- على عرشه، فهو -سبحانه جل وعلا- أثنى على نفس في سبع آيات من كتابه (١) بأنه استوى العرش، فهي صفة ثابتة ثبوتًا قطعيًّا بسبعة أدلة قرآنية صريحة، وهذه الصفة الكريمة المقدسة التي كرر الله في كتابه ثناءه بها على نفسه ينفيها من أصلها كثير من [المتكلمين] (٢)، والذين ينفونها قصدُهم حسن، وهو تنزيه الله عن مشابهة خلقه، ولكن هذا القصد الحسنَ تلزمه الإساءةُ الكبرى والجناية العظمى من ثلاث جهات، كلُّ واحدة منها أكبرُ من أختها، فهم ينطبق عليهم بيت الإمام
стр. 361
الشافعي ﵀:
رام نفعًا فضرَّ من غير قصدٍ ... ومن البرِّ ما يكون عقوقًا (١)
وسيأتي إيضاح تلك الإساءةِ الكبرى من الجهات الثلاث المذكورةِ في الخاتمة، في المقارنة بين مذهب السلف وما يسمّونه مذهب الخلف، إن شاء الله -تعالى-.
فالمتكلمون النافون لبعض صفات الله -جل وعلا- الثابتة له في كتابه وسنة رسوله ﷺ ينفون إستواءَهُ على عرشه فيقولون: (لم يستو على العرش)، وهذه الدعوى المخالفةُ لصريح القرآن في سبعة مواضع منه ينتجونها من قياس منطقي استثنائي، وقد يجعلونه اقترانيًا، وسنذكر قياسهم المذكور ونبينُ وجهَ بطلانه في الاستثنائى والاقتراني:
أما صورة الاستثنائي فإنهم يقولون: لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للمخلوقات؛ لأن الاستواء على المخلوق من صفات المخلوق، لكنه غيرُ مشابهٍ للمخلوقات، ينتج عندهم: هو ليس مستويًا على العرش.
وهذه النتيجة من أعظم الافتراء على اللهِ وأشنع الكذب؛ لأنها تكذّب سبعَ آيات من القرآن العظيم.
وإيضاح إبطال هذا الدليل الذي أنتج هذا الباطل الأعظمَ من أَوجه متعددة:
стр. 362
الأول: منع كبراه وهي الشرطية فنقول: قولكم: (لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للمخلوق) شرطية متصلة كاذبة؛ لأن الربط بين مقدَّمها وتاليها غيرُ صحيح، ومدار صدق الشرطية على صدق الربط كما قدمنا إيضاحه، فإذا كان الربط بين المقدَّم والتالي غيرَ صحيحٍ كما هنا كانت الشرطيةُ غيرَ صحيحة، ولذلك أنتجت نقيض آيات القرآن، والتالي في هذه الشرطية أخصُّ من المقدَّم، والحكم بالأخص على الأعم لا يصدق إلا جزئيًّا، سلبًا كان أو إيجابًا، وسواءٌ كان الحكم معلقًا كما في الشرطيات أو غيرَ معلق كما في الحمليّات، بل هو -تعالى- مستوٍ على عرشه كما قال، مع التنزيه التام عن مشابهة المخلوق في استوائه؛ لأن استواءه كسائر صفاته وكذاته في تنزيه الجميع عن مشابهة الخلق، فدعوى أن استواءه على عرشه تلزمه مشابهة المخلوق دعوى كاذبةٌ كذبًا لا يماثله كذبٌ في الشناعة.
ومما يوضح هذا أنه لو قال معطل آخر: لو كان سميعًا بصيرًا لكان مشابهًا للمخلوق الذي يسمع ويُبصر، لكنه ليس مشابهًا للمخلوق، ينتج له: فليس سميعًا ولا بصيرًا، وهذا القياس كالذي قبله؛ لأن كلا منهما قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة واستثنائية، استَثْنَى فيه المستدلُّ به نقيضَ التالي فأنتح له في زعمه الباطل نقيضَ المقدَّم، ولو كان الربط صحيحًا لكان الإنتاج صحيحًا، لكن الربط باطل فالإنتاج باطل، فلو قال من يثبت السمع والبصر: قولك لو كان سميعًا بصيرًا لا تلزمه مشابهةُ الخلق؛ لتنزيه سمعه وبصره عن مشابهه أسماع الخلق وأبصارهم. لقال له خصمه: وكذلك قولك (لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للمخلوق) شرطية كاذبة الربط؛ لأن استواءه على
стр. 363
عرشه لا تلزمه مشابهةُ الخلق؛ لتنزيه استوائه عن مشابهة استواء الخلق = لألزمه وألقمه حجرًا (١)؛ إذ لا فرق البتةَ بين الاستواء وبين السمع والبصر في أن كل ما وُصف به الله منها منزَّهٌ كلَّ التنزيه عن مشابهة صفات الخلق.
وما وُصف به المخلوق لائق بالمخلوق ولا يليق بالخالق البتة، والفرق بين الصفة والصفة كالفرق بين الذات والذات، والصفات كلها من باب واحد، وكذلك الصفات والذات، فما أُضيف من جميع ذلك للمخلوق فهو حق، وهو مناسب لذات المخلوق، وما وصف به منها الخالق لائقٌ بذات الخالق، منزّهٌ عن مشابهة صفات المخلوق.
فتبين أن القياس الشرطي المذكور الذي نفوا به صفة الاستواء كاذبُ الكبرى، وهي شرطية، والنتيجة تكذب لكذب كل واحدة من المقدمتين.
وتبين أن صاحبه يلزمُه مثلُه في كل ما يُقِر به من الصفات، كما مثلنا له بالسمع والبصر آنفًا.
الوجه الثاني من أوجه إبطاله: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته سبعَ آيات من القرآن العظيم، وكل ما خالف القرآن فهو باطل؛ لأن نقيض الحق باطل بلا شك.
الوجه الثالث: معارضته بدليلٍ حقٍّ ليس فيه شائبةُ كذبٍ المعارضةَ
стр. 364
المعروفةَ بالمعارضة بالمثل، كأن يقال: لو كان غير مستوٍ على عرشه لما مدح نفسه باستوائه على عرشه في سبع آيات من كتابه، لكنه مدح نفسه باستوائه على عرشه في سبع آيات من كتابه، ينتج: هو مستوٍ على عرشه كما قال.
وهذا قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية واستثنائية، استُثنيَ فيه نقيضُ التالي فأنتج نقيضَ المقدم إنتاجًا صحيحًا موافقًا للوحي؛ لصحة الربط بين مقدَّم الشرطية فيه وتاليها، فهي معارضة بالمثل أنتجت الحق الصحيح المطابقَ لكلام رب العالمين، الذي هو نقيض الباطل الذي أنتجه الدليل الباطل.
فتحصل أن قول نافي الاستواء: (لو كان مستويًا على العرش لكان مشابهًا للخلق) باطلٌ من جهات كثيرة: منها على طرق المناظرة منعُ كبرى الدليل، ومنها معارضتُه بمثله، ومنها نقضُه في الجملة باستلزام مثله المحال؛ لأن مثلَه مستلزمٌ نفي السمع والبصر بنفس الدليل المذكور، ونفيُهما محال، وكل دليل أَدّى إلى المحال فهو محال، وذلك في فن البحث والمناظرة من صور النقض الإجمالي كما تقدم إيضاحه (١)، لكنه هنا ليس نقضًا محضًا، ولكنه يشبهُهُ شبَهًا قويًّا، من حيث إن المحال يستلزمه مماثل الدليل لا نفسُ الدليل.
(فبان) أن استواءه -جل وعلا- على عرشه لا تلزمه مشابهةُ المخلوق البتة، بل هو -تعالى- قد استوى على عرشه كما قال من غير
стр. 365
مشابهة ولا مماثلة لاستواء المخلوق.
والاعتراف بهذا يَلزم الخصم لزومًا لا تخلّص له منه؛ لاعترافه بنظيره في كونه -تعالى- سميعًا بصيرًا قادرًا مريدًا إلخ، وأنه لم يلزم من ذلك مشابهةُ المخلوقات التي تسمع وتبصر وتَقْدِرُ وتريد.
وكلهم (١) يعترفون بأنه موجودٌ والمخلوقَ موجود، ولم تلزم من ذلك المشابهة، والجميع من باب واحد، والفرق بين صفة وصفة من ذلك لا وجه له البتة، ولا يقوم عليه دليل أبدًا كما لا يخفى.
وتبين أن قولهم (لو كان مستويًا على العرش لشابه الخلق) شرطيةٌ كاذبة، وأنها لا تصدق إلا جزئية، كما لو سُوِّرتْ بسور جزئي فقيل فيها: قد يكون إذا كان الشيء مستويًا على مخلوق كان مشابهًا للمخلوق؛ لأن الاستواء على المخلوق قسمان: قسمٌ تلزمه مشابهة المخلوق وهو استواء المخلوق، وقسمٌ لا يلزمه ذلك وهو استواء الخالق -جل وعلا-؛ لأنه لا يشبهه استواء المخلوق بوجه من الوجوه، كما أن سائر صفاته -جل وعلا- لا تشبه شيئًا من صفات المخلوقين، وكما أن ذاته -جل وعلا- لا تشبه شيئًا من ذواتهم، عن ذلك علوًا كبيرًا.
ووجه جعلهم الدليلَ المنتجَ لنقيض القرآن اقترانيًا هو أن يقول نافي الاستواء: قولُكم (هو مستوٍ على عرشه) لو جعلناه مقدمة صغرى وضمَمْنا إليها مقدمة صادقة كبرى فإن النتيجة تكون كاذبة، فانحصر
стр. 366
الكذب اللازم من كذب النتيجة في الصغرى، وهي قولكم (هو مستوٍ على عرشه).
وإيضاحُه أنهم يقولون: هو مستوٍ على العرش، وكل مستوٍ على مخلوق عرشًا كان أو غيرَه فهو مشابه للمخلوق، ينتج عندهم: هو مشابه للمخلوق عن ذلك علوًا كبيرًا-، فيقولون: هذه النتيجة كاذبة بالضرورة، والقول بها كفر بواح -والعياذ بالله-، وكذبها لم ينشأ إلا من عدم صحة الصغرى التي هي قولكم (هو مستوٍ على العرش)؛ لأن الكبرى صادقة.
والجواب عن هذا بالمنع، وهو منع صدق الكبرى ومنع كذب الصغرى، وبيانِ أن الحق الذي لا شك فيه هو أن الكبرى التي جاؤوا بها وهي قولهم (وكل مستو على مخلوق فهو مشابه للمخلوق) كاذبة، ومن أجل كذبها جاءت النتيجة كاذبةً مناقضةً لسبع آيات من القرآن.
وهذه الكبرى لا تصدق أيضًا إلا جزئية، كما لو سُوِّرت بسور جزئي، كأن يقال: بعض المستوي على المخلوقُ مشابهٌ للمخلوق؛ لأن محمولها أخص من موضوعها، فلا يصدق الحكم عليه به إلا جزئيًّا، فقولهم (وكل مستوٍ على مخلوق مشابه للمخلوق) كليةٌ موجبةٌ مسورة بسور كلي إيجابي، وهي كاذبة السور، والمسورة تكذب لكذب سورها، كما تكذب الموجهة (١) لكذب جهتها، وقد بيّنا أن الاستواء على المخلوق قسمان: أحدهما لا تلزمه مشابهة المخلوق بوجه من
стр. 367
الوجوه، وهو استواء الخالق -جل وعلا- كما تقدم إيضاحه.
والدليل على أن الصغرى التي ادعوا كذبَها أنها هي الصادقةُ أن الله صرح بها في سبع آيات من كتابه، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧]، ويقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، ولا شك أنه لا أحدَ أصدقُ من الله، والصغرى صرَّح الله في كتابه العزيز بصدقها في سبعة مواضع منه، فتبين أن الكاذبة هي الكبرى التي جاءوا بها، ومن شدة كذبها صارت النتيجة كفرًا بواحًا -والعياذ بالله-، فزعموا للكاذبة الصدق، وادعوا على الصادقة الكذب، ولأجل هذا الافتراء جاءت النتيجة كاذبة.
وبإيضاح كذب الكبرى المذكورةِ تعلم أن كل قياس اقتراني جاؤوا به في الموضوع فبعض مقدماته كاذب يقينًا؛ لأن النتيجة كفر، وهي لا تكون كاذبة إلا بسبب كذب إحدى مقدمات الدليل.
ومثال كذب الكبرى هو ما رأيتَه.
ومثال كذب الصغرى قولهم: الاستواء على العرش تلزمه مشابهة الخلق، وكل ما كان [كذلك] (١) فهو ممنوع، ينتج لهم الباطل، وهو: الاستواء على العرش تلزمه مشابهة الخلق.
وبنحو هذا نعرف كيف يستدلون بالأدلة الباطلة، وينتجون بها ما يناقض القرآن.
стр. 368
وإبطال جعلهم الدليلَ اقترانيًا من جهات متعددة أيضًا: منها المنع كما أوضحناه آنفًا، ومنها كون دليلهم فاسدَ الاعتبار لمخالفته لسبع آيات من القرآن العظيم.
ومنها معارضتُه بالمثل كأن يقال: استواء الله على عرشه أثبته في كتابه، وكل ما أثبته الله في كتابه فهو حق لا شك فيه، ينتج من الشكل الأول: استواءُ الله على عرشه حق لا شك فيه، فهذا قياس اقتراني صحيح المقدمتينِ وصحيحُ صورة التركيب، ولذلك أنتج الحقَّ المطابقَ للوحي السماوي، فهو ينقض القياس الاقتراني الذي نفوا به صفة الاستواء بطريق المعارضة بالمِثْل؛ لأن كلا منهما اقتراني من الشكل الأول.
وكأن يقال: استواءُ الله على عرشه صَرّح في كتابه بالثناء على نفسه به، وكل ما كان كذلك فلا يلزمه محذور ولا باطل، ينتج من الشكل الأول: استواء الله على عرشه لا يلزمه محذور ولا باطل، وهذا أيضًا دليل اقتراني صحيح مطابق للقرآن، وهكذا.
فهذا النوع من إبطال هذه الأدلة الفاسدة مُطّرِد في جميع أدلتهم التي نفوا بها بعض صفات الله الثابتة بالوحي.
стр. 369
فصل في بيان عقيدة السلف الصحيحة الصافية من شوائب التشبيه والتعطيل
وقد أردنا أن نوضحها هنا باختصار، بأسلوب عربي خال من اصطلاح أهل المنطق وأهل البحث والمناظرة؛ لينفع الله بذلك من أراد هدايته من خلقه.
اعلم أن المعتقَد الصحيح المُنجيَ عند الله في آيات الصفات هو ما كان عليه السلف الصالح ﵃، وهو مقتضى نصوص القرآن العظيم.
وهو مبنيٌّ على ثلاثة أسس، كلُها صرح الله به في كتابه عن نفسه، وصرح بها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، ولا يصف اللهَ أعلمُ بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ولا يصف اللهَ بعد الله أعلمُ بالله من رسوله ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
والأول من الأسس الثلاثة المذكورة هو تنزيه خالق السماوات والأرض -جل وعلا- من مشابهة خلقه في شيء من ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم، عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذا الأساس الأعظم للعقيدة الصحيحة صرح الله به في قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥] وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل: ٧٤].
стр. 370
ومن وفقه الله لفهم هذا الأساس الأعظمِ ونزه خالقَه عن مشابهة الخلق تنزيهًا تامًّا جازمًا به قلبُه فإن قلبه يكون طاهرًا من أفذار التشبيه، وتكون عقيدتُه مبنية على أساس صحيح، وهو تنزيه خالق السموات والأرض عن مشابهة خلقه، في ضوء قوله -تعالى-: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، ونحوها من الآيات، فإذا استحكم هذا الأساس الأعظمُ في قلب المؤمن كان استحكامه فيه سببًا لتوفيقه للأساس الثاني من الأسس الثلاثة التي ذكرنا.
ونعني بالأساس الثاني المذكور تصديقَ الله فيما أثنى به على نفسه، وتصديقَ رسول الله ﷺ فيما أثنى على ربه، والإيمانَ بتلك الصفات الثابتةِ في القرآن العظيم و [السنة] (١) الصحيحةِ إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه.
فهذان أساسان عظيمان: الأول تنزيه الله -تعالى- عن مشابهة خلقه، والثاني الإيمان بصفاته الثابتة في الوحي الصحيح إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه، بعيدًا كلَّ البعد عن مشابهة الخلق، وكيف يخطر في ذهن المؤمن العاقل مشابهةُ الخلق لخالقهم؟ فالصنعة لا تشبه صانعها بحال.
وهذان الأساسان أوضحهما الله في محكم كتابه إيضاحًا لا يترك في الحق لبسًا ولا شبهة، وذلك في قوله -تعالى-: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ
стр. 371
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ بعد قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ فيه سرٌ أعظمُ وتعليمٌ أكبر، في أوضح عبارة وأوجزِها، لا يترك في الحق لبسًا.
وإيضاح ذلك أن السمع والبصر من حيث هما سمع وبصر صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات -ولله المثل الأعلى-، فكأن الله يقول: يا عبدي، لا يخطرْ في عقلك أن سمعي وبصري يشابهان أسماع المخلوقين وأبصارَهم، حتى تقول: إن هذا النص يوهم غيرَ اللائق فتؤولَه أو تنفيَه، بل أثبتْ لي سمعي وبصري كما [أَثبتُّهما] (١) على نفسي، إثباتًا مبنيًّا على أساس التنزيه، ولاحظ في ذلك قولي قبله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.
وهذا تعليم قرآني لا يتركُ في الحق لبسًا ولا شبهة، فأول الآية الكريمة الذي هو ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ تنزيه تام من غير تعطيل، وآخرُها وهو قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إيمان بالصفات من غير تشبيه ولا تمثيل، فيجب علينا أن نعتقد ما دل عليه أولها من التنزيه، وما دل عليه آخرُها من إثبات الصفات والإيمان بها على أساس ذلك التنزيه.
فلا نتنطع بين يدي خالقنا وننفي عنه صفة الكمال [التي] (٢) أثنى بها على نفسه، ولا نشبّه خالقنا بخلقه، بل نجمع بين التنزيه أولًا, والإيمانِ بالصفات ثانيًا, حسبما دلت عليه آية ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ
стр. 372
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾
والأساس الثالث هو أن تعلم أن العقول البشرية عاجزةٌ عن إدراك كيفية اتصاف الله -جل وعلا- بتلك الصفات؛ لأن قوله -تعالى-: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠] صريح في أن إحاطة علم البشر به -جل وعلا- منفية نفيًا باتًا قرآنيًا.
وهذه الأسس الثلاثة التي بينا أنها هي معتقد السلف الصالح وهي تنزيهُه -جل وعلا- عن مشابهة خلقه، والإيمانُ بما وصف به نفسه إيمانًا مبنيًّا على أساس ذلك التنزيه، وكذلك ما وصفه به رسوله ﷺ ، وقطعُ الطمع عن الإحاطة بالكيفية -دل عليها كلِّها القرآن العظيم، وهو أصل الهدى ومنبع اليقين، وكلها طرق سلامة محققة لا شك فيها؛ لأنها كلَّها تَمسُّكٌ بالقرآن العظيم، ومن تمسّك به فقد تمسك بالعروة الوثقى.
ولا يؤمَنُ أن الله -جل وعلا- يومَ القيامة يسأل الجميع فيقول لهم: ماذا كنتم تقولون فيما أثنيت به على نفسي من الصفات، أو أثنى علي به رسولي ﷺ ؟ أكنتم تنفون وتدّعون أن ظاهره خبيثٌ غيرُ لائقٍ؟ أو كنتم تنزهونني وتصدقونني فيما أثنيت به على نفسي، أو أثني علي به رسولي ﷺ ؟ .
ولا شك أن من مات على العقيدة التي ذكرنا ولقي الله يوم القيامة على ذلك أنه آمنٌ من كل عذاب ومن كل توبيخ وتقريع يأتيه من قِبَل واحدٍ من تلك الأسس الثلاثة المذكورة في ضوء القرآن العظيم.
стр. 373
فلا يقول له الله: لمَ كنتَ تنزهُني في دار الدنيا عن مشابهة خلقي؟ لا والله لا يقول له ذلك أبدًا؛ لأن ذلك الأساسَ طريقُ سلامة محققَّة كما ترى.
ولا يقول له الله: لمَ كنتَ في دار الدنيا تصدقُني فيما أثنيت به على نفسي وتصدقُ رسولي فيما أثنى به عليَّ وتؤمنُ بتلك الصفات إيمانًا مبنيًّا على أساس التنزيه؟ لا والله لا يقول له ذلك؛ لأن هذا الأساس الثانيَ طريق سلامة محقّقة.
ولا يقول له الله: لمَ كنت في دار الدنيا تقول: إن البشر لا يحيطون بي علمًا؟
فهذه الأسسُ الثلاثة التي هي مذهب السلف كلُّها طريق سلامة محققة، وأدلتها ساطعة أنوارها من كتاب الله -جل وعلا-.
تنبيهان:
الأول: اعلم أنه إن قال معطل متنطع: نحن لا نعقل كيفية استواء مثلًا منزهةً عن مشابهة كيفية استواء الخلق، فبيّنوا لنا كيفية معقولة منزهة عن مشابهة كيفيات استواء الخلق لنعتقدها؛ لأنا لم تدرك عقولُنا كيفية استواء منزهة عن ذلك، فالجواب من وجهين:
الأول: أن يقال: هل عرفت كيفيةَ الذات الكريمةِ المقدسةِ المتصِفةِ بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فإن قال لا قلنا له: معرفةُ كيفية الاتصاف بالصفات متوقفةٌ على معرفة كيفية الذات؛ لأن الصفاتِ تختلف باختلاف موصوفاتِها، فكل صفة بحسب موصوفها، ألا ترى -
стр. 374
ولله المثل الأعلى- أن لفظة رأس مثلًا إذا أضفتَها إلى الإنسان فقلت: رأس الإنسان، وأضفتها إلى الوادي فقلت: رأس الوادي، وأضفتها إلى الجبل فقلت: رأس الجبل، وأضفتها إلى المال فقلت: رأس المال، أن لفظة الرأس واحدة، وأنها اختلفت حقائقُها اختلافًا عظيمًا بحسب اختلاف إضافاتها، وهذا في اختلاف الإضافات إلى مخلوقات حقيرة، فما بالك بالاختلاف الواقع بين ما أضيف إلى الخالق وما أضيف إلى خلقه، فالفرق بين ذلك كالفرق بين ذات الخالق وذوات المخلوقين.
الوجه الثاني: هو أن تقول: هل عرفتم كيفيةً منزهة عن مشابهة الخلق في السمع والبصر مثلًا؛ فلا بد أن يقولوا أيضًا: لا، ولكنا نعلم أن سمع الله وبصره منزهان عن مشابهة أسماع الخلق وأبصارهم. فإن قالوا ذلك قلنا: ونحن نقول مثل ذلك في الاستواء وسائر الصفات الثابتة بالوحي الصحيح.
التنبيه الثاني: اعلم أنه إن قال معطل متنطع: إن القرآن العظيم نزل بلغة العرب، والاستواء في لغتهم هو هذا الذي نشاهده في استواء المخلوقين، فإثباته دله يستلزم التشبيه بالخلق بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن، فالجواب من وجهين أيضًا:
الأول: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يعلمون كلَّ العلم من معاني لغتهم أن بين الخالق والمخلوق والرازق والمرزوق والمحيي والمُحيىَ والمميت والمُمَات إلى آخره فوارقَ عظيمةً هائلةً مستلزمةً للاختلاف التام بين صفات الخالق والمخلوق والرازق والمرزوق. وأن
стр. 375
أصل اللغة يقتضي أن تكون صفةُ كل منهما مناسبةً لحاله، فعظمة صفة الخالق كعظمة ذاته، وانحطاط صفة المخلوق عنها كانحطاط ذاته عن عظمة ذاته، وما كان يلتبس ذلك على عوام المسلمين في زمنه ﷺ ، فما كان يخطر في عقولهم مشابهةُ صفة الخالق لصفة خلقه، بل يعلمون أن صفة الخالق لائقةٌ به، وصفةَ المخلوق لائقةٌ به، والفرق بينهما كالفرق بين الذات والذات.
الوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون للسمع والبصر مثلًا كيفية إلا هذا المعنى المشاهد في المخلوقين بالحاسة التي هي جارحة، فيلزم قولَكم أن يكون إثبات السمع والبصر ونحوهما من الصفات يستلزم التشبيه بحسب الوضع العربي الذي نزل به القرآن.
فإن قالوا لا يلزمُ من كون الوضع العربي يراد فيه بمعنى السمع والبصر ما هو مشاهد في المخلوقات أن يكون سمعُ الله وبصرُه مشابهين لأسماع الخلق وأبصارهم؛ [لتنزّه] (١) صفاته عن مشابهة صفاتهم، قلنا: وكذلك نقول في الاستواء ونحوه، ولا وجه البتة للفرق بين السمع والبصر وبين الاستواء، والمشاهدُ من الجميع في المخلوقات لا يليق بالله -جل وعلا-، والذي اتصف الله به من الجميع منزه عن مشابهة صفات الخلق، كتنزيه سائر صفاته وذاته عن مشابهة صفات الخلق وذواتهم.
ولا يخفى أنه -جل وعلا- وصف نفسه بالقدرة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى
стр. 376
كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ووصف بعض المخلوقين بالقدرة فقال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤]، ووصف نفسه بالسمع والبصر فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] ووصف بعض المخلوقين بالسمع والبصر في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: ٢]، ووصف نفسه بالحياة فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، ووصف بعض خلقه بالحياة فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾، ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥] وأمثال هذا كثيرة جدا في القرآن، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، ووصف نفسه بالاستواء على العرش في سبع آيات من كتابه، ووصف بعض خلقه بالاستواء أيضًا كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وكقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، فاستواؤه وقدرته وسمعه وبصره وحياته وسائر صفاته منزهة عن مشابهة صفات المخلوقين، واستواء المخلوقين وسمعُهم وبصرهم وقدرتهم وإرادتهم كل ذلك مناسب لحالهم، وبين صفاته -تعالى- وصفاتهم في الجميع كالفرق الذي بين ذاته وذواتهم، فافهم ما ذكرنا وتمسك بنور الوحي الذي أوضحنا؛ فالسلامة محققة في اتباع الوحي، وليست محققةً في شيء غيره، ولم يضمن الله لإنسان أن يكون غير ضال في الدنيا ولا شقي في الآخرة إلا متبعَ هداه الذي هو القرآن، كما في قوله -تعالى-: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
стр. 377
خاتمة في المقارنة بين مذهب السلف وما يسمونه مذهب الخلف
قد علمت [مما] (١) ذكرنا أن مذهب السلف مبني على ثلاثة أسس:
الأول: منها تنزيه الله -جل وعلا- عن مشابهة خلقه في ذواتهم أو صفاتهم أو أفعالهم.
والثاني: الإيمان بما ثبت في الوحي الصحيح من صفات الله على أساس ذلك التنزيه.
الثالث: العجز عن الإحاطة لقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
فالسلفي إذا سمع قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] امتلأ قلبه من الإجلال والإعظام والتقديس والتنزيه لتلك الصفة التي أثنى الله بها على نفسه، وهي أنه استوى على عرشه، فيجزم قلبه جزمًا باتًا بأن ذلك الاستواء الذي مدح الله به نفسه الكريمةَ المقدسةَ بالغٌ من غايات الكمال والجلال والتنزيه ما يقطع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، عن ذلك علوًا كبيرًا، فيكون معتقدًا لمضمون قوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ وقولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 378
وبهذا التنزيه الكريم يتيسر له الإيمان بما وصف الله به نفسه من صفة الاستواء؛ لأنه إذا حمل الاستواء على ذلك المعنى اللائق المنزَّه عن مشابهة استواء المخلوقين سهُل عليه الإيمان به وتصديقُ الله في ثنائه به على نفسه على نحو ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾.
فالسلفي منزهٌ أولًا، ومؤمن بالصفات ومثبتٌ لها على أساس التنزيه ثانيًا، عالمٌ بعجزه عن إدراك كيفية الاتصاف؛ لأن إحاطة العلم البشري بالله منفية نفيًا باتًا قرآنيًا كما تقدم إيضاحه (١)، فهو بتنزيهه طاهرُ القلب من أقذار التشبيه، وبإيمانه بالصفات على أساس التنزيه طاهر القلب من أقذار التعطيل، فمذهبه طريق سلامة محقفةٍ لا لبس فيها، ولا شك في كونها حقًّا؛ لأن كل مذهبه تمسكٌ بنصوص القرآن العظيم.
أما ما يسمونه مذهب الخلف فهو مستلزم ثلاث [بلايا] (٢) كل واحدة منها أكبر من أختها استلازمًا لا ينفك:
والأولى من البلايا الثلاث: أنه إذا سمع قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال: إن ظاهر هذا الاستواء -الذي مدح الله به نفسه في سبع آيات من كتابه- هو مشابهة استواء المخلوقين! وهذه بلية عُظمى؛ لأن صاحبها يتهجم على نصوص القرآن العظيم، ويفتري
стр. 379
عليها أن ظاهرها المتبادرَ منها هو مشابهة استواء الخلق، وكل كلام كان ظاهرُه المتبادرُ منه مشابهةَ الخالق للخلق فهو كلام ظاهره قذر نجس؛ لأنه ليس كلامٌ أقذرَ ولا أنجسَ ظاهرًا من كلامٍ ظاهرُه تشبيهُ الخالق بالخلق، عن ذلك علوًا كبيرًا، فكأهم يقولون لله: هذا الذي مدحتَ به نفسك ظاهرُه المتبادرُ منه الذمُّ والتنقيص؛ لأنه لا ذمَّ ولا تنقيصَ أعظمُ من دعوى مشابهة صفة الخالق لصفة خلقه، والنبي ﷺ الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] لم يقل حرفًا واحدًا من ذلك، ولم يبيّن شيئًا مما زعموه، مع أنه -صلوات الله وسلامه عليه- لا يجوز في حقه تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة، ولا سيما في صفات الله، ولا سيما فيما ظاهره المتبادر منه الكفُر بالله بتشبيهه بخلقه، عن ذلك علوًا كبيرًا.
فالافتراء على الله بأنه أثنى على نفسه [بما ظاهره] (١) المتبادرُ منه التشبيهُ بالخلق، والافتراء على نصوص القرآن بأن ظاهرها المتبادرَ منها التشبيهُ هو البلية الأولى من بلايا مذهب الخلَف، حاشا لله جل وعلا وحاشا نصوصَ كتابه مما افتروه.
والبلية الثانية من البلايا الثلاث اللازمةِ لمذهب الخلف هي أنهم لما قرروا أن ظاهر صفة الاستواء مثلًا المتبادرَ منها مشابهةُ الخلق، قالوا: إنها يجب نفيُها بالكلية؛ لأجل الصرف عن هذا الظاهر الخبيث
стр. 380
في زعمهم، ومَن تنطّع بين يدي الله فنفى عنه صفته التي أثنى بها على نفسه في سبع آيات من كتابه فهو أجرأ [خاصي] (١) الأسد بأضعاف، ولا شك أنه واقع في بلية عظمى؛ لأن التجروء على الله ونفيَ ما مدح به نفسه بادعاء أنه غيرُ لائق [أمر] (٢) ليس بالهين كما ترى.
فافتروا على الصفة أولًا أن ظاهرها غيرُ لائق، فصاروا مشبّهين صفةَ الخالق الواردةَ في الوحي بصفة مخلوق شرَ تشبيه، وبسبب ذلك التشبيه المفترى [نفوا صفة] (٣) الاستواء من أصلها، من غير اعتماد على كتاب ولا سنة، ونفيُهم للاستواء الذي أثنى الله به على نفسه في سبع آيات من كتابه هو البلية الثانيةُ اللازمة للمذهب الخلَفي، ولا شك أن التجرؤ على نفي ما مدح الله به نفسه مدحًا متكررًا في القرآن العظيم أنه بلية عظمى وجناية كبرى.
والبلية الثالثة من البلايا اللازمة لمذهب الخلَف هي أنهم لما ادعوا على صفة الاستواء أن ظاهرها غيرُ لائق، ثم نفوها من أصلها بسبب ذلك، زعموا أن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى عليه، فجاءوا بالاستيلاء من تلقاء أنفسهم، ونفوا الاستواء الثابتَ في القرآن، وضربوا لذلك مثلًا بقول الراجز:
стр. 381
قد استوى بشرٌ على العراقِ ... من غير سيف ودم مهراقِ (١)
فقالوا قد (استوى بشر على العراق) معناه: قد استولى عليه، وإذًا فمعنى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثم استولى عليه.
ونحن نقول في هذا: أيها المستدلُ ببيت الرجز هذا على أن الاستواء معناه الاستيلاء، ألم تخش الله، ألم تستحي من خالق السموات والأرض -جل وعلا- استحياء يمنعك من أن تُشَبّه استيلاءه على عرشه الذي زعمت باستيلاء بشر على العراق؟ وهل يعقل في الدنيا تشبيه أشنعُ من تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟ ! .
فاعلم أيها الخلفي أن هذا التشبيه الذي جئتَ به في الاستيلاء الذي زعمتَ والبيتِ الذي استدللتَ به أنك به أنت أعظمُ المشبهين نصيبًا في التشبيه لصفات الخالق بصفات خلقه، وبأي دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو عقل سوّغتَ لنفسك أن تشبه استيلاء الله على عرشه الذي زعمت باستيلاء بشر بن مروان على العراق؟ .
ثم اعلم أيها الخلفي أن الاستيلاءَ الذي جئتَ به من تلقاء نفسك من غير اعتماد على وحي سماوي أنه أشدُّ الصفات توغلا في التشبيه؛ لأن فيه تشبيهَه -تعالى- في استيلائه على عرشه بكل مخلوق قهَر مخلوقًا فغلبه واستولى عليه، وهذا يستلزم من أنواع التشبيه بحورًا لا
стр. 382
سواحل لها.
ولا شك أنك ستضطر أيها الخلفي إلى أن تقول: هذا الاستيلاء الذي فسرتُ به [استواءَه] (١) منزهٌ عن مشابهة استيلاء المخلوقين.
ونحن نسألك ونطلب منك الجواب بالحق الخالي من التعصبات التي تُعمي العقلاءَ وتُصِمُّهم: أيهما أحقُ بالتنزيه عن مشابهة صفات الخلق: الاستواء الذي أثنى الله به على نفسه في سبع آيات من كتابه، وأنزل به الروحَ الأمينَ على سيد الخلق ﷺ قرآنًا يُتلى متعبدًا بلفظه، كلُ حرف منه عشرُ حسنات لقارئه، ويُقرأ به في الصلاة، ومن أنكر أنه من القرآن كفر بإجماع المسلمين، أم الأحق بالتنزيه عن مشابهة صفات المخلوقين هو الاستيلاء الذي جئتم به من تلقاء أنفسكم، من غير أن يدل عليه كتاب ولا سنة البتة بوجه من الوجوه؟
والظاهر أنك ستضطر إلى أن تقول: إن كلام رب العالمين أحق بالتنزيه من كلام جاء به ناس من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى دليل من نقل ولا عقل، إلا إذا كنت مكابرًا، والمكابر لا داعي للكلام معه.
وهذا الذي ذكرنا في الاستواء جارٍ في جميع الصفات الثابتة في الكتاب والسنة، كما قدمنا أن إيضاح مثال واحد منها كافٍ في إيضاح الجميع.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا وَمَا أَنَا
стр. 383
عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وفي الختام نوصي أنفسَنا وإخوانَنا المسلمين بتقوى الله -تعالى-، وعدمِ التهجم على الله -تعالى- وعلى كتابه بالدعاوَى الباطلة، والتمسكِ بنور الوحي الصحيح في المعتقد وغيرِه؛ لأن السلامة متحققة في اتباع الوحي، وليست متحققةً في شيء غيره:
ونهج سبيلي واضحٌ لمن اهتدى ... ولكنها الأهواءُ عمّتْ فأَعمتِ (١)
وبهذا الذي ذكرنا تعلم أن مذهب السلف أسلمُ وأحكم وأعلم، وقولهم (مذهب السلف أسلم) إقرارٌ منهم بذلك؛ لأن لفظ (أسلم) صيغة تفضيل من السلامة، وما كان يَفضُلُ غيرَه ويفوقُه في السلامة فهو أحكم منه وأعلم.
وبه يظهر أن قولهم (ومذهب الخلف أحكم وأعلم) ليس بصحيح، بل الأحكم الأعلم هو الأسلم كما لا يخفي.
وهنا انتهى ما أردنا تلخيصَه وجمعه، والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغُ منه في اليوم الرابعَ عشرَ من جُمادى الأولى من سنة ١٣٨٨ هـ، بمدينة النبي ﷺ ، ونرجوا الله -جل وعلا- أن يرزقنا الإخلاص في جميع أعمالنا، ويجيرَنا من فساد القصد في الأعمال، إنه سميع مجيب قريب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.