← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فصل في تطبيق الاعتراض المسمى بالمناقضة -وهو المنع الحقيقي- على القادح المسمى في الأصول بالمنع وقد علمتَ مما مر أن هذا الاعتراض يسمى بالمنع الحقيقي، ويسمى بالمناقضة، والنقدِ التفصيلي، إلى آخر أَسمائه التي قدمناها. وقد علمتَ أنَّه في فن البحث والمناظرة يتوجه إلى الدعوى المجردة، وإلى الدليل بمنع مقدمة معينة من مقدماته، كمنع الصغرى فقط، أو الكبرى فقط، ومنعُهما معًا يُعَدُّ منعين، وأنه قد يكون مجردًا عن السند، وقد يكون مقرونًا بالسند كما تقدم إيضاحه (١). وأما القادح المسمى بالمنع في اصطلاح أهل الأصول فمواقعه أربعة: الأول: منع حكم الأصل. الأني: منع وجود ما يدعيه علة في الأصل. الثالث: منع كونه علةَ الحكم. الرابع: منع وجوده في الفرع. ومثال منع حكم الأصل قول الحنبلي: جِلد الميتة نجس فلا يطهر بالدباغ كجلد الكلب.

стр. 317

فيقول الحنفي: لا نسلّم حكم الأصل، وهو أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ، بل هو يطهر به عندي. ومثال منع وجود ما يدعيه علة في الأصل قول الشَّافعي والحنبلي: من قال (إن تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوجها لم يلزمه طلاق؛ قياسًا على قوله (فلانة التي أتزوجها طالق) بجامع أن كلا منهما تعليقُ طلاقِ أجنبية، فالأصل المقيس عليه (فلانة التي أتزوجها طالق)، والفرع المقيس (إن تزوجت فلانة فهي طالق)، والحكم هو عدم لزوم الطلاق بعد التزويج، والعلة عند صاحب الدليل هي تعليق طلاق الأجنبية. فيقول المعترض كالمالكي والحنفي: الوصف الذي تدعي أنَّه علة الحكم وهو تعليق طلاق الأجنبية ليس موجودًا أصلًا في الأصل المقيس عليه؛ لأن الأصل الذي هو (فلانة التي أتزوجها طالق) تنجيز طلاقٍ أجنبية، وهي لا يتنجز عليها الطلاق، والتعليق الذي زعمته علة ليس موجودًا أصلًا، ولذا ليس في الصيغة أداةُ تعليق في الأصل. وهذا النوع الذي هو منع وجود ما يدعيه علة في الأصل هو المعروف بمركب الوصف. والحاصل في حكم هذه المسألة أن الأئمة الأربعةَ وغيرَهم من فقهاء الامصار متفقون أن الطلاق لا يقع إلَّا بعد النكاح؛ لأن الله رتبه عليه بثُمّ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، الآية، فإن قال (إن تزوجت فلانة فهي طالق) ثم تزوجها فالمالكي والحنفي يقولان بلزوم الطلاق؛ لأنه ما وقع إلَّا بعد النكاح، فقد راعيا وقت نفوذ الطلاق، وهي وقتَ نفوذِه زوجة.

стр. 318

والشَّافعي والحنبلي يقولان بعدم لزوم الطلاق؛ لأنهما نظرا إلى وقت صدور الصيغة منه، وهي وقتَ صدور صيغة الطلاق المعلّق على التزويج أجنبية. أما تنجيز طلاق الأجنبية فهو لغو بلا خلاف. وأما منع كون الوصف علةً فهو أن يعترف المعترض بوجود الوصف في الأصل المقيس عليه، ولكنه يمنع كونه هو العلة. كأن يقول الشَّافعي: وصف الكيل موجود في البُرّ، ولكنه ليس هو علةَ تحريم الرِّبَا فيه، فإن ادعى الخصم له علة أخرى كقول الشَّافعي في هذا المثال بل علة الرِّبَا فيه الطعم، فهو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بمركب الأصل، وقد عرف صاحب مراقي السعود (١) مركب الأصل [هو و] (٢) مركب الوصف بقوله: وإن يكن لعلتين اختلفا ... تَركَّبَ الأصلُ لدى من سلَفا مركبُ الوصفُ إذا الخصمُ منعْ ... وجودَ ذا الوصفِ في الأصل المتبعْ ومثال منع وجود الوصف الذي هو العلةُ في الفرع قول الجمهور: تُقطع يد النبَّاش؛ لأنه سرق الكفن من حرز مثله، قياسًا على السارق المُخرِج من الحرز، كسرقته الدراهمَ من الصندوق المقفول. فيقول المعترض كالحنفي: وجود العلة التي هي السرقة ممنوع في

стр. 319

الفرع الذي هو النباش؛ لأن النباش ليس بسارق، بل آخذُ مالٍ عارضٍ للضياع، كالملتقط. واعلم أنَّه اختُلف في توجيه المنع على حكم الأصل: هل ينقطع به المستدل أو لا؟ وأظهر القولين أنَّه لا ينقطع بمجرد منع حكم الأصل، وممن اختار ذلك ابن الحاجب (١) وابن قدامة في روضة الناظر (٢)، وقالا إنه له إقامة الدليل على حكم الأصل الذي منعه المعترض. وقال بعضهم: ينقطع بذلك، ووجهوا قولهم أنَّه لو جاز للمستدل إقامة الدليل على حكم الأصل الذي منعه المعترض لانتشر الكلام وانتقلا من مسألة إلى أخرى، وقد يفضي ذلك إلى التسلسل، والأول أظهر. واختار الغزالي (٣) اتّباع عرف البلد، فإن كان عرفُهم في المناظرة انقطاعَه بمجرد منع حكم الأصل انقطع به، وإلَّا فلا؛ لأنه أمر اصطلاحي، ليس بعقلي ولا شرعي. وقال أَبو إسحاق الشيرازي (٤): لا يُسمع منعُه حكم الأصل، فلا

стр. 320

يلزمه الاستدلال عليه. قال ابن الحاجب وهو بعيد. وقد صدق في ذلك. وإذا علمت أن الأظهر عدم انقطاعه بذلك فاعلم أن جواب المستدل عن منع حكم الأصل هو إثباته [حكمه] (١) بدليل. والجواب عن منعه وجود الوصف في الأصل هو إثباث وجوده فيه بما لو طريق ثبوت مثله؛ لأن الوصف قد يكون حسيًا فيثبتُه بالحس، وقد يكون عقليًا فيثبثُه بالعقل، وقد يكون شرعيًا فيثبتُه بالشرع. ومثال الثلاثة المذكورة ما لو قال في القتلِ بالمثقَّل: قتل عمد عدوان، فلو قيل (لا نسلم أنَّه قتل) أجاب عنه بأن القتل ثابت بالحس الذي هو رؤيته بالحاسة، ولو قيل (لا نسلم أنَّه عمد) فالجوأب بأن العقل علم أنَّه عمد بالقرائن والأمارات المحتفّة به، التي لا تترك لبسًا في أنَّه عمد، وإن قيل (لا نسلم أنَّه عدوان) فالجواب بأن الشرع حرّمه وجعله من العدوان. والجواب عن منع كونه علةً بإثبات كونه علة، كما لو قال المالكي للشافعي: أمنع كون الطَّعم علةَ الرِّبَا في البُرّ. فيثبت الشَّافعي كونَه علة، كأن يقول مثلًا: ملء كف من البر فيه الرِّبَا، وهو غير مكيل ولا مقتات ولا مدخر؛ لقلته، ولكنه مطعوم، فعُلم استقلال الطُّعم بالعلّية دون الأوصاف الأخرى.

стр. 321

وكأن يقول الشَّافعي في المثال المذكور: حديث معمر بنُ عبدِ الله عند مسلم قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: "الطَّعام بالطعام مثلًا بمثل" الحديث (١)، يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن الطَّعم هو علة الرِّبَا في المطعومات. وقصدنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. والجواب عن منع وجود العلة في الفرع هو إثبات وجودها فيه، كقول الجمهور: الحرز في السرقة يتنوّع بتنوع المسروق، فالإصطبل مثلًا حرز للدواب وليس حرزا للدنانير، والصندوق حرز للدنانير وليس حرزًا للدواب، وبذلك التنوع يُعلم أن القبر حرز للكفَن؛ لأنه حرز مثله، فالعلة التي هي السرقة موجودة في الفرع الذي هو النباش. وقد علمتَ أن المنع في الأصول كالمنع في البحث والمناظرة؛ لأن صاحب البحث والمناظرة يقول: أمنعُ مقدمةَ هذا الدليل مثلًا، والمعترضَ في الأصول يقول: أمنعُ حكمَ الأصل مثلًا، أو وجودَ العلة فيه، أو كونَها علة، أو وجودَها في الفرع. وقد علمتَ مما مر أن القياس الأصولي راجعٌ للقياس المنطقي بالطريق التي أوضحناها سابقًا مرارًا (٢)، فإذا رددت قياس الأصول إلى القياس المنطقي علمت أن مواقع المنع الأربعةَ في القياس الأصولي راجعةٌ إلى منع مقدمات الدليل المنطقي. فلو قال الشَّافعي مثلَا: يحرم الرِّبَا في التفاح قياسًا على البُر بجامع

стр. 322

الطُعم، فقال المالكي أو الحنفي أو الحنبلي: أمنعُ كون العلة هي الطُعم، فإذا أحد مواقع المنع الأربعة في الأصول، وهو منع كون الوصف علة. وهذا المنع في الحقيقة راجع إلى منع الكبرى في القياس المنطقي؛ لأنك لو رددتَه إلى القياس المنطقي فقلت: التفاح مطعوم، وكل مطعوم ربوي، ينتج من الشكل الأول: التفاح ربوي. فيقول المالكي أو الحنفي مثلًا: أمنعُ المقدمة الكبرى، وهي قولك (وكل مطعوم ربوي)؛ لأن علة الرِّبَا في المطعومات ليست هي الطُعم، بل هي الكيل أو الاقتيات والادخار، وقس على هذا المثال باقيَها؛ فإن المقام لا يقتضي بسط أمثلة الجميع.

стр. 323

فصل في المعارضة وأقسامها اعلم أن ما يسمى في البحث والمناظرة بالمعارضة على سبيل القلب، هو بعينه القادح المسمى في الأصول بالقلب، وضابطه عند الأصوليين أن يُثبت المعترض نقيض حكم المستدل بعين دليل المستدل، فيقلب دليله عليه لا له. والمستدل في الأصول هو المعلل في البحث والمناظرة، والمعترض في الأصول هو السائل في البحث والمناظرة، فتذكر اختلاف الاصطلاحَين؛ لئلا يلتبس عليك المقصود بغيره. وإذا علمت ذلك فاعلم أن القلب عند أهل الأصول قسمان: أحدهما: ما صحح فيه المعترض مذهبه، وذلك التصحيح فيه إبطال مذهب خصمه، سواء كان مذهب الخصم المستدِل مصرَّحًا به في دليله أو لا. ومثال ما كان مصَّرحًا به فيه قول الشَّافعي في بيع الفُضولي: عقدٌ في حق الغير بلا ولاية عليه فلا يصح، قياسًا على شراء الفضولي؛ فإنه لا يصح لمن سمّاه. فيقول المعترض كالمالكي والحنفي: عقدٌ فيصح كشراء الفضولي؛ فإنه يصح لمن سمّاه إذا رضي ذلك المسمّى له، وإلَّا لزم الفضولي، فهو صحيح على كل حال. ومثال غير المصَّرح به فيه قولُ من يشترط الصوم في الاعتكاف

стр. 324

كالمالكي: الاعتكاف لُبْث فلا يكون قربة بنفسه، كوقوف عرفة، أي فإنه قربة بضميمة الإحرام إليه، فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادة إليه، وهي الصوم في الاعتكاف المتنازع فيه، ومذهبه وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف غيرُ مصرح به في دليله. فيقول المعترض كالشَّافعي: الاعتكاف لُبْث فلا يشترط فيه الصوم، كوقوف عرفة، أي فإنه لا يُشترط فيه الصوم. القسم الثاني من قسمي القلب: هو ما كان لإبطال مذهب الخصم من غير تعرض لتصحيح مذهب المعترض، سواء كان الإبطال المذكور مدلولًا عليه بالمطابقة أو الالتزام. ومثال كون الإبطال مدلولا عليه بالمطابقة قول الحنفي في مسح الرأس: عضُو وضوءٍ فلا يكفي في مسحه أَقلُّ ما يطلَق عليه اسم المسح؛ قياسًا على الوجه، فإنه لا يكفي في غسله ذلك. فيقول المعترض كالشَّافعي: عضوُ وضوءٍ فلا يقدّر بالربع؛ كالوجه؛ فإن غسله لا يتقدر بالربع. ومثال الإبطال بالاتزام قول الحنفي في جواز بيع الغائب: عقدُ معاوضةٍ فيصح مع الجهل بالعوض؛ كالنكاح؛ فإنه يصح مع الجهل بالزوجة، أي عدم رؤيتها. فيقول المعترض كالمالكي: فلا يَثبت فيه خيارُ الرؤية كالنكاح. فقد أبطل مذهب الحنفي بالالتزام؛ لأن ثبوت خيار الرؤية لازمٌ

стр. 325

عنده (١) شرطًا للصحة، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. [فجميع] (٢) هذه الأمثلة فيها إبطالٌ لمذهب المستدل بعين دليله، وهو القلب، وقد علمتَ أن القلب نوع خاص من أنواع المعارضة، والجواب عنه كالجواب عن المعارضة، إلَّا أنَّه يُستثنى من ذلك منعُ وجود الوصف، فلا يصح في القلب، لاتفاق الخصمين عليه، كما يتضح من الأمثلة المذكورة. وأما ما يسمونه قلب المساواة فضابطه أنَّه ثبوت حُكْمين للأصل المقيس عليه، وأحد الحُكْمين منتفٍ عن الفرع المقيس اتفاقًا، والحكم الآخر هو محل الخلاف: هل هو ثابت للفرع أو لا؟ فيُلحِق المستدِل الفرعَ المختلَفَ فيه بالأصل المقيس عليه، فيقول المعترض: التساوي بين الحكمين في الفرع واجب كاستوائهما في الأصل. ومثاله قول الحنفي في الوضوء والغُسل: طهارة بالمائع فلا تجب فيها النية قياسًا على غَسل النجاسة؛ لا تجب فيه النية، بخلاف غير المائع كالتيمم؛ فإنه تجب فيه النية. فيقول المعترض كالمالكي والشَّافعي: فيستوي جامد هذه الطهارة ومائعُها، كالنجاسة؛ فإنها يستوي جامدها ومائعها في الحكم الذي هو عدم وجوب النية، وقد وجبت النية في التيمم، فتجب في الغُسل والوضوء.

стр. 326

فأحد حكمي الأصل عدم وجوب النية في الطهارة في الجامد، وهو منتف عن الفرع اتفاقًا؛ لوجوب النية فيه، والآخر عدم وجوب النية في الطهارة بالمائع، وهو المختلف فيه، فيُثبته المستدِل في الفرع، فيقول المعترض: فتجب التسوية بين الحكمين في الفرع، كما وجبت بينهما في الأصل. واعلم أن قلب المساواة هذا الذي ذكرنا اختُلف في قبوله، فمنع بعضُهم قبوله، وممن منعه القاضي أَبو بكر الباقلاني (١) من المالكية، وحجة من قال بأنه لا يُقبل هي أن وجه استدلال المعترض القالبِ غيرُ وجه استدلال المستدل؛ إذ وجه استدلال المستدل في المثال المذكور كونُ الجامع الطهارةَ بالماء، ووجه استدلال المعترض كونُه مطلقَ الطهارة. وقال الباجي (٢): لا يصح قلب القلب؛ لأن القلب نقض للعلة، والنقض لا ينقض. وقال بعض المالكية والشَّافعية: يصح قلب القلب؛ لأن القلب معارضة في الحكم، والمعارضة تُعارض، فيُصار إلى الترجيح، في أن القلب معارضة لا يتم القدح به بمجرده، بل حتَّى يعجز المستدل عن الترجيح. وعلى أنَّه نقضٌ يقدح بمجرده، والصواب أنَّه معارضة

стр. 327

كما بيناه بإيضاح، خلافًا لصاحب المراقي والباجي، ولذا قال صاحب مراقي السعود (١) إن القدح بالقلب لا يُعترض، في قوله: والقلب إثبات الذي الحكمَ نَقَضْ ... بالوصفِ والقدحُ به لا يُعترض وأما المعارضة بغير القلب فهي قسمان: معارضة في الأصل، ومعارضة في الفرع، وبعض أهل الأصول يسميها: الفرقُ بين الأصل والفرع. وقد علمتَ مما مر أن ضابط المعارضة أنَّها هي إقامة الدليل على خلاف ما أقام الخصم عليه دليله، وهي ترد على جميع الأدلة، قياسًا كانت أو غيره، والأصوليون الذين يقولون إنها قسمان: معارضة في الأصل ومعارضة في الفرع، إنما يريدون المعارضة في القياس خاصة. أما المعارضة في الأصال فضابطها عندهم أن يُبدي المعترض وصفًا آخر صالحًا للتعليل، كأن يقول الشَّافعي: علة الرِّبَا في البُر الطُعم، فيعارضُه الحنفي والحنبلي بإبداء وصف آخرَ صالحٍ للتعليل، وهو الكيل. ولا يخفى أن هذا النوع من المعارضة مبنيٌ على القول بمنع تعدد العلل المستنبطة، لأنه على القول بجواز تعددها فلا مانع من أن تكون علةُ المستدل وعلةُ المعترض صحيحتين، والعلل المستنبَطة مختلَف في جواز تعددها، ولذلك اختُلِف في قبول القدح بهذا النوع من

стр. 328

المعارضة. أما العلل المنصوصة فلا خلاف في جواز تعددها، كالبول والغائط والتقبيل والنوم لنقض الوضوء، وكالجماع والإنزال والنَّقاء من الحيض لوجوب الغُسل، ولا يرد عليها هذا النوع من المعارضة، وأشار لما ذكرنا صاحب مراقي السعود (١) بقوله: وعلةٌ منصوصةٌ تَعدَّدُ ... في ذات الاستنباط خُلْفٌ يُعْهَدُ وضابط النوع الثاني من نوعي المعارضة وهو المعارضة في الفرع هو إبداء المعترضِ وصفًا مانعًا من الحكم في الفرع منتفيًا عن الأصل. كقياس المهبة على البيع في منع الغرر، فيقول المعترض: البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة يُخل بها الغرر، والهبة محض إحسان فلا يُخل بي الغرر، فإن لم يحصل شيء لم يتضرر الموهوب له. فكون الهبة محضَ إحسان معارضةٌ في الفرع ليست موجودةً في الأصل، مانعةٌ من إلحاقه به. وكقول الحنفي: يُقتل المسلم بالذمي كغير المسلم بجامع القتل العمد العدوان، فيقول المعترض: الإسلام في الفرع مانع من القَود. واعلم أن المعارضة في الأصل كما تكون بإبداء المعترض وصفًا آخر صالحًا للتعليل تكون أيضًا بإبداء وصفٍ صالح لأن يكون جزءًا من العلة غيرَ مستقل بنفسه، كما لو قال المالكي والشَّافعي مثلًا: القتل

стр. 329

بالمثقّل يجب فيه القصاص؛ لأنه قتل عمد عدوان، فيعارضه الحنفي بإبداء جزء صالح للتعليل، وهو كونُ القتل المذكور بمحدد كالسيف والرمح مثلًا. واعلم أن للمستدل أن يجيب عن المعارضة بأجوبة متعددة، فيجيب عن المعارضة في الأصل بعدة طرق: الأولى: أن يبين المستدل أن مثل الحكم المتنازع فيه ثبتَ بدون الوصف الذي أبداه المعترض، فيستقل بالعلية ما ذكره المستدل. ومثاله قول الشَّافعي: علة تحريم الرِّبَا في البُر الطُعم، فيعارضُه الحنفي مثلًا بوصف الكيل، فيقول الشَّافعي: إن ملء الكف من البُر ينتفي عنه الكيل لقلته، ومنعُ الرِّبَا موجود فيه، فيستقل الطُعم بالعلية. والقصد المثال، [لا] (١) مناقشة أدلة الأقوال. الثانية: أن يبين المستدل إلغاء ما ذكره المعترض في جنس الحكم المختَلف فيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، ففي الحديث الصحيح "من أعتق شِرْكًا له في عبد" الحديث (٢)، فيقول المستدل: الأمة كالعبد في سِراية العتق الواردةِ في الحديث بجامع الرق. فيقول المعترض: إن في الأصل وصفًا مانعًا من إلحاق الفرع به وهو الذكورة؛ لأن عتق الذكر تلزمه مصالح -كالشهادة والجهاد

стр. 330

وجميع المناصب المختصة بالرجال- لا توجد في الفرع الذي هو الأمة. فيجيب المستدل عن هذا الاعتراض بأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان، لا يترتب [عليهما] (١) شيء من أحكام العتق، كما هو معلوم في الشرع. الثالثة: أن يبين أن العلة التي عارضها خصمُه ثابتةٌ بنصٍ أو إيماء وتنبيه. ومثاله في الإيماء والتنبيه قول الشَّافعي: العلة في تحريم الرِّبَا الطُعم، فيعارضُه المالكي بالاقتيات والادخار، فيقول الشَّافعي: إن كون الطُعم هو العلة ثبت بمسلك الإيماء والتنبيه في حديث معمر بنُ عبدِ الله في صحيح مسلم (٢): كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: (الطَّعام بالطعام مثلًا بمثل)، فترتيب اشتراط المثلية على وصف الطُعم يدل بمسلك الإيماء والتنبيه على أن العلة الطعم. والقصد مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. ومثاله فيما هو كالنص أن يقول الحنبلي مثلًا: علة تحريم الرِّبَا في البر الكيل، فيعارضه المالكي بوصف الاقتيات والادخار، فيقول الحنبلي: إن كون العلة الكيلَ ثبت مقتضاه بالنص، ففي حديث حيان بنُ عبيد الله عند الحاكم (٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁

стр. 331

بعد أن ذكر الستة المنصوص على تحريم الرِّبَا فيها أن النبي ﷺ قال: "وكذلك كل ما يكال أو يوزن"، وقد بينا في كتابنا أضواء البيان (١) أن هذا الحديث ثابت، وناقشنا من ضعّفه، وهو كالنص الواضح على أن معرفة القدر بالكيل والوزن هي علة الرِّبَا، وفي الصحيحين (٢) بعد ذكر الرِّبويات أن النبي ﷺ قال: (وكذلك الميزان)، بعد ذكر الكيل في الحديث. الطريقة الرابعة: أن يبين رجحان ما ذكره على ما أبداه المعترض، ومثاله قول المالكي والحنفي: إن علة كفّارة الجماع في نهار رمضان انتهاكُ حرمة رمضان، فتجب الكفارة عندهما في الأكل والشرب عمدا كالجماع، فيعارضه الشَّافعي والحنبلي بخصوص وصف الجماع الذي رتب عليه النبي ﷺ حكم الكفارة، فيجيب المالكي والحنفي بأن الوصف المتعدي إلى غيره أرجح من الوصف القاصر الذي لم يتعد إلى غيره؛ لأن التعدية من المرجحات، وكون العلة هي انتهاك حرمة رمضان يتعدى بها الحكم من الجماع إلى الأكل والشرب بجامع انتهاك حرمة رمضان، فتجب الكفارة في الجميع، وكون العلة خصوصَ الجماع تكون به قاصرةً على محلها، فلا يتعدى حكمها إلى شيء، مع أن العلة القاصرة مختلف في التعليل بها أصلًا، كما هو معلوم في محله، والقصد مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال. الطريقة الخامسة: منع وجود الوصف الذي عارض به المعترض،

стр. 332

مثل أن يعارَض الاقتيات والادخار بالكيل، فيقول المستدل: لا نسلم أنَّه مكيل؛ لأن العبرة بعادة زمن رسول الله ﷺ ، وهو في زمنه ﷺ غير مكيل. الطريقة السادسة: مطالبة المعترض بكون الوصف الذي عارض به مؤثرًا في الحكم، وهذا إنما يُسمع من المستدل إذا كان مُثبتًا للعلة بالمناسبة أو الشبه، حتَّى يحتاج المعارض في معارضته إلى بيان مناسبة أو شبه، بخلاف ما إذا كان مُثبتًا للعلة بالسبر والتقسيم، فلا يرد عليه هذا الاعتراض؛ بناءً على عدم اشتراط المناسبة في الوصف المتبقي في السبر، والظاهر أن الوصف المدار في الدوران كذلك. الطريقة السابعة: بيان عدم انضباط الوصف المعارَض به، كأن يقول: السفر علة قصر الصلاة وجوازِ الإفطار في رمضان، فيعارضه المعترض بوصف المشقة، فيجيبُ المستدل بأن المشقة لا تنضبط؛ لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة. ومنها غير ذلك تركناه اختصارًا لأن فيما ذكرنا كفاية. واعلم أنا ذكرنا فيما مضى تطبيق ستة أسئلة من الأسئلة التي ترد على المستدل في الأصول، واحد مني ليس بقادح في نفس الأمر وهو الاستفسار، وخمسة من القوادح وهي: النقض، والكسر، والمنع، والقلب، والمعارضة، وإن كان القلب نوعًا من المعارضة؛ لأن الأصوليين يعدونه قادحًا مستقلًا، ويعدون المعارضةَ قادحًا آخر مستقلًا.

стр. 333

والمعارضة بالقلب التي ذكرنا واضح تطبيقها على المعارضة على سبيل القلب في البحث والمناظرة. وأما النوعان الآخران من المعارضة، اللذان هما المعارضة في الأصل، والمعارضة في الفرع، فيصح تطبيقهما على المعارضة بالمثل والمعارضة بالغير في البحث والمناظرة. وإيضاح ذلك أن يقول المستدل: هذا مكيل، وكل مكيل يحرم فيه الرِّبَا؛ يعني لأن علة تحريم الرِّبَا الكيل، [والفرض] (١) منع تعدد العلل المستنبطة كما تقدم (٢)، ينتج: هذا يحرم فيه الرِّبَا، ولازم هذا التعليل أن المطعوم إن كان غير مكيل لا يحرم فيه الرِّبَا؛ لمنع تعدد العلل المستنبطة. فيعارضه الشَّافعي مثلًا معارضة بالمثل فيقول؛ التفاح مطعوم، وكل مطعوم يحرم فيه الرِّبَا وإن كان غير مكيل، ينتج: التفاح يحرم فيه الرِّبَا، ولازم هذا التعليل أنَّه لا يحرم في غير المطعوم، لمنع تعدد العلل المستنبَطة، وهو مناقض لما دل عليه دليل الأول، فمقتضى دليل الأول أنَّه يحرم في [المكيل] (٣) ولا يحرم في مطعوم غير مكيل، ومقتضى دليل الثاني أنَّه يحرم في كل مطعوم وإن كان غير مكيل، ولا يحرم في مكيل غير مطعوم، فكل من الدليلين قياس اقتراني، وكلاهما

стр. 334

يستلزم نقيض الآخر، لما ذكرنا أن هذا النوع من المعارضة مبني على منع تعدد العلل المستنبطة، فوجود علة يلزمه نفي غيرها، كما أوضحنا بالأمثلة. ويصح أن يكون من المعارضة بالغير، كأن يقول الحنفي: الذرة مكيلة، وكل مكيل ربوي، ينتج: الذرة ربوية. وهذا الدليل اقتراني. فيعارضه الشَّافعي معارضةً بالغيرِ بدليل استثنائي فيقول: لو كان كل مكيل ربويًا -أي [والفرض] (١) أنَّه لا ربويَّ غيرُ المكيل؛ لمنعِ تعدُدِ العللِ المستنبطة- لكان مِلءُ الكف من البُر غيرَ ربوي؛ لأنه غيرُ مكيل لقلته، لكنه ربوي، ينتج: ما كل مكيل ربويًا، وهو إبطال بالمعارضة بالغير.

стр. 335

فصل في السؤال [السابع] (١) وهو فساد الاعتبار، وضابطه عند الأصوليين أن يكون دليل المستدل مخالفًا لنص أو إجماع. فمخالفته للنص كقياس لبن المصراة على غيره من المِثْليات في وجوب رد المِثْل؛ فإنه فاسد الاعتبار، لمخالفته نص رسول الله ﷺ على أن فيه صاعًا من تمر (٢)، وكالقول بمنع السلف في الحيوان لعدم انضباطه قياسًا على غيره من المختلطات، فيُعترض بأنه مخالف لما ثبت عنه ﷺ من أنَّه استسلف بَكْرا ورد رُباعيًّا، وقال: "إن خير الناس أحسنهم قضاء" (٣). ومثلوا لمخالفته الإجماع بقول الحنفي: لا يغسل الرجل زوجته الميتة لحرمة النظر إليها قياسًا على الأجنبية، فيُعترض بأن عليا غسل فاطمة ﵄ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فصار إجماعًا سكوتيًا. وقصدنا مطلق المثال لا مناقشة أدلة الأقوال، ولا تخفى علينا مناقشة الحنفية فيما ذكر. والجواب عن فساد الاعتبار من وجهين: أحدهما أن يبين أن النص

стр. 336

لم يعارض دليله، والثاني أن يبين أن دليله أولى بالتقديم من نص المعارض. ومثلوا للأول بان يقال: شرط الصوم تبييت النية في [الليل] (١)، فلا تصح نيته في النهار؛ قياسًا على القضاء. فيقول الحنفي: هذا فاسد الاعتبار بمخالفته لقول - تعالى -: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ إلى قول ﵁: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ فإنه يدل على ثبوت الأجر العظيم لمن صام، وذلك مستلزم للصحة. فيقول المستدل: الآية لا تعارض دليلًا ولا تدل على الصحة؛ لأن عمومها مخصَّص بحديث "إنما الأعمال بالنيات" (٢)؛ لأن أول الشروع في الصوم تجرد عن النية فلم يصح، وحديثِ "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" (٣). ومثلوا للثاني بأن يقال: قياس العبد على الأَمة في تشطير حد الزنا بالرق فاسد الاعتبار؛ لمخالفته عموم ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]؛ لأنهم يقولون: هذا القياس مقدم على عموم ذلك النص ومخصِّص له؛ لأنه أخصُّ في محل النزاع منه، والمخصِّص الحقيقي هو مستند القياس، وهو الآية التي دلت على تشطير حد الزنا

стр. 337

بالرق في الأَمة، وهي قوله - تعالى -: ﴿أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وهو الجلد، فهذه الآية دلت على تشطير حد الزنا بالرق؛ لأن علة تشطيره في الأمة الرقُّ بلا نزاع، فعُلم أن الرق هو مناط التشطير، ولا فرق بين الذكور والإناث في الحدود. ولا يخفى أن فساد الاعتبار معارضة لدليل المستدل بنص أو إجماع، وهي تصح أن تكون بالمِثْل وتكون بالغير كما لا يخفى على من فهم ما تقدم، وقال ابن قدامة في روضة الناظر (١) إن فساد الاعتبار من المعارضة في الفرع. وأوضحناه في غير هذا الموضع (٢).

стр. 338

فصل في السؤال الثامن وهو القادح المسمى في الأصول فساد الوضع، وضابطه أن يكون الدليل على غير الهيئة الصالحة لأخذ الحكم منه، كأن يكون صالحًا لضد الحكم أو نقيضه، كأخذ التوسيع من التضييق، والتخفيف من التغليظ، والنفي من الإثبات، أو الإثبات من النفي. ومثلوا لأخذ التوسيع من التضييق بقول الحنفي: الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين فكانت على التراخي، كالدية على العاقلة، فالتراخي الموسع ينافي دفع الحاجة المضيق. ومثلوا لأخذ التخفيف من التغليظ بقول الحنفي: القتل العمد العدوان جناية عظيمة فلا تجب فيه الكفارة كالردة، فعِظَم الجناية يناسب تغليظ الحكم، لا تخفيفَه بعدم الكفارة. ومثلوا لأخذ الإثبات من النفي بقول من يرى صحة انعقاد البيع في المحقّرات وغيرها بالمعاطاة كالمالكية: بيع لم توجد فيه الصيغة فينعقد؛ فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الانعقاد. ومثلوا لأخذ النفي من الإثبات بقول الشَّافعي في معاطاة المحقّرات: لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها البيع كغير المحقرات، فالرضى الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمَه. والجواب عن القدح بفساد الوضع بأحد أمرين: الأول: أن يمنع قول الخصم إنه يقتضي نقيض الحكم، كأن يقول

стр. 339

الحنفي: قولكم إن القتل عمدًا يقتضي نقيض نفي الكفارة -الذي هو وجوبها- مدفوعٌ بأن جناية القتل لشدة عِظَمها تستدعي أمرًا أغلظ منِ الكفارة وهو القصاص، فليس مرادي بنفي الكفارة التخفيفَ بل التغليظ بما هو أعظم من الكفارة. والثاني: أن يبين أن ما ذكره يقتضيه دليلُه من جهة أخرى. كقول الحنفي في مسألة الزكاة المتقدمة: إنما قلت بالتراخي لمناسبته للرفق بالمالك، فالمستدل نظر إلى الرفق بالمالك، والمعترض نظر إلى حاجة المسكين. وكأن يقول المالكي: قولي في المعاطاة (بيع لم توجد فيه الصيغة إلخ .. ) لم أبْنِ فيه قولي بالانعقاد على عدم الصيغة، وإنَّما بنيته على أن المعطاة تدل على الرضى، والرضى من الطرفين مناسب لانعقاد البيع. وكأن يقول الشَّافعي: قولي (بيع لم يوجد فيه سوى الرضى فلا ينعقد) لم أبْنِ فيه مذهبي على وجود الرضى، وإنما بنيته على عدم الصيغة، والمعاملات تنعقد بالصيغة. ومن صور فساد الوضع عندهم كون الوصف (الجامع) ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده، أعني الحكم في قياس المستدل، ومثالهم المشهور لهذا تركناه؛ لأن فيه عندنا نظرًا ونراه غلطًا، ومثل له بعضهم بأن يقال في التيمم: مسْحٌ فيُسن فيه التكرار كالاستنجاء، فيقول المعترض: المسح لا يناسب التكرار؛ لأنه

стр. 340

ثبت اعتباره في كراهة التكرار في المسح على الخف. والجواب عن هذا النوع منه ببيان وجود المانع في أصل المعترض، فيقال في المثال المذكور: إنما كره التكرار في الخف لأنه يُعرّض الخف للتلف، واقتضاء المسح للتكرار باق. تنبيه: اعلم أن فساد الوضع يشتبه بأمور لكنه يخالفها من بعض الوجوه: فمن ذلك أنَّه يشبه النقض؛ لأن الوصف المعلَّل به فيه لما كان صالحًا لنقيض الحكم لزم من ذلك انتفاء الحكم، فإن كانت العلة تقتضي التغليظ مثلًا واستَدل بها المستدل على التخفيف فلا يخفى أن القادح بفساد الاعتبار يريد أن الحكم الذي هو التخفيف منْتفٍ مع وجود العلة المقتضية للتغليظ لصلاحها لنقيضه. إلَّا أن في فساد الوضع زيادةً، [وهي] (١) أن الوصف هو الذي يثبت النقيض؛ لأن العلة المقتضية للتغليظ مثلًا هي بعينها التي أثبت بها المستدل التخفيفَ المنافي للتغليظ، وأما النقض فلا يُتعرض فيه لذلك، بل يكفي فيه ثبوت منافي الحكم مع الوصف، فلو قُصد به ذلك لكان هو النقض. وفساد الوضع أيضًا يشبه القلب من حيث إنه إثبات ما ينافي الحكمَ بعين علة المستدل، إلَّا أنَّه يفارقه في شيء وهو أن صاحب القلب يثبت

стр. 341

ما ينافي الحكم بأصل المستدل، وهذا يثبته بأصل آخر، فلو ذكره بأصله لكان هو القلب. وفساد الوضع أيضًا يشبه القدح في المناسبة من حيث إن موجِّه القدحِ به نافٍ لمناسبة الوصف للحكم [بمناسبة] (١) الوصف لنقيض الحكم، إلَّا أنَّه لا يقصد هنا بيان عدم مناسبة الوصف للحكم، بل بناء نقيض الحكم عليه في أصل آخر، فلو بيَّن مناسبته لنقيض الحكم بلا أصل لكان قدحًا في المناسبة. فتحصّل مما ذكرنا أن ثبوت المنافي مع الوصف نقض، فإن زِيدَ ثبوتُه بالوصف فهو فساد الوضع، وإن زيد كونه به وبأصل المستدل فقلب، وبدون ثبوته معه فالمناسبة. ومعلوم أن القدح بالمناسبة لا يكون إلَّا إذا كانت وجهة نظر كل من الخصمين متحدة، فإن اختلفت فلا قدح بعدم المناسبة، كنظر الحنفي إلى الرفق بالمالك في قوله [بالتراخي] (٢) في الزكاة، ونظر غيره إلى حاجة المسكين في قوله بوجوب الزكاة على الفور، ونحو ذلك. والظاهر أن فساد الوضع بالنسبة إلى البحث والمناظرة يمكن رجوعُه إلى النقض، لأن النقض في البحث والمناظرة شامل لكل تخلف للمدلول عن دليله، وما يدل على التغليظ يتخلف عنه الحكم

стр. 342

بالتخفيف، إلى آخر الأقسام. ويمكن رجوعه إلى المعارضة؛ لأن المقتضي للتغليظ مثلًا المستدَلَّ به على التخفيف معارَضٌ بأن التخفيف يستلزم عدم مقتضي التغليظ، فكان المعارض يقول: دليلك هذا مُقتضٍ للتغليظ، ولا شيء من مقتضي التغليظ يقتضي التخفيف، ينتج: دليلك هذا لا يقتضي التخفيف، وهذه النتيجة نقيض الدعوى المستدل عليها.

стр. 343

فصل في السؤال التاسع وهو القادح المعروف في الأصول بالتقسيم، وهو قادح عند الجمهور في الدليل، ومنع قوم القدح به. وضابط التقسيم هو أن يحتمل لفظٌ مُورَدٌ في الدليل معنيين أو أكثر، بحيث يكون مترددًا بين تلك المعاني، والمعترض يمنع وجود علة الحكم في واحد من تلك الاحتمالات. كأن يقول مشترط النية في الوضوء: الطهارة قربة فتُشترط فيها النية كغيرها من القرب، فيقول المعترض كالحنفي: الطهارة تنقسم إلى النظافة من الخبث، وإلى الأفعال المعروفة المخصوصة التي هي الوضوء شرعًا، والأول ممنوعٌ كونُه من القرب التي هي علة وجوب النية. ومن أمثلته أن يُستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمن الخيار بوجود سبب الملك وهو البيع، فيقول المعترض: البيع الذي هو سبب الملك ينقسم إلى قسمين: أحدهما مطلق البيع، الصادق بما فيه شرط، والثاني البيع الذي لا شرط فيه، والأول ممنوع كونُه علةً للملك، والثاني مسلم ولكنه مفقود في محل النزاع. ويشترط لصحة التقسيم شرطان: الأول: أن يكون ما ذكره المستدل منقسمًا إلى ما يمنع وغيرِه، فلو زاد المعترض وصفًا لم يذكره المستدل لم يُقبل منه.

стр. 344

والثاني: أن يكون التقسيم حاصرًا لجميع الأقسام، فإن لم يحصرها فللمستدل أن يتبين أن مَوْرِدَه غيرُ ما عيّنه المعترض بالذكر. ووجه قبول القدح بالتقسيم أن اللفظ إذا احتمل أمرين أحدُهما باطل فهو محتمل البطلان، فلا تنهض به حجة. ووجه رد القدح به أن احتمال البطلان لا يبطل الدليل. والجواب عن القدح بالتقسميم كالجواب عن الاستفسار المتقدم، وهو أن يبين أن لفظه لا يحتمل إلا ذلك المعنى، أو أنه أظهرُ فيه، وقد أوضحناه [بأمثلته] (١) في الكلام على الاستفسار (٢). وتطبيق هذا القادح على الاعتراض في البحث والمناظرة هو أن التقسيم منع، ولكنه منع خاص؛ لأنه منع لا يأتي إلا بعد تقسيم. ووجهه أن يقول: دليلك هذا منقسم إلى ما يحقق بطلانه وإلى غيره، وكل دليل كان كذلك فلا تنهض به حجة، ينتج: دليلك لا تنهض به حجة، فالصغرى تضمنت تقسيما، والكبرى تضمنت منعًا بعد التقسيم.

стр. 345

فصل في السؤال العاشر وهو القادح المعروف في الأصول بعدم التأثير، أي عدم تأثير الوصف في الحكم. وضابطه أن يُذكر في الدليل ما يُستغنى عنه، وهو أربعة أقسام، وبعضهم يجعله ثلاثة بإسقاط الرابع الآتي: الأول من أقسامه: هو المسمى بعدم التأثير في الوصف، وضابطه أن يكون الوصف طرديًا لا مناسبة فيه أصلًا، كقول الحنفي في صلاة الصبح: صلاةٌ لا تُقصر، فلا يقدم أذانها على الوقت كالمغرب، فعدم القصر طردي في تقديم الأذان؛ لأن الصلوات التي تُقصر لا يقدم أذانها على الوقت. وحاصل هذا القسم منع كون الوصف علةً لكونه طرديًا، وهو أحد أقسام المنع المتقدمة. الثاني من أقسامه: هو المسمى بعدم التأثير في الأصل، وضابطه إبداء المعترض علةً لحكم الأصل غيرَ علة المستدل. بشرط كون المعترض يرى منع تعدد العلة لحكم واحد، أما إن كان يرى جواز ذلك فلا يصح قدحُه بهذا القسم؛ لجواز صحة كلتا العلتين. ومثاله أن يقال في بيع الغائب: بيعُ غيرِ مرئي فلا يصح بيعه، كالطير في الهواء، فيقول المعترض: لا أثر لكونه غير مرئي في الأصل؛ فإن العجز عن التسليم كاف في عدم الصحة، وعدمها واقع مع الرؤية، وهذا القسم راجع إلى المعارضة في الأصل كما تقدم

стр. 346

إيضاحه. القسم الثالث من أقسامه: هو المسمى بعدم التأثير في الحكم، وهو ثلاثة أضرب: الأول منها: ألا يكون لذكره فائدةٌ أصلًا، ومثّلوا له بقول الحنفي في المرتدين: مشركون أتلفوا مالا بدار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي، ودار الحرب عندهم لا أثر لذكرها في الأصل ولا في الفرع؛ لأن من أوجب الضمان ومن نفاه لم يفرق أحدٌ منهم بين دار الحرب وغيرها. وهذا راجع إلى القسم الأول، وهو منع كون الوصف علةً لكونه طرديًا، فالمعترض يطالب المستدِل بتأثير كون الإتلاف في دار الحرب، والذي عليه المحققون فسادُ العلة بذلك، وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به، ولا يخفى ما فيه. الضرب الثاني: أن يكون لذكر الوصف فائدةٌ ضرورية، كقول معتبر العدد في الاستجمار بالأحجار: عبادةٌ متعلقة بالأحجار لم تتقدمها معصية، فاعتُبرَ فيها العددُ قياسًا على رمي الجمار. فقوله (لم تتقدمها معصية) عديم التأثير في الأصل والفرع، لكنه مضطر إلى ذكره [ليحترز] (١) به عن الرجم؛ لأنه عبادة متعلقة بالأحجار ولم يُعتبر فيها العدد، لكنها تقدمتها معصية هي الزنى بعد الإحصان.

стр. 347

الضرب الثالث: أن يكون لذكر الوصف فائدة غيرُ ضرورية، كأن يقول: الجمعة صلاة مفروضة فلا تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم كالظهر. فقوله (مفروضة) لو حُذف لما ضر، لكنه ذُكر لفائدة تقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما؛ إذ الفرض أشبه بالفرض منه لغيره. ومنع قوم رد ما ذُكر لفائدة، وله اتجاه. القسم الرابع من أقسامه: هو المسمى بعدم التأثير في الفرع، كأن يقال في تزويج المرأةِ نفسَها: بغير إذن وليها فلا يصح، كما لو زُوجت من غير كفء. فيقول المعترض: كونه غيرَ كفءٍ لا أثر له، لأن النزاع واقع في تزويجها من كفء ومن غير كفء، وحكمُهما سواء فلا أثر له. ومرجعه إلى المعارضة بوصف آخر وهو (تزويج) فقط، ولهذا حَذف بعضُهم هذا القسم الرابع؛ لأنه راجع إلى منع التأثير في الأصل. وقد عرفتَ مما ذكرنا أن أقسام القادح المسمى بعدم التأثير راجعةٌ إلى شيئين لا ثالث لهما: أحدهما: منع كون الوصف علة لكونه طرديًا. والثاني: المعارضة بإبداء وصف آخرَ صالحٍ للتعليل، وتطبيقُ المنع والمعارضة في هذا القادح على ما مر في البحث والمناظرة واضح. واعلم أن القدح بهذا القادح المسمى في الأصول بعدم التأثير

стр. 348

يُشترط في القدح به أن يكون القياسُ قياسَ علة، فلا يُقدح به في قياس الشبه، ولا في الطرد على القول باعتباره، ويُشترط فيه أيضًا أن تكون العلةُ مستنبطةً مختلفًا فيها، فلا يُقدح به في علة منصوصة، ولا مستنبطةٍ مجمع عليها. واعلم أن القادح المسمى في الأصول بالمطالبة والقادحَ المسمى بالتركيب تركنا ذكرهما لأنهما داخلان في أقسام المنع التي أوضحناها، فذكرهما تَكرار محض مع ذكر أقسام المنع؛ لأن المطالبة هي بعينها منعُ كون الوصف (١)، وقد أوضحناهما وبينا أنهما من أقسام المنع.

стр. 349

فصل في السؤال الحادي عشر وهو القادح المسمى في الأصول بالقول بالموجَب، وضابطه تسليم المعترض دليل الخصم مع بقاء النزاع، وذلك بجعل الدليل الذي سلّمه ليس هو محل النزاع، فلا يلزم من صحته وتسليمه صحةُ مذهب المستدِل به، كقوله -تعالى-: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فابن أبيٍّ في هذه الآية الكريمة استدل على أنه يُخرج الرسول ﷺ وأصحابَه من المدينة بأن الأعزَّ قادر على إخراج الأذل، والله -جل وعلا- سلّم له هذا الدليل مبينًا أنه لا ينفعه في محل النزاع؛ لأنه هو الأذل المقدور على إخراجه، وذلك في قوله -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ الآية. واعلم أن القول بالموجَب عند الأصوليين يقع على أربعة أوجه: الوجه الأول: أن يرد لخلل في طرف النفي، وذلك أن يستنتج المستدِل من الدليل إبطال أمر يُتوهم منه أنه مبنى مذهبه، فلا يلزم من إبطاله إبطالُ مذهبه، وأكثر القول بالموجِب من هذا النوع. كأن يقال في وجوب القصاص بالمثقل: التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص، كالمتوسل إليه من قتل أو قطع أو غيرهما: لا يمنع التفاوتُ فيه القصاص، فتفاوت الآلات ككونه بسيفٍ أو رمحٍ أوغيرِهما، وتفاوتُ القتل ككونه بحزِّ عنقٍ أو قطع عضو، وتفاوت القطع ككونه بحزّ المِفصل من جهةٍ واحدةٍ أو من جهتين، أو

стр. 350

بغير ذلك. فيقول المعترض كالحنفي: سلّمنا أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص، ولكن لا يلزم من إبطال مانعٍ انتفاءُ جميع الموانع ووجودُ جميع الشروط بعد قيام المقتضي. وثبوت القصاص متوقف على جميع ذلك، فقول المستدل (لا يمنع القصاص) نفي، ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجِب، فكان الحنفي يقول للمستدل: ما توهمتَ أنه مبنى مذهبي في القصاص في القتل بالمثقل ليس هو مبناه، فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي، بل مبنى مذهبي شيء آخرُ لم تتعرض له في اعتراضك، ومعلوم أن موجِب منع الحنفي القصاص في القتل بالمثقل عدمُ تحقق العلة التي هي قصد القتل، فهو عنده من الخطأ شبه العمد؛ إذ لا يلزم من قصدِه ضربَه بالمثّقل قصدُه إزهاقَ روحِه [عنده] (١). الوجه الثاني: أن يقع على ثبوت، وضابطه أن يستنتج المستدِل من الدليل ما يُتوهم منه أنه محلُ النزاع أو مُلازمُه ولا يكون كذلك. كأن يقال في القصاص في القتل بالمثقّل: قتلٌ بما يَقتل غالبًا لا ينافي القصاص، فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار. فيقول المعترض كالحنفي: سلّمنا عدمَ المنافاة بين القتل بمثقّل وبين ثبوت القصاص، ولكن لم قلت (إن القتل بمثقل يستلزم القصاص) وذلك هو محل النزاع، ولم يستلزمْه دليلُك، وهو العلة التي

стр. 351

هي قوله (قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص)، فقوله (يجب فيه القصاص) ثبوت، ولأجل ما ورد فيه من الخلل عنده وقع عليه القول بالموجب المذكور. الوجه الثالث: أن يقع لشمول لفظ المستدل صورةً متفقًا عليها، فيحمله المعترض على تلك الصورة، ويبقى النزاع فيما عداها. كقول الحنفي في وجوب زكاة الخيل: حيوان يُسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل. فيقول المعترض: أقول به إذا كانت الخيل للتجارة، وهذا أضعف أنواعه؛ لأن المستدل يقول: عنيت وجوب الزكاة في رقابها. الوجه الرابع: أن يقع لأجل سكوت المستدِل عن مقدمة غيرِ مشهورة؛ مخافةَ منع الخصم لها لو صرح بها. كقول مشترط النية في الوضوء والغُسل: كل ما هو قُربة تُشترط فيه النية كالصلاة، ويسكت عن المقدمة الصغرى التي هي: الوضوء والغسل قُربة. فيقول المعترض كالحنفي: أُسلّم أن كل ما هو قربة تُشترط فيها النية، ولا يلزم من ذلك اشتراطها في الوضوء والغُسل. فلو صرح المستدل بالصغرى فمنعها المعترض خرج عن القول بالموجِب. وبعضهم يقول في هذا المثال: السكوت عن مقدمة مشهورة.

стр. 352

ووجه الأول أن المشهورة كالمذكورة، فكأنها غير مسكوت عنها لشهرتها، وهذا النوع من القول بالموجَب إنما ورد على السكوت عنها. ووجه قول من قال (عن مقدمة مشهورة) هو أن الشهرة هي سبب جواز الحذف؛ لأن حذف غير المشهور قد يؤدي إلى عدم فهم الكلام. واعلم بأن بعض أهل الأصول يقول: إن القول بالموجَب والقلبَ كلاهما معارضة في الحكم. وقد ذكرنا أنه الصواب في القلب سابقًا، وجعلهما الفخر الرازي (١) من القوادح في العلة. وأظهرُ القولين أنه إن قال: (هذا الذي نفيتَ ليس مبنى مذهبي) أنه يُصدّق في ذلك، فإن استنتج من الدليل ما يتوهم أنه محل النزاع أو مُلازمُه فقال المعترض: (ليس هو محل النزاع ولا ملازمًا له) فجوابه عن هذا أن يُثبت أنه هو محل النزاع أو ملازم له بطريق من طرق الإثبات. والحق أن القول بالموجَب يرِدُ على جميع الأدلة، قياسًا كان الدليل أو غيرَه، فقول الرازي إنه من القوادح في العلة لا يظهر كلَّ الظهور؛ لأنه أعم من ذلك. وتطبيق القول بالموجَب على الاعتراض في البحث والمناظرة أنه شبيه بالنقض؛ لأن المعترض يقول: دليلك مسلّم، ولكن الحكم الذي هو مدلولُه متخلّف عنه، وتخلف المدلول عن الدليل نقض في البحث والمناظرة، ولكنه عندهم مبطل للدليل؛ لأن تخلف المدلول عندهم

стр. 353

مبطل للدليل، كما تقدم إيضاحه (١). والقول بالموجَب يتخلف فيه المدلول في دعوى المعترض عن الدليل، مع اعتراف المعترض بتسليم نفس الدليل، ومن هنا خالف النقضَ وإن أشبهه من حيث تخلفُ المدلول عن الدليل في كل منهما، والأقرب أنه من نوع المعارضة؛ لأن المعترض يعارض دليل الخصم بدليل آخرَ يقتضي أن دليله في [غير] (٢) محل النزاع. ولو قيل إنه نوع خاص من المنع: وهو منع بعد تسليم دليل المستدل، وهذا المنع منع لكون دليله في محل النزاع = لكان له وجه. والعلم عند الله -تعالى-. وهذا الذي بيناه هنا القولُ بالموجَب في اصطلاح أهل الأصول، ولم نتعرض للقول بالموجب في اصطلاح البلاغيين، وهو عندهم نوع من البديع المعنوي، وقد أوضحناه بأمثلته في رسالتنا في منع المجاز في القرآن.

стр. 354

فصل في السؤال الثاني عشر وهو القادح المعروف في الأصول بالقدح في إفضاء الحكم إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم. وضابطه الاعتراض بان المصلحة التي شُرع من أجلها الحكم لم يفض إليها الحكم. ومثاله أن يقال في علة مصاهرة المحارم على التأبيد: إنها الحاجة إلى ارتفاع الحجاب، ووجه المناسبة أنه يفضي إلى رفع الفجور؛ لأن التأبيد التحريم يقطع الطمع، وقطع الطمع في النكاح يجعل المحرمة بالمصاهرة لا تتوق النفس إليها؛ لأنها بذلك تصير كالأخت والأم، فلا ينظر إليها نظرة شهوة، ولا يكون بينه وبينها ما يدعو إلى الريبة. فيقول المعترض: هذا الحكم لم يفض إلى المصلحة المقصودة؛ لأن قطع الطمع في النكاح أدعى إلى الفجور؛ لأن النفس حريصة على ما مُنعت منه، كما قال الشاعر (١): مُنعتَ شيئًا فأكثرتَ الولوعَ به ... أَحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعا (٢) وقوة داعية الشهوة مع اليأس من حلّية النكاح مظنة الفجور. والجواب عن هذا الاعتراض ببيان إفضاء الحكم إلى المصلحة،

стр. 355

كأن يقول في هذه المسألة: تأبيد التحريم يمنع عادةً من مقدمات الهم والنظر، وبالدوام يصير كالأمر الطبيعي، فلا يبقى المحل مشتهىً، كالأمهات والأخوات، كما هو مشاهد، ولا شك أن اليأس له أثر كبير في صدود النفس عما يئست منه، كما قال بعض المتأخرين من أدباء قُطْر شنقيط، وهو خال والدي شقيقُ أمه: فكن يائسًا منها ففي اليأس راحةٌ ... وإن رسيس الشوق يطردُه اليأسُ وهكذا يصح مثالًا لا شاهدًا؛ لتأخر قائله. وكونُ اليأس يُريح من الطمع أمر معروف مشهور في شعر العرب، ومنه قول امرئ القيس: أبيني لنا إن الصَريمة راحةٌ ... من الأمر ذي المخلوجة المتلبّسِ (١) فإن معنى بيته أنها إن صرّحت له بالصريمة والقطيعة استراح من الطمع الذي لا يدري صاحبه أيحصل على شيء أم لا. ووجه تطبيق هذا القادح في البحث والمناظرة ظاهر؛ لأنه منع؛ إذ المعترض يمنع فيه حصولَ المصلحة المقصودة بتشريع الحكم. وقد قدمنا لك أن جميع القوادح راجعة إلى المنع والمعارضة. وبعضهم يقول: إنها كلها راجعة إلى المنع.
следующие страницы →