آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (٧)
آداب البحث والمناظرة
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ هـ - ١٣٩٣ هـ)
تحقيق
سعود بن عبد العزيز العريفي
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 2
تقديم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
وبعد؛ فيسرني أن أقدم للقارئ الكريم كتاب "آداب البحث والمناظرة" للعلامة المفسر الفقيه الأصولي الشيخ محمد الأمين الجكَني الشنقيطي ﵀، في حلته الجديدة -ضمن مشروع آثار العلامة الشنقيطي- بعد مراجعته وتصحيحه والتعليق عليه بقدر ما تدعو إليه الحاجة، وكان الكتاب قد طبع عام ١٣٨٨ بالمدينة النبوية، وأشرف على طبعه ووضَع عناوينَه -كما جاء في آخر تلك الطبعة- المشرفُ على مطبوعات الجامعة الإسلامية فضيلة الشيخ عطية محمد سالم ﵀، وهو من أخص تلاميذ المؤلف، إلا أن تلك الطبعة جاءت كثيرة الأخطاء، غير منسقة الفقرات، وذلك ما حال بين القارئ والانتفاع بالكتاب على الوجه المطلوب.
ومعلوم أن موضوع الكتاب من الموضوعات الدقيقة، التي قد تتأثر بأدنى خطأ طباعي، أو دمج بين المسائل والأمثلة في فقرة واحدة دون تفصيلها وتمييزها، وقد جربت ذلك في هذا الكتاب دراسة وتدريسًا فوجدت له أبلغ الأثر، فكم سهّل حسنُ ترتيب فقرات الكتاب على القارئ فهم المسائل، وذلك ما افتقرت إليه طبعة الكتاب السابقة، فلا عجب أن انصَرَفَ عنه إلى غيره كثيرٌ من المشتغلين بفني المنطق والجدل، مع تميزه على غيره من كتب هذين الفنين من عدة وجوه:
منها: أنه جمع بين الوجازة ووضوح العبارة ودقتها، وسهولة
стр. 3
الأسلوب مع متانة المادة العلمية، وذلك ما يندر بالنسبة إلى طبيعة موضوع الكتاب.
ومنها: أن المؤلف اعتنى بالأمثلة الواقعية، والنماذج التطبيقية، وأورد الكثير منها، فطبق القياس المنطقي بأشكاله على المناظرة في بعض مسائل الاعتقاد كالاستواء والرؤية، وطبق طرق الجدل والمناظرة على قوادح العلة في علم الأصول، ولا شك أن كثرة الأمثلة الواقعية مما يعين طالب العلم على فهم الأصول والمسائل ذات الدقة والصعوبة، كما أنها تقرب من الثمرة المرجوّة من هذا النوع من العلوم.
ومنها: أن مؤلفه إمام محقق فقيه مفسر أصولي موسوعي، وقد اجتمعت له آلة الاجتهاد على وجه لم يُعرف عن غيره من معاصريه، وهو لم يُخْلِ كتابه هذا من بعض الترجيحات والتعقبات والنقودِ وإن لم يلتزم بذلك تجنبًا للإطالة، ولا شك أن عالمًا في مرتبته تجدر العناية بآرائه وترجيحاته.
وأخرى حسنة جميلة: وهي أن المؤلف سلفي المعتقد، أثري المنهج، زيَّن كتابه بخاتمة نفيسة في الحض على التمسك بالسنة، واتباع منهج السلف الصالح في الاعتقاد، والإعراض عن طريقة الخلف، خصوصًا في الصفات الإلهية، التي كثر الخوض فيها بالباطل من بعض طوائف الأمة. وكان لفني المنطق والجدل دورهما البارز في ذلك؛ فكم من مبتدع مخالف لصريح الكتاب والسنة روّج لمقالته البدعية بزعم أنها من القواطع العقلية، والنتائج المنطقية، وكم من
стр. 4
مشتغل بالعلم سلّم لأهل البدع أو تهيب مخالفتهم والرد عليهم لتوهمه صحة ما ادعوه من اليقينيات المنطقية.
وميزات الكتاب غير هذه كثيرة، ستظهر للقارئ إن شاء الله واضحة في هذه الطبعة، التي كان جل عملنا فيها منصبًّا على ضبط النص، وتنقيته من الأخطاء والأوهام، ثم تفصيله في فقرات تراعي المادة العلمية وطبيعة الموضوع، بحث يناسب طالب العلم المبتدئ، وخصوصًا دارسي الأصلين: أصول الدين، وأصول الفقه؛ فهو من خير المقدمات للمتخصصين في العقيدة عند نقدهم للمنطق اليوناني، (وهي مادة معتمدة في أقسام العقيدة بالجامعات الإسلامية).
وقد جرت العادة بدراسة كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "نصيحة أهل الإيمان بالرد على منطق اليونان" المشهور بالرد على المنطقيين، مع التقديم له بدراسة مختصرٍ في المنطق؛ إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فهذا الكتاب فيما رأينا من واقع التجربة، وفي ضوء الميزات السابقة، من خير ما يؤدي هذا الغرض.
أما دارسو أصول الفقه فأولى؛ فأكثر القسم الثاني من الكتاب (البحث والمناظرة) - وهو أكبر قسميه- في ذكر قوادح العلة وتطبيق طرق المناظرة عليها، وهي أدق وأهم مباحث القياس (أهم أبواب أصول الفقه) كما هو معلوم.
وقد حرصت على أن تكون هذه الطبعة مقابَلة على أصل الكتاب بخط مؤلفه؛ لكثرة ما رأيته من الأخطاء في الطبعة، وقد تطلّبتُ هذا الأصل، لكن لم أحصل على شيءٍ، فلعله لم يحفظ بعد طبع الكتاب،
стр. 5
فاستعنتُ الله على إخراجه على الصورة التي يراها القارئ الكريم بين يديه، معتمدًا على طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة، راجيًا ممن يعلم شيئًا عن أي أصل يعتمد عليه أن يتفضل بإفادتنا وله منا جزيل الشكر وخالص الدعاء.
وقد أعادت مكتبة ابن تيمية بالقاهرة إخراج الكتاب في طبعة تجارية بصف جديد بدون تاريخ، إلا أن تلك الطبعة احتفظت بأكثر أخطاء طبعة الجامعة الإسلامية، ولم يُصوّب منها سوى بعض ما كان جليًّا لا يخفى، مما لا يعتمد تصويبه على فهم موضوعات الكتاب ومسائله، وأضافت إليها أخطاءً أخرى، كما افتقرت تلك الطبعة كسابقتها إلى الترتيب والتنسيق، وخلت من أي خدمة للنص.
ولما كانت أكثر عناوين الطبعة السابقة ليست من وضع المؤلف كما سبقت الإشارة إلى ذلك لم ألتزم بإيرادها في طبعتنا هذه؛ لعدم دقتها أحيانًا، ولكونها أشبه بالعناوين الجانبية الزائدة على الحاجة أحيانًا أخرى، ومهما يكن، فكونها ليست من وضع المؤلف جعلني في مندوحة من إيرادها، على أني جعلت فهرسًا مفصلًا انتظم مضمونها وزيادة، إلا أنني استبقيت العناوين المنسبكة مع سياق الكلام؛ لأنها لا بد أن تكون من وضع المؤلف، وهي قليلة.
وقد نبهت على أكثر أخطاء الطبعة السابقة؛ ليعلم القاريء فضل طبعتنا هذه عليها، والجهدَ الذي بذلناه فيها، وليحترز من هذه الأخطاء من عنده الطبعة السابقة، فقد استخرجت بعضها بالمناقيش (كما في ص ١٥، ٣٥، ٤٦، ٦٢، ٨٤، ١٠١، ٢٧٧، ٢٥٤)، وأهملت التنبيه على
стр. 6
بعض الأخطاء الواضحة التي لا تلتبس على القارئ، ولا أخفي أن كثرة الأخطاء في الطبعة السابقة قد أفقدها عندي المكانة التي تُعطى عادة للأصل المخطوط، وجرّأني على إثبات ما أراه صوابًا في الصلب دائمًا، سواء كان تصويبًا، أو إضافة أو حذفًا طفيفين، إلا أني أجعله بين معكوفين [هكذا]، وأنبه في الحاشية على الخطأ، دون التزام بتعليل التصويب إذا كان واضحًا، وقد كان خير معين لي في ذلك بعد الله -تعالى- سياق الكلام، وسباقه ولحاقه.
أما التعليقات فاقتصرت منها على ما دعت الضرورة إليه، فعزوت الأحاديث على قلتها إلى مصادرها مكتفيًا بذكر رقم الحديث، وحكمه إن كان خارج الصحيحين، أما الآيات فكُتبت برسم المصحف، وجعلْت أرقامها وسورها في الصلب تخفيفًا للحواشي، وخرَّجت الأبيات الشعرية من الدواوين والمصادر الأدبية، كما عرّفت بمن يحتاج إلى التعريف من الأعلام المذكورين، ووضَّحْت بعض المصطلحات والعبارات المستغلقة على ندرتها، ونبهت على بعض الأوهام التي قد تكون سبق قلم من المؤلف أو المصحح، (كما في ص ١٥، ٥٣، ١٣٠، ١٦١، ١٧٩، ٢٠١، ٢٤٢، ٣٠٥، ٣٣٢)، وعلّقت ثلاث تعليقات موجزة صيانةً لما قد تُحمّلُه عبارة المؤلف من رأي مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة هو منه بريء، وذلك في ص ٢٢٤، ٢٥٨، ٢٣٥.
كما التزمت بعزو النقول وأقوال العلماء بحسب توفر مصادر المؤلف بين يدي.
стр. 7
ومما تميزت به طبعتنا هذه الإحالات، فقد أكثر المؤلف من قوله (كما سبق أن أشرنا)، (كما سيأتي)، ومعلوم أن هذا النوع من الفنون مترابط الفقرات، منبنٍ آخره على أوله، موضح بعضه لبعض، فالتزمت بالإحالة على رقم الصفحة حيثما أحال المؤلف.
موارد المؤلف:
سبقت الإشارة إلى أن المؤلف عالم موسوعي، وهذا يعني أنه يعتمد في ما يكتب غالبًا على ما يملكه من مخزون علمي غزير، مع ما يفتح الله عليه من الفهم والاستنباط والتحليل والتحرير، والمؤلف ﵀ -كما يُعرف من ترجمته قد رُزق حافظة نادرة، زانها ذكاء عزيز، وعبقرية فذة، وذلك ما ملّكه رقاب العلوم والفنون، ولا سيما علوم الآلة ومنها موضوع الكتاب، فهي ماثلة أمامه يقطف منها ما يشاء، فهو بحق (مستلم أستاذية العالم الإسلامي في عصره)، كما وصفه تلميذه العلّامة بكر أبو زيد -حفظه الله-، ومن هذا حاله قد يعسر تحديد موارده في كتبه، وله في كتابه هذا عبارات تؤكد ما ذكرنا، نحو: (وعلى هذا القول عامة المنطقيين) (وعليه عامة البيانيين) (وعلى هذا جماهير الأصوليين) (وبه يظهر غلط جماهير علماء الأصول)، ونحوها من العبارات التي يعلم من عرف غزارة علم الشيخ أنها مبنية على استقراء، لا مجرد نقل، ومع ذلك فقد نص في هذا الكتاب على بعض الأسماء التي قد تعبر عن بعض موارده، مع أنه يذكرها غالبًا للاستدراك والمناقشة، لا للنقل والعزو، وإليك ما ذكره منها وبعضَ مواضعها من الكتاب:
стр. 8
١ - نظم في المنطق للعلامة المختار بن بونة، ص ٥.
٢ - السلم المنورق في فن المنطق، للأخضري، ص ٥.
٣ - مختصر في علم المنطق، للسنوسي، ص ٨١.
٤ - ابن عرفة، ولم يذكر اسم كتابه، ص ١٣٢.
٥ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ص ١٧٠.
٦ - ألفية ابن مالك. ص ١٧٤.
٧ - مراقي السعود، لعبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي. ص ٢٤٤.
٨ - شرح سلم الأخضري للبناني، ص ٢٧٦، ١٩٦، وقد نقل منه صفحات.
٩ - مختصر ابن الحاجب، ص ١٩٨، ٣٠٨.
١٠ - رسالة في البحث والمناظرة، للشريف الجرجاني، ص ٢٠٦.
١١ - ركن الدين العميدي، ولم يذكر اسم كتابه في الجدل، فلعله رجح إليه بواسطة، ص ٢٠٧.
١٢ - روضة الناظر، لابن قدامة، ص ٣٠٨.
١٣ - الباقلاني، ص ٣٢٢.
١٤ - الباجي، ص ٣٢٢، ولم يسمّ لهما كتبًا، فلعله ينقل عنها بواسطة.
стр. 9
هذا سوى موارده في القراءات والتفسير والحديث والشعر والأدب والنحو والبلاغة والتاريخ وغيرها مما يعتمد فيه على حفظه كما سبقت الإشارة إليه.
وننبه القارئ الكريم إلى أن المؤلف قد ذكر في مقدمته بعض المسائل المتوقف فهمها على دراسة فن المنطق وفهم مصطلحاته، وهو ﵀ إنما خاطب بها غير المبتدئين، فلا يعترض عليه بأن هذا من استباق الكلام، وتقديم ما حقّه التأخير، ويمكن للمبتدئ تجاوزها وتأخيرها إلى ما بعد فهم المقدمة المنطقية.
كما أنه -رحمه الله تعالى- لم يستوعب جيميع مباحث المنطق طلبًا للاختصار، فترك ذكر لواحق القياس وغيرها من المسائل التي نبه على تركها اختصارًا مرارًا في كتابه، فمن أرادها فعليه بمطولات هذا الفن.
وفي ختام بهذا التقديم نستميح القارئ الكريم العذر في أي تقصير يلحظه في خدمة هذا الكتاب النفيس، ونسأل الله -تعالى- أن يتغمد مؤلفه بواسع رحمته، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. سعود بن عبد العزيز بن محمد العَرِيفي
مكة المكرمة -جامعة أم القرى- قسم العقيدة
стр. 10
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد:
فإنه لما كان من أهداف الجامعة الإسلامية نشرُ العلم، وتعليمُ أبناء المسلمين بصفة عامة، وتخريجُ الدعاة إلى الله بصفة خاصة، وكانت الدعوة إلى الله من أهم أعمال المسلمين جميعًا، فإن الجامعة مازالت دائبةً في تدعيم مناهجها إلى أن أصبحت -ولله الحمد- في المستوى المنهجي اللائقِ بها وبأهدافها.
وقد تخرّج أفواجٌ من أبنائها من كلية الشريعة، شغلوا مناصب عدةً من تدريس وقضاءٍ ودعوة.
ولما كان من المتوقع أن يواجه الدعاةَ إلى الحق دعاةٌ إلى الباطل مضللون، يجادلون لشبهٍ فلسفية، ومقدماتٍ سوفسطائية (١)، وكانوا لشدة تمرُّنِهم على تلك الحُجج الباطلةِ كثيرًا ما يُظهرون الحقَّ في صورة الباطل، والباطلَ في صورة الحق، ويفحمون كثيرًا من طلبة العلم الذين لم يكن معهم سلاحٌ من العلمِ يدفع باطلَهم بالحق، وكان من الواجب على المسلمين أن يتعلموا من العلم ما يتسنّى لهم به إبطالُ
стр. 11
الباطل وإحقاقُ الحقِّ على الطرق المتعارَفة عند عامة الناس = حمل ذلك الجامعةَ على إنشاء كلية الدعوة وأصول الدين.
ومهمّتُها تخريجُ دعاة قادرين على تبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى إفحام وإلزام الدعاة المضلِّلين، ببيان بها يصحح أدلتهم، ويظهرُ بطلانَ حُجج خصومهم.
ومن أجل ذلك قررَتْ في منهج هذه الكلية تدريسَ مادة "آداب البحث والمناظرة"؛ لأنه هو العلم الذي يَقدِر به من تعلمه على بيان مواضع الغلط في حُجة خصمه، وعلى تصحيح مذهبه بإقامة الدليل المقنعَ على صحته، أو صحة ملزومه، أو بطلان نقيضه، ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن المقدمات التي تتركب منها الأدلةُ التي يحتج بها كل واحد من المتناظرَين إنما تُوجه الحجةُ بها منتظَمة على صورة القياس المنطقي.
ومن أجل ذلك كان فن "آداب البحث والمناظرة" يتوقف فهمُه كما ينبغي على فهم ما لا بد منه من فن المنطق؛ لأن توجيه السائل المنعَ على المقدمة الصغرى أو الكبرى مثلًا، أو القدحَ في الدليل بعدم تَكرار الحد الوسط، أو باختلال شرط من شروط الإنتاج ونحو ذلك (١)، لا يفهمه من لا إلمام له بفن المنطق.
وكانت الجامعة قد أسندت إلينا تدريسَ فن "آداب البحث
стр. 12
والمناظرة"، وكان لا بد من وضع مذكرة تُمكّن طلاب الفن من مقصودهم، فوضعنا هذه المذكرة، وبدأناها بإيضاح القواعد التي لابدّ منها من فن المنطق لآداب البحث والمناظرة، واقتصرنا فيها على المهم الذي لا بد منه للمناظرة، وجئنا بتلك الأصول المنطقية خالصةً من شوائب الشُّبه الفلسفية، فيها النفع الذي لا يخالطه ضررٌ البتة؛ لأنها من الذي خلّصه علماء الإسلام من شوائب الفلسفة، كما قال العلامة شيخ مشايخنا وابن عمنا المختار بن بونة (١) -شارحُ الألفية والجامعُ معها ألفيةً أخرى من نظمه تكميلًا للفائدة- في نظمه في فن المنطق:
فإن تقُلْ حرّمه النواوي ... وابنُ الصلاح والسيوطي الراوي
قلتُ نرى الأقوال ذي المخالِفةْ ... محلُّها ما صنف الفلاسفةْ
أما الذي خلّصه من أسلما ... لا بد أن يعلم عند العلما
وأما قول الأخضري (٢) في سلمه (٣):
فابنُ الصلاح والنواوي حرما ... وقال قوم ينبغي أن يُعْلما
стр. 13
والقولةُ المشهورةُ الصحيحةْ ... جوازهُ لكاملِ القريحةْ
مُمارِسِ السُنّةِ والكتابِ ... ليَهتدي به إلى الصوابِ
فمحلُّه المنطقُ المشوبُ بكلام الفلاسفة الباطل.
ومن المعلوم أن فن المنطق منذ تُرجم من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في أيام المأمون كانت جميعُ المؤلفات توجدُ فيها عِباراتٌ واصطلاحات منطقيةٌ لا يفهمُها إلا من له إلمامٌ به، ولا يَفهم الردَّ على المنطقيين في ما جاؤوا به من الباطل إلا من له إلمام بفن المنطق.
وقد يعين على رد الشبه التي جاء بها المتكلمون في أقيسة منطقية، فزعموا أن العقل يمنع بسببها كثيرًا من صفات الله الثابتةِ في الكتاب والسنة؛ لأن أكبر سبب لإفحام المبطل أن تكون الحجة عليه من جنس ما يحتج به، وأن تكون مركبة من مقدمات على الهيأة التي يعترف الخصم المبطل بصحة إنتاجها.
ولا شك أن المنطق لو لم يترجم إلى العربية ولم يتعلمه المسلمون لكان دينُهم وعقيدتُهم في غنىً عنه، كما استغنى عنه سلفهم الصالح، ولكنه لما تُرجم وتُعُلِّم، وصارت أقيسته هي الطريق الوحيدة لنفي بعض صفات الله الثابتةِ في الوحيين، كان ينبغي لعلماء المسلمين أن يتعلموه وينظروا فيه ليردّوا حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به على نفيهم لبعض الصفات؛ لأن إفحامهم بنفس أدلتهم أدعى لانقطاعهم وإلزامهم الحق.
واعلم أن نفس القياس المنطقي في حد ذاته صحيح النتائج، إن
стр. 14
ركبت مقدماتُه على الوجه الصحيحِ صورةً ومادةً مع شروط إنتاجه فهو قطعي الصحة، وإنما يعتريه الخلل من جهة الناظر فيه، فيغلط، فيظن هذا الأمر لازمًا لهذا مثلًا، فيستدل بنفي ذلك اللازم في زعمه على نفي ذلك الملزوم، مع أنه لا ملازمةَ بينهما في نفس الأمر البتة.
ومن أجل غلطه في ذلك تخرج النتيجةُ مخالفةً للوحي الصحيح؛ لغلط المستدِل، ولو كان استعماله للقياس المنطقي على الوجه الصحيح لكانت نتيجتُه مطابقةً للوحي بلا شك؛ لأن العقل الصحيح لا يخالف النقل الصريح.
وإيضاحه باختصار أن القياس المنطقي نوعان:
الأول: الاقتراني، وهو المعروف بالحملي، وقياسِ الشمول، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله (١)، وسائر أشكاله راجعةٌ إلى الشكل الأول، ووجهُ الحكم العقلي بصحة إنتاج الشكل الأول هو أن الحد الأصغرَ إذا اندرج في الحد الأوسط، واندرج الأوسط في الأكبر، لزم عقلًا اندراج الأصغر في الأكبر، وهذا أمر عقلي لا شك فيه، ولا يتغير بتغير الزمان؛ لأنه حكم عقلي قطعي ثابت.
وأما القياس الاستثنائي (٢) إن كان مركبًا من متصلة لزومية واستثنائية فلا يُنتج منه إلا ضربان، وحاصلهما بالتقريب للذهن أن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم، وثبوتَ الملزوم يقتضي ثبوتَ اللازم،
стр. 15
وكلاهما حكم عقلي قطعي ثابت لا يمكن تغيّره.
والمركب من شرطية منفصلة (١) إن كانت حقيقية مانعةَ جمع وخُلُوّ أنتجت ضروبُه الأربعة؛ لأن نفي كل واحد من النقيضين يستلزم وجود الآخر، ووجودَ كل واحد منهما يستلزم نفي الآخر، وهذه أحكام عقلية قطعية لا تتغير بحال.
والمركب من مانعة الجمع المجوِّزةِ للخُلُوّ يقطع العقل بصحة إنتاج ضربيه المنتجين؛ لأن مانعة الجمع المذكورةَ لا تتركب إلا من قضية وأخصَّ من نقيضها، فكلا طرفيها أخصُّ من نقيض الآخر، ولذا كان إثبات كل واحد من طرفيها يقتضي نفي الآخر؛ لأن إثبات ما هو أخصُّ من النقيض يستلزم إثبات النقيض؛ لأن ثبوت الأخصِّ يستلزم ثبوت الأعم بلا عكس.
وإذا ثبت النقيض عُلم انتفاءُ نقيضه قطعًا؛ لاستحالة اجتماع النقيضين، فتعين أن ثبوت كل واحد من طرفيها يقتضي نفي الآخر، بخلاف نفي أحد الطرفين فلا يقتضي نفي الآخر؛ لأن نفي ما هو أخص من النقيض لا يستلزم نفي النقيض؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
وكذلك المركب من مانعة الخُلُوّ المجوِّزةِ للجمع، فإن العقل الصحيح يقطع بصحة إنتاج الضربين المنتجين منه، وهما العقيمان في الذي قبله؛ لأن مانعة الخلو المجوزةَ للجمع لا تتركب إلا من قضية
стр. 16
وأعمَّ من نقيضها، فكلا طرفيها أعمُّ من نقيض الآخر، ولذا كان نفي كل واحد منهما يقتضي وجود الآخر بلا عكس؛ لأن نفي ما هو أعمُّ من النقيض يستلزم نفي النقيض؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وإذا لزم من انتفائه انتفاءُ النقيض عُلم قطعًا ثبوتُ النقيض الآخَرِ؛ لاستحالة عدم النقيضين معًا.
فتبين أن نفي كل واحد من طرفيها يستلزم ثبوت الآخر بلا عكس، وكلَّ ما ذكر بحكم العقل (١)، وأنه لا يتغير بتغير الزمان.
وبعد الانتهاء مما لا بد منه من فن المنطق نذكر جملا كافية من آداب البحث والمناظرة، تُعين من تعلمها على تصحيح مذهبه وإبطال مذهب خصمه، مع الآداب اللازمة لذلك، ثم نطبق ذلك في مسائلَ من القوادح في أصول الفقه، ومسائلَ من مسائل الكلام التي نفى فيها المعطلون بعض الصفات، ونوضح كيفية تصحيح الحق في ذلك وإبطالِ الباطل؛ لأن تطبيق ذلك عمليًّا يفيد الطالب إفادةَ أكبر.
ونختتم الكلام بالمقارنة بين ما يسميه المتكلمون مذهبَ السلف ومذهب الخلف، مع إحقاق الحق وإبطال الباطل على الطرق المعهودة في المنَاظرة؛ ليفيدَ ذلك الطالبَ تمرينًا على رد الشبه وإبطال الباطل بطريق المناظرة.
وهذا أوان الشروع في ذكر ما لا بد منه من المسائل المنطقية.
المؤلف
стр. 17
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة منطقية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
أنواع العلم الحادث
أَي وهو علم المخلوقين؛ لأن الكلام فيه، احترازًا عن علم الله -جل وعلا-؛ فإنه لا يوسف بصفات علم المخلوقين.
اعلم أولًا أنا تركنا الأبحاث في تعريف العلم ومناقشتها اختصارًا؛ ولأن طالب العلم يفهم المراد بالعلم.
اعلم أن العلم الحادث ينقسم أربعة أقسام؛ لأنه إما علم تصور، وإما علم تصديق، وكل واحد منهما إما ضروري وإما نظري، فالمجموع أربعة، من ضرب اثنين في اثنين.
الأول: علمُ تصورٍ ضروري.
الثاني: علمُ تصورٍ نظري.
الثالث: علم تصديق ضروري.
الرابع: علم تصديق نظري.
واعلم أن علم التصور في الاصطلاح هو "إدراك معنى المفرد من غير تعرض لإثبات شيء له ولا لنفيه عنه"، كإدراك معنى اللذة،
стр. 18
والألم، ومعنى المرارة، ومعنى الحلاوة، وإدراك معنى الإنسان، ومعنى الكاتب.
فإدراك كل مفرد مما ذكرنا ونحوه -أي فهم المعنى المراد به ذلك المفرد- من غير تعرضٍ لإثبات شيء له ولا لنفيه عنه هو المسمى في الاصطلاح بعلم التصور، وهو تفعُّل من الصورة، فكأن صورة المفرد تنطبع في الذهن؛ لإدراك المتصوِّر لها معناها.
والإدراك في الاصطلاح هو: "وصول النفس إلى المعنى بتمامه"، فإن وصلت إليه لا بتمامه فهو المسمى في الاصطلاح بالشعور.
وأما علم التصديق فهو "إثبات أمر لأمر بالفعل"، أو نفيه عنه بالفعل، وتقريبه للذهن أنه هو المسمى في اصطلاح البلاغيين بالإسناد الخبري، وفي اصطلاح النحويين بالجملة الاسمية التي هي المبتدأ والخبر، أو الفعليةِ التي هي الفعل والفاعل، أو الفعل ونائب الفاعل.
فلو قلت مثلًا: (الكاتب إنسان)، فإدراكك معنى (الكاتب) فقط علم تصور، وإدراكك معنى (الإنسان) فقط علم تصور، وإدراكك كونَ الإنسان كاتبًا بالفعل، أو ليس كاتبًا بالفعل، هو المسمى بالتصديق.
وإنما سمي تصديقًا لأنه خبر، والخبر بالنظر إلى مجرد ذاته يحتمل التصديق والتكذيب، فسمَّوه تصديقًا؛ بأشرف الاحتمالين.
وكونُ التصديق -الذي هو إدراك وقوع نسبة بالفعل أو عدمِ وقوعها بالفعل- من أنواع العلم هو قول الجمهور، وهو الحق. وقد تركنا ذكر ما خالفه وإبطاله لأجل الاختصار.
стр. 19
واعلم أنه لا يمكن إدراك نسبة وقوع الأمر أو عدم وقوعها فعلًا إلا بأربعة تصورات هي:
الأول: تصور المحكوم عليه الذي هو الموضوع.
الثاني: تصور المحكوم به الذي هو المحمول.
الثالث: تصور النسبة الحُكْمية التي هي مَوْرد الإيجاب والسلب من غير حكم بوقوعها ولا عدم وقوعها، كما يقع من الشاكّ في قيام زيد، فإنه يتصور معنى زيد، ويتصور معنى القيام، ويتصور معنى نسبة القيام إلى زيد مع أنه شاكٌّ في وقوعها، فليس متصوّرًا لوقوعها ولا لعدم وقوعها، فإن تصوّرَ وقوعَها بالفعل أو عدمَ وقوعها بالفعل فهو التصديق.
وجمهورهم يقول: إن التصديق بسيط، وهو التصور الرابع وحده، والثلاثة قبله شروط فيه.
وقال الرازي (١): التصديق مركب. يعني أنه مركب من أربعة تصورات، فهو عنده مجموع التصورات الأربعة.
والقولان متفقان على أنه لا بد قبلَه من ثلاثة تصورات؛ إلا أن من يقولُ هو بسيط يقول: توقفه على التصورات الثلاثة من توقف الماهية على شرطها، ومن يقول هو مركب يقول: هو من توقف الماهية على أركانها التي هي أجزاؤها.
стр. 20
فعُلم أن كل تصديق تصور، وليس كلُ تصور تصديقا.
واعلم أن الموضوع في اصطلاح المنطقيين هو المعروف في المعاني بالمسند إليه، وفي النحو بالمبتدأ، أو الفاعل والنائب عن الفاعل.
والمحمول (١) في اصطلاحهم هو المعروف في المعاني بالمسند، وفي النحو بالخبر، أو الفعل.
وإنما سمي الموضوع موضوعًا لأن المحمول صفة من صفات الموضوع، أو فعل من أفعاله، والصفة لا بد لها من موصوف، والفعل لا بد له من فاعل، فالأساس الذي وضع لإمكان إثبات الصفات أو نفيها هو المحكوم عليه، ولذا سمي موضوعًا، كالأساس للبنيان.
وسُمّي الآخر محمولًا لأنه كسقف البنيان، لا بد له من أساس يبنى عليه.
فلو قلت: زيد عالم، أو زيد ضارب، فالعلم صفة زيد، والضرب فعله، ولا تمكنُ صفةٌ بدون موصوف، ولا فعل بدون فاعل، فصار المحكوم عليه كأنه وضع أساسًا للحكم، فسمي موضوعا، وسمي ما يسند إليه من صفات وأفعال محمولًا؛ لأنها لا تقوم بنفسها، فلا بد لها من أساس تُحمل عليه.
وإذا عرفتَ المراد بالتصور والتصديق، وأن كلًّا منهما يكون
стр. 21
ضروريًّا ونظريًّا، فاعلم أن الضروري في الاصطلاح: "ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل"، والنظري في الاصطلاح هو: "ما يحتاج إدراكه إلى التأمل".
فالتصور الضروري كتصور معنى الواحد ومعنى الاثنين.
والتصديق الضروري كإدراك أن الواحد نصفُ الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء.
والتصور النظري مثّل له بعضُهم بتصور الملائكة، والجَنّة؛ فإنه [نظري] (١)، ومن أمثلته: تشخيص الطبيب لعين [المرض] (٢)؛ فهو تصور له بعد بحث وتأمل ونظر.
والتصديق النظري كقولك: الواحد نصف سدس الاثني عشر، وربعُ عشر الأربعين.
والنظر في الاصطلاح: "الفكر المؤدي إلى علم أو غلبة ظن".
والفكر في الاصطلاح: "حركة النفس في المعقولات"، أما حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل.
واعلم أن الطريق التي يُتوَصَّلُ بها إلى إدراك التصور النظري هي المعرِّفات بأنواعها، فيدخل فيها الحد، والرسم، واللفظي، والقسمة، والمثال، وتُسمى بالقول الشارح، كما سيأتي إيضاحه إن شاء
стр. 22
الله (١).
والطريق التي يُتوصل بها إلى معرفة التصديق النظري هي الحجة، وهو القياس المنطقي بأنواعه، وسيأتي إيضاحه إن شاء الله (٢).
وما تركب من مقدمات يقينية فهو المسمى منها بالبرهان.
стр. 23
[الدلالة وأنواعها] (١)
اعلم أن الدَّلالة مثلثة الدال، والأفصح فتحُها، ثم كسرها، وأردأُها الضم.
وهي في الاصطلاح: "فهم أمر من أمر"، أو "كون أمر بحيث يُفهم منه أمر، فُهم بالفعل أو لم يفهم".
وقال بعضهم: هي مشتركة بين الأمرين. ومناقشات التعريفين كلها ساقطة، وقد تركناها اختصارًا.
وفهم الأمر من الأمر واضح، كفهم المسمّيات من فهم المراد بأسمائها.
وكونُه بحيث يُفهم منه أمر [فُهم بالفعل] (٢) أو لم يفهم: كعدم شق إخوة يوسفَ قميصَه، لما جعلوا عليه دم السخلة (٣) ليكون الدم قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فنظر يعقوب إلى القميص، فإذا هو ملطخ بالدم ولا شقَّ فيه، فعَلم أن عدم شق القميص فيه الدلالةُ الواضحة على كذبهم، وإن لم يَفهموا بالفعل ذلك الأمر الدال عليه، فقال يعقوب: سبحان الله، متى كان الذئب حليمًا كيِّسًا، يقتل يوسف ولا يشق قميصه؟!.
وكعدم فهم بعض الصحابة معنى الكلالة، وأنها الورثة الذين ليس
стр. 24
فيهم ابنٌ ولا أبٌ، مع دلالة آية الكلالة على ذلك؛ لأنه -تعالى- صرح بنفي الولد بقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، ودل على أنه ليس له أبٌ التزامًا، بقوله -تعالى-: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ لأن إرث الأخت يلزمه عدم وجود الأب؛ لأنه يحجبها.
واعلم أن أنواع الدلالة محصورة في ستة أقسام لا سابع لها، وإيضاحه أن الدالَّ إما (لفظي) أو (غير لفظي)، ولا ثالث لهما، وقد دل الاستقراء التام على أن دلالته ثلاثة أقسام لا رابع لها، وهي:
دلالته وضعًا، دلالته عقلًا، دلالته طبعًا.
فتضرب حالتي الدالّ في حالات الدلالة الثلاث، فالمجموع ستة، من ضرب اثنين في ثلاثة:
الأول: دلالة اللفظ وضعًا، كدلالة (الرجل) على الإنسان الكبير الذكر، و (المرأة) على الإنسان الأنثى، وهكذا في دلالة الألفاظ على معانيها المفردة والمركبة.
والوضع في الاصطلاح هو: "تعيين أمر للدلالة على أمر".
الثاني: دلالة اللفظ عقلًا، كدلالته على لافظٍ به.
الثالث: دلالة اللفظ طبعًا، أي عادةً، كدلالة الصُّراخ على مصيبة نزلت بالصارخ، ودلالة لفظة (أح) -بالمهملة- على ألم بالصدر.
الرابع: دلالة غير اللفظ وضعًا، كدلالة المُفْهِمات الأربعة، وهي: الخط، والإشارة، والعقد، والنصب.
стр. 25
فالنقوش التي هي الخط تدل على الألفاظ وضعًا، وليست لفظًا.
والمراد بالعقد عقد الأصابع لبيان قدر العدد، فهو يدل على قدر العدد وضعًا، وليس باللفظ.
والإشارة تدل على المعنى المشار إليه وضعًا، وليست لفظًا.
والمراد بالنصب: نصب الحدود بين الأملاك، ونصب أعلام الطريق، وهو واضح مما تقدم.
الخامس: دلالة غير اللفظ عقلًا، كدلالة المصنوعات على صانعها.
السادس: دلالة غير اللفظ طبعًا، أي عادة، كدلالة حُمرة الوجه على خجل صاحبه، ودلالة صُفرة الوجه على وجل صاحبه، أي خوفه، كما قال القائل:
تفاحةٌ جمعت لونين خلتُهما ... خَدّي مُحِب ومحبوب قد اعتنقا
تعانقا فرَيا واشٍ فراعهما ... فاحمرّ ذا خجلًا واصفرّ ذا فرقًا (١)
ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري (٢):
إذا شكوتُ إليها الحبَّ خفرها ... شكواي فاحمرّ خداها من الخجلِ
إذا عرفتَ هذا فاعلم أن المقصود عند المنطقيين من هذه الأقسام الستة هو واحد فقط، وهو دلالة اللفظ وضعًا، وهي تنقسم عندهم إلي
стр. 26
ثلاثة أقسام: دلالة المطابقة، دلالة التضمن، دلالة الالتزام.
أما دلالة المطابقة: "فهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الموضوع له اللفظ"، كدلالة الرجل على الإنسان الذكر، والمرأة على الإنسان الأنثى، وهكذا دلالاتُ الأسماء على مسمياتها التي وضعت لها، وسميت مطابقة لتطابق الوضع والفهم، فالمفهوم من اللفظ هو عين المعنى الموضوع له اللفظ.
وأما دلالة التضمن: فهي "دلالة اللفظ على جزء مسماه في ضِمْن كُلِّه"، ولا تكون إلا في المعاني المركبة، كدلالة الأربعة على الواحد ربعِها، وعلى الاثنين نصفِها، وعلى الثلاثة ثلاثةِ أرباعها.
فلو سمعتَ رجلًا قال: عندي أربعةُ دنانير، فقلتَ له: أقرضْني دينارًا، أو دينارين، أو ثلاثة دنانير، فقال: لا شيء عندي من ذلك، فقلتَ له: سمعتُك تقول: إن عندك أربعةَ دنانير، فقال: نعم ولكن لم أقل واحدًا أو اثنين أو ثلاثة، فإنك تقول له: لفظ الأربعة التي ذكرتَ يدل على الواحد رُبعِها، وعلى الاثنين نصفِها، وعلى الثلاثة ثلاثةِ أرباعها، بدلالة التضمن؛ لأن الجزء يُفهم في ضمن الكل.
وأما دلالة الالتزام: فهي دلالة اللفظ على خارجٍ عن مسماه لازم له لزومًا ذهنيًّا، بحيثُ يلزم من فهم المعنى المطابَقي فهمُ ذلك الخارجِ اللازم، كدلالة (الأربعة) على الزوجية.
والزوجيةُ في الاصطلاح هي: "الانقسام إلى متساويين".
واعلم أن اللوازم ثلاثةٌ لا رابع لما: لازم في الذهن والخارج معًا،
стр. 27
ولازم في الذهن فقط، ولازم في الخارج فقط.
أما الأوّلان -وهما اللازم في الذهن والخارج معًا، واللازم في الذهن فقط- فتُسمى بهما دلالةُ التزام بالإجماع.
وأما الثالث -وهو اللازم في الخارج فقط- فلا تسمى به دلالةُ التزام عند المنطقيين، وإنما تسمى [به دلالة] (١) التزام عند الأصوليين والبيانيين.
مثال اللازم في الذهن والخارج معًا: دلالة الأربعة على الزوجية، التي هي الانقسام إلى متساويين، فيلزم من فهم معنى الأربعة فهمُ أنها زوج، أي منقسمةٌ إلى متساويين، فهذا لازم في الذهن كما ذكرنا، ولازم في الخارج أيضًا، والمراد بالخارج هنا: "الواقع في نفس الأمر"، فالزوجية لازمة للأربعة في الذهن، وفي الواقع في نفس الأمر.
ومثال اللازم في الذهن فقط دون الخارج: لزومُ البصر للعمى؛ لأن معنى العمى بدلالة المطابقة هو "سلب البصر"، فمعناه المطابقي مركب إضافي، أي مركب من مضاف هو "سلب"، ومضاف إليه وهو "البصر"، ولا يُعقل "سلب البصر" حتى يعقل معنى البصر، فظهر أنه لا
стр. 28
يَفهم أحد معنى العمى حتى يفهم معنى البصر؛ لأن معنى البصر جزء من معنى العمى؛ لأن معنى العمى مركب إضافي، والبصر أحد جزأيه، وهذا اللازم إنما هو في الذهن فقط، لا في الخارج؛ لأن العين التي اتصفت بالعمى انتفى عنها البصر ضرورة؛ لما بين العمى والبصر من التنافي؛ المعبر عنه بمقابلة العلم والملكة (١).
ومثال اللازم في الخارج فقط: دلالة لفظ الغراب على السواد؛ لأنه لا يوجد في الخارج غراب إلا هو متصف بالسواد، ولكن هذا لا يُفهم من فهم معنى الغراب؛ لأن من لم يرَ الغرابَ قط، ولم يخبره أحد بلونه قد يتصور أن الغراب طائر أبيض، فالسواد إنما يلزم الغرابَ في الخارج فقط، لا في الذهن، فدلالته عليه التزامية عند الأصوليين والبيانيين، وليست كذلك عند المنطقيين.
واعلم أن دلالة المطابقة وضعية بلا خلاف، وأما دلالةُ التضمن ودلالةُ الالتزام ففيهما لأهل العلم ثلاثةُ مذاهب:
الأول: أنهما وضعيتان أيضًا، وعلى هذا القول عامة المنطقيين، ووجهه أن سبب السبب سبب؛ لأن فهم المعنى المطابَقي هو سبب فهم جزئه في ضمن كله، وهو دلالة التضمن، وهو سبب فهم اللازم الخارج عن المسمى، وهو دلالة الالتزام، فلما كان وضع اللفظ سببًا لفهم المعنى المطابَقي، وفهمُ المعنى المطابقي سببًا في فهم الجزء في ضمن الكل، وفهم الخارج اللازم، صارت كل من التضمن والالتزام
стр. 29
وضعية؛ لأن السبب الأولَ في فهمهما الوضعُ، وسبب السبب سبب.
المذهب الثاني: أنهما عقليتان، وعليه عامة البيانيين، ووجهه أن اللفظ إنما وضع للمعنى المطابقي، ولكن العقل هو الذي فهم منه الجزء في ضمن الكل، والخارج اللازم.
المذهب الثالث: أن دلالة التضمن وضعيةٌ ودلالةَ الالتزام عقلية، ووجهه أن المدلول عليه بالتضمن جزء المدلول المطابقي، والمطابقةُ وضعية بلا خلاف، وجزء الوضعي وضعي؛ لأن الجزء مندرج في الكل، أما دلالة الالتزام فليست جزء الوضعي، ولكن العقل فهم من المعنى المطابقي لازمَه الخارجَ عن مسماه، وعلى هذا جماهيرُ من الأصوليين.
стр. 30
مباحث الألفاظ
المباحث جمع مبحث، وهو اسم مكان بمعنى مكان البحث، وهو الفحص والتفتيش عن الألفاظ من حيث التركيبُ والإفرادُ ونحوُ ذلك كالكلية والجزئية.
اعلم أولًا أن اللفظ المستعمل في اللغة لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون مركبًا، وإما أن يكون مفردًا، وهذا على قول الجمهور بأن القسمة ثنائية.
وضابط المركب عندهم: هو "ما يدل جزؤه على جزء معناه دلالةً مقصودةً خالصة".
فخرج بقولهم: "ما دل جزؤه" ما لا جزء له أصلًا، كباء الجر ولامه، وما له جزء لا دلالةَ له على شيء، كبعض حروف (زيد).
وخرج بقولهم: "على جزء معناه"، ما له جزء وله دلالة لكن لا على جزء معناه كـ (كأبكم)، فإن نصفه الأولَ وهو (أبي) يدل على ذاتٍ متصفة بالأبّوة، ونصفَه الأخيرَ وهو (كم) يدل على سؤال عن عدد، أو إخبارٍ بعددٍ كثير، ولكن ليس واحدٌ منهما يدل على جزء المعنى المقصود بالأبكم.
وخرج بقولهم: "مقصودةً" العلَمُ الإضافي كـ (عبد الله)؛ فإن جزءه الأول يدل على العبد، والثاني يدل على الخالق -جل وعلا-، ولكن هذه الدلالة ليست مقصودة؛ لأن المقصود جعلُ اللفظين علَمًا للشخص مُعيِّنًا له عن غيره من الأشخاص.
стр. 31
وخرج بقولهم "خالصةً" ما لو قُصد في تسمية الإنسان بـ (عبد الله) مثلًا أنه متصف بالعبودية لله؛ فإن دلالة جزء اللفظ على جزء المعنى حينئذ مقصودة، لكنها غيرُ خالصة من شائبة العلَمية.
وبهذا تعلم أن المفرد هو ما لا جزء له أصلًا، كباء الجر ولامه، أوْ له جزء لا دلالة له على شيء، أو له جزء وله دلالة لكن لا على جزء معناه، أو له جزء وله دلالة على جزء معناه ولكنها دلالة غير مقصودة.
أو له جزء وله دلالة على جزء مسماه دلالةً مقصودةً لكنها غيرُ خالصة من شائبة العلَمية.
وقد تركنا بعض المناقشات هنا لعدم اتجاهه عندنا.
وقد عرفتَ من هذا التعريف الذي ذكروا أن المركب هنا صادقٌ بالمركب الإسنادي، نحو: (زيد قائم)، والمركب الإضافي كـ (غلام زيد)، والمركب التقييدي كـ (الحيوان الناطق)، وأن المفرد هو الاسم أو الفعل أو الحرف، ويدخل في الاسم العلَم الإضافي كـ (عبد الله) و (عبد شمس).
وما تقدم في حدهم للتصور والتصديق، يدل على أن المركب الإضافي والمركب التقييدي من أنواع المفرد؛ لأن إدراكهما تصور لا تصديق، والتصور إدراك معنى المفرد، خلافًا لما يذكرون هنا.
والظاهر أن بعض الاصطلاحات تختلف في المفرد، فهو في التصور والتصديق: "كل ما ليس بإسناد خبري تام"، وفي مبحث المركب والمفرد: يكون له اصطلاح آخر، فيدخل فيه المركب
стр. 32
الإضافي والتقييدي مثلًا.
وإذا علمت هذا فاعلم أن المفرد بالاصطلاح المذكور هنا ينقسم إلى قسمين لا ثالث لهما؛ لأنه إما أن يكون كليًّا وإما أن يكون جزئيًّا.
وضابط الكلي في الاصطلاح أنه "هو ما لا يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه"، كالإنسان والحيوان والرجل والمرأة والأسد ونحو ذلك؛ فإنك إذ تعقلت معنى الإنسان لم يمنعك تعقله من وقوع الشركة فيه، فهو قدر مشترك يشترك فيه عمرو وزيد وخالد، وهكذا في باقي الأمثلة.
وإن شئت قلت في حد الكلي: هو "المفرد الذي لا يمنع تعقل مدلوله من حمله حمل مواطأة على أفراد كثيرة".
والمراد بحمل المواطأة هو حمله عليها بنفسه، من غير احتياج إلى اشتقاق أو إضافة، فالإنسان مثلًا إذا تعقلت مدلوله لم يمنعك ذلك من حمله حمل مواطأة على كثيرين، كأن تقول: زيد إنسان، وعمرو إنسان، وخالد إنسان، وهكذا، وكذلك الحيوان لا يمنعُك تعقل مدلوله من حمله حمل مواطأة على كثيرين، كقولك: الإنسان حيوان، والفرس حيوان، والجمل حيوان، وهكذا.
أما إن كان لا يمكن حملُه عليها حملَ مواطأة، بل حمل اشتقاق أو إضافة، فليس كليًّا لها، فليس العلم مثلًا كليًّا بالنسبة إلى الأشخاص العلماء؛ لأنك لا تقول: مالك عِلْم، والشافعي عِلْم، وإنما يصح في ذلك الحمل بالاشتقاق، كقولك: مالك عالم، والشافعي عالم، أو
стр. 33
الإضافة، كقولك: مالك ذو علم، والشافعي ذو علم، فالعلم كلّيٌ بالنسبة إلى الفنون؛ لأنك تقول: النحو علم، والفقه علم، والتوحيد علم. وهكذا؛ لأنه يُحمل عليها حملَ مواطأة، وليس العلمُ كليًّا بالنسبة إلى الأشخاص المتصفين به كما بينّا.
وتقريب الكلي للذهن: أنه هو "كل ما وضع لأكثر من شيء واحد"، كالقدر المشترك بين اثنين فصاعدًا.
[والجزئي] (١) هو "ما يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه".
وهنا واسطة وطرفان: طرف هو جزئي إجماعًا، يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه، وهو العَلَم بنوعيه، أعني علَم الشخص وعَلَم الجنس؛ لأنك إذا تعقلت معنى (زيد) عَلَمًا لرجل معيّن منعك تعقله من وقوع الشركة فيه؛ لأنه وُضمع له خاصة ليعيّنه ويميّزه عن غيره من الأشخاص.
واعلم أن الفرق بين علَم الجنس واسم الجنس يعسر فهمه على كثيرين من طلحة العلم؛ فقولك: (أسامة) علمًا لجنس الأسد معرفة؛ لأنه علم فيجوز الابتداء به بدون احتياج إلى مسوِّغ، ويجوز مجيء الحال منه متأخرة، نحو (هذا أسامة مقبلًا)، ولا يجوز دخول الألف واللام عليه؛ لأنه علَم، بخلاف لفظة (أسد) اسمًا لجنس الأسد؛ فإنها نكرة لا يجوز الابتداء بها إلا بمسوِّغ، ولا تجيء الحال منها متأخرة إلا بمسوِّغ، ويجوز دخول الألف واللام عليها؛ لأنها نكرة، فيعسر الفرق
стр. 34
بين (أسامة)، علمًا لجنس الأسد، و (أسد) اسمًا لجنسه.
وأوضح الفوارق التي فرقوا بها بينهما -بل لا يكاد يعقل غيره- هو أن علَم الجنس روعي فيه القدر المشترك بقطع النظر عن الأفراد، واسم الجنس روعي فيه القدر المشترك لا بقطع النظر عن وجوده في بعض الأفراد.
وإيضاحه أن معنى (الأسد) مثلًا شيء واحد، وهو مجموع الحيوانية والافتراسية مثلًا، فالمعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين أفراده شيء واحد لا تعدد فيه، وإنما التعدد في الأفراد الخارجية المشتركة فيه، فوضعوا علَم الجنس لذلك المعنى الذهني، وهو شيء واحد، فشخّصوه بالعَلَمِ في الذهن لا في الخارج، كتشخيص الشخص بعَلَمه في الخارج، فعَلم الجنس يشخّص مسماه في الذهن لا في الخارج، وعلَم الشخص يشخّص مسماه في الخارج.
وأما لفظة (أسد) فإنهم أرادوا بها المعنى الذهنيَّ المشتركَ بين الأفراد، بدون قطع النظر عن وجود بعض أفراده الخارجية فيه، التي هي محل التعدد.
وعلى قول من قال: إن اسم الجنس والنكرةَ شيء واحد فإن اسم الجنس يراعَى فيه وجودُ بعض الأفراد الخارجية في المعنى الذهني، الذي هو القدر المشترك، وهو الفرد الشائع في جنسه.
فقطْعُ النظر مطلقًا عن الأفراد الخارجية التي هي محل التعدد، وقصْدُ تشخيص المعنى الذهني الذي هو القدر المشترك بين الأفراد
стр. 35
-وهو واحد لا تعدد فيه- هو الذي يكون به الاسم المشخِّص لذلك المعنى الواحدِ في الذهن علَم الجنس، وما لم يُقطع النظر فيه عن الأفراد الخارجية هو اسم الجنس؛ لتعدد الأفراد واتحاد المعنى الذهني المشترك بينها.
والحاصل أن علَم الشخص وعلَم الجنس كلاهما جزئي بالإجماع، واسم الجنس كـ (أسد) و (إنسان) و (رجل) و (فرس) ونحو ذلك كلّيٌّ إجماعًا. وهذان هما الطرفان: طرف جزئي إجماعًا، وطرف كلي إجماعًا.
وأما الواسطة فقد اختُلف فيها، وهي أسماء الإشارة، والضمائر، والموصولات، فبعضهم يقول: هي كلية؛ لصلاحيتها لكل شيء، وبعضهم يقول: هي جزئية؛ لأنها لا تُستعمل بالفعل إلا في شيء معين خاص.
وبعضهم يقول: هي كلية وضعًا، جزئية استعمالًا، وأكثر من تكلموا في علم الوضع يختارون أنها جزئية، والله -جل وعلا- أعلم.
فإذا عرفت معنى الكلي والجزئي اللذَين هما قسما المفرد، فاعلم أنا نريد هنا أن نبين بعض تقسيمات الجزئي والكلي، ونبيّنَ معنى الكل والجزء، والكلية والجزئية، قبل الشروع في مبادئ التصورات.
اعلم أولًا أن الجزئي ينقسم إلى جزئي حقيقي، وجزئى إضافي:
أما الجزئي الحقيقي فهو العلَم بنوعيه، ويَلحق به ما جرى مجراه عند من يقول به، وهو الإشارة والضمير والموصول، على قول من
стр. 36
يقول إنها جزئية.
وأما الجزئي الإضافي فهو "كل كلّي مندرجٍ في كلي أعمَّ منه"، فالإنسان مثلًا كلي بالنسبة إلى (زيد)، و (عمرو)، وجزئي إضافي بالنسبة إلى الحيوان؛ لأن الحيوان ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان كالفرس مثلًا. فالإنسان فرد من أفراد الحيوان، فهو جزئي بإضافته إليه، وهكذا الحيوان؛ فإنه كلي بالنسبة إلى الإنسان والفرس مثلًا، وجزئي إضافي بالنسبة إلى النامي؛ لأن النامي منه ما هو حيوان، ومنه ما ليس بحيوان كالنبات.
والنامي هو الذي يكبر تدريجيًّا. وقس على ذلك.
واعلم أن الكلي ينقسم تقسيمات مختلفةً باعتباراتٍ مختلفةٍ، وستذكر هنا بعض المهم منها.
اعلم أن الكلي ينقسم باعتبار استواء معناه في أفراده وتفاوته فيها إلى متواطئ ومشكك:
فالمتواطئ هو "الكلي الذي استوت أفراده في معناه"، كالإنسان، والرجل، والمرأة؛ فإن حقيقة الإنسانية والذكورة والأنوثة مستويةٌ في جميع الأفراد، وإنما التفاضلُ بينها بأمورٍ أُخَرَ زائدةٍ على مطلق الماهية.
والمشكك هو "الكلي الذي تتفاوت أفراده في معناه بالقوة والضعف" كالنور والبياض مثلًا، فالنور في الشمس أقوى منه في السراج، والبياض في الثلج أقوى منه في العاج، وهكذا.
стр. 37
وينقسم الكلي أيضًا باعتبار تعدّد مسمَّاه وعدمِ تعدّده إلى مشترَك ومنفرد.
فإن كان له مسمّيان فصاعدًا يسمى بكل منهما بوضع خاص فهو المشترَك. كالعين: للباصرة والجارية، والقُرء: للطُهر والحيض، وهكذا.
وإن كان مسماه واحدًا فهو المنفرد، كالإنسان، والحيوان؛ فإن الحقيقة الذهنية التي هي مسمى اللفظ واحدة، وإنما التعدد في الأفراد الخارجية كما تقدم.
وينقسم الكلي باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها فيه إلى ستة أقسام؛ لأنه إما ألا يوجدَ منه في الخارج فرد أصلًا، أو يوجدَ منه فرد واحد، أو توجدَ منه أفراد كثيرة، وكل واحد من هذه الثلاثة ينقسم إلى قسمين، فالمجموع ستة:
الأول: كلي لم يوجد من أفراده فردٌ واحد في الخارج، مع أن وجود فرد منها مستحيل عقلًا، كجمع الضدين.
الثاني: كلي لم يوجد من أفراده فرد في الخارج مع جواز وجوده عقلًا، كبحر من زئبق، وجبل من ياقوت، والزئبق " [معدن] (١) سيّال لا يجمد إلا تحت الصفر في درجة أربعين".
الثالث: كلي وُجد منه فرد واحد مع استحالة وجود غيره من
стр. 38
الأفراد عقلًا، كـ (إله)، فإنه كلي، ولذا لم يمنع العربَ تعقّلُ مدلوله من قبول الشركة، كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
ومن فوائد كون (الإله) كليًّا بحسب الوضع أنه تدخل عليه (لا) النافيةُ للجنس في كلمة (لا إله إلا الله)، وهي لا تدخل إلا على كلي من أسماء الأجناس، إلا أن هذا الكلي الذي هو الإله دل العقل الصحيح والكتاب والسنة والإجماع على أنه لم يوجد منه إلا فرد واحد، وهو خالق السموات والأرض -جل وعلا-؛ إذ لا معبود بالحق موجودًا يستحق العبادة إلا هو وحده -جل وعلا-؛ فكل معبود سواه عبادتُه كفر ووبال على صاحبها، يخلد بسببها في النار، فهو ليس بمعبود بحق، ولا بشريك حقًّا، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦].
فإن قيل المعبودات من دون الله من أنواع الطواغيت قد وجدت بكثرة! ؟ .
فالجواب أن المعدومَ شرعًا كالمعدوم حسًا، فهي ليست بمعبودات، ولكن الكفار افتروا ذلك على الله، واختلقوه كذبًا من تلقاء أنفسهم، ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠] أنهم شركاء له، عن ذلك علوًا كبيرًا.
الرابع: كلي وجد منه فرد واحد مع جواز وجود غيره من الأفراد عقلًا، كـ (شمس)؛ فإن الشمس التي هي الكوكب النهاري لا يمنع
стр. 39
تعقّلُ مدلولها من وقوع الشركة، إلا أن هذا الكلي لم يوجد منه إلا فرد واحد، وهو هذه الشمسُ المعروفة، مع إمكان أن يكثّر الله من أفراد الشموس كما أكثر من أفراد النجوم، حتى تتشعشع الدنيا نورًا، ويحترقَ العالم من شدة حر تلك الشموس الكثيرة.
الخامس: كلي وجدت منه أفراد كثيرة لكنها متناهية، كـ (الإنسان) و (الحيوان).
السادس: كلي وجدت منه أفراد كثيرة غير متناهية، كـ (نعيم الجنة) وكـ (العدد).
وإذا عرفت معنى الكلي والجزئي وبعض تقسيماتهما فاعلم أنّا أردنا هنا أن نبيّن معنى الكل والجزء، والكلية والجزئية:
اعلم أن الكل في الاصطلاح هو "ما تركب من جزأين فصاعدًا".
وضابطه أن الحكم عليه بالمحمول (١) إنما يقع على مجموعه لا على جميعه.
وإيضاحه أن الحكم يقع عليه في حال كونه مجتمعًا، فإذا فرضت تفرقة أجزائه لم يتبع الحكمُ كلَّ واحد منها بانفراده، وإنما يقع عليها مجموعة.
ومثاله قوله -تعالى-: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]؛ لأن الحكم على الثمانية بحمل العرش إنما هو على مجموعها لا
стр. 40
على جميعها؛ إذ لو كان على جميعها لكان كل واحد من الثمانية مستقلًا بحمل العرش وحدَه، والواقع أن الحامل للعرش هو مجموع الثمانية، فلو فرضتَ تفرقةَ الثمانية لم يتْبعِ الحكمُ بحمل العرش كلَّ واحد منهم.
وأما الكلية فهي "الحكم على كل فرد من أفراد الموضوع الداخلة تحت العنوان"، كقولك: كل إنسان حيوان؛ فإن كل فرد من أفراد الإنسان مستقل بالحكم عليه بأنه حيوان، فكل [منها] (١) يتبعُه الحكم بانفراده.
وقد قرر علماء المعاني هنا قاعدة وهي: أن لفظة (كل) إذا اقترنت بحرف سلب -أعني حرف نفي- فإن كان حرف النفي قبل لفظة (كل) فهو من الكل المجموعي، فلا يقع الحكم على الموضوع إلا مجموعًا، ولا يتبع كل فرد من أفراده، كقوله:
ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُهُ ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ (٢)
فإن المرء قد يتمنى شيئًا ويدركُه، وكم من مُنْية أدركها صاحبها كما لا يخفى.
وكقولهم: (ما كل بيضاءَ شحمة)، و (ما كل مدوّر كعكًا) فقد تكون البيضاء شحمة، وقد يكون المدور كعكًا، في بعض الأحوال دون كلها.