← Мантык

Мантык · id 266

آداب البحث والمناظرة

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (383 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول إنها جزئية. وأما الجزئي الإضافي فهو "كل كلّي مندرجٍ في كلي أعمَّ منه"، فالإنسان مثلًا كلي بالنسبة إلى (زيد)، و (عمرو)، وجزئي إضافي بالنسبة إلى الحيوان؛ لأن الحيوان ينقسم إلى إنسان، وغير إنسان كالفرس مثلًا. فالإنسان فرد من أفراد الحيوان، فهو جزئي بإضافته إليه، وهكذا الحيوان؛ فإنه كلي بالنسبة إلى الإنسان والفرس مثلًا، وجزئي إضافي بالنسبة إلى النامي؛ لأن النامي منه ما هو حيوان، ومنه ما ليس بحيوان كالنبات. والنامي هو الذي يكبر تدريجيًّا. وقس على ذلك. واعلم أن الكلي ينقسم تقسيمات مختلفةً باعتباراتٍ مختلفةٍ، وستذكر هنا بعض المهم منها. اعلم أن الكلي ينقسم باعتبار استواء معناه في أفراده وتفاوته فيها إلى متواطئ ومشكك: فالمتواطئ هو "الكلي الذي استوت أفراده في معناه"، كالإنسان، والرجل، والمرأة؛ فإن حقيقة الإنسانية والذكورة والأنوثة مستويةٌ في جميع الأفراد، وإنما التفاضلُ بينها بأمورٍ أُخَرَ زائدةٍ على مطلق الماهية. والمشكك هو "الكلي الذي تتفاوت أفراده في معناه بالقوة والضعف" كالنور والبياض مثلًا، فالنور في الشمس أقوى منه في السراج، والبياض في الثلج أقوى منه في العاج، وهكذا.

стр. 37

وينقسم الكلي أيضًا باعتبار تعدّد مسمَّاه وعدمِ تعدّده إلى مشترَك ومنفرد. فإن كان له مسمّيان فصاعدًا يسمى بكل منهما بوضع خاص فهو المشترَك. كالعين: للباصرة والجارية، والقُرء: للطُهر والحيض، وهكذا. وإن كان مسماه واحدًا فهو المنفرد، كالإنسان، والحيوان؛ فإن الحقيقة الذهنية التي هي مسمى اللفظ واحدة، وإنما التعدد في الأفراد الخارجية كما تقدم. وينقسم الكلي باعتبار وجود أفراده في الخارج وعدم وجودها فيه إلى ستة أقسام؛ لأنه إما ألا يوجدَ منه في الخارج فرد أصلًا، أو يوجدَ منه فرد واحد، أو توجدَ منه أفراد كثيرة، وكل واحد من هذه الثلاثة ينقسم إلى قسمين، فالمجموع ستة: الأول: كلي لم يوجد من أفراده فردٌ واحد في الخارج، مع أن وجود فرد منها مستحيل عقلًا، كجمع الضدين. الثاني: كلي لم يوجد من أفراده فرد في الخارج مع جواز وجوده عقلًا، كبحر من زئبق، وجبل من ياقوت، والزئبق " [معدن] (١) سيّال لا يجمد إلا تحت الصفر في درجة أربعين". الثالث: كلي وُجد منه فرد واحد مع استحالة وجود غيره من

стр. 38

الأفراد عقلًا، كـ (إله)، فإنه كلي، ولذا لم يمنع العربَ تعقّلُ مدلوله من قبول الشركة، كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]. ومن فوائد كون (الإله) كليًّا بحسب الوضع أنه تدخل عليه (لا) النافيةُ للجنس في كلمة (لا إله إلا الله)، وهي لا تدخل إلا على كلي من أسماء الأجناس، إلا أن هذا الكلي الذي هو الإله دل العقل الصحيح والكتاب والسنة والإجماع على أنه لم يوجد منه إلا فرد واحد، وهو خالق السموات والأرض -جل وعلا-؛ إذ لا معبود بالحق موجودًا يستحق العبادة إلا هو وحده -جل وعلا-؛ فكل معبود سواه عبادتُه كفر ووبال على صاحبها، يخلد بسببها في النار، فهو ليس بمعبود بحق، ولا بشريك حقًّا، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦]. فإن قيل المعبودات من دون الله من أنواع الطواغيت قد وجدت بكثرة! ؟ . فالجواب أن المعدومَ شرعًا كالمعدوم حسًا، فهي ليست بمعبودات، ولكن الكفار افتروا ذلك على الله، واختلقوه كذبًا من تلقاء أنفسهم، ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠] أنهم شركاء له، عن ذلك علوًا كبيرًا. الرابع: كلي وجد منه فرد واحد مع جواز وجود غيره من الأفراد عقلًا، كـ (شمس)؛ فإن الشمس التي هي الكوكب النهاري لا يمنع

стр. 39

تعقّلُ مدلولها من وقوع الشركة، إلا أن هذا الكلي لم يوجد منه إلا فرد واحد، وهو هذه الشمسُ المعروفة، مع إمكان أن يكثّر الله من أفراد الشموس كما أكثر من أفراد النجوم، حتى تتشعشع الدنيا نورًا، ويحترقَ العالم من شدة حر تلك الشموس الكثيرة. الخامس: كلي وجدت منه أفراد كثيرة لكنها متناهية، كـ (الإنسان) و (الحيوان). السادس: كلي وجدت منه أفراد كثيرة غير متناهية، كـ (نعيم الجنة) وكـ (العدد). وإذا عرفت معنى الكلي والجزئي وبعض تقسيماتهما فاعلم أنّا أردنا هنا أن نبيّن معنى الكل والجزء، والكلية والجزئية: اعلم أن الكل في الاصطلاح هو "ما تركب من جزأين فصاعدًا". وضابطه أن الحكم عليه بالمحمول (١) إنما يقع على مجموعه لا على جميعه. وإيضاحه أن الحكم يقع عليه في حال كونه مجتمعًا، فإذا فرضت تفرقة أجزائه لم يتبع الحكمُ كلَّ واحد منها بانفراده، وإنما يقع عليها مجموعة. ومثاله قوله -تعالى-: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]؛ لأن الحكم على الثمانية بحمل العرش إنما هو على مجموعها لا

стр. 40

على جميعها؛ إذ لو كان على جميعها لكان كل واحد من الثمانية مستقلًا بحمل العرش وحدَه، والواقع أن الحامل للعرش هو مجموع الثمانية، فلو فرضتَ تفرقةَ الثمانية لم يتْبعِ الحكمُ بحمل العرش كلَّ واحد منهم. وأما الكلية فهي "الحكم على كل فرد من أفراد الموضوع الداخلة تحت العنوان"، كقولك: كل إنسان حيوان؛ فإن كل فرد من أفراد الإنسان مستقل بالحكم عليه بأنه حيوان، فكل [منها] (١) يتبعُه الحكم بانفراده. وقد قرر علماء المعاني هنا قاعدة وهي: أن لفظة (كل) إذا اقترنت بحرف سلب -أعني حرف نفي- فإن كان حرف النفي قبل لفظة (كل) فهو من الكل المجموعي، فلا يقع الحكم على الموضوع إلا مجموعًا، ولا يتبع كل فرد من أفراده، كقوله: ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركُهُ ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ (٢) فإن المرء قد يتمنى شيئًا ويدركُه، وكم من مُنْية أدركها صاحبها كما لا يخفى. وكقولهم: (ما كل بيضاءَ شحمة)، و (ما كل مدوّر كعكًا) فقد تكون البيضاء شحمة، وقد يكون المدور كعكًا، في بعض الأحوال دون كلها.

стр. 41

وإن كان حرف النفي بعد لفظة (كل) فهو من الكلية، فالحكم بالمحمول على الموضوع شامل لكل فرد، كقول أبي النجم: قد أصبحَتْ أمُّ الخيارِ تدّعي ... عليَّ ذنبا كلُّه لم أصنعِ (١) برفع لفظة (كل)؛ لأن مراده أنه لم يصنع شيئًا واحدًا مما ادعت عليه. ومن هذا المعنى قوله ﷺ لذي اليدين لما قال: أقُصرت الصلاة أم نسيت؟ : "كل ذلك لم يكن" (٢)، أي لم يكن شيء منه: لم أنْسَ ولم تُقصر، يعني في ظني، كما هو مقرر في الأصول، في مبحث دلالة الاقتضاء. وهذه القاعدة أغلبية؛ [لورود] (٣) آيات متعددة فيها حرف النفي قبل لفظة (كل)، مع أنها كلية، لا كلٌّ مجموعي، كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ونحو ذلك من الآيات؛ لأن الحكم بنفي المحبة عام لكل فرد من أفراد الخوّانين الكفورين، والمختالين الفخورين، كما ترى. فقد عرفتَ أن الفرق بين (الكل) و (الكلية)، أن (الكل) لا يتبع الحكمُ فيه كلَّ فرد من أفراده، وأن (الكلية) يتبع الحكمُ فيها كلَّ فرد من أفرادها، ومثالها موجبةً: (كل إنسان حيوان)، وسالبةً: (لا شيء من

стр. 42

الحجر بحيوان)؛ لأن إثبات الحيوانية للإنسان شامل لكل فرد من أفراده، ونفيَ [الحيوانية] (١) عن الحجر شامل لكل فرد من أفراده. وأما الفرق بين (الكل) و (الكلي) فمن جهتين: الجهة الأولى: أنا قدمنا أن (الكلي) لا يمنع تعقلُ مدلوله من حمله على كثيرين حملَ مواطاة، فيجوز حمل الكلي على كل فرد من أفراده حمل مواطأة، كقولك: (عمرو إنسان)، و (زيد إنسان)، و (خالد إنسان) إلخ، فالإنسان كلي، وقد صح حمله على كل فرد من أفراده حمل مواطأة كما تقدم إيضاحه (٢). أما (الكل) فلا يجوز حملُه على جزء من أجزائه حمل مواطأة، بل حملَ إضافة أو اشتقاق. فالكرسي مثلًا: كلٌّ مركبٌّ من خشب ومسامير، فلا يجوز أن تقول: الكرسي مسمار، ولا أن تقول: الكرسي خشب، ولكن يصح حملُه على أجزائه بالأضافة والاشتقاق، فالإضافة كان تقول: الكرسي ذو مسامير، والاشتقاق كقولك: الكرسي مسمّر. وكالشجرة؛ فإنها كلٌّ مركب من جذوع وأغصان، فلا يقال: الشجرة جذوع، ولا: الشجرة أغصان، وإنما يقال: الشجرة ذات جذوع، وذات أغصانٍ مثلًا.

стр. 43

الجهة الثانية: أن (الكلّي) يجوز تقسيمه بأداة التقسيم إلى جزئياته، كأن يقول: الحيوان إما إنسان أو فرس، وإما بغل وإما حمار إلخ. بخلاف (الكل)، فلا يجوز تقسيمُه إلى أجزائه بأداة التقسيم، فلا يصح أن يقال: الكرسي إما خشب وإما مسامير، ولا أن يقال: الشجرة إما جذوع وإما أغصان، وإنما يجوز حمل (الكلّ) على أجزائه حمل مواطأة مع العطف خاصة، أعني عطف بعض أجزائه على بعضها، كقولك: الكرسي مسامير وخشب، والشجرة جذوع وأغصان. وأما الجزء فهو "ما تركب منه ومن غيره كُلٌّ"، كالمسامير بالنسبة إلى الكرسي، وكالخشب بالنسبة إليه، وكالجذع بالنسبة إلى الشجرة، والأغصان بالنسبة إليها. والجزئية في الاصطلاح هي "القضية التي حُكم بمحمولها على بعض أفراد موضوعها لا كلِّها سلبًا أو إيجابًا"، فمثالها موجبةً: (بعض الحيوان إنسان)، ومثالها سالبةً: (بعض الحيوان ليس بإنسان)، وسيأتي (١) إن شاء الله في مبحث القضايا زيادة إيضاح للكلية والجزئية.

стр. 44

النسب الأربع واعلم أن كل معقولين لا بد أن تكون بينهما إحدى نسب أربع لا خامسةَ لها وهي: المساواة، والتباين، والعموم والخصوص المطلًق، والعموم والخصوص من وجه. وبرهان الحصر في الأربع أن المعقولين إما ألا يجتمعا البتة، أو لا يفترقا البتة، أو يجتمعا تارة، ويفترقا أخرى. فإن كانا لا يجتمعان البتة فهما المتباينان، كالإنسان والحجر؛ فإن كل ذات ثبتت لها الإنسانية انتفت عنها الحجرية، كعكسه، فالنسبة بين الإنسان والحجر التباين. وإن كانا لا يفترقان البتةَ فهما المتساويان، كالإنسان والناطق، فإن كل ذات ثبتت لها الإنسانية ثبتت لها الناطقية، كعكسه، فالنسبة بين الإنسان والناطق المساواة. وإن [كانا] (١) يجتمعان تارة ويفترقان أخرى فلهما حالتان: الأولى: أن يكون أحدُهما يفارقُ صاحبَه، والآخرُ لا يمكن أن يفارقه. الثانية: أن يكون كلُّ واحد منهما يفارقُ الآخرَ في بعض الصور، مع أن المفروض الاجتماع في بعضها.

стр. 45

فإن كان الذي يفارق واحدًا منهما فقط دون الآخر، فهما اللذان بينهما العموم والخصوص المطلق، والذي يفارق أعمُّ مطلقًا، والذي لا يفارق أخصُّ مطلقًا، كالحيوان والإنسان؛ فإن الحيوان يفارق الإنسان؛ لوجوده دونه في الفرس والبغل مثلًا، والإنسان لا يمكن أن يفارق الحيوان؛ إذ لا إنسان إلا وهو حيوان، فلا يفارقُ الإنسانُ الحيوانَ بحال، فالحيوان أعمُّ مطلقًا، والإنسان أخصُّ مطلقًا فالنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق. وإن كان كل منهما يفارقُ الآخر فهما اللذان بينهما العموم والخصوص من وجه، كالإنسان والأبيض، فإنهما يجتمعان في الإنسان الأبيض، كالعربي والرومي، وينفرد الأبيض عن الإنسان في الثلج والعاج مثلًا، وينفرد الإنسان عن الأبيض في الزنجي مثلًا، فهو إنسان أسود. وإذا عرفت هذه النسبَ الأربعَ فاعلم أنها هي الميزانُ الذي يُعرف به الصادق والكاذب من القضايا: فكل قضية كانت النسبة بين طرفيها التباينَ فهي صادقة السلْبين، كاذبةُ الإيجابين -أعني بالسلبين: السلبَ الكليَّ والجزئي، وبالإيجابين: الإيجابَ الكليَّ والجزئي-، فلا تكذبُ سالبةٌ مطلقًا، ولا تصدُق موجبةٌ مطلقًا. فلو ركّبْتَ قضية من الإنسان والحجر صدقَتْ في كل سلب، كقولك: (لا شيء من الحجر بإنسان)، و (لا شيء من الإنسان بحجر)، و (بعض الحجر ليس بإنسان)، و (بعض الإنسان ليس

стр. 46

بحجر)، كل ذلك صادق (١). وكذبَتْ في كل إيجاب كقولك: (كل إنسان حجر)، أو (كل حجر إنسان)، أو (بعض الإنسان حجر)، و (بعض الحجر إنسان)، كل ذلك كاذب. وإن كانت النسبة بين طرفيها المساواةَ فهي صادقة الإيجابين، كاذبة السلبين -أعني الإيجابَ الكليَّ والإيجابَ الجزئي، والسلب الكلي والسلب الجزئي-، فلا تكذب في إيجاب مطلقًا، ولا تصدق في سلب مطلقًا. فلو ركّبْتَ قضية من الإنسان والناطق فإنها تصدق في كل إيجاب، كقولك: (كل إنسان ناطق)، و (كل ناطق إنسان)، و (بعض الإنسان ناطق)، و (بعض الناطق إنسان)، فكله صادق. وتكذب في كل سلب كقولك: (لا شيء من الإنسان بناطق)، و (لا شيء من الناطق بإنسان). و (بعض الإنسان ليس بناطق)، و (بعض الناطق ليس بإنسان)، فكل ذلك كاذب. وإن كانت النسبة بين طرفيها العمومَ والخصوصَ من وجه فهي صادقة الجزئيتين -أعني الجزئية الموجبة، والجزئية السالبة-، كاذبةُ الكليتين -أعني الكلية الموجبة والسالبة- فلا تكذِبُ في جزئية مطلقًا،

стр. 47

ولا تصدُقُ في كلية مطلقًا. فلو ركبْتَ قضية من الإنسان والأبيض فإنها تصدق في كل جزئية، كقولك: (بعض الأبيض إنسان) و (بعض الإنسان أبيض)، و (بعض الأبيض ليس بإنسان)، و (بعض الإنسان ليس بأبيض)، فكل ذلك صادق. وتكذب في كل كلية، كقولك: (كل إنسان أبيض)، و (كل أبيض إنسان)، أو (لا شيء من الإنسان بأبيض)، و (لا شيء من الأبيض بإنسان)، فكل ذلك كاذب. وإن كانت النسبة بين طرفيها العمومَ والخصوصَ المطلقَ فلها حالتان: الأولى: أن يكون الموضوع أخصَّ والمحمولُ أعمَّ. الثانية: أن يكون الموضوع أعمَّ والمحمولُ أخصَّ. فإن كان الموضوع أخصَّ مطلقًا جرت على حكم المتساويين، فلو ركبت قضية من الإنسان والحيوان، وجعلت الإنسان هو الموضوع، فإنها تصدق في كل إيجاب، وتكذب في كل سلب، كالمتساويين، فقولك: (كل إنسان حيوان)، أو (بعض الإنسان حيوان) كله صادق، وقولك: (لا شيء من الإنسان بحيوان) أو (بعض الإنسان ليس بحيوان)، كله كاذب. وإن كان الموضوع أعمَّ والمحمولُ أخصَّ، كما لو ركبت قضية من الإنسان والحيوان، وجعلتَ الحيوان موضوعًا والإنسان محمولًا،

стр. 48

فإنها تجري على حكم الأعمّين من وجه، فلا تكذبُ في جزئية، ولا تصدقُ في كلية. فلو قلتَ: (بعض الحيوان إنسان) أو (بعض الحيوان ليس بإنسان)، فكل ذلك صادق، بخلاف الكلّية؛ فإنها كاذبة هنا مطلقًا، كما لو قلت: (كل حيوان إنسان) أو (لا شيء من الحيوان بإنسان)، فكله كاذب. واعلم أن التباين الذي هو إحدى النسب الأربع ينقسم إلى قسمين وهما: تباين المخالفة، وتباين المقابلة. وضابط تباين المخالفة هو أن الحقيقتين متباينتان في ذاتيهما، ولكنهما ليس بينهما غايةُ المنافاة، بمعنى أنه يمكن اجتماعهما في ذات واحدة. فحقيقة البرودة مثلًا تُباين حقيقة البياض، لأن كل معنى ثبت له أنه هو البرودة انتفى عنه أنه هو البياض، كعكسه، ولكن لا مانع من اجتماع البرودة والبياض في ذات واحدة كالثلج، فهو أبيض بارد. وكالحلاوة والسواد، وكالكلام والقعود، فإن حقيقة الحلاوة تُباين حقيقة السواد، ولكنهما ليس بينهما غاية المنافاة، بمعنى أنه يجوز اجتماعهما في محل واحد، كالتمرة السوداء، فهي جامعة بين الحلاوة والسواد، فالنسبة التي بين السواد والحلاوة هي تباين المخالفة. وكذلك حقيقة الكلام فإنها تباين حقيقة القعود، ولكن لا مانع من أن يكون الإنسان الواحد قاعدًا متكلمًا في وقت واحد.

стр. 49

وأما تباين المقابلة فضابطه أن تكون الحقيقتان متباينتين في ذاتيهما مع أن بينهما غايةَ المنافاة، بمعنى أنه لا يمكن اجتماعهما في محل واحد في وقت واحد، كالسواد والبياض، والحركة والسكون. وتباين المقابلة ينقسم إلى أربعة أقسام وهي: ١ - المقابلة بين النقيضين. ٢ - المقابلة بين الضدين. ٣ - المقابلة بين المتضائفين. ٤ - المقابلة بين العدم والملكة. أما مقابلة النقيضين، فهي المقابلة بين السلب والإيجاب -أعني النفي والإثبات-، كقولك: (زيد قائم الآن)، (زيد ليس بقائم الآن). فالمقابلة بين هذا النفي والإثبات مقابلة نقيضين، وهي واحد من أنواع تباين المقابلة. وضابط النقيضين، أنهما "لا يجتمعان ولا يرتفعان"، بل لا بد من وجود أحدهما وعدم الآخر، والمقابلة بين الزوج والفرد مثلًا من مقابلة الشيء ومساوي نقيضه؛ لأن الفرد مساوٍ لـ (ليس بزوج)، كعكسه. وأما المقابلة بين الضدين فهي المقابلة بين أمرين وجوديّين بينهما غايةُ المنافاة، لا يتوقف إدراك أحدهما على إدراك الآخر. كالسواد والبياض، والحركة والسكون، ونحو ذلك؛ فإن النقطة

стр. 50

البسيطة من اللون يستحيل أن تكون سوداء وبيضاء في وقت واحد، وكذلك الجِرم الواحد يستحيل أن يكون متحركا ساكنا في وقت واحدٍ، فالمقابلة بين السواد والبياض، وبين الحركة والسكون مثلًا، مقابلة الضدين، وهي من أنواع تباين المقابلة، خلافًا لمن زعم أن السكون ليس بوجودي. وضابط الضدين أنهما "لا يجتمعان ولكنهما قد يرتفعان"، وارتفاعهما إنما يكون لواحد من سببين: الأول منهما: وجود واسطة كضد ثالث؛ فإن السواد والبياض مثلًا لا يجتمعان في نقطة بسيطة من اللون، ولكنهما قد يرتفعان عنها لوجود واسطة أخرى كالحمرة والصفرة، فتكون تلك النقطة حمراء أو صفراء. السبب الثاني: هو ارتفاع المحل، فالجِرم الواحد الموجود يستحيل أن يجتمع فيه السكون والحركة فيكون متحركا ساكنا في وقت واحد، ولكن الحركة والسكون قد يرتفعان عنه بارتفاعه، أي بانعدامه وزواله من الوجود؛ فإنه إذا عُدم لا يقال فيه: ساكن، ولا متحرك. وأما المقابلة بين المتضائفين فهي المقابلة بين أمرين وجوديين بينهما غاية المنافاة ولا يمكن إدراك أحدهما إلا بإضافة الآخر إليه، كالأبوة والبنوّة، والقَبْلِ والبعد، والفوقِ والتحت. فإن الذات الواحدةَ يستحيل أن تكون جامعة بين كونها أبّا وابنًا لشخص واحد، فكون الشخص أبًا لشخص مع أنه ابن لذلك الشخص بعينه مستحيل، كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة

стр. 51

واحدة. إلا أن الأبوة لا يُدرَك معناها إلا بإضافة بنّوة إليها، كعكسه. والمكان الذي فوقك يستحيل أن يكون تحتك في الوقت الذي هو فوقك فيه، إلا أنه لا يُعقل فوو إلا بإضافة تحتٍ إليه، كعكسه. وكذلك الزمان الذي قبل الوقت الذي أنت فيه: يستحيل أن يكون بعده في الوقت الذي هو قبله فيه، مع أنه لا يُعقل قبل إلا بإضافة بعدٍ إليه، كعكسه. وهكذا فالمقابلة بين الأبوة والبنوة، والفوق والتحت، والقبل والبعد، مقابلة المتضائفين، وهي من أنواع تباين المقابلة، وهي المسماة في الاصطلاح بالصفات الإضافية. واعلم أن عامة المنطقيين على أن الصفاتِ الإضافيةَ وجوديةٌ، كما ذكرنا أن المقابلة بين المتضائفين هي المقابلة بين أمرين وجوديين .. إلخ. وعامة المتكلمين على أن الصفاتِ الإضافيةَ أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج، وقد سببوا بهذا القول أنواعًا من الإشكال، معروفةً في علم الكلام، ليس هذا محلُّ بسطها. وأما المقابلة بين العدم والملكة فهي المقابلة بين أمرين: أحدُهما وجودي، والآخرُ عدمي، والطرف العدمي سلْبٌ للطرف الوجودي عن المحل الذي شأنه أن يتصف به. كالمقابلة بين البصر والعمى، فهي مقابلة بين أمرين: أحدهما وجودي وهو المعبر عنه بالملكة، كالبصر في هذا المثال. والثاني

стр. 52

عدمي، وهو المعبر عنه [بالعدم] (١)، وهو العمى، وهذا الطرف العدمي الذي هو العمى سلبٌ للطرف الوجودي الذي هو البصر عن المحل الذي شأنه أن يتصف به، كالحيوان الذي هو من جنس ما يبصر. أما ما ليس من شانه الاتصافُ بالملكة فلا تردُ عليه عندهم مقابلةُ العدم والملكة، كالحائط، والغصن، فلا يقول: (هذا الحائط أعمى)، ولا: بصير، ولا (هذا الغصن أعمى) ولا: [بصير] (٢)؛ لأنه ليس من شأنه الاتصاف بالبصر حتى يُسلب عنه بالعمى. فتبين أن المقابلة بين النقيضين وبين العدم والملكة كلتاهما مقابلة بين أمرين أحدهما وجودي والآخر عدمي، والفارق بينهما هو القيد الذي في العدم والملكة، الذي هو قولهم: (عن المحل الذي شأنه أن يتصف به) (٣). وأن المقابلة بين الضدين والمتضائفين كلتاهما مقابلة بين أمرين وجوديين، والفارق بينهما أن الضدين لا يتوقف إدراك أحدهما على إضافة الآخر إليه، بخلاف المتضائفين، فلا يمكن إدراك أحدهما إلا بإضافة الآخر إليه كما تقدم إيضاحة.

стр. 53

فصل في مبادئ التصورات اعلم أن مبادئ علم التصور هي الكليات الخمس، وهي: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام. والكليات في هذا المبحث جمعُ (كلي)، وقد قدمنا أنه هو "ما لا يمنع تعقل مدلوله من وقوع الشركة فيه". اعلم أولًا أن السؤال في فن المنطق إنما يكون بإحدى أداتين؛ لأنهما هما المحتاج لهما في فن المنطق، وهما لفظة (ما)، ولفظة (أي). أما لفظة (ما) فالأصل فيها أن يُسأل بها عن تمام حقيقة المسؤول عنه، أما السؤال بها عن وصفه كقولهم: ما زيد؟ أكريم، أم بخيل؟ فهو خلاف الأصل. أما لفظة (أي) فيُسأل بها عمّا يميز المسؤول عنه، ويفصِلُه عما يشاركه، ذاتيًا كان أو عرَضيًا. واعلم أن الجواب عن السؤال ب (ما) محصور في ثلاثة أشياءٍ لا رابع لها، وهو أنها إما أن يُجاب عن السؤال بها بالجنس، أو بالنوع، أو الحد. فإن كان السؤال بها عن أشياءِ متعددة مختلفةٍ حقائقُها فالجواب بالجنس، وإذًا فالجنس هو "ما صدق في جواب (ما هو) على كثيرين مختلفة حقائقُهم".

стр. 54

والصدق هنا والقول بمعنى الحمل، فلو قلت مثلًا: ما هو الإنسان؟ وما هو الفرس؟ وما هو الحمار؟ وما هو البغل؟ فالجواب بالقدر المشترك [بينها] (١) وهو الحيوان: فالحيوان إذًا قد صدق -أي حُمل- في جواب (ما هوَ) على كثيرين مختلفة حقائقهم. وإن شئتَ قلتَ في تعريف الجنس: هو "جزء الماهية الذي هو أعمُّ منها"؛ لصدقه عليها وعلى غيرها، كالحيوان، فهو جزء من ماهية الإنسان؛ لأن الإنسان عندهم مركب من (حيوان) و (ناطق)، فالحيوان جزء ماهيته الصادقُ بها والفرسِ والبغل مثلًا. وإن كان السؤال عن جزئي كـ (زيد)، ومثلُه المصنف كـ (الزنجي) و (الرومي)، أو عن أشياءِ متعددة متّحدةٍ حقائقُها كـ (زيد، وعمرو، والزنجي، والرومي)، فجواب ذلك بالنوع، فلو قلتَ مثلًا: ما هو زيد؟ أو ماهو الزنجي وزيد وعمرو؟ فالجواب بالقدر المشترك [بينها] (٢)، وهو النوع الذي هو الإنسان. فحد النوع إذًا هو "ما صدق في جواب (ما هوَ) على كثيرين متفقين بالحقيقة"، وإنما الاختلاف بينهم بالتشخص الذاتي، فقولك: ما هو زيد؟ وما هو عمرو؟ وما هو بكر؟ وما هو خالد؟ وما هي هند؟ الكلمة التي تُحمل على الجميع هي النوع، فجواب ذلك أن تقول (الإنسان)؛ لأنه القدر المشترك بين الأفراد، فالإنسان نوع.

стр. 55

وإن شئتَ قلتَ في تعريف النوع: هو "الكلي الذي هو تمام ماهية أفراده". وأما حد الفصل- فهو "ما صدق في جواب (أيٌّ ما هو) صدقًا ذاتيًا لا عرضيًا"، كأن تقول: (أي أنواع الحيوان هو الإنسان؟ ) فجواب هذا السؤال الصادقُ على المسؤول عنه صدقًا ذاتيًا هو الفصل، وهو (الناطق) في هذا المثال، لأن (الناطق) هو نوع الحيوان الذي هو الإنسان. وإن شئتَ قلتَ في تعريف (الفصل): "هو جزء الماهية المساويها في الماصدق" (١)؛ لاختصاصه بها. وأما حد (الخاصة): فهو "ما صدق في جواب (أيٌّ ما هو) صدقًا عرضيًا لا ذاتيًا"، كأن تقول: (أي أنواع الحيوان هو الإنسان؟ ) فجواب هذا السؤال الصادقُ على المسؤول عنه صدقًا عرضيًا لا ذاتيًا هو الخاصة، وهو في هذا المثال (الضاحك) أو (الكاتب) مثلًا؛ لأن الضحك والكتابة خاصتان من خواص الإنسان، يتميز بهما عن غيره من أفراد الحيوان. وإن شئتَ قلتَ في تعريف الخاصه: هي "الكلي الخارج عن الماهية، المختصُ بها دون غيرها"، كـ (الضاحك) بالنسبة إلى (الإنسان).

стр. 56

وإيضاح انقسام الكليات إلى خمس أن الكلي إما أن يكون تمام الماهية أو ليس بتمامها، فإن كان تمام الماهية فهو النوع، وإن كان غير تمامها فهو إما داخل فيها وإما خارج عنها. فإن كان داخلًا فيها فلا يخلو: إما أن يكون أعمَّ منها، وإما أن يكون مساويًا لها، فالأول (الجنس)، والثاني (الفصل)، وإن كان خارجًا عنها فلا يخلو أيضًا من أن يكون أعمَّ منها أو مساويًا لها، فإن كان أعم منها فهو (العرض العام) وإن كان مساويًا لها فهو الخاصة، وقد عرفتَ حدودها وأمثلتها. فإن قيل: بقي كلَّي سادس لم يُذكر وهو (المصنف): كالزنجي، والرومي؟ فقد أجاب بعضهم بأن المصنف خاصة غير شاملة، وعليه فالخاصة تنقسم إلى شاملة، وغير شاملة. واعلم أنّ (الجنس) و (الفصل) عندهم ذاتيان بلا خلاف، و (الخاصة) و (العرض العام) عرضيان عندهم بلا خلاف، و (النوع) فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه ذاتي؛ بناء على أن كل ما ليس بخارج عن الذات فهو ذاتي. الثاني: أنه عرضي؛ بناء على أن كل ما لم يدخل في الذات فهو عرضي. الثالث: وهو أقربها إلى الواقع، أنه ليس بذاتي ولا عرضي؛ لأنه تمام الماهية، فليس جزءً منها حتى يكون داخلًا، ومعلوم أن تمام

стр. 57

الماهية لا يمكن خروجه عنها حتى يكون عرضيًا. واعلم أن (الفصل) إنما سمي فصلًا لأنه يفصل بين الأنواع المشتركة في الصفات، فالإنسان والفرس مثلًا يشتركان في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية. فالناطق يفصل الإنسان عن الفرس المشارك له فيما ذُكر، والصاهل يفصل الفرس عن الإنسان كذلك. تنبيه: لا يخفى أنا ذكرنا في الأمثلة الماضية أن الناطق (فصل)، وأنه مميز ذاتي، وأنه جزءُ الماهية الداخلُ فيها الصادقُ عليها صدقًا ذاتيًّا، وأنا ذكرنا أن الضاحك والكاتب مثلًا خاصتان، وأنهما عرضيان خارجان عن الماهية، وليس واحدٌ منهما جزءً منها، ولا داخلًا فيها، فقد يقول السامع: ما حقيقة الفرق بين الناطق والضاحك حتى صار أحدُهما جزءً من الماهية عندهم والثاني خارجًا عنها؟ والجواب أن لهم أجوبة متعددةً كثيرٌ منها ليس فيه مَقنع، وأقربها عند الذهن ثلاثة: الأول: أن الذاتيَّ هو المعروف عند المتكلمين بالصفة النفسية، وضابطه أنه "لا يمكن إدراك حقيقة الماهية بدونه"، والعرضي يمكن إدراكها بدونه. الثاني: أن الذاتيَّ لا يُعلل، والعرضيُّ يعلل. الثالث: أن الذاتي هو الذي لا تبقى الذات مع توهم رفعه، والعرضي بخلافه. وإيضاح الفوارق الثلاثة بالأمثلة كما سيأتي:

стр. 58

أما كون الذات لا تعقل بدون الناطق، ولكن تعقل بدون الضاحك والكاتب فقد قالوا: لو فرضنا أن عاقلًا من العقلاء لم ير الإنسان ولم يتصورْه بحال، فسأل عنه من يعرفُه، فإن عرّفه له بأنه "جسم"، دخل في التعريف الحجر مثلًا، فإن زاد في التعريف أنه "نامٍ" دخل النبات والشجر، فإن زاد أنه "حساس" دخل الفرس مثلًا، فإن زاد أنه "ناطق" مثلًا انفصل عن غيره، وتميز عن كل ما سواه. والنطق في الاصطلاح عند المنطقيين: "القوة العاقلة المفكرة التي يُقتدر بها على إدراك العلوم والآراء"، وليس المراد به عندهم الكلام. وإن قال: هو "منتصب القامة يمشي على اثنتين"، دخل الطير، فإن زاد "لا ريش له" دخل منتوفُ الريش من الطيور وساقطُه، فإن زاد "ناطق" حصل التمييز والإدراك. فإن قيل: كذلك يحصل التمييز والإدراك فيما لو قال: إنه ضاحك"، أو "كاتب"؛ لأنه لا يشاركه غيره في الضحك والكتابة؟ فالجواب أنهم يقولون: الضحك "حالة تعرض عند التعجب من أمر بعد أن تتفكر فيه القوة الناطقة"، والكتابة "نقوش على هيئات ومقاديرَ معلومةٍ لا تحصل إلا بتفكير القوة الناطقة"، فظهر أن الضحك والكتابة فرعان عن النطق، لا يوجدان إلا تبعًا له, ولا يُعقلان إلا تبعًا له، فلم تُعقل حقيقة الإنسان دون النطق، بخلاف الضحك، والكتابة، فإن الحقيقة تُعقل بدونهما، كذا قالوا! وأما الفرق الثاني -الذي هو كون الذاتي لا يعلل، والعرضي

стр. 59

يعلل- فواضح؛ فإنك لا تقول: لم كان الإنسان ذا قوة مفكرة يَقتدر بها على إدراك العلوم والآراء؟ تعني النطق، ولكن إذا رأيته يضحك أو يكتب شيئًا فإنك قد تقول له: ما هو السبب الذي أضحكك؟ وما هو السبب الذي حملك على كتابة هذا الذي كتبت؟ . وأما الفرق الثّالث -الذي هو أن الذاتيَّ لا تبقى الذات مع توهم رفعه أي عدمه- فواضح؛ لأنك لو فرضتَ خُلُوّ حيوان من القوة العاقلة المفكرة التي يُقتدر بها على إدراك العلوم والآراء لا يمكن أن يكون ذلك الحيوان إنسانًا، ولا يردُ على ذلك المعتوه الذي لا عقل له، والمجنون الفاقد العقل بالكلية؛ لأن المراد بكونه ناطقًا أنّ ذلك هو طبيعته وجِبِلَّتُه التي جُبل عليها، ولو زالت عن بعض الأفراد لسبب خاص. فبهذه الفوارق الثلاثة تعرف الفرق بين الذاتي والعرضي. وإذا عرفت حد (الجنس) و (النوع) و (الفصل) و (الخاصة) و (العرض العام). فاعلم أن (الجنس) ينقسم إلى: جنس قريب، وجنس متوسط، وجنس بعيد. وضابط الجنس القريب أنه هو "تمام القدر المشترك بين الأنواع"، كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس؛ فإن [الإنسان] (١) والفرس

стр. 60

يشتركان في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية، وكل هذه الصفات داخلةٌ في الحيوان، فهو تمام القدر المشترك بينهما، وقد يتميز كل منهما عن الآخر بفصله أو خاصته، كتمييز الإنسان بأنه الناطق إن كان المُميز ذاتيًّا، أو بأنه الضاحك أو الكاتب إن كان المُميز عرضيًا، وكتمييز الفرس بالصاهل مثلًا. وضابط الجنس المتوسط: أنه هو "ما ليس تمامَ القدر المشترك، مع اندراجه في جنس فوقه"، وهو مرتبتان: الأولى: كالنامي بالنسبة إلى الإنسان والفرس مثلًا؛ فإنه جنس متوسط بالنسبة إليهما؛ لأنهما يشتركان في (النامي)، وليس تمامَ القدر المشترك بينهما؛ لاشتراكهما في (الحساسية) أو (التحرك بالإرادة)، وهما (١) خارجان عن (النامي) وهو الذي يكبر تدريجًا، مع أن النامي داخل في جنس فوقه وهو الجسم مثلًا. المرتبة الثانية: من مرتبتي الجنس المتوسط (كالجسم) بالنسبة إلى الإنسان والفرس؛ فإنهما يشتركان في الجسمية، وليست تمام القدر المشترك بينهما؛ لاشتراكهما في النمائية والحساسية مثلًا، وكلتاهما خارجة عن الجسم، لا يتحقق شموله لها؛ إذ ليس كل جسم ناميًا، ولا كل جسم حساسًا؛ فإن الحجر ليس بنام ولا حساس، مع أنه جسم، والجسم داخل في جنسٍ فوقه وهو الجوهر. وأما ضابط الجنس البعيد فهو "ما ليس تمام القدر المشترك بين

стр. 61

الأفراد مع أنه ليس فوقه جنس"، كالجوهر، وهو "ما يستحيل قبوله الانقسام لقلته". فالجوهر مثلًا هو الجنس الأبعد العالي، وجنس الأجناس. ومناقشات المتكلمين في إمكان وجوده وعدم إمكانه معروفة، وليس هذا محلَّ بسطها. وأما الجواب عن السؤال (بما) بالحد فهو في السؤال عن كلي واحد. فقولك: ما هو الإنسان؛ جوابه بحده الذي هو "الحيوان الناطق"، وهكذا. وهذا هو حاصل ما لا بد منه من مبادئ التصورات، فتحصل أن الحيوان مثلًا جنس قريب للإنسان والفرس مثلًا، وأن النامي والجسم كلاهما جنس متوسط بالنسبة لهما، وأن الجوهر جنس أبعد.

стр. 62

فصل في مقاصد التصورات اعلم أن مقاصد التصورات هي (المعرِّفات) -بصيغة اسم الفاعل-. وضابط المعرِّف -باسم الفاعل- هو "الجامع لجميع أفراد المعرَّف" -باسم المفعول-، بحيث لا يخرج عنه منها فرد واحد "المانع لكل ما سواها من الدخول فيها"، فكل جامع مانع معرِّف. واعلم أن الجمع والمنع هما المعبَّر عنهما في الاصطلاح بالطرد والعكس، فالمنع هو الطرد، والجمع هو العكس. ومثال الجامع المانع تعريف الإنسان بأنه "الحيوان الناطق"، وتعريف الفرس بأنه "الحيوان الصاهل". واعلم أن النسبة بين المعرِّف -باسم الفاعل- والمعرَّف -باسم المفعول-[إن] (١) كانت المساواة فهو جامع مانع، كالمثلين المذكورين؛ فإن الحيوان الناطق مساوٍ للإنسان، والحيوان الصاهل مساوٍ للفرس. واعلم أن أنواع المعرِّفات -باسم الفاعل- سبعة وهي: الحد التام، والحد الناقص، والرسم التام، والرسم الناقص، واللفظي، والقسمة، والمثال.

стр. 63

فالحد التام: هو "تعريف الماهية بالجنس القريب والفصل"، كتعريف الإنسان بأنه "الحيوان الناطق". والحد الناقص: هو "تعريف الماهية بالفصل مع الجنس المتوسط أو البعيد، أو بالفصل وحده". كتعريف الإنسان بأنه "النامي الناطق". أو "الجسم الناطق"، أو "الجوهر الناطق"، أو تعريفه بأنه "الناطق". والرسم التام: هو "تعريفها بالخاصة مع الجنس القريب"، كتعريف الإنسان بأنه "الحيوان الضاحك"، أو "الحيوان الكاتب". والرسم الناقص: هو "التعريف بالخاصة مع الجنس المتوسط أو البعيد، أو الخاصة وحدها"، كتعريف الإنسان بأنه "النامي الضاحك أو الكاتب"، أو "الجسم الضاحك أو الكاتب" أو "الجوهر الضاحك أو الكاتب"، أو تعريفه بأنه "الضاحك" فقط، أو "الكاتب" فقط. واللفظي: هو "تعريف اللفظ بلفظ مرادف له أشهرَ منه"، كتعريف الغضنفر بأنه الأسد، وتعريف الزخيخ بأنه النار، وكتعريف الخيتعور بأنه السراب وكلُ زائل مُضْمَحِل، ومنه قوله: كل أنثى وإن بدا لك منها ... آيةُ الحبِّ حبُّها خيتعورُ (١) أي زائل مضمحلٌّ غير دائم. وأما القسمة: فكقولك في تعريف العِلْم: الاعتقاد إما جازم وإما

стр. 64

غير جازم، والجازم إما مطابق أو غير مطابق، والمطابق إما ثابت لا يقبل التشكيك بحال، وإما ألا يكون كذلك. فخرج (١) عن القسمة "اعتقاد جازم مطابق ثابت لا يقبل التشكيك بحال"، وهو العلم. وخرج بالجازم غير الجازم، كالظن والشك والوهم. وخرج بالمطابق غير المطابق وهو الاعتقاد الفاسد، كاعتقاد الفلاسفة قدمَ العالم. وخرج بالثابت الذي لا يقبل التشكيك بحالٍ اجتهادُ المجتهد المصيب؛ لأن الاجتهاد قابل للتغيير والتشكيك. وأما المثال: فكقولك في تعريف العلم هو "إدراكٌ كإدراك أن الواحد نصفُ الاثنين، وأن الكل أكبر من الجزء". و"إدراك البصيرة الذي هو كإدراك الباصرة"، وكقولك: "الاسم كزيد" و"الفعل كضرَب". واعلم أن الحد في اللغة: المنع، ومنه قول نابغةِ ذبيان (٢): ولا أرى فاعلًا في الناس يُشْبِهُهُ ... ولا أُحاشي من الأقوام من أحدِ إلا سليمانَ إذ قال الإله لهُ ... قم في البريّةِ فاحدُدْها عن الفنَدِ

стр. 65

فقوله: (فاحددها) أي امنعها. وسُمّي الحد حدًّا لأنه يمنع أفراد المحدود من الخروج، ويمنع غيرَها من الدخول. وهو عندهم "تمييز الماهية بأجزائها الذاتية"؛ لأنها متركبة عندهم من جنس وفصل، والجنس عندهم جزؤها الذي هو أعمُّ منها، والفصل عندهم هو جزؤها المساويها كما تقدم (١). وإن لم يشتمل الحد على جميع الذاتيات كالتعريف بالفصل وحده أو مع الجنس المتوسط أو البعيد فهو عندهم ناقص؛ لعدم اشتماله على جميع الذاتيات. والرسم أصله العلامة، ومنه رسومُ الدار، أي علاماتها، كقوله: ........................ ... وهل عند رسمٍ دارسٍ من معوّلِ (٢) وإنما سمَّوه رسمًا لأن التعريف فيه بالخاصة، وهي من علامات الذات المختصةِ بها الخارجةِ عن ماهيتها عندهم كما تقدم إيضاحه (٣). واعلم أن جميع المعرِّفات يشترط فيها شروط: الأول: أن يكون المعرِّف -باسم الفاعل- مُطَّرِدًا، أي مانعًا من دخول غير المعرَّف -باسم المفعول-.

стр. 66

الثاني: أن يكون منعكسًا، أي جامعًا لجميع أفراده، والتحقيق أن الطرد هو المنع، والعكس هو الجمع، خلافًا لمن عكس ذلك. وإيضاح أن الطرد هو المنع والعكسَ هو الجمع هو أن تعلم أولًا أن الطرد في الاصطلاح هو "الملازمة في الثبوت"، وقضيته: كلّما وُجِد الحدّ وُجد المحدود. والعكس في الاصطلاح "الملازمة في الانتفاء"، وقضيته: كلَّما انتفى الحدّ انتفى المحدود. فإذا صدَقتْ قضية (كلما وُجد الحد وُجد المحدود) لزم منع غير المحدود من الدخول قطعًا، كقولك: (كلما وجد الحيوان الناطق وجد الإنسان)، فهذا الحد مطّرد، أي مانع من دخول غير الإنسان. فإن اختلّت [قضيةُ] (١) الملازَمة في الثبوت اختل المنع، فلو قلت: (كلما وجد الحيوان وجد الإنسان) فهذا ليس بصحيح؛ لأن وجود الإنسان لا يلزم من وجود الحيوان، فلو عرفتَ الإنسان بأنه حيوان كان الحد غير مانع من دخول غير الإنسان كالفرس، وإنما كان غيرَ مطّرد -أي غير مانع- لاختلال الملازمة في الثبوت. وكذلك الملازَمة في الانتفاء إن اختلّت لزم من ذلك اختلال جمع جميع أفراد المحدود. فلو قلت مثلًا: (كلما انتفى الناطق انتفى الحيوان) فهذا ليس بصادق. ولذلك لو عرّفْتَ الحيوان بأنه الناطق كان غير جامع لجميع أفراد الحيوان؛ لأن منها ما ليس ناطقًا.

стр. 67

وحاصل إيضاح هذا أن النسبة بين الحد والمحدود إن كانت المساواةَ كان جامعَا مانعًا. وإن كان الحد أعمَّ من المحدود كان جامعًا غير مانع، كتعريف الإنسان بأنه الحيوان. وإن كان الحد أخصَّ من المحدود كان مانعًا غير جامع، كتعريف الحيوان بأنه الناطق؛ فإنه مانع من دخول غير الحيوان؛ إذ لا ناطق إلا وهو حيوان، ولكنه غير جامع؛ لأن من أفراد الحيوان ما ليس بناطق. وإن كانت النسبة بينهما العمومَ والخصوصَ من وجه أو التباينَ كان غيرَ جامع ولا مانع، كتعريف الإنسان بأنه الأبيض، أو بأنه الحجر، كما لا يخفى. والمراد بالحد هنا مطلق التعريف، فيدخل فيه جميع المعرِّفات، والحاصل أن كل مانع من دخول غير المحدود جامعٍ لجميع أفراد المحدود فإنه هو المطّرَد المنعكس، والاطراد والانعكاس شرطان في كل تعريف. الشرط الثالث: أن يكون المعرِّف -باسم الفاعل- أظهرَ وأوضحَ عند السامع من المعرَّف -باسم المفعول-، كتعريف الغضنفر بالأسد؛ فإن الأسد أظهر وأوضح عند السامع من الغضنفر، وهكذا. ولا يجوز أن يكون المعرِّف -باسم الفاعل- مساويًا للمعرَّف في الظهور أو أخفى منه. ومثال المساوي: تعريف الزوج بما ليس فردًا، كعكسه، وتعريفُ

стр. 68

الساكن بما ليس بمتحرك، كعكسه. ومثال ما هو أخفى منه: تعريف النار بأنها "جسم كالنفس"، فالنفس أخفى من النار عند العقل، وكتعريف الذهب بالنُّضار أو العسجد، وتعريفِ القمر بأنه الزبرقان. الشرط الرابع: أن لا يكون المعرِّف -باسم الفاعل- مجازًا، إلا مع قرينة تعيّن المقصود بالتعريف، فإن وُجدَتْ قرينةٌ تدل على ذلك جاز التعريف به، كتعريف البليد بأنه "حمار يَكتب". فإن قيل: المجاز لا بد له من قرينة صارفة عن قصد المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، فإنهم يجيبون بأن قرينة المجاز لا تكفي وحدها هنا؛ لأن قرينة المجاز إنما تدل على استعمال اللفظ في غير ما وُضع له، والقرينة المشترطة هنا هي الدالة على تعيين المراد بالتعريف. ومن الفوارق بينهما أن قرينة المجاز من حيث هو قد تكون خفية، وقرينته في التعريف لا بد أن تكون واضحة؛ لأن المقصود بالتعريف الإيضاح. الشرط الخامس: أن لا يكون التعريف فيه دور سبقي، ومعناه أن تكون معرفة الحد يشترط لها سبقية معرفة بعض ألفاظ المحدود؛ لأن [الفرْض] (١) توقف معرفة المحدود على معرفة الحد، فإن توقفت معرفة الحد على معرفة المحدود كان دورًا سبقيًا؛ لأن معرفة كل منهما

стр. 69

تتوقف على سبق معرفة الآخر، فلا يمكن الإدراك، كتعريف العلم بأنه "معرفة المعلوم على ما هو به"؛ لأن المعلوم مشتق من العلم، والمشتق لا يعرف إلا بعد معرفة المشتق منه. أما الدور المَعِيُّ فلا مُحال فيه، ككون ما يسمونه (الجرم) متصفًا بما يسمونه (العرَض)؛ إذ لا يعقل جرْمٌ خالٍ من جميعَ الأعراض، كالحركة والسكون، والاجتماع والافترَاق، واللون ونحو ذلك، كما لا يُعقل عندهم عرَضٌ قائمٌ بنفسه دون جرم، فمعرفة كل منهما تتوقف على معرفة الآخر، إلا أنه لا يُشترط سَبق أحدهما للآخر، بل يُعلمان معًا في وقت واحد، وذلك هو معنى كونه دورًا مَعِيًّا. والأربع الأوَلُ التي هي الحركة والسكون والاجتماع والافتراق هي المعروفة عند المتكلمين بالأكوان. ويدخل في الدور الممنوع إدخال الأحكام في الحدود؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره. الشرط السادس؛ أن لا يكون المعرِّف مشترَكًا بين معنيين فصاعدا؛ لأن الاشتراك مانع من فهم المراد بالتعريف، ما لم توجد قرينةٌ تعيّن المراد، فإن وُجدتْ جاز التعريف به، فمثال التعريف بالمشترَك دون القرينة تعريف الشمس بأنها عين. ومثال القرينة المعيِّنة للمراد تعريف الشمس بأنها "عين تضيء جميع آفاق الدنيا". فهذه الشروط تُشترط في كل تعريف من أنواع التعاريف

стр. 70

المذكورة. فإن قيل: قد عرّفتم لنا المعرِّف -باسم الفاعل- بأنه الجامع المانع، أي المنعكس المطرد، ثم ذكرتم لنا الجمع والمنع من شروط المعرِّفات -باسم الفاعل-، ومعلوم أن الشرط خارج عن الماهية؟ . فالجواب أن ذلك التعريف رسم؛ لأنه تعريف بالخاصة، وهي خارجة عن الماهية. والواحد بالشخص له جهتان، فالخاصة من جهة تعريف الماهية بها فهي معرِّف -باسم الفاعل-، وقد تكون شرطًا في التعريف إذا عُرّف بشيء آخرَ غيرها كالفصل، ونحن راعينا كليهما من جهة فعرَّفْنا بها، ثم جعلناها شرطًا بالاعتبار الآخر. ومقصودنا بالخاصة هنا هو كل من الجمع والمنع، فمجموعُهما خاصة للمعرّف -باسم الفاعل-، والله -تعالى- أعلم.

стр. 71

فصل في مباديء التصديقات اعلم أن مبادئ التصديقات هي القضايا وأحكامها. والقضية في الاصطلاح هي "التصديق"، وقد تقدم إيضاحه (١)، وتسمى: "القضية" و"الخبر"، و"التصديق"، وقد قدمنا أنه هو ما يعبَّر عنه في المعاني بالإسناد الخبري، وفي النحو بالجملة الاسمية أو الفعلية. واعلم أن القضايا بالتقسيم الأول تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، وهما: القضية الحملية، والقضية الشرطية. وضابط القضية الحملية أمران: الأول: أنها ينحلُّ طرفاها إلى مفردين، أو ما في قوة المفردين. الثاني: أن الحكم فيها ليس معلّقًا على شيء. ومثالها: (زيد قائم) و (عمرو جالس) و (الإنسان حيوان) ونحو ذلك؛ فإن كل واحد من هذه الأمثلة ينحلّ طرفاه إلي مفردين، وليس الحكم فيها معلقًا. وما في قوة المفرد ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون الموضوع مفردًا [و] (٢) المحمولُ جملةً في قوة

стр. 72

المفرد، كقولك: (زيد قائم أبوه)؛ لأن (قائم أبوه) في قوة (قائم الأب)، وقولك: (خير الذكر لا إله إلا الله)؛ فإنه في قوة (خير الذكر كلمة لا إله إلا الله). الثاني: عكسه، وهو أن يكون الموضوع جملة في قوة المفرد والمحمول مفردًا، كقولك: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة). الثالث: أن يكون كل من الموضوع والمحمول جملة في قوة المفرد، كقولك: (زيد عالم نقيض زيد ليس بعالم)؛ لأنه في قوة (قضية زيد عالم نقيضُ قضية زيد ليس بعالم). فتحَصّل أن الأقسام أربعة: مفردان، كزيد قائم، وأقسام ما في قوة المفرد الثلاثة المذكورة بأمثلتها آنفًا. وسميت حملية للحكم بمحمولها على أفراد موضوعها. وأما القضية الشرطية فضابطها أمران: الأول: أن ينحلّ طرفاها إلى جملتين، أعني أنه إن أزيلت أداةُ الربط في المتصلة، أو أداةُ العناد في المنفصلة بين طرفيها يصير كل من طرفيها -أعني مقدَّمَها وتاليَها- جملة مستقلة. والثاني: أنّ الحكم فيها معلّق. فقولك مثلًا: (لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا)،

стр. 73

قضية شرطية متصلة؛ لأنك لو أزلت أداة الربط بين مقدَّمها وهو الطرف المقترن بـ (لو)، وبين تاليها، وهو الطرف المقترن باللام في المثال المذكور -ونعني بأداة الربط لفظ (لو) واللام- صار المقدَّم (كانت الشمس طالعة) وهي قضية حملية؛ لأنها مبتدأ وخبر، دخل عليها فعل ناسخ، وكان التالي (النهار موجود) وهو قضية حملية؛ لأنه مبتدأ وخبر، مع أن الحكم بوجود النهار معلق على طلوع الشمس، وكل قضية كان الحكم فيها معلقًا [و] (١) كانت ينحل طرفاها إلى جملتين فهي القضية الشرطية. وكذلك لو قلت: (العدد إما زوج وإما فرد) فهذه شرطية منفصلة، فلو زالت أداة العناد بين طرفيها وهي لفظة (إما) صار الطرف الأول (العدد زوج) والطرف الثاني (العدد فرد)، وكلاهما قضية حملية. ووجه تعليق الحكم في المنفصلة أن كون العدد -مثلًا- زوجًا [معلقٌ] (٢) على نفي الفردية عنه، كعكسه. واعلم أن القضية الشرطية تنقسم بالتقسيم الأول إلى قسمين: أحدهما: الشرطية المتصلة، والثاني: الشرطية المنفصلة. وإيضاح كل واحدة منهما أن الشرطية المتصلة هي التي يجتمع طرفاها في الوجود، ويجتمعان في العدم، بمعنى أنهما يجوز عدمُهما معًا، ويجوز وجودُهما معًا، واجتماعهما في الوجود واجتماعهما في

стр. 74

العدم (١) هو معنى الاتصال، فسميت متصلة لاتصال طرفيها في كونهما موجودين، واتصالهما في كونهما معدومين. فقولك: (لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا) يجتمع طرفاها في الوجود: فتكون الشمسُ طالعةً والنهارُ موجودًا، ويجتمعان في العدم: فتكون الشمسُ ليست بطالية والنهارُ ليس بموجود، كما يقع في زمن الليل، واجتماعهما في الوجود والعدم هو (٢) معنى الاتصال الذي سميت بسببه متصلة. واعلم أن الشرطية المتصلة تنقسم إلى قسمين وهما: الشرطية المتصلة اللزومية، والشرطية المتصلة الاتفاقية، وتحقيق الفرق بينهما لا يستغني عنه طالب علم. وقد ارتبك خلق كثير من أهل العلم في تحقيق معنى الشرط والجزاء في نحو (لو لم يخف الله لم يعصه) (٣) ونحوها من القضايا؛ بسبب عدم الفرق بين اللزومية والاتفاقيه، ولو فرقوا بينهما لم [يرتبكوا] (٤). وإيضاح الفرق بينهما هو أن اللزومية لا بد أن يكون اتصال مقدَّمها

стр. 75

بتاليها في الوجود والعدم لموجب يقتضي ذلك، ككون أحدِهما سببًا للآخر والآخرِ مُسَبَّبًا له، أو كوَن أحدِهما ملزومًا للآخر والآخِر لازمًا له، وبذلك الموجِب المقتضي للارتباط بينهما في الوجود والعدم سميت لزومية. وسواء كان ذلك الارتباط بينهما المذكور عقليًّا أو شرعيًّا أو عاديًا. ومثال العقلي عندهم (كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا)؛ لأن الحيوان عندهم جزء الإنسان الذي هو أعم منه. والعقل يمنع انفكاك الكل عن جزئه، فكونه إنسانًا ملزوم لكونه حيوانًا وكونه حيوانًا لازم لكونه إنسانًا، وذلك اللزوم عقلي. ومثال الشرعي قولك: (كلما زالت الشمس وجبت صلاة الظهر)، و (كلما وُجد شهر رمضان وجب الصوم)؛ لأن كلًّا من زوال الشمس ووجودِ رمضانَ سبب شرعي للعبادة المذكورة من صلاة أو صيام. ومثال العادي قولك: (كلما لم يكن ماء لم يكن نبات)؛ لأن الله أجرى العادة بأن وجود الماء سببٌ لوجود النبات، وعدمَه سبب لعدمه. وأما الشرطية المتصلة الاتفاقية فضابطها أنها لا ربط بين مقدَّمها وتاليها، أي لا علاقة بينهما أصلًا، لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، ولكن اتفق في الخارج أنّ صِدْق كل منهما مع صدْق الأخرى، أي اجتمعا في الوجود، مع أنه لا أَثر لنفي أحدهما -لو فرض- في نفي الآخر ولا
следующие страницы →