فصل في مباديء التصديقات
اعلم أن مبادئ التصديقات هي القضايا وأحكامها.
والقضية في الاصطلاح هي "التصديق"، وقد تقدم إيضاحه (١)، وتسمى: "القضية" و"الخبر"، و"التصديق"، وقد قدمنا أنه هو ما يعبَّر عنه في المعاني بالإسناد الخبري، وفي النحو بالجملة الاسمية أو الفعلية.
واعلم أن القضايا بالتقسيم الأول تنقسم إلى قسمين لا ثالث لهما، وهما: القضية الحملية، والقضية الشرطية.
وضابط القضية الحملية أمران:
الأول: أنها ينحلُّ طرفاها إلى مفردين، أو ما في قوة المفردين.
الثاني: أن الحكم فيها ليس معلّقًا على شيء.
ومثالها: (زيد قائم) و (عمرو جالس) و (الإنسان حيوان) ونحو ذلك؛ فإن كل واحد من هذه الأمثلة ينحلّ طرفاه إلي مفردين، وليس الحكم فيها معلقًا.
وما في قوة المفرد ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الموضوع مفردًا [و] (٢) المحمولُ جملةً في قوة
стр. 72
المفرد، كقولك: (زيد قائم أبوه)؛ لأن (قائم أبوه) في قوة (قائم الأب)، وقولك: (خير الذكر لا إله إلا الله)؛ فإنه في قوة (خير الذكر كلمة لا إله إلا الله).
الثاني: عكسه، وهو أن يكون الموضوع جملة في قوة المفرد والمحمول مفردًا، كقولك: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة).
الثالث: أن يكون كل من الموضوع والمحمول جملة في قوة المفرد، كقولك: (زيد عالم نقيض زيد ليس بعالم)؛ لأنه في قوة (قضية زيد عالم نقيضُ قضية زيد ليس بعالم).
فتحَصّل أن الأقسام أربعة:
مفردان، كزيد قائم، وأقسام ما في قوة المفرد الثلاثة المذكورة بأمثلتها آنفًا.
وسميت حملية للحكم بمحمولها على أفراد موضوعها.
وأما القضية الشرطية فضابطها أمران:
الأول: أن ينحلّ طرفاها إلى جملتين، أعني أنه إن أزيلت أداةُ الربط في المتصلة، أو أداةُ العناد في المنفصلة بين طرفيها يصير كل من طرفيها -أعني مقدَّمَها وتاليَها- جملة مستقلة.
والثاني: أنّ الحكم فيها معلّق.
فقولك مثلًا: (لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا)،
стр. 73
قضية شرطية متصلة؛ لأنك لو أزلت أداة الربط بين مقدَّمها وهو الطرف المقترن بـ (لو)، وبين تاليها، وهو الطرف المقترن باللام في المثال المذكور -ونعني بأداة الربط لفظ (لو) واللام- صار المقدَّم (كانت الشمس طالعة) وهي قضية حملية؛ لأنها مبتدأ وخبر، دخل عليها فعل ناسخ، وكان التالي (النهار موجود) وهو قضية حملية؛ لأنه مبتدأ وخبر، مع أن الحكم بوجود النهار معلق على طلوع الشمس، وكل قضية كان الحكم فيها معلقًا [و] (١) كانت ينحل طرفاها إلى جملتين فهي القضية الشرطية.
وكذلك لو قلت: (العدد إما زوج وإما فرد) فهذه شرطية منفصلة، فلو زالت أداة العناد بين طرفيها وهي لفظة (إما) صار الطرف الأول (العدد زوج) والطرف الثاني (العدد فرد)، وكلاهما قضية حملية.
ووجه تعليق الحكم في المنفصلة أن كون العدد -مثلًا- زوجًا [معلقٌ] (٢) على نفي الفردية عنه، كعكسه.
واعلم أن القضية الشرطية تنقسم بالتقسيم الأول إلى قسمين:
أحدهما: الشرطية المتصلة، والثاني: الشرطية المنفصلة.
وإيضاح كل واحدة منهما أن الشرطية المتصلة هي التي يجتمع طرفاها في الوجود، ويجتمعان في العدم، بمعنى أنهما يجوز عدمُهما معًا، ويجوز وجودُهما معًا، واجتماعهما في الوجود واجتماعهما في
стр. 74
العدم (١) هو معنى الاتصال، فسميت متصلة لاتصال طرفيها في كونهما موجودين، واتصالهما في كونهما معدومين.
فقولك: (لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا) يجتمع طرفاها في الوجود: فتكون الشمسُ طالعةً والنهارُ موجودًا، ويجتمعان في العدم: فتكون الشمسُ ليست بطالية والنهارُ ليس بموجود، كما يقع في زمن الليل، واجتماعهما في الوجود والعدم هو (٢) معنى الاتصال الذي سميت بسببه متصلة.
واعلم أن الشرطية المتصلة تنقسم إلى قسمين وهما: الشرطية المتصلة اللزومية، والشرطية المتصلة الاتفاقية، وتحقيق الفرق بينهما لا يستغني عنه طالب علم.
وقد ارتبك خلق كثير من أهل العلم في تحقيق معنى الشرط والجزاء في نحو (لو لم يخف الله لم يعصه) (٣) ونحوها من القضايا؛ بسبب عدم الفرق بين اللزومية والاتفاقيه، ولو فرقوا بينهما لم [يرتبكوا] (٤).
وإيضاح الفرق بينهما هو أن اللزومية لا بد أن يكون اتصال مقدَّمها
стр. 75
بتاليها في الوجود والعدم لموجب يقتضي ذلك، ككون أحدِهما سببًا للآخر والآخرِ مُسَبَّبًا له، أو كوَن أحدِهما ملزومًا للآخر والآخِر لازمًا له، وبذلك الموجِب المقتضي للارتباط بينهما في الوجود والعدم سميت لزومية.
وسواء كان ذلك الارتباط بينهما المذكور عقليًّا أو شرعيًّا أو عاديًا.
ومثال العقلي عندهم (كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا)؛ لأن الحيوان عندهم جزء الإنسان الذي هو أعم منه. والعقل يمنع انفكاك الكل عن جزئه، فكونه إنسانًا ملزوم لكونه حيوانًا وكونه حيوانًا لازم لكونه إنسانًا، وذلك اللزوم عقلي.
ومثال الشرعي قولك: (كلما زالت الشمس وجبت صلاة الظهر)، و (كلما وُجد شهر رمضان وجب الصوم)؛ لأن كلًّا من زوال الشمس ووجودِ رمضانَ سبب شرعي للعبادة المذكورة من صلاة أو صيام.
ومثال العادي قولك: (كلما لم يكن ماء لم يكن نبات)؛ لأن الله أجرى العادة بأن وجود الماء سببٌ لوجود النبات، وعدمَه سبب لعدمه.
وأما الشرطية المتصلة الاتفاقية فضابطها أنها لا ربط بين مقدَّمها وتاليها، أي لا علاقة بينهما أصلًا، لا عقلًا ولا شرعًا ولا عادة، ولكن اتفق في الخارج أنّ صِدْق كل منهما مع صدْق الأخرى، أي اجتمعا في الوجود، مع أنه لا أَثر لنفي أحدهما -لو فرض- في نفي الآخر ولا
стр. 76
عدمه؛ إذ لا علاقة بينهما أصلًا، كقولك: (كلما كانت الشمس طالعة كان الإنسان ناطقًا)، فلا علاقة أصلًا بين طلوع الشمس وبين نطق الإنسان.
ومن أمثلتها في القرآن قوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ لأن كينونتهم في بيوتهم وبروزَهم إلى مضاجعهم لا علاقة بينهما، ولا يستلزم أحدُهما الآخرَ ولا عدمَه.
وكقوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]؛ لأن كون البحر مدادًا لها لا علاقة له بنفادها ولا عدمِه.
وكقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧]، لأن دعاءه إياهم إلى الهدى لا علاقة بينه وبين عدم اهتدائهم.
ومن هذا القبيل قولهم: (لو لم يخف الله لم يعصه)؛ لأن عدم خوفه من الله لا أثر له في عدم عصيانه. بل قد يكون سببًا لعصيانه فيما يظهر للناظر.
وقد نبهنا في كتابنا (أضواء البيان) (١) على غلط الزمخشري (٢)
стр. 77
وأبي حيان (١) في آية ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ فقد ظنا هذه الشرطية في هذه الآية لزومية؛ حيث زعما أنه جُعل فيها سبب عدم اهتدائهم هو دعوته لهم إلى الهدى. والمعنى أن الكفار عندهما جعلوا ما يكون سببًا للاهتداء سببًا لانتفائه، وكل ذلك غلط؛ لأن الشرطية المذكورة في الآية اتفاقية، لا ربط أصلًا بين مقدَّمها وتاليها.
واعلم أن الشرط الحقيقي في الاتفاقية ليس هو المذكورَ مع الجزاء، بل سبب الجزاء شيء آخرُ غيرُ مذكور معه في الشرطية المذكورة.
كقولهم (لو لم يخف الله لم يعصه) فعدم العصيان الذي هو الجزاء في مثل هذا المثل سببه غير مذكور معه، فليس سببُه عدمَ الخوف الذي هو الشرط في المثال المذكور، ولكنه شيء آخرُ لم يذكر، وهو تعظيمه لله ومحبته له المانعةُ من معصيته له، ولو لم يكن خائفًا.
وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ سببه الحقيقي غير مذكور معه، فليس هو قولَه: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما، بل سببه هو إرادة الله -تعالى- عدمَ اهتدائهم، على وفق ما سبق في علمه أزلا.
стр. 78
وكذلك قوله -تعالى-: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخرُ غيرُ مذكور في الآية، وهكذا.
ومن الأسباب المستوجبة لكون الشرطية اتفاقيةً هو رفع ما يحصل في الوهم من المنافاة بين قضيتين، فيبين بالمتصلة الاتفاقية أنهما لا منافاة بينهما، فالكفار مثلًا كانوا يتوهمون أن كينونتهم في بيوتهم تنافي بروزهم إلى مضاجعهم، ويظنون أنها تنجيهم من القتل، كما ذكر -تعالى- عنهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] (١)، فبين -تعالى- عدم المنافاة بين بقائهم في بيوتهم وبين بروزهم إلى مضاجعهم التي كتب عليهم أن يقتلوا فيها، وهكذا.
تنبيهات:
الأول: اعلم أن التحقيق أن الصدق والكذب في الشرطية المتصلة إنما يكون بحسب صحة الربط بين المقدم والتالي وعدم صحته، فإن كان الربط صحيحًا كانت صادقة، وإن كان الربط غير صحيح كانت كاذبة، ومن أجل أن الصدق والكذب إنما يتواردان على الربط بين المقدَّم والتالي يصح أن تكون صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط.
стр. 79
فقوله -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، شرطية متصلة لزومية في غاية الصدق، مع أنك لو أزلت أداة الربط بين طرفيها كان كل من الطرفين قضيةً كاذبة، فيصير الطرف الأول عند إزالة الربط: ﴿كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ وهذه قضية كاذبة، عن أن يكون معه إله علوًا كبيرًا، ويصير الطرف الثاني في المثال المذكور (فسدتا) أي السموات والأرض، وهي أيضًا قضية كاذبة.
وكقولك: (لو كان زيد حجرًا لكان جمادًا)، فهذه لزومية صادقة مع كذب الطرفين، لأن زيدًا لم يكن حجرًا ولم يكن جمادًا.
وقال بعض أهل العلم: إن مورد الصدق والكذب في الشرطية المتصلة هو التالي فقط الذي هو الجزاء، فهو المحتمل للصدق والكذب عندهم. والشرط الذي هو المقدم قيد فيه، وزعموا أن هذا قول أهل العربية.
والصواب فيما يظهر أن أهل اللغة موافقون للمنطقيين في أن الصدق والكذب في الشرطية المذكورة إنما يتواردان على الربط بين طرفيها؛ لصدقها مع كذب الطرفين كما مثّلنا، ولصدقها أيضًا مع كذب أحدهما وصدق الآخر لو أزيل الربط، [كقولك] (١): (لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت)، فهذه شرطية صادقة، وتاليها الذي هو (ما نجا من الموت) صادق، ومقدّمها الذي هو كونه في السماء كاذب.
التنبية الثاني: اعلم أن الطرف الأول من طرفي الشرطية يسمى
стр. 80
مقدَّمًا، والثاني يسمى تاليًا. وهذا في المتصلة لا خلاف فيه.
وقيل في المنفصلة أيضًا كذلك، وقيل لا يسمى جزآها مقدَّمًا وتاليًا؛ لأنها لم يكن أحد طرفيها مرتبًا على الآخر، فالتقديم والتأخير فيها موكول إلى اختيار المتكلم.
فلو قلت: (العدد إما زوج وإما فرد) فلا فرق بين ذلك وبين قولك: (العدد إما فرد وإما زوج)، فلك أن تقدم من الطرفين ما شئت وتؤخره.
بخلاف المتصلة؛ فإنه لو أُخِّر المقدمُ لم تصدق لزومًا، ولو صدقت في بعض الصور لخصوص المادة (١).
فقولك: (لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا) صحيح، ولو عكست فقلت: (لو كان هذا حيوانًا لكان إنسانا) كان كاذبًا. فتبين أن كونه إنسانًا مقدم، وكونه حيوانًا تالٍ على الحقيقة. بخلاف المنفصلة كما مثلنا.
التنبيه الثالث: اعلم أنه تأتي في اللغة العربية قضايا على هيئة الشرطية المتصلة وهي مقبولة في اللغة العربية، بل معدودة من بديعها المعنوي عند أهلها، مع أن الربط بين طرفيها كاذب؛ وذلك لسر آخر من أسرار العربية، لا يجري مثله في فن المنطق.
стр. 81
فقول نابغة ذبيان (١):
ولو أنها عرضَتْ لأشمطَ راهبٍ ... عَبَدَ الإلهَ صرورةٍ مُتعبّدِ
لرنا لبهجتها وحُسْنِ حديثها ... ولخالهُ رشَدًا وإن لم يرشُدِ
فيُستبعد صدق الشرطية فيه؛ فكون عروض المرأة للأشمط الراهب العابد يستوجب رُنُوَّه إليها وغيبوبته عن رشده وعبادته مستبعد الوقوع، وإن كان غير مستحيل عقلًا ولا عادة.
وقول قيس بن الملوّح (٢):
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رَمْسَينا من الأرض [سبسبُ (٣)]
لظل صدى صوتي وإن كنت رِمّة ... لصوت صدى ليلى يَهَشُّ ويطربُ
يستحيل عادة صدق الشرطية فيه، وإن أمكن عقلًا.
وإنما ساغ نحو هذا في اللغة لأنه نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى المبالغة.
وهي في اصطلاح البلاغيين (أن يُدَّعى لوصفٍ بلوغُه في الشدة أو الضعف حدًّا مستبعدًا أو مستحيلًا؛ لئلا يُظن أنه غير مُتَناهٍ فيه)، وهي ثلاثة أنواع:
стр. 82
الأول: نوع مستبعد الوقوع، ولكنه لا يمنعه العقل ولا العادة، كالشرطية في بيتي نابغة ذبيان المذكورَين.
وهذا النوع من أنواع المبالغة هو المعروف عندهم بالتبليغ، وإنما ساغ مع عدم صدقه للغرض المذكور في قولهم: (لئلا يُظن أنه غير متناه فيه).
النوع الثاني: هو المستحيل عادة وإن كان يجوز عقلًا. ومن أمثلته الشرطية في بيتي قيس بن الملوّح المذكورَين، لأن طرب صدى صوته بعد الموت لصدى صوت ليلى تُحيله العادة وإن أمكن عقلًا، وإنما جاز مع عدم صدقه للغرض المذكور، وهذا النوع من أنواع المبالغة هو المعروف عندهم بالإغراق.
النوع الثالث: ما استحال عقلًا وعادة، وهو المعروف بالغلو، وأمثلته والتفصيلُ بين المقبول منه وغير المقبول معروفةٌ في البديع من فن البلاغة، ولسنا نريد تفاصيل ذلك هنا، وقد فصلناها في رسالتنا في منع المجاز في القرآن (١).
وأما الشرطية المنفصلة فضابطها أنها لا بد أن يكون بين طرفيها عناد في الجملة.
واعلم أن المراد بالعناد هنا والتنافرِ شيء واحد، وهو تنافي الطرفين، واستحالةُ اجتماعهما، والعناد المذكور بين الطرفين هو
стр. 83
معنى كونها منفصلة.
والتقسيم العقلي الصحيح يحصر العناد المذكور في ثلاثة أقسام لا رابع لها:
الأول: أن يكون في الوجود والعدم معًا.
الثاني: أن يكون في الوجود فقط.
الثالث: أن يكون في العدم فقط.
فإن كان العناد بين طرفيها في الوجود والعدم معًا، بمعنى أن طرفيها لا يمكن اجتماعهما في الوجود ولا في العدم، فلا يوجدان معًا ولا يُعدمان معًا، بل لا بد من وجود أحدهما وعدم الآخر، فهي المعروفة بالشرطية المنفصلة الحقيقية، وتسمى مانعةَ الجمع والخُلُوِّ معًا، ولا تتركب إلا من النقيضين، أو من الشيء ومساوي نقيضه، ومثالها في النقيضين قولك: (العدد إما زوج أو ليس بزوج)، ومثالها في الشيء ومساوي نقيضه: (العدد إما زوج وإما فرد)؛ لأن لفظة (فرد) مساوية لـ (ليس بزوج)، وهي نقيض (العدد زوج).
وإن كان العناد بين طرفيها في الوجود فقط فهي مانعة الجمع [المجوِّزة] (١) للخلو، ولا تتركب إلا من قضية وأخصَّ من نقيضها، كقولك: (الجسم إما أبيض وإما أسود)، فهذه شرطية منفصلة مانعة جمع؛ لأنه يستحيل اجتماع طرفيها في الوجود، بأن يكون الجسم
стр. 84
الواحد أبيض أسود في وقت واحد من جهة واحدة، ولكنها تُجوِّز الخُلُوَّ من الطرفين؛ لأنها لا عناد بين طرفيها في العدم، فيجوز أن يكون الجسم غير أبيض وغير أسود؛ لكونه أحمر وأصفر مثلًا. وجواز عدم طرفيها معًا هو معنى [كونها] (١) لا عناد بين طرفيها في العدم، بل هما مصطحبان فيه، لانعدام كليهما.
وإن كان العناد بين طرفيها في العدم فقط فهي مانعة الخلو [المجوِّزةُ] (٢) للجمع، عكسَ التي قبلها، ولا تتركب إلا من قضية وأعمَّ من نقيضها، كقولك: (الجسم إما غير أبيض وإما غير أسود)، فهذه شرطية منفصلة مانعةُ خلُوّ مجوِّزةُ جمع، فلا يمكن اجتماع طرفيها في العدم البتة، ولكن يمكن اجتماعهما في الوجود؛ إذ لا عناد بينهما في الوجود، وإنما العناد بينهما في العدم.
فطرفا هذه المنفصلة اللذان هما (غير أبيض) و (غير أسود) يجوز اجتماعهما في الوجود فنقول: (هذا الجسم غير أبيض وغير أسود)، وأنت صادق؛ لكونه أحمرًا أو أصفرًا مثلًا.
ولكن لا يمكن اجتماعهما في العدم بحال، بل إذا عُدم أحدُهما لزم وجود الآخر ضرورة؛ لأنك لو حكمتَ بنفي (غير الأبيض) فقد جزمت بأنه أبيض؛ لأن نفي النفي إثبات، وإذا جزمت بأنه أبيضُ لزم ضرورةً حصولُ الطرف الثاني الذي هو (غير أسود)؛ لأن الأبيض غير
стр. 85
أسود قطعًا كما هو ضرورة.
وإذا علمت مما ذكرنا أن القضية تنقسم إلى حملية وشرطية بالتقسيم الأول، وأنّ الشرطية تنقسم إلى متصلة ومنفصلة، وأن المتصلة تنقسم إلى لزومية واتفاقية، وأن المنفصلة تنقسم إلى [حقيقية] (١) مانعة جمع وخلو معًا، ومانعةِ جمع مجوّزة خلو، ومانعة خلو مجوّزة جمع، وعرفت أنّا بيّنا كل قسم بأمثلته، فاعلم أنا أردنا هنا أن نقتصر على ما لا بد منه في علم المناظرة، فلم نذكر الرابطة؛ لعدم الاحتياج لها في اللغة العربية، للاكتفاء عنها بالاشتقاق والإضافة مثلًا. ولم نتعرض للجهة، ولا للقضايا [الموجّهة] (٢)، ولا لمنحرفات السور، ولا للحقيقيات والخارجيات (٣)، ولا للمحصَّلات والمعدولات (٤)، إلى غير ذلك من أحكام القضايا، ولكنّا أردنا هنا أن نبين ما لا بد للمناظرة منه، وهو ثلاثة أشياء، وبها ينتهي بحثنا في مبادئ التصديقات:
الأول: تقسيم القضايا باعتبار الكم والكيف خاصة.
الثاني: العكس.
الثالث: التناقض.
стр. 86
ثم نذكر مقاصد التصديقات، ثم نشرع في المقصود من آداب البحث والمناظرة.
стр. 87
[فصل في تقسيم القضايا باعتبار الكم والكيف] (١)
اعلم أولًا أن الكَمَّ في الاصطلاح هو: الكلية والجزئية. وقد أوضحنا فيما سبق (٢) أن الكلية هي الحكم بالمحمول على كل فرد من أفراد الموضوع الداخلة تحت العنوان، إيجابًا أو سلبًا، وأن الجزئية هي الحكم بالمحمول على بعض أفراد الموضوع لا كلها، إيجابًا أو سلبًا. خلافا للسَّنوسي (٣) في مختصره؛ فقد غلط في هذا الموضع.
والمراد بالكيف في الاصطلاح هو: الإيجاب والسلب، وهما الإثبات والنفي.
واعلم أن السور في الاصطلاح هو "اللفظ الدال على الإحاطة بجميع الأفراد أو بعضها إيجابًا أو سلبًا"، فأقسامه أربعة:
الأول: سور كلي إيجابي، نحو: (كل) و (عامة) ونحوهما.
الثاني: سور كلي سلبي، نحو (لا شيء) و (لا واحد) ونحوهما.
الثالث: سور جزئي إيجابي، نحو (بعض).
الرابع: سور جزئي سلبي، نحو: (بعض ليس). و (ليس بعض).
وإذا عرفت هذا فاعلم أن القضية الحملية لا بد لموضوعها من أحد
стр. 88
أمرين: إما أن يكون جزئيًّا، وإما أن يكون كليًّا.
وإن كان موضوعها كليًّا فله خمس حالات:
الأولى: أن يسوّر بسور كلي إيجابي.
الثانية: أن يسور بسور كلي سلبي.
الثالثة: أن يسور بسور جزئي إيجابي.
الرابعة: أن يسور بسور جزئي سلبي.
الخامسة: أن يهمل من السور، وهذه الخامسة بمنزلة الجزئية.
فأقسام ما موضوعُها كلّيٌ أربعة في الحقيقة؛ لأن المهملة في قوة الجزئية.
وإن كان موضوعها جزئيًّا فهي التي تسمى شخصية ومخصوصة، ولها حالتان؛ لأنها تكون موجبة نحو (زيد قائم) و (هند جميلة)، وسالبةً نحو (زيد ليس بقائم) و (هند ليست بجميلة).
فتحصّل أن الحملية باعتبار الكيف والكم ستة أقسام:
١ - الأول: كلية موجبة، نحو (كل إنسان حيوان) و (جميع الإنسان حيوان)، و (عامة الإنسان حيوان)، ونحو ذلك.
٢ - الثاني: كلية سالبة، نحو (لا شيء من الإنسان بحجر)، والا واحد من الإنسان بفرس)، ونحو ذلك.
٣ - الثالث: جزئية موجبة، نحو (بعض الحيوان إنسان).
стр. 89
٤ - الرابع: جزئية سالبة، نحو (بعض الحيوان ليس بإنسان).
٥ - الخامس: شخصية موجبة، نحو (زيد قائم).
٦ - السادس: [شخصية] (١) سالبة: نحو (زيد ليس بقائم).
تنبيهات:
الأول: اعلم أنه جرى عرف المنطقيين في التقسيم المذكور أن القضايا باعتبار الكم والكيف ثمانية؛ لأنهم يزيدون على الستة التي ذكرنا المهملة الموجبة، نحو (الإنسان حيوان)، والمهملة السالبة نحو (ليس الحيوان بإنسان)، وإنما جعلناها ستة لا ثمانية لأن المهملة في قوة الجزئية، لا قسمٌ زائد عليها، فصارت القضايا باعتبار الكم والكيف ستًّا على التحقيق كما ذكرنا.
التنبيه الثاني: وهو مهم جدًّا، وهو أن تعلم أن المراد بالموضوع منافٍ للمراد [بالمحمول] (٢) في القضية الحملية؛ لأن المراد بالموضوع جميع أفراده الخارجيةِ الداخلةِ تحت العنوان (٣)، سواء اعتبرنا الوجود الخارجي؛ لكونها خارجية، أو اعتبرنا تقدير الوجود؛ لكونها [حقيقية] (٤)، ولا يراد بالموضوع القدر المشترك، الذي هو
стр. 90
المعنى الذهني، بخلاف المحمول؛ فإنه لا يقصد به الأفراد الخارجية، وإنما يراد به مطلق الماهية الذهنية، التي هي القدر المشترك بين الأفراد.
فقولك: (كل إنسان حيوان) قضية حملية، موضوعها (الإنسان)، ومحمولها (الحيوان)، فالموضوع الذي [هو] (١) (الإنسان) يراد به أفراده الداخلة في لفظه، فكل فرد من أفراد (الإنسان) محكوم عليه بأنه (حيوان)، بخلاف المحمول الذي هو (الحيوان) في هذا المثال؛ فإنما يراد به معناه الذهني، الذي هو القدر المشترك بين أفراده، ولا يجوز أن تقصد أفراده؛ لأنك لو قصدت أفراد الحيوان كالفرس والبغل كنت حاكمًا على الإنسان بأنه فرس أو بغل، وقد قدمنا أن الحكم على المباين بمباينه إيجابًا أنه كاذب (٢).
أو الحكمَ (٣) على [الشيء] (٤) بنفسه، وهو تحصيل الحاصل، إن قصدت بالحيوان المحمول على (الإنسان) الإنسان.
وإن قصدت بالموضوع القدر المشترك، الذي هو الحقيقة الذهنية، سُمّيتْ القضية طبيعية، كقولك: (الحيوان جنس)، و (الإنسان نوع)، وهكذا.
стр. 91
التنبيه الثالث: اعلم أن السور الذي هو لفظة (كل) أو (بعض) ونحوهما ليس هو الموضوع، وإنما هو بيان للقدْر المحكوم عليه من أفراد الموضوع، فقولك: (كل إنسان حيوان) أو (بعض الإنسان حيوان) الموضوع فيها المضاف إليه، الذي هو (الإنسان)، وأما السور الذي هو لفظة (كل) أو (بعض) وإن أُعربت مبتدأ فليست هي [الموضوع] (١)، وإنما هي لفظ مبيّن للكمّية المحكوم عليها من أفراد الموضوع: هل هي جميعها أو بعضها؟ .
التنبيه الرابع: اعلم أن السور بأقسامه الأربعة يدخل على الشرطيات المتصلة والمنفصلة.
فمثال الشرطية المتصلة المسوّرة بسور كلي إيجابي قولك: (كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانا) و (مهما كان الشيء مفتقرًا في وجوده للفاعل فهو مخلوق)، و ([متى] (٢) كان مخلوقًا فلا بد له من خالق).
فـ (كلما) و (مهما) و (متى) ونحوُها سور كلي إيجابي للشرطية المتصلة.
ومثال السور الإيجابي الكلي للشرطية المنفصلة (دائمًا) وما في معناها، كقولك: (دائمًا إما أن يكون العدد زوجًا أو ليس بزوج)، و (دائمًا إما أن يكون الشيء غنيا عن الخالق وإما أن يكون مخلوقًا).
ومثال السور الكلي السلبي للمتصلة والمنفصلة معا (ليس البتة).
стр. 92
ومثاله في المتصلة (ليس البتة إذا كان الشيء إنسانًا كان حجرًا). ومثاله في المنفصلة (ليس البتة إما أن يكون الشيء أبيض وإما أن يكون باردًا)؛ لأن الصدق فيها بحسب صدق العناد، وهو هنا كاذب؛ إذ لا عناد بين البياض والبرودة؛ لأن تباينهما تباينُ مخالفة، فيجوز اجتماعهما كالواقع في الثلج.
ومثال السور الجزئي الإيجابي للمتصلة والمنفصلة معًا: (قد يكون).
كقولك في المتصلة: (قد يكون إذا كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا).
وكقولك في المنفصلة: (قد يكون إما أن يكون الشيء حيوانًا وإما أن يكون فرسًا)؛ لأنه في حال كون الحيوان غير الفرس يصح العناد، وباعتبار صدق الحيوان على الفرس يبطل العناد، فصح أن صدق العناد جزئي.
ومثال السور الجزئي السلبي لهما معًا (قد لا يكون)، وللمتصلة فقط (ليس كلما)، وللمنفصلة فقط (ليس دائمًا).
فنقول في المتصلة: (قد لا يكون إذا كان هذا حيوانًا كان إنسانًا).
وتقول في المنفصلة: (قد لا يكون إما أن يكون الشيء حيوانًا وإما أن يكون إنسانًا)؛ لأنه في بعض الأحوال يكون جامعًا بين كونه إنسانًا وحيوانًا، فلا عناد.
стр. 93
وتقول في المتصلة: (ليس كلما كان الشيء حيوانًا كان فرسًا).
وفي المنفصلة: (ليس دائمًا إما أن يكون الشيء حيوانًا وإما أن يكون فرسًا).
والشرطية المهملة هي التي تَجرّدَ ربطها أو عنادها عن جميع الأسوار.
ومثالها متصلة: (إنْ كان هذا حيوانًا كان إنسانًا).
ومثالها منفصلة: (إما أن يكون هذا حيوانًا وإما أن يكون فراسًا).
والمهملة في قوة الجزئية كما تقدم.
وأما الشرطية المخصوصة: فهي الشرطية التي حُكم فيها على وضع معين من الأوضاع الممكنة، أي: حالٍ من الأحوال الممكنة.
ومثالها متصلة: (إن جئتني الآن أكرمتك)، فتخصيص ربطها بالوقت الحاضر دون غيره من الأزمنة صيّرها مخصوصة.
ومثالها منفصلة: (زيد الآن إما كاتب أو غير كاتب).
فتبين بما ذكرنا أن الشرطية كالحملية؛ تنقسم إلى مخصوصة وكلية وجزئية ومهملة. وكل واحدة منها تكون موجبة أو سالبة، فالأقسام ثمانية، وهي في الحقيقة ستة؛ لأن المهملة السالبة والمهملة الموجبة راجعتان إلى الجزئية، لأنها في قوتها، فتصير الأقسام في الحقيقة ستة كما تقدم.
واعلم أن شمول الكلية الحملية إنما هو للأفراد الداخلة تحت لفظ
стр. 94
الموضوع، وشمولَ الجزئية الحملية إنما هو لبعض الأفراد المذكورة، وأما الشرطية الكلية فشمولها بحسب الأوضاع والأحوال لا الأفراد، وكذلك الشرطية الجزئية، فشمولها لبعض الأوضاع والأحوال لا الأفراد، وقد قدمنا أمثلة الجميع.
стр. 95
فصل في التناقض
وهو في اللغة: "كون شيئين ينقض كل واحد منهما الآخر".
وفي الاصطلاح: هو "اختلاف قضيتين في الكيف -أعني السلب والإيجاب- على وجه يلزم منه أن تكون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة"، فإن كذبتا معًا أو صدقتا معا فلا تناقض.
وقد علمتَ مما مرّ أن القضايا أربع: شخصية، ومهملة، وكلية، وجزئية، وأن المهملة في قوة الجزئية، فهي في الحقيقة ثلاث.
أما تناقض الشخصية فلا يحتاج إلا إلى تبديل الكيف فقط، فنقيض الشخصية الموجبة شخصية سالبة، كعكسه، فقولك: (زيد قائم) نقيض (زيد ليس بقائم). و (زيد ليس بقائم) نقيضه (زيد قائم).
وإن كانت مسورة فإنها يلزم تبديل أكَمّها، (١) مع تبديل كيفها، فنقيض الكلية الموجبة نحوَ (كل إنسان حيوان) جزئيةٌ سالبة، وهي (بعض الإنسان ليس بحيوان) كعكسه، ونقيض الكلية السالبة نحو (لا شيء من الإنسان بحجر)، جزئية موجبة، وهي (بعض الإنسان حجر)، كعكسه.
والمهملة في قوة الجزئية، فإن كانت مهملة موجبة فنقيضها سالبة كلية، وإن كانت مهملة سالبة فنقيضها كلية موجبة كما هو واضح.
فظهر أن الاختلاف في الكيف بين القضيتين لا بد منه في التناقض.
стр. 96
وأن تبديل السور الكلي بالجزئي كعكسه أيضًا لا بد منه في المسورات؛ لأن السور الكلي إذا لم يبدل بالجزئي ولم يبدل الجزئي بالكلي جاز صدقهما معًا وكذبهما معًا فيما إذا كان المحمول أخص من الموضوع.
فلو قلت: (كل حيوان إنسان) و (لا شيء من الحيوان بإنسان) فهما كليتان كاذبتان؛ لعدم تبديل الكم.
وكذلك لو قلت: (بعض الحيوان إنسان) و (بعض الحيوان ليس بإنسان) فهما جزئيتان صادقتان؛ لعدم تبديل الكم، وقد عرفت أن لا تناقض بين كاذبتين، ولا بين صادقتين.
واعلم أن المنطقيين يقولون: إنه يشترط لتحقيق التناقض بين القضيتين الاتحاد في تسعة أمور:
الأول: اتحاد المحمول، فلو اختلف جاز كذبهما وصدقهما، كقولك: (زيد ضاحك) (زيد ليس بكاتب).
الثاني: اتحاد الموضوع، فلو اختلف جاز صدقهما وكذبهما، كقولك: (زيد عالم) و (عمرو ليس بعالم).
الثالث: اتحاد الزمان، فإن اختلف الزمان جاز صدقهما وكذبهما، كقولك: (النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس) (النبي ﷺ لم يصل إلى بيت المقدس)، فإن قصدت بالأول ما قبل النسخ وبالثاني ما بعده صدقتا، وإن عكسْت كذبتا.
الرابع: اتحاد المكان، فإن اختلف جاز صدقهما وكذبهما، كقولك: (زيد صلى) تعني في المسجد، (زيد لم يصل) تعني في
стр. 97
الدار.
الخامس: الفعل والقوة، فإن قُصد بإحدى القضيتين الفعل وبالأخرى القوة جاز صدقهما وكذبهما، كقولك: (الخمر في الدن مسكرة)، تعني بالقوة، و (الخمر في الدن ليست بمسكرة) تعني بالفعل، فهما صادقتان، ولو عكست في القصد لكانتا كاذبتين.
السادس: الكل والبعض، فإن اختلفا في الكل والبعض جاز صدقهما وكذبهما، كقولك: (الزنجي أبيض) تعني بعضه، وهو أسنانُه وبياض عينيه، (الزنجي ليس بأبيض) تعني سائر بدنه.
السابع: الإضافة، فإن اختلفا في الإضافة جاز كذبهما وصدقهما، كقولك (زيد أب) و (زيد ليس بأب)، تعني بالأول أنه أبٌ لعمرو، وبالثاني أنه ليس أبًا لبكر.
الثامن: الشرط، فإن اختلفا في الشرط جاز كذبهما وصدقهما، كقولك: (زيد يدخل الجنة) و (زيد لا يدخل الجنة)، تعني بالأول بشرط موته على الإيمان، وبالثاني بشرط موته على الكفر.
التاسع: اتحادهما في التحصيل والعدول (١)، فإن كانت إحداهما
стр. 98
محصَّلة والأخرى معدولة لم [تتناقضا] (١)، لصدق السالبة المحصلة مع صدق الموجبة المعدولة، كما هو معروف في محله، وكذلك تصدق المحصلة الموجبة مع صدق السالبة المعدولة، هكذا يقولون.
والتحقيق أن التناقض بين القضيتين يتحقق بالوحدة في شيء واحد، وهو النسبة الحكمية، بأن تكون النسبة المثبتة هي بعينها النسبة المنفية.
تنبيهان مهمان:
الأول: اعلم أن ماذكرنا هنا من أنه يشترط في التناقض بين النقيضين اتحاد الزمان أمر حق صحيح لا شك فيه، وبه يظهر غلط جماهير علماء الأصول في قولهم: إن المتواترات لا تُنسخ بأخَبار الآحاد الثابتِ تأخرُها عنها، مع أن خبر الواحد المتأخر عن المتواتر لا يناقضه، لاختلاف زمنهما، وكلاهما حق في وقته.
فقوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ الآية [الأنعام / ١٤٥]، إذا أُنزل بعده بأكثرَ من سبع سنينَ تحريمُ الحمر الأهلية بخيبر مثلًا، فلا يكون تحريم الحمر الطارئُ بعد الآية بسنينَ مناقضا لها، لأنها وقتَ نزولها لم يكن محرما إلا ما ذُكر فيها من المحرمات الأربعة، وتحريم الحمر طارئ بعد ذلك، فالآية صادقة في وقتها،
стр. 99
وأحاديث تحريم الحمر الأهلية صادقة في وقتها.
فتبين أن التحقيق الذي لا شك فيه هو جواز نسخ المتواتر بأخبار الآحاد الثابتِ تأخرُها عنه؛ لعدم المنافاة مع اختلاف الزمن. وقد أوضحنا هذا في كتابنا "أضواء البيان" في سورة الأنعام، في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقد غلط في هذه المسألة جماهير علماء الأصول، مع كثرتهم وجلالتهم في العلم والفهم، والعلمُ عند الله -تعالى-.
التنبيه الثاني: قد علمتَ مما ذكرنا في التناقض أن الكلية الموجبة يتحقق نقضها بالجزئية السالبة، وهذا في فن المنطق أمر معروف مطّرد لا نزاع فيه، ولكنْ مثلُه لا يتحقق به التناقض في فن الأصول؛ لأنه كمْ مِن نصٍ من كتاب أو سنة هو كلية موجبة، مع وجود نص آخرَ من كتاب أو سنة يتضمن جزئية سالبة، ووجه عدم التناقض بينهما أن الجزئية السالبة تكون مخصِّصة للكلية الموجبة، والتخصيص في الاصطلاح هو "قصر العام على بعض أفراده بدليل".
فقوله -تعالى-: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الألف واللام في (المطلقات) سواء قلنا: إنها موصولةٌ وصلتُها اسم المفعول المقترنُ بها، أو قلنا: إنها تعريفية؛ نظرًا إلى تناسي الوصفية، أو على رأي من يرى أنها تعريفية، فهو في قوة كلية موجبة هي (كل مطلقة تتربص ثلاثة قروء).
стр. 100
وقوله في المطلقات الحوامل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] في قوة جزئية سالبة هي قولك: (بعض المطلقات لا يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)، بل ينتظرن وضع حملِهنّ، فهذه الجزئية السالبة لم تناقض تلك الكلية الموجبة، بل هي مخصصة لعمومها.
وكذلك قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. فهو أيضًا في قوة جزئية سالبة هي قولك: (بعض المطلقات لا يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)؛ لأنهن لا عدة عليهن أصلًا، وهن المطلقات قبل الدخول.
وكل المخصِّصات المنفصلة المعروفة في فن الأصول أمثلة لما ذكرنا، كقوله -تعالى-: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فإنه كلية موجبة؛ لأن لفظة (ما) في الآية صيغة عموم. فهو في قوة: وأحل لكم كل امرأة سوى ما ذكر من المحرمات في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء / ٢٣ - ٢٤].
وتحريم النبي ﷺ لنكاح المرأة على عمتها أو خالتها في قوة جزئية سالبة هي قولك: (بعض ما وراء ذلك ليس بحلال لكم) كجمع المرأة وعمتَها وخالتَها، فهو تخصيص لا تناقض، وهكذا فافهمه فإنه مهم.
واعلم أن التناقض باعتبار الجهة لم نذكره لأنا لم نتعرض للجهة
стр. 101
ولا للقضايا الموجهة (١) أصلا، كغيرها من أحكام القضايا اختصارا، كما أشرنا إليه سابقًا (٢).
ونقيض الشرطية يعرف من نقيض الحملية، ويشترط لتناقضهما اتحاد المقدَّم والتالي، والزمان والمكان، واختلاف الكيف مع اختلاف الكم في المسؤرات.
فقولك مثلًا: (كلما كان هذا إنسانًا كان حيوانًا) نقيض (قد لا يكون إذا كان هذا إنسانًا كان حيوانًا).
وقولك: (ليس البتة إذا كان هذا إنسانًا كان حجرًا نقيضه (قد يكون إذا كان هذا إنسانًا كان حجرا)، وبالعكس فيهما، وقس على ذلك باقيَها.
ومن فوائد معرفة التناقض أنك إذا أقمت الدليل على صحة نقيض قول الخصم فكأنك أقمته على بطلان دليله؛ لأن صحة النقيض يلزمها بطلان نقيضه.
وإذا أقمت الدليل على بطلان نقيض قولك فكأنك أقمته على صحته؛ لأن بطلان النقيض يلزمه صحة نقيضه، وهكذا.
стр. 102
فصل في العكس
وهو في اللغة "قلب الشيء" بجعل أوله آخرَه، وأعلاه أسفلَه مثلًا.
وهو في الاصطلاح ثلاثة أقسام:
١ - العكس المستوي، وإليه ينصرف اسم العكس عند الإطلاق.
٢ - وعكس النقيض الموافق.
٣ - وعكس النقيض المخالف.
وهذا تعريف كل واحد منها مع إيضاحه بالأمثلة.
أما العكس المستوي: فضابطه هو "تبديل كل واحد من طرفي القضية ذات الترتيب الطبيعي (١) بعين الآخر مع بقاء الكيف والكم على وجه يلزم معه الصدق".
ولا يلزم الصدق في عكس الموجبة الكلية إلا مع تبديل السور الكلي بسور جزئي.
وإيضاحه أن المحمول يصير وضوعا مقصودًا به أفرادُه، والموضوعَ يصير محمولا مقصودا به الماهيةُ الذهنية التي هي القدر المشترك.
فالسالبة الكلية تنعكس كنفسها، فقولك: (لا شيء من الإنسان
стр. 103
بحجر) عكسه (لا شيء من الحجر بإنسان).
والموجبة الكلية تنعكس إلى جزئية موجبة، فقولك: (كل إنسان حيوان) عكسه (بعض الحيوان إنسان).
والموجبة الجزئية تنعكس إلى موجبة جزئية، فقولك: (بعض الإنسان حيوان) عكسه (بعض الحيوان إنسان).
والمهملة في قوة الجزئية.
والشخصية إذا كان كل من موضوعها ومحمولها [شخصيًّا] (١) انعكست إلى شخصية، فقولك: (هذا زيد) عكسه (زيد هذا).
وإذا كان محمولها كليًّا انعكست إلى جزئية، فقولك: (زيد كاتب) عكسه (بعض الكاتب زيد).
وإن كان المحمول شخصيًّا والموضوع كليًّا انعكست شخصية، فقولك: (الإنسان زيد) عكسه (زيد إنسان).
أما السالبة الجزئية فلا عكس لها؛ لاجتماع الخستين فيها وهما: الجزئية والسلب، فلو قلت: (بعض الحيوان ليس بإنسان) وأردت أن تعكس لكان عكسه (بعض الإنسان ليس بحيوان)، وهو باطل كما ترى.
ومن فوائد العكس أنك إذا أقمت الدليل على صحة الأصل
стр. 104
المنعكس لزم من ذلك صحة عكسه.
والعكس إنما يكون في القضايا ذات الترتيب الطبيعي، وهي الحمليات والشرطيات المتصلة، وقد تقدمت أمثلته في الحمليات.
وأما في الشرطيات فهو كالحمليات، فعكس المتصلة الكلية الموجبة جزئيةٌ موجبة، فقولك: (كلما كان الشيء إنسانًا كان حيوانًا) عكسه (قد يكون إذا كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا) وقس على ذلك باقيَها.
أما القضايا التي ترتيبها ليس بطبيعي، بل باختيار المتكلم في التقديم والتأخير، وهي الشرطيات المنفصلة، فلا عكس فيها أصلًا؛ لأن التقديم والتأخير فيها بحسب اختيار المتكلم، فليس في عكسها حكم لازم.
والمعروف عندهم أن صدق العكس إن كان على الوجه الذي ذكرنا تدل عليه ثلاثة أدلة وهي: الافتراض، والخُلْف، وطريق العكس.
وسنكتفي منها هنا بواحد وهو الافتراض؛ لأجل الاختصار.
وهو أن تفرض لفظًا مرادفًا لموضوع القضية التي هي الأصل المنعكس، ثم تحمل عليه نفس محمولها في قضية، وتحمل عليه نفس موضوعها في قضية أخرى، فإنه يُنتج من الشكل الثالث (١) عين العكس
стр. 105
المستوي المذكور في المثال السابق.
فلو قلت مثلًا: (كل إنسان حيوان) فهذا هو الأصل المنعكس، وهو كلية موجبة، تنعكس إلى جزئية موجبة، فإذا فرضت مرادف موضوعها، كالناطق المرادف للإنسان، وحملت عليه كلا من طرفي الأصل المنعكس، بادئًا بالمحمول، فقلت: (كل ناطق حيوان) و (كل ناطق إنسان) فإنه يُنتج من الشكل الثالث: (بعض الحيوان إنسان)، وهو عين عكس الأصل الذي هو (كل إنسان حيوان)، فهذا دليل واضح على صدق العكس.
واعلم أن ما يذكره بعض المنطقيين من أن ما يجري فيه الافتراض من القضايا يُشترط فيه كونُ القضايا فعلية -والمراد بها ما عدا الممكنات من الموجّهات، فيصدق بالضروريات والدوائم والمطْلقات- وكونُ المحمول وجوديا، تركنا إيضاحه؛ لأنه يتعلق ببحث القضايا الموجهة، وقد تركناها رأسًا، والشروط المذكورة لا تُشترط إلا مع الجهة، فلا وجه لذكرها مع تركنا الكلام على الجهة والموجهات (١).
وأما عكس النقيض الموافقُ (٢): فضابطه هو "أن تبدل كل واحد من طرفي القضية بنقيض الآخر"، فتبدل الموضوع بنقيض المحمول،
стр. 106
والمحمولَ بنقيض الموضوع، "مع بقاء الكيف".
فإن كانت كلية موجبة انعكست كلية موجبة كنفسها، وإن كانت كلية سالبة فلا بد من تبديل السور الكلي بسور جزئي، فتنعكس من الكلية السالبة إلى جزئية، عكسَ الواقع في العكس المستوي؛ فإن الكلية السالبة فيه تنعكس كنفسعها، والكليةَ الموجبة تنعكس فيه جزئية موجبة.
أما في المستوي فقد تقدمت الأمثلة قريبا.
وأما عكس النقيض الموافقُ فمثاله أنك لو قلت مثلًا: (كل إنسان حيوان)، وأردت أن تعكسه بعكس النقيض الموافق فإنك تقول: (كل لا حيوان لا إنسان)؛ فإن (لا حيوان) في هذا المثال هو الموضوع، وهو نقيض المحمول في الأصل المنعكس؛ لأنه فيه هو لفظة (حيوان)، ونقيض الحيوان (لا حيوان)؛ لما قدمنا في أقسام التباين من أن النقيضين هما السلب والإيجاب (١) ولفظة (لا إنسان) في هذا المثال هي المحمول، وهو نقيض الموضوع في الأصل المنعكس؛ لأن الموضوع فيه لفظة (إنسان)، ونيقيض الإنسان (لا إنسان)، وقد انعكست فيه الموجبة الكلية إلى موجبة كلية كنفسها.
أما الكلية السالبة فيه فلا تنعكس إلا جزئية سالبة، فلو قلت: (لا شيء من الإنسان بحجر) وأردت أن تعكسه بعكس النقيض الموافق
стр. 107
فإنك تقول: ([ليس] (١) بعض لا حجر لا إنسان) وهو واضح مما تقدم.
فلو عكست فيه الكلية السالبة إلى كلية سالبة لم يلزم الصدق، بل ربما كذبت، فلو عكست المثال المذكور الذي هو (لا شيء من الإنسان بحجر) إلى كلية فقلت: (لا شيء من لا حجر لا إنسان) فإنه يكون كذبا؛ لأن بعض لا حجر [غير] (٢) إنسان، فانتفاء الحجرية عن شيء لا يلزم منه كونه [إنسانًا] (٣)، فقد يكون إنسانًا وقد يكون غير إنسان كما لا يخفى.
وعكس الموجبة الجزئية فيه موجبةٌ جزئية، فلو قلت: (بعض الحيوان إنسان) فعكس نقيضه الموافقُ (بعض لا إنسان لا حيوان) وهو صادق. ولا يصدق إلا جزئيًّا؛ لأن ما انتفت عنه الإنسانية قد تنتفي عنه الحيوانية كالحجر، وقد تثبت له الحيوانية كالفرس.
واعلم أن الشرطيات في عكس النقيض كالحمليات أيضًا.
فقولك في الشرطية المتصلة اللزومية التي هي كلية موجبة: (كلما كان الشيء إنسانًا كان حيوانًا) ينعكس بعكس النقيض الموافق إلى قولك: (كلما لم يكن الشيء حيوانًا لم يكن إنسانًا).
وكقولك في الشرطية المتصلة اللزومية التي هي كلية سالبة: (ليس
стр. 108
البتةَ إذا كان الشيء إنسانًا كان حجرًا) فعكس نقيضه الموافقُ جزئية سالبة؛ لأن السالبة فيه لا تنعكس إلا جزئية، وهو في المثال المذكور: (قد لا يكون إذا لم يكن الشيء حجرا لم يكن إنسانًا).
وأما عكس النقيض المخالفُ: (١) فهو "أن تُبدل الطرف الأول من القضية ذات الترتيب الطبيعي بنقيض الطرف الأخير، وتبدلَ الطرف الأخير بعين الطرف الأول، مع تبديل الكيف -الذي هو السلبُ والإيجاب، فتبْدل السلبَ بالإيجابِ والإيجابَ بالسلب- مع لزوم الصدق".
فلو قلت: (كل إنسان حيوان) وأردت عكسه بعكس النقيض المخالف فإنك تقول: (لا شيء من لا حيوان بإنسان)، فقد أبدلت الأول بنقيض الأخير، وأَبدلت الأخير بعين الأول، وأبدلت الإيجاب بالسلب.
стр. 109
فصل في مقاصد التصديقات
وهي القياس المنطقي، وهو المقصود الأصلي من فن المنطق؛ لأنه هو العمدة عندهم في تحصيل المطالب التصديقية، التي هي أشرف من التصورية.
والقياس في اللغة مصدر قاس الشيء على الشيء، إذا قدّره بقدره.
وهو في اصطلاح المنطقيين: "قول مؤلف من [قضيتين] (١) فأكثر على وجه يستلزم لذاته قضية أخرى".
فخرج بقولهم "مؤلف من قضيتين" ما ليس بمؤلف، كالقضية الواحدة ولو كانت من الموجّهات المركبة التي هي في قوة قضيتين؛ لأنها تُسمى قضية واحدة، وإن كانت بالتركيب تكون في قوة اثنتين.
ودخل بقولهم "فأكثر" القياس المركب كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله (٢).
وخرج بقولهم: "يستلزم لذاته قضية أخرى" ما لم يستلزم قضية أصلًا، كما لو قلت: (الإنسان حيوان والحجر جماد)؛ فإنهما لا يستلزمان قضية.
وخرج بقولهم: "لذاته" ما استلزم قضية أخرى لا لذاته، بل من
стр. 110
أجل قضية أجنبية، أو لخصوص المادة.
فمثال ما استلزم قضية لا لذاته بل لمقدمة أجنبية: قياس المساواة، كقولك: (زيد مساو لعمرو، وعمرو مساو لبكر). فإنه ينتج: (زيد مساو لبكر)؛ وذلك بواسطة مقدمة أجنبية وهي: (مساوي المساوي لشيء مساو لذلك الشيء)، فلو لم تكن هناك قضية أجنبية صادقة لم يستلزم شيئًا.
كما لو قلت: (الإنسان مباين للفرس، والفرس مباين للناطق) فلا يستلزم كون الإنسان مباينًا للناطق؛ لأنك لو قلت: (مباين المباين لشيء مباين لذلك الشيء) لم تصدق؛ لأنه قد يكون غير مباين له، كالمثال المذكور.
وكذلك قياس النِصْفيّة؛ فإنه لا يستلزم شيئًا، كقولك: (الاثنان نصف الأربعة، والأربعة نصف الثمانية)، فلا يستلزم أن الاثنينِ نصفُ الثمانية؛ لعدم صدق: (نصف النصف نصف).
ومثال الاستلزام لخصوص المادة قولك: (لا شيء من الإنسان بحجر، ولا شيء من الحجر بصاهل)، فإنه ينتج: (لا شيء من الإنسان بصاهل)، وهو صادق لخصوص المادة، لا لذات المقدمتين، بدليل أنك لو جعلت: (الناطق) في الكبرى مكان (الصاهل) لما كانت صادقة، كما لو قلت: (لا شيء من الإنسان بحجر، ولا شيء من الحجر بناطق) فإنه ينتج: (لا شيء من الإنسان بناطق) وهو كاذب، وهيئة تركيب المقدمتين هي هي، وصدقها في (الصاهل) وكذبها في (الناطق) يدل على أن ذلك الصدق إنما لزم المقدمتين لخصوص