← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 267

الإقناع في حجية الإجماع

عبد العزيز الريس

Полный текст (81 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: فهذا تفريغ (١) لدرس "حجية الإجماع وكشف بعض الشبهات"، الذي ألقيتُه ليلة الرابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة لعام ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة النَّبِيّ - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -. وتظهر أهمية هذا الدرس في حرص أهل البدع قديمًا وحديثًا في رد دليلٌ الإجماع أو إضعافه، وفي المقابل إهمال كثير من طلاب العلم لهذا الدليل المهم عمليًا. لذا قمت بمراجعة المادة المفرَّغة وتنقيحها لتخرج في هذه الرسالة المكونة من مقدمة، وتمهيدٍ، وفصلين، وخاتمة وسميتها "الإقناع في حجية الإجماع"، وهي على النحو التالي: - المقدمة: وهي التي بين يديك. - التمهيد: أهمية الإجماع، وبعض أشياء. - الفصل الأول: مسائل متعلقة بالإجماع، وبه ثلاث عشرة مسألة: - المسألة الأولى: تعريف الإجماع.

стр. 2

- المسألة الثانية: أدلة الإجماع. - المسألة الثالث: موقف أهل البدع من الإجماع. - المسألة الرابعة: قسما الإجماع. - المسألة الخامسة: الإجماع السكوتي. - المسألة السادسة: حتمية استناد الإجماع على نص. - المسألة السابعة: حجية الإجماع قبل الخلاف وبعده. - المسألة الثامنة: ضابط القول الشاذ. - المسألة التاسعة: حجية إجماع أهل كل فن في فنِّهم. - المسألة العاشرة: شرطية انقراض العصر في الإجماع. - المسألة الحادية العشرة: لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد. - المسألة الثانية عشرة: طريقة معرفة الإجماع. - المسألة الثالثة عشرة: الإجماع دليلٌ كاشف. - الفصل الثاني: إشكالات على دليلٌ الإجماع، وبه أربع وعشرون شبهةً وتوجيهها: - الشبهة الأولى: رد الإجماع بزعم أن رسول الله ﷺ سلفه. - الشبهة الثانية: رد الإجماع بزعم أن الصحابي راوي الحديث سلفه. - الشبهة الثالثة: رد الإجماع بزاعم أنَّه ليس من المجمعين. - الشبهة الرابعة: رد الإجماع بحجة ثبوت خرم إجماعات مدعاة. - الشبهة الخامسة: رد الإجماع لمخالفة بعض العلماء إجماعات الصحابة. - الشبهة السادسة: رد الإجماع بحجة وجود كثير من الفقهاء المتأخرين لا يعتد بالإجماع السكوتي.

стр. 3

- الشبهة السابعة: رد الإجماع لما نسب للشافعي: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعًا». - الشبهة الثامنة: رد الإجماع بحجة أن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلىعمل. - الشبهة التاسعة: رد الإجماع بحجة أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة. - الشبهة العاشرة: الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين بالضرورة دون غيره. - الشبهة الحادية عشرة: عدم العلم بالمخالف لا يدل على الإجماع. - الشبهة الثانية عشرة: لا يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة الدليل، لئلا نوافق أهل البدع. - الشبهة الثالثة عشرة: رد الإجماع بحجة الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن. - الشبهة الرابعة عشرة: إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم يعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف. - الشبهة الخامسة عشرة: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف عليه المتأخرون دون المتقدمين. - الشبهة السادسة عشرة: إذا وجد نص لم يُعمل به فلابد وأن هناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به. - الشبهة السابعة عشرة: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي عليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة، فكيف تترك الحجة وهو الكتاب والسنة إلى من قوله ليس حجة؟

стр. 4

- الشبهة الثامنة عشرة: أن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالاً لم يسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد. - الشبهة التاسعة عشرة: رد الإجماع بحجة قول إسحاق ابن راهويه في مسألة: ... ما ظننت أن أحدًا يوافقني. - الشبهة العشرون: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع، وعليه إذا تعارض النص والإجماع قُدِّم النص. - الشبهة الحادية والعشرون: لا إجماع في علوم الآلة لأنه لا نصوص فيها ولا إجماع إلا وهو مستند على نص. - الشبهة الثانية والعشرون: حقيقة مخالفة التابعي للصحابي إحداث قول جديد. - الشبهة الثالثة والعشرون: تقديم الكتاب والسنة على الإجماع الظني دون القطعي. - الشبهة الرابعة والعشرون: رد الإجماع بحجة أن النووي قال: إن النص يعمل به ولو لم يعمل به أحد. - الخاتمة. والله أسأل أن يتقبل هذه الرسالة، وأن يجعلها نافعةً لخلقه، مقبولةً عنده سبحانه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د. عبد العزيز بن ريس الريس المشرف على موقع الإسلام العتيق ١٨/ ٤/ ١٤٣٩ هـ

стр. 5

تمهيد قبل الولوج في لُبِّ هذا البحث ينبغي أن نعلم أن دليل الإجماع من أهم الأدلة عند علماء أهل السُّنة، «وعليه مَدَارُ مُعظمِ الأحكَامِ في الفَرْقِ والجَمْعِ، وإليه استنادُ المقاييسِ والعِبَرِ، وبه اعتضَادُ الاستِنبَاطِ في طُرُقِ الفِكَرِ» (١). وتتجلى تلك الأهمية للإجماع عند النظر إلى كثير من أدلة الكتاب والسنة التي إذا أوردت في كثير من المسائل يعترض عليها كثير من المخالفين؛ بأنها ليست قطيعة في دلالتها بل تحتمل كذا وكذا ... ويأخذون في تنويع المشارب وتعديد المذاهب؛ لذا كان من أنفع ما يحفظ عقيدة ومنهج أهل السنة: هو فهم السلف في الإفهام والتفهيم، والأخذ والرد، والنفي والإثبات، والتأصيل والتقعيد ... وما إلى ذلك. وفهم السلف: صورة من صور الإجماع؛ لذا ضبط الإجماع مهم للغاية وكذا الاعتناء به؛ حتى يُحفظ معتقد أهل السنة ويُصان عن تلك الهالة المسماة «قطعي وظني الدلالة»، تلك الهالة التي قَلَبَتِ الإسلامَ رأسًا على عقب وظهرًا لبطنٍ، حيث يردُّ أولئك المتكلمون كثيرًا من الأدلة الظاهرة الواضحة بزعمهم أنها ليست قطعيةً في دلالتها أو أنَّها ظنيَّةٌ في ثبوتيَّتِها. وليس معنى هذا أننا ننكر ما اصطُلح عليه بـ «قطعي الدلالة وظني الدلالة»، وإنما هو إيراد في مقام الرد على المتكلمين الذين ردوا الأدلة بحجة أنها ظنية في دلالتها أو ظنية في ثبوتها، - فمثلًا - يرد المتكلمون خبر الآحاد بحجة أنه ليس قطعيًا في ثبوته، فإذا أتيتَ لهم بالقطعي في ثبوته كالخبر المتواتر من السنة النبوية أو من القرآن: أثارَ أولئك القوم زوبعتَهم ليشككوا في دلالته، ومن ثَمَّ يرفضون الاحتجاج به ... وهكذا هو دأبهم.

стр. 6

فتقسيم الأدلة إلى قطعي وظني من حيث هو تقسيم لا إشكال فيه؛ إذ هو واقع ماله من دافع، ولا يصح أن يرد وإنما الواجب أن لا يستعمل هذا التقسيمُ استعمالا إبليسيًّا في رد الأدلة ورفضها. إذا تبين هذا فلتعلمْ أن من أهم ما يضبط هذا الأمر هو الإجماع؛ لأن مزية دليل الإجماع أنه قاطع في دلالته، كما نص على هذا الغزالي في «المستصفى» (١)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (٢) ونقله الزركشي في «البحر المحيط» (٣) والشوكاني في «إرشاد الفحول» (٤) عن الصيرفي وابن برهان والأصفهاني بل صرح الأصفهاني أنه المشهور. ومعنى أنه قاطع في دلالته أمران: الأمر الأول: أن دلالته لا تحتمل أكثر من وجه. الأمر الثاني: أنه لا يصح أن ينسخ؛ لأن الإجماع لم يكن إلا بعد وفاة النبي ﷺ ، فإذن لا يمكن أن ينسخ، بل العكس صحيح على الصحيح، فإنَّ الإجماع يدل على نسخ الأدلة؛ لأنه مستند على نص وليس هو الناسخ في نفسه (٥).

стр. 7

الفصل الأول مسائل متعلقة بالإجماع المسألة الأولى: تعريف الإجماع لا ينبغي المبالغة في التعاريف كما هو مسلك المتكلمين الذين بالغوا في التعاريف والحدود، بحيث إنه لا يأتي أحدهم بحد إلا ويعترض عليه الآخر، بحجة أنه ليس جامعا أو ليس مانعا أو أن ألفاظه مترادفة إلى غير ذلك (١). وإنما المقصود من التعريف تقريب المعرف، والمقصود من الحد تقريب المحدود، أما الحد الحقيقي فهذا لا وجود له، كما بينه شيخ الإسلام ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢)، فالمقصود إذن من التعريف هو معرفة المحدود. وما كان السلف الأولون من فقهاء أهل الحديث، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، يعتنون بهذه التعاريف، لذا لا تجدها في كتبهم، ولا تجدهم يعتنون بها فضلاً عن أن يبالغوا فيها، كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على المناطقة في «مجموع الفتاوى» (٣). فمعنى الإجماع من حيث الجملة: «أنه اتفاق مجتهدي الأمة على مسألة شرعية بعد وفاة النبي ﷺ ». وذلك أن البحث جار في المسائل الشرعية وجار في المجتهدين، والإجماع إنما يكون حجة بعد وفاة النبي ﷺ .

стр. 8

وما وقع في حياته ﷺ فإنه حجة لسببين: الأول: إما أنه اطلع عليه، فهو إقرار منه ﷺ . الثاني: أو أن الله لم ينكره، فهذا إقرار من الله، فهو حجة على الصحيح. بل عزا ابن حجر حجيته إلى جماهير أهل العلم في كتابه «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١). ومن الأدلة على ذلك: ما أخرج مسلم من حديث جابر قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ (٢)، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ» (٣). استدل على جواز العزل بأن الله لم ينكره، قال سفيان ابن عيينة: لو كان منهيا عنه لنهى عنه القرآن (٤). إذن الإجماع: «اتفاق مجتهدي الأمة على مسألة شرعية بعد وفاة رسول الله ﷺ ». وقال بعض المتكلمين كأبي بكر الباقلاني (٥) والآمدي (٦) في «أصول الأحكام» أن قول العوام يعتد به في الإجماع وفاقاً وخلافاً، بمعنى إذا خالف العامة لم يصح الإجماع. وهذا فيه نظر كبير بل هو خطأ؛ وذلك أن العوام في مسائل الشريعة تبع لأهل العلم، فإذا أجمع أهل العلم فالعوام تبع لهم ولا يصح للعامي أن يخالف. ذكره

стр. 9

أبو الخطاب الحنبلي في «التمهيد» (١). * * * المسألة الثانية: أدلة الإجماع تنوَّعت الأدلة وتضافرت على حجية الإجماع، وإليك بعضها: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. استدل بهذه الآية جمع من الأصوليين كالآمدي في كتابه «أصول الإحكام» (٢)، وابن قدامة في «الروضة» (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٤)، بل أكثر من كَتبَ في الأصول إذا أورد مسألة الإجماع أتى بهذه الآية (٥)، وقد نسب هذا الاستدلال للشافعي بعضهم (٦)، ونازع آخرون في هذا الاستدلال (٧).

стр. 10

وجه الدلالة من هذه الآية: أن الله رتب العقوبة على ترك سبيل المؤمنين، فدل هذا على أن اتباع سبيل المؤمنين واجب، فإذن إذا كان المؤمنون من أهل العلم من المجتهدين على قول في هذه المسألة فإن قولهم حجة وهذا هو المقصود. الدليل الثاني: قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. استدل بهذه الآية أبو الحسين (١)، والآمدي (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٣) وغيرهم. ووجه الدلالة: أنه يعمل مباشرة بما لم يحصل فيه نزاع بخلاف ما حصل فيه نزاع فإنه يرد للكتاب والسنة. الدليل الثالث: قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] استدل بهذه الآية أبو الحسين (٤)، والآمدي (٥)، والطوفي (٦)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٧) وغيرهم. ووجه الدلالة: أن الأمة إذا أجمعت على قول فإن هذا القول خير؛ لأنها أمرت به، ولو لم يكن خيرًا لوجد في الأمة من ينكر ذلك، ولا يمكن أن يُنقل لنا القول المرجوح والخطأ دون القول الراجح.

стр. 11

الدليل الرابع: قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. والمراد بالوسط أي العدل والخيار، فإذا أجمع العلماء على قول فهذا هو القول الحق وهو الخيار الذي يحبه الله، وقد استدل بهذه الآية أبو الحسين (١)، والآمدي (٢)، والطوفي (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤) وغيرهم. الدليل الخامس: أخرج الشيخان من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» (٥). وأخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة (٦)، ومسلم من حديث جابر (٧)، وثوبان (٨)، وسعد بن أبي وقاص (٩)، وغيرهم من صحابة (١٠) رسول الله ﷺ . وجه الدلالة من هذا الحديث: أن الأمة إذا أجمعت على قولٍ فحتمًا ولا بد أن يكون من بينها تلك الطائفة المنصورة التي لا تكون إلا على الحق؛ فبهذا يتبين أن هذا القول حقٌ، وهذا هو المراد إذ يدل على حجية الإجماع.

стр. 12

ولنفرض أن الأمة في وقت أجمعت على قول معين فقطعًا هذا القول هو الراجح وهو الذي يحبه الله؛ لأن من بين المجمعين تلك الطائفة المنصورة. الدليل السادس: ثبت عند أحمد وغيره عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: « ... ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ» (١). هذا دليل على حجية الإجماع كما أفاده ابن حزم (٢)، وابن القيم في «الفروسية» (٣)، والشاطبي في «الاعتصام» (٤)، وغيرهم من أهل العلم. ورواه الخطيب البغدادي (٥) مرفوعًا عن أنس ﵁، لكنه لا يصح من حديث أنس، كما بينه ابن حزم (٦)، وابن القيم في كتابه «الفروسية» (٧)، وابن عبد الهادي فيما نقله عنه العجلوني (٨)، والعلامة الألباني (٩). الدليل السابع: ثبت عند ابن أبي عاصم عن أبي مسعود البدري أنه قال: «عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة» (١٠)

стр. 13

هذا نص في حجية الإجماع وقد جاء مرفوعًا (١)، والأصح -والله أعلم-أنه لا يصح مرفوعًا، وإنما يصح من كلام أبي مسعود البدري ﵁، ... إلى غير ذلك من الأدلة. * تنبيه: استدل بعض الأصوليين بأدلة لا دلالة فيها على حجية الإجماع، ومن ذلك: ١ - أنهم استدلوا بالأدلة التي تدل على أن لزوم الجماعة واجب وأن من خرج عن الجماعة ومات مات ميتة جاهلية. كالذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (٢). وأخرج أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» (٣). والأظهر والله أعلم أن الاستدلال بمثل هذا لا يصح، لأن المراد بالجماعة في هذا الحديث جماعة الأبدان وهو السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله، وليس المراد به اجتماع الأمة وإنما المراد به جماعة الأبدان. فقد ذكر الخطابي ﵀ في كتابه «العزلة»: أن الفرقة نوعان فرقة أبدان وفرقة أديان، وفي المقابل الاجتماع يكون نوعين، اجتماع على الأبدان واجتماع على الأديان (٤).

стр. 14

فالمراد بالجماعة في هذا الحديث جماعة الأبدان، أي الاجتماع على الحاكم في السمع الطاعة في غير معصية الله، ففرق بين هذا و بين إجماع الأمة على مسألة شريعة. المسألة الثالثة موقف أهل البدع من الإجماع أهل البدع - من حيث الجملة - مع الإجماع طائفتان: الطائفة الأولى: أنكرت الإجماع وقالت إن الإجماع ليس حجة، و أول من أنكر الإجماع واشتهر بذلك هو النظَّام المعتزلي كما عزاه إليه ابن قدامة في «روضة الناظر» (١) ونسبه إليه جماعة (٢)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) أن المعتزلة والشيعة خالفوا في حجية الإجماع. فإذن كل من أنكر حجية الإجماع فسلفه هو النظَّام المعتزلي، فإنه أول من خالف في حجية الإجماع (٤). والطائفة الثانية: صعَّبت وجود الإجماع ولم تصرح بإنكاره، فلسان مقالها يقول: نقر بالإجماع. ولسان حالها يقول: لا يوجد إجماع. ومثال ذلك: ١ - طائفة قالوا: لا يكون الإجماع إجماعًا حتى يجتمع العامة مع أهل العلم.

стр. 15

وقد تقدم نسبة هذا القول إلى الباقلاني والآمدي، وحقيقة هذا القول أنه لا يوجد إجماع لصعوبة تحقق ذلك. فقد قال ابن قدامة: «وهذا القول يرجع إلى إبطال الإجماع؛ إذ لا يتصور قول الأمة كلهم في حادثة واحدة. وإن تصوّر: فمن الذي ينقل قول جميعهم، مع كثرتهم وتفرقهم في البوادي والأمصار والقرى؟!» (١). ٢ - وطائفة قالوا: إن الإجماع السكوتي ليس حجة، وسيأتي - إن شاء الله - بحث الإجماع السكوتي. ومعناه: أن يتكلم طائفة من أهل العلم ويشتهر هذا القول ولا ينكره آخرون. فقالت هذه الطائفة: إن هذا الإجماع ليس حجة. وهذا القول إذا دققتَ فيه وجدتَه رجع إلى قول المتكلمين، كما سيأتي بيانه - إن شاء الله -؛ إذ لازم القول بأن الإجماع السكوتي ليس حجة أن لا يوجد إجماع يحتج به. قال أبو بكر الجصاص في كتابه «الفصول في الأصول» ما ملخصه: ولازم إنكار الاحتجاج بالإجماع السكوتي أن لا يوجد إجماع (٢). وصدق ﵀.

стр. 16

وذكر نحو هذا ابن قدامة في «روضة الناظر» (١)، بل وقال في «المغني» لما ذكر مسألة ونقل فيها قول بعض الصحابة دون مخالف: لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة، ولا إلى نقل قول العشرة، ولا يوجد الإجماع إلا القول المنتشر (٢). ف ينبغي لأهل السنة أن لا يغتروا بأقوال أهل البدع، وأن يكونوا متبصرين . وممن خالف في حجية الإجماع أو ضيق كثيرًا الظاهرية، وسيأتي الكلام - إن شاء الله تعالى - على الظاهرية ومذهبهم في ذلك. إيرادٌ وردُّه فإن قيل: ماذا يقال في قول الإمام أحمد: «من ادعى الإجماع فهو كاذب»؟ فيقال: الجواب من وجهين: الوجه الأول: أن الإمام أحمد قطعًا لم يردْ إنكار الإجماع، بدليل أن الإمام أحمد نفسه استدل بالإجماع في مسائل كثيرة، منها: ١ - قول الإمام أحمد: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة» (٣). ٢ - وقوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة» (٤).

стр. 17

٣ - وقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز» (١). ٤ - وقوله: «إجماع العلماء والأئمة المتقدمين على أن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، هذا الدين الذي أدركت عليه الشيوخ، وأدرك الشيوخ من كان قبلهم على هذا» (٢). ٥ - وقوله: «أجمعوا على أن من تذكر صلاة حضر في سفر فإنه يصلي صلاة حضر» (٣). ٦ - وقوله في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة» (٤). ٧ - وقوله: «أجمعوا على أن الدم نجس» (٥). ٨ - وقوله: «لم يختلف الناس أن الرجل إذا أسلم أنه على نكاحه» (٦). وغير ذلك من المسائل التي نقل فيها الإمام أحمد الإجماع وعدم الخلاف، فالمقصود أن الإجماعات عن الإمام أحمد ليست قليلة، فكيف ينكر الإجماع وهو نفسه استدل بالإجماع؟! الوجه الثاني: أن أصحاب الإمام أحمد لم يفهموا إنكار الإمام أحمد للإجماع؛ لذا انقسموا طوائف في توجيه كلامه كالتالي:

стр. 18

١ - فمنهم من حمله على الورع، كأبي يعلى في «العدة» (١). ٢ - ومنهم من حمله على الإجماع الذي يحكيه أهل البدع وليسوا أهلا لحكاية الإجماع، هذا القول الآخر الذي ذكره أبو يعلى في «العدة» (٢). وقريب منه ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «بيان الدليل في بطلان التحليل» (٣)، وقريب منه ما ذكره ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٤). ٣ - وأيضًا لابن تيمية توجيه ثالث كما في «المسودة» قال: إن كلام الإمام احمد محمول على الإجماع بعد القرون المفضلة (٥). * وأظهر هذه التوجيهات أن كلام الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - هو في حق من ليس أهلاً لحكاية الإجماع كأهل البدع وكأهل الرأي الذين يردون النصوص بالإجماعات، وهم ليسوا أهلاً لحكاية الإجماع؛ لذا قال الإمام أحمد: في تتمة الكلام هذه دعوى بشر والأصم ... إلخ، أي دعوى أهل البدع. وقد بين ابن تيمية رحمه الله تعالى في «التسعينية»، أن أهل البدع كثيراً ما يحكون إجماعات في مسائل عقدية وهم مخطئون في ذلك، فقال ﵀: « ... ، وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات الباطلة المدعاة في الكلام وغيره -وما أكثرها-، فمن تدبر وجد عامة المقالات الفاسدة يبنونها على مقدمات لا تثبت إلّا بإجماع مدعى أو قياس، وكلاهما عند التحقيق يكون باطلًا» (٦).

стр. 19

المسألة الرابعة قسما الإجماع ينقسم الإجماع قسمين: القسم الأول: الإجماع القطعي. والقسم الثاني: الإجماع الظني. وينقسيم الإجماع إلى قطعي وظني في ثبوته لا في دلالته؛ لأن الإجماع في دلالته لا يخرج عن كونه قاطعًا وقطعيًا - كما تقدم - وإنما البحث في ثبوته. فالإجماع في ثبوته ينقسم قطعيًا وظنيًا، ذكر هذا ابن قدامة في «روضة الناظر» (١)، وابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢)، والزركشي في «البحر المحيط» (٣)، وغيرهم من أهل العلم. وضابط الإجماع القطعي: - والله أعلم -: هو ما كان مبنياً على نص ظاهرٍ وتوارد العلماء عليه، كإيجاب الصلاة والزكاة ونحوِ ذلك، فإذا وجد نص ظاهر توارد العلماء عليه فمثل هذا يقال إنه إجماع قطعي، وهذا مستفاد من كلام شيخ الإسلام (٤) رحمه الله تعالى والزركشي (٥) وقد صرح به شيخنا العلامة ابن عثيمين (٦) رحمه الله تعالى. أما الإجماع الظني: فهو خلاف ذلك مما رجع إلى استقراء أهل العلم (٧).

стр. 20

سؤال وجواب هل يُحكم بكفر منكر الإجماع؟ وللجواب عن هذا السؤال لابد من التفرقة بين من أنكر الإجماع القطعي، وبين من أنكر الإجماع الظني. فالأول: يُحكم بكفره؛ لأنه ينكر النصوص الظاهرة كإيجاب الزكاة والصلاة. والثاني: لا يكفر مثله. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (١)، الزركشي في «البحر المحيط» (٢). تنبيه: ومما ينبغي أن يعلم: أن الإجماع الظني على مراتب فليس على مرتبة واحدة، فيما نقله الزركشي (٣). وصدق رحمه فليس الإجماع الذي يتوارد العلماء على حكايته كالإجماع الذي لا يحكيه إلا عالم واحد فهو يتفاوت في قوته. المسألة الخامسة الإجماع السكوتي وهذه المسألة من المسائل المهمة التي ينبغي ضبطها ضبطًا علميًا؛ لكثرة الشبهات والإشكالات التي تَرِدُ عليها، وسيأتي بحث ذلك -إن شاء الله-. فالمراد بالإجماع السكوتي: أن ينطق طائفة من أهل العلم ويسكت الباقون. وبعضهم يقول: تتكلم طائفة من أهل العلم ويشتهر قولهم ولا يخالفهم

стр. 21

آخرون (١). والعلماء مع الإجماع السكوتي على قولين: ١ - منهم من يجعل الإجماع السكوتي خاصاً بالصحابة. ٢ - ومنهم من يعممه للصحابة ومن بعدهم. قد ذكر القولين العلائي في «إجمال الإصابة في حجية قول الصحابة» (٢). والقول بحجية الإجماع السكوتي هو الصحيح لا محالة (٣). بل إن القول بعدم حجيته هو كالقول بأن الإجماع ليس حجة؛ لأنه لا يوجد إجماع إلا الإجماع السكوتي، فلا يوجد إجماع منطوق كما تقدم في كلام الجصاص (٤)

стр. 22

وابن قدامة (١). إيراد ورده فإن قال قائل: اشتهر عند بعض أهل العلم أن الشافعي خالف في حجية الإجماع السكوتي حيث قال: «لا ينسب إلى ساكت قول» (٢). فدل هذا على أن الشافعي لا يرى الإجماع السكوتي حجة. يقال: قد خالف في نسبة هذا إلى الشافعي جمع من أهل العلم، وممن خالف في ذلك محقق المذهب الشافعي وإمامه أبو حامد الإسفراييني، وأبو حامد الشيرازي، والنووي رحمه الله تعالى، فقد نصوا على أن الشافعي يرى الإجماع السكوتي حجة في القديم وفي الجديد، وذكروا أمثلة للشافعي رحمه الله تعالى تدل على أن الإجماع السكوتي حجة (٣). بل ذكر ابن برهان: أن القول بحجية الإجماع السكوتي هو الذي عليه الأئمة (٤). وصدق -رحمه الله تعالى- فإن أول من خالف في حجيته هم المتكلمون. أما أئمة الإسلام فهم متواردون على أن الإجماع السكوتي حجة وذلك أنهم لما قالوا الإجماع حجة واحتجوا به عمليًا في مسائل كثيرة فهم يرون بهذا أن الإجماع السكوتي حجة. والأظهر -والله أعلم- أن الإجماع السكوتي لا يخص بالصحابة كما هو صنيع العلماء والمتوارد من صنيعهم، بل في الصحابة ومن بعدهم، كما سيأتي بيان هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 23

بل إن الصحابة قد يختلفون على قولين، فينعقد الإجماع بعد ذلك فيعمل العلماء بهذا الإجماع. وهذا مما يدل على أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة. ومن أمثلة ذلك: أن الصحابة اختلفوا في الذي جامع -أي أولج- بلا إنزال؟ هل يجب عليه الغسل أم لا؟ فيه قولان للصحابة (١)، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك ونص عليه ابن المنذر (٢) وابن عبد البر (٣) وغيرهم من أهل العلم وسيأتي -إن شاء الله- ذكر أمثلة أخرى. فالمقصود أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة بل هو مطرد في أهل العلم، فإذا ذكر عالم مسألة واشتهر عنه فإنه حجة. ويظهر لي - والله أعلم - أن تقييد الأمر بالاشتهار وعدم الاشتهار ليس عمليًا، فمجرد أن يذكر عالمٌ قولًا ولا يعرف عن غيره إنكار فهو حجة، وذلك لأمرين: الأول: أنه لو كان منكراً فلا بد أن يوجد في الأمة من ينكره، ولا يمكن أن الله ينقل لنا القول المرجوح دون الراجح، فقد ذكر ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (٤) أن القول المرجوح خطأ من وجه، فلا ينقل مرجوح دون الراجح.

стр. 24

الثاني: أننا مأمورن باتباع سبيل المؤمنين، والذي يعرف من سبيل المؤمنين في هذه المسألة هو قول هذا الرجل سواء كان صحابياً أو تابعياً أو من بعده ولا يعرف عن غيره مخالفته، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فإذن يجب اتباع هذا القول لأنه سبيل المؤمنين في هذه المسألة فيما نعلم. إذن الإجماع السكوتي حجة على أي صورة كانت وهذا هو الشائع عمليًا عند العلماء فقد تواردوا على قول ابن عباس الذي أخرجه مالك في الموطأ: «من ترك نسكًا أو نسيه فليهرق دمًا» (١)، وعملوا به؛ لأن ابن عباس قال به ولم يعارضه أحد من أهل العلم وفقهاء الإسلام المشهورين بل احتجوا به، والأمثلة على ذلك كثيرة. * * * المسألة السادسة حتمية استناد الإجماع على نص لا بد أن يكون الإجماع مستندًا على نص فلا يمكن للإجماع أن يكون حجة إلا أن يستند على نص وما من إجماع إلا وهو مستند على نص، فمتى ما قيل بصحة هذا الإجماع فقطعاً هو مستند على نص، والدليل على هذا أدلة: الدليل الأول: قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فإذن عند التنازع نرده إلى الله وإلى الرسول، وعند الاتفاق نعمل به؛ لأنه مما دل عليه كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ذكر هذا ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» (٢). الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، فجعل سبيل المؤمنين موافقاً لما جاء به الرسول، فإذن كل إجماع فهو مستند على نص.

стр. 25

الدليل الثالث: أنه لم يخالف في ذلك إلا من شذ كما بين ذلك الآمدي (١)، فيكفي أن يعلم أن المخالف في ذلك ممن شذوا. الدليل الرابع: أن العلماء لما قالوا في مسألة بقول فإما قالوه بالرأي المجرد أو برأي مستند إلى دليل وقطعاً أنه الثاني، فلما كان الثاني فدل هذا على أن ما أجمعوا عليه فهو مستند على نص قطعا، لكن لا يشترط أن يُعرف هذا المستند ولا يتوقف الاستدلال عليه، بل يتم الاستدلال مباشرة بمجرد معرفة الإجماع في مسألةٍ ما. سؤال وجواب هل يجب أن يوجد في الأمة من يعرف مستند الإجماع؟ لشيخ الإسلام كلامٌ يدل على هذا، وإن كان كلامه فيما وقفتُ عليه ليس صريحا، فأصرح ما وقفت عليه في كتابه «الجواب الصحيح» (٢)، علمًا أن له كلامًا صريحًا في مسألة النسخ بالإجماع وأنه لا بد أن يعرف مستند الإجماع الذي ينسخ النص (٣). وقال ابن تيمية: وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول مع قولهم بصحة القياس. ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع (٤)

стр. 26

و المهم أنه إذا قيل لا بد أن يكون في الأمة من يعرف مستند الإجماع. فإنه يقال: هذا لا ينفعنا عملياً؛ لأننا عملياً متى ما رأينا الإجماع احتججنا به سواء علمنا المستند أو لم نعلم وسواء علمنا في الأمة من يعرف مستنده أم لا؛ وذلك أن الشريعة بينت أن الإجماع حجة ولم تشترط معرفة المستند إذن كل دليل يدل على أن الإجماع حجة فهو دليل على عدم اشتراط معرفة المستند. المسألة السابعة حجية الإجماع قبل الخلاف وبعده والمراد من هذه المسألة: بيان أنَّ الإجماع حجة سواءٌ انعقد الإجماع بعد خلاف، أو حدثَ خلاف بعد إجماع. فأما الإجماع الذي حدث بعده خلاف فلا شك أنه حجة والمخالفون يجب عليهم أن يرجعوا إلي الإجماع، ويدل لذلك كل دليل يدل على أن الإجماع حجة، فمن خالف الإجماع القديم فقطعاً أن خلافه خطأ؛ لأنه خالف الحق وهو ما أجمع عليه أهل العلم. وهذا له نظائر وأمثلة حتى قال ابن القيم ﵀ كما في «مختصر الصواعق»: لهذا مئتا مثال (١). أي: أنه قد حصل إجماع قديم ثم حصل خلاف، وهذا من الفقه الدقيق، الذي ينبغي لطالب العلم أن يدقق فيه، فإنه يوجد مسائل غير قليلة يحكى فيها خلاف وإذا دقق في الأمر تبين أن الخلاف بعد إجماع سابق، فلذا يرد الخلاف بالإجماع السابق.

стр. 27

وكذلك ينعقد الإجماع بعد خلاف، بمعنى أن يكون في المسألة قولان ثم يجمع العلماء على أحد هذين القولين، وهذا الإجماع حجة، ويدل على أنه حجة كل دليل يدل على أن الإجماع حجة، فلما أجمع العلماء على أحد القولين فقد كشف لنا إجماعهم الراجح من هذين القولين وبيَّن لنا أن القول الأول هو الصحيح دون القول الثاني (١). ومما أنبه إليه أن أبا يعلى في «العدة» (٢)، نسب للإمام أحمد رواية أنه لا يرى أن الإجماع بعد الخلاف حجة. لكن في هذه النسبة، وفما اعتمد عليه نظر؛ لذلك لم يوافقه أبو الخطاب الحنبلي (٣) -وهو تلميذ أبي يعلى - في أن يجعل هذا القول رواية عن الإمام أحمد، ومثله ابن قدامة في «روضة الناظر» (٤). وصنيع أهل السنة العملي: يدل على أنه حجة، فأهل السنة استدلوا بحرمة الخروج على السلطان بإجماع أهل العلم، مع أنه قد حصل خلاف بين التابعين لكن انعقد الإجماع بعد ذلك. وثمة أمثلة لهذه المسألة، منها: المثال الأول: مسألة الخروج على السلطان كان في المسألة خلاف بين التابعين ثم انعقد الإجماع بعد ذلك قال ابن تيمية في «منهاج السنة»: استقر قول أهل السنة على عدم الخروج على السلطان (٥).

стр. 28

وحكى الإمام أحمد في «أصول السنة» (١)، وعلي بن المديني (٢)، والرازيان في «رسالتهما في الاعتقاد» (٣)، وابن أبي زيد القيرواني (٤) والمزني (٥) وجمع كبير من أئمة السنة إجماعَ أهل السنة على ذلك بل نصوا على أن من خالف فهو مبتدع، فهذا يدل على أنهم يرون أن المسألة إجماعية ولو أنه حصل خلاف قبل ذلك في عهد التابعين. المثال الثاني: أن الصحابة اختلفوا في ربا الفضل. ذهب ابن عباس (٦) إلى أنه ليس من الربا وتبعه بعض أصحابه، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك (٧). المثال الثالث: لحوم الحمر الأهلية فقد حصل خلاف بين الصحابة في حرمتها (٨)، ثم انعقد الإجماع على حرمتها (٩). المثال الرابع: وجوب الغسل لمن جامع بلا إنزال، وقد تقدم أن في المسألة خلافًا ثم انعقد الإجماع.

стр. 29

والأمثلة على هذه ليست قليلة، والدليل على أنه حجة هو كل دليل يدل على أن الإجماع حجة؛ وذلك أن الإجماع يكشف القول الراجح من القول المرجوح. أما من خالف في ذلك من المتكلمين وبعض الأصوليين الذين تأثروا بالمتكلمين لما قالوا: إن الأقوال لا تموت بقول قائليها. فقولهم مرجوح لما تقدم ذكره. * * * المسألة الثامنة ضابط القول الشاذ كثيرا ما يقع ناظراك في كلام أهل العلم على قولهم: «إن هذا القول شاذ»، فما ضابط ذلك القول الشاذ؟ فيقال وبالله - تعالى - التوفيق: ضابط القول الشاذ - والله أعلم - هو: القول المخالف للإجماع. فإذا انعقد الإجماع على مسألة ثم حدث قول فإن هذا القول شاذ. وهذا الذي ذكرته مستفاد من صنيع ابن قدامة في «روضة الناظر» (١). وقد حصل توسع عند كثير من أهل العلم في وصف قول بأنه شاذ حتى إذا اشتهر في أهل البلد قول وخالفه أحد قالوا: إن قوله شاذ بحجة أنه خالف أهل البلد أو الشائع والمنتشر. وهذا خطأ، فقد يكون القول الذي اشتهر عند أهل البلد ليس عليه إلا المذهب الذي شاع عند أهل البلد، كأن يشيع عندهم المذهب الحنبلي فيتبنى هذا القول أصحاب أهل البلد؛ لأنهم حنابلة وهذا القول من أفراد المذهب الحنبلي فإذا خالفهم أحد لدليل يراه متبعا في ذلك الحنفية والمالكية والشافعية وصف قوله

стр. 30

بأنه شاذ وهذا خطأ، ولا ينبغي أن يتوسع في استعمال الشاذ بل يجب أن يضبط بضابطه وهو كل قول مخالف للإجماع. سؤال وجواب قد يجري خلاف بين الصحابة والتابعين ثم ينعقد الإجماع على أحد الأقوال فهل يقال بأن قول الصحابي الأول الذي خالف أو التابعي يعد شاذًّا؟ وجواب هذا أن يقال: إنه قبل انعقاد الاجماع كان الخلاف سائغا؛ لأن الإجماع لم ينعقد فلا يوصف بأنه شاذ، أما بعد انعقاد الإجماع فإن قوله يوصف بالشذوذ؛ لأنه تبنى قولاً مخالفاً للإجماع وقد استعمل هذا ابن عبد البر في مسائل. * * * المسألة التاسعة حجية إجماع أهل كل فن في فنِّهم وهذا مما ذكره الرازي في «المحصول» (١)، وابن قدامة في «روضة الناظر» (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في «مجموع الفتاوى» (٣)، والزركشي في «البحر المحيط» (٤)، وابن القيم كما في «مختصر الصواعق» (٥)، وغيرهم. وقال أبو حاتم في «المراسيل»: واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة (٦).

стр. 31

فإذا أجمع أهل الحديث على قول فهو حجة، وإذا أجمع أهل الفقه على قول فهو حجة، بل إذا أجمع أهل اللغة على قول فهو حجة عند أهل اللغة، فإذن إجماع أهل كل فن حجة . ومن الإجماعات في اللغة: أن الأزهري حكى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان لغة التصديق (١)، والمراد في اللغة لا في الشرع. وهذا حجة؛ لأن إجماع أهل كل فن حجة، ومن خالف فهو محجوج بهذا الإجماع. وأما في الشرع فهو: قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٢). إيرادٌ ودره فإن قيل: تقدم أن الإجماع حجة في الشرع؛ لأن الشرع محفوظ فكيف يطرد هذا في اللغة؟ يقال: لأن اللغة وسيلة لفهم الشرع؛ لذا ذكر المعلمي ﵀: أن اللغة محفوظة بحفظ القرآن، قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قال: ومن ذلك أن لغة العرب محفوظة لأن بها يفهم القرآن (٣).

стр. 32

مسألة لا يعتد بقول المتكلمين سواء في الفقه أو في أصول الفقه وفي العقيدة من باب أولى؛ لأن المتكلمين ليسوا أهل علم. قال ابن عبد البر: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم» (١). فإذا خالف المتكلمون في مسألة فإنه لا يحتج بخلافهم وقد بين هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (٢). فإذن إذا حصل إجماع لأهل السنة في مسألة عقدية؛ فإنه لا يحتج بمخالفة المتكلمين، أما إذا كان المتكلم فقيها فيعتد بقوله في الفقه؛ لأنه فقيه لا لأنه متكلم، لكن عملياً لو أن هذا الرجل خالف في مسألة وانفرد بها فإن قوله محدث؛ لأن مذهب المتكلمين متأخر فيكون محجوجاً بالإجماع الذي قبله. * * * المسألة العاشرة شرطية انقراض العصر في الإجماع ثمة طائفة اشترطوا لصحة الإجماع أن ينقرض العصر فلو أن العلماء في عصر الصحابة أجمعوا على قول، فإن هذا الإجماع لا يعتد به حتى ينتهي هذا العصر وينقرض مجتهدوه، فإذا انقرض مجتهدوه ولم يرجع أحد منهم عن قوله فإن الإجماع يكون صحيحاً، لكن لو اجتمعوا على قول ثم أحد الصحابة المتأخرين

стр. 33

وفاة كأنس أو جابر رجعوا فإن هذا الإجماع لا يعتد به (١). وهذا القول من جهة الدليل مرجوح ولا يعول عليه؛ لأن الأدلة واضحة في حجية الإجماع ولم تشترط انقراض العصر، وتقدم ذكر الأدلة، فمتى ما تحقق الإجماع صار حجة ولو تحقق لحظة لعموم الأدلة. ويؤيد ذلك أنهم إذا اجتمعوا ولو لحظة فإن من بينهم الفرقة الناجية، وقول الفرقة الناجية حق على ما تقدم تقريره. إذن اشتراط انقراض العصر لا دليل عليه، بل الأدلة على خلافه، وما استدل به القائلون باشتراط انقرض العصر فمردود عليهم، وإليك بيان بعضه: ١ - نسب ذلك أبو يعلى (٢) إلى الإمام أحمد وبناه على ما رواه البيهقي وغيره أن علي بن أبي طالب ﵁ رجع عن قوله بحرمة بيع أمهات الأولاد وقال عبيدة السلماني التابعي المعروف: «إن رأيك مع رأي عمر أحب إلي من رأيك وحدك» (٣). فوجه الدلالة: أنه صح لعلي أن يخالف الإجماع فإنه لما اتفق قوله وقول عمر صارت المسألة إجماعًا فصح له أن يخالف ذلك؛ لأن عليًّا يرى أن الإجماع

стр. 34

لا يكون حجة إلا بعد انقراض العصر والعصر لم ينقرض؛ لأن عليًّا لم يمت. والاعتماد على مثل هذا فيه نظر كبير، لذا لم يوافق أبا يعلى على هذا أبو الخطاب في «التمهيد» (١)، وذلك أن اجتماع عمر وعلي ليس إجماعًا بل هو اجتماع اثنين. والمراد بالإجماع: أن يجمع العلماء بأن ينطق جماعة ولا يخالفهم الآخرون، أما أن يتفق علي وعمر على قول ثم يرجع أحدهما فليس هذا إجماعًا. ومن جهة أخرى: ذكر أبو الخطاب (٢) وغيره أن كلام عمر مع علي كان من باب المشورة. فالمقصود: أن قول عمر وعلي ليس إجماعًا، والإجماع الذي يبحث هو اتفاق مجتهدي الأمة، أما أن يقول اثنان قولًا ثم يرجع أحدهما عن قوله فإن هذا لا يعد إجماعًا؛ لذا نسبته إلى أحمد فيه نظر. بل أول من قرر هذا الشرط صريحا، هو القاضي أبو علي الجبائي المعتزلي كما في «المعتمد» (٣)، وتبناه كذلك أبو الحسين البصري المعتزلي صاحب المعتمد؛ ولم ينسب العلائي (٤) هذا القول إلا لأبي علي الجبائي المعتزلي، فدل هذا على أنهما لا يريان أنه قد قال بهذا القول مثل الإمام أحمد ولا سيما أن النسبة إلى أحمد باستنباط أبي يعلى فيه نظر كما تقدم تقريره. فالمهم أن يعلم أن هذا القول ليس عليه الأولون وإنما تبناه طائفة من المعتزلة ثم تبناه بعض المتأخرين من الأصوليين.

стр. 35

٢ - استدلوا بما أخرجه البخاري ومسلم، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ»، قَالَ: وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفَّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، «فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ» (١). ووجه الدلالة: أنه لما كان جلد الشارب أربعين هو المعمول به على عهد أبي بكر وشيء من خلافة عمر فاعتُبِر هذا إجماعًا، ثم خالف عمر، وعلة ذلك عدم انقراض العصر. وقد أجاب ابن القيم (٢) على هذا أنه من باب التعزير الذي يختلف بالنظر إلى المصالح باختلاف الزمان والمكان، فعمر رأى أن يشدد في شرب الخمر لانتشاره، فهذا من باب التعزير ولا علاقة له بصحة مخالفة الإجماع إذا لم ينقرض العصر. إذا تبين هذا فلتعلم أنَّ القول باشتراط انقراض العصر ليس صحيحًا لما يلي: أولا: أول من عُرِف عنهم هذا الشرط هم المتكلمون. ثانياً: مخالفة هذا الشرط للدليل. ثالثاً: ما اعتمدوا عليه لا دلالة فيه كما تقدم. رابعًا -وأخيراً -: القول باشتراط انقراض العصر إذا دقق فيه فإنه غير منضبط كما أشار لهذا الروياني (٣) فيما نقله عنه الزركشي في «البحر المحيط» (٤)، فقد ذكر كلاماً مفاده أنه ليس منضبطاً ثم أراد أن يذكر له ضابطاً وفيه إشكال لأنه إن أرجع إلى زمن معين فإن المجتهدين قد يبقون بعد هذا الزمن فيوجد مجتهدون جدد.

стр. 36

ففي عصر الصحابة نشأ مجتهدون جدد من التابعين كسعيد بن المسيب فإذن يلزم على هذا أن ينتظر حتى ينتهي عصر سعيد و قد يخرج مجتهدون أخر فينتظرون وهكذا ... إلخ. وإن قيل: إن المراد أن يموت جميع المجتهدين في عصر الصحابة؟ قلنا: هذا إن تُصوِّرَ في عصر الصحابة، فصعب تصوره فيمن بعدهم، من الناحية الواقعية العملية، بل مقتضاه رد كثير من الإجماعات؛ لأنه يصح أن يقول قائلهم: هل أثبتم انقراض العصر حتى يُحتج بهذا الإجماع؟ ويكفي في ضعف هذا الشرط أمران: الأول: أنه لا دليل عليه، وأن أول من قال به هم المعتزلة كما تقدم بيانه. الثاني: أن الدليل على خلافه. * * * المسألة الحادية عشرة لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد (١) إذا اختلف العلماء على قولين فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثالثاً جديداً، وإذا اختلفت الأمة على أربعة أقوال فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً خامساً، وإذا لم يكن للأمة إلا قول واحد فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثانياً ومن فعل ذلك فقد خالف الإجماع من جهة أن الأمة لما اختلفت على قولين أجمعت أن الحق في أحد هذين القولين، ومن جهة أخرى فقد وقع في الإحداث، والإحداث منهي عنه

стр. 37

في الشرع. واستدل ابن تيمية (١) ﵀ على منع الإحداث بعموم حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (٢). ومن ذلك إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز أن يحدث قول ثالث فقد سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (٣)؛ فإذن لا يجوز إحداث قول جديد، وهذا الذي عليه العلماء الأولون، ونسب إلى بعض الحنفية (٤) جوازه وفي النسبة نظر، وإنما الذين يرون جواز إحداث قول جديد هم الظاهرية (٥)، كداود الظاهري ومن بعده لذا صار مذهبه مذهبا مبتدعا، ولأجله قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الخامس من «منهاج السنة»: وكل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ (٦). وقد أشار للمعنى وهو أنهم متأخرون. ووضح هذا أكثر ابن رجب في «فتح الباري» (٧) وبين أن الظاهرية يرون جواز إحداث قول جديد فهم بذلك خالفوا السلف السابقين وأشار لهذا أيضًا في «فضل علم السلف على الخلف» (٨).

стр. 38

فمذهب الظاهرية مبتدع في الفقه وفي العقيدة، لأن عند داود الظاهري أخطاء عقدية والسلف قد شددوا على داود في مذهبه الفقهي ومذهبه العقدي كما يعرف هذا بالرجوع إلى ترجمة داود لابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والترجمة ساقطة من كتاب «الجرح والتعديل» المطبوع لكنها موجوده في «لسان الميزان» للحافظ ابن حجر (١). والذي يهمنا فيما نحن بصدده هو مذهبه الفقهي. وسبب ضلاله في الفقه يرجع إلى أمور ذكر ابن القيم أربعة منها (٢) وزاد ابن رجب خامسًا وهو جواز إحداث قول جديد فهم يخالفون ما عليه السلف الأولون، ثم ذكر ابن رجب (٣) أنه من الخطأ أن يقال إن مذهب الظاهرية هو مذهب أهل الحديث كما شاع وانتشر في هذه العصور المتأخرة. ومما ذكر الشاطبي في موضعين من «الاعتصام» أن العلماء لا زالوا على تبديع الظاهرية (٤). وممن بدعهم أيضًا ابن العربي المالكي (٥) وغيرهم من أهل العلم. وقد اشتهر عن المالكية المغاربة الشدة على الظاهرية؛ لأن ابن حزم كان من أهل المغرب وهو الذي أشهر هذا المذهب وأذاعه مما أدى إلى اشتداد مواجهة المالكية ومعارضتهم له.

стр. 39

مسألة التلفيق بين الأقوال ومعنى التلفيق: أن يختلف العلماء على قولين ويلفق قولٌ ثالث لا يعارض القولين من كل وجه بل يوافق كل واحد منهما من وجه أما إذا عارض القولين من كل وجه فإنه مردود وهو من إحداث قول جديد. وقد ذهب إلى جواز التلفيق جمع من أهل العلم المتأخرين وأكثرهم من المتكلمين كالرازي (١) والآمدي (٢) والطوفي (٣) وابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» (٤)، ونسب الزركشي (٥) هذا إلى الشافعي لكن النسبة فيها نظر ولا تصح، وإنما اشتهر بهذا المتكلمون وبعض المتأخرين من أهل الفقه. ويشترط في التلفيق أن لا يصادم الأقوال السابقة كلها من كل وجه بل يأخذ من كل قول شيئا أما لو صادمها لم يصح. ومن أمثلة المصادمة التي لا يصلح فيها التلفيق: ما ذكره ابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» وهو أن العلماء اختلفوا على قولين في قود الأب في ولده: أ- منهم من قال - وهم الجمهور - أن الأب لا يقاد بولده. ب- وذهب مالك إلى أنه يقاد به إذا كان متعمداً قد تعمد قتله فإنه يقاد فيه بخلاف إذا لم يتعمد (٦).

стр. 40

فلو قال أحد بقول ثالث وهو أنه: يقاد الأب مطلقاً لكان قوله مخالفا للقولين السابقين فهو مخالف للجمهور لأن الجمهور لا يرون أنه يقاد، ويخالف قول مالك لأن مالك لا يرى غير المتعمد يقاد، فمثل هذا لا يسمى تلفيقا. ومن أمثلة التلفيق الصحيح: المثال الأول: اختلف العلماء في تحديد وقت المسح على الخفين على قولين هما: القول الأول: ذهب مالك في أحد قوليه إلى أنه لا يحدد بوقت سواء كان بسفر أو حضر (١)، وهذا القول نسب إلى ربيعة وآخرين (٢). والقول الثاني: قول الجمهور (٣) أن المسافر يحدد بثلاثة أيام وأن المقيم بيوم وليلة على مقتضى حديث علي الذي أخرجه مسلم (٤). فلو قال قائل: يحدد للمسافر بثلاثة أيام وللمقيم بيوم وليلة إلا إذا كان في سفر مضطر وقد جد به المسير؛ فإنه لا يحدد. فمثل هذا قول ملفق وافق الجمهور إلا في حال اضطرار، ووافق القول الذين لا يقولون بالتحديد في حال الاختيار. المثال الثاني: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم - اختلفوا على قولين في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة (٥):
следующие страницы →