ففي عصر الصحابة نشأ مجتهدون جدد من التابعين كسعيد بن المسيب فإذن يلزم على هذا أن ينتظر حتى ينتهي عصر سعيد و قد يخرج مجتهدون أخر فينتظرون وهكذا ... إلخ.
وإن قيل: إن المراد أن يموت جميع المجتهدين في عصر الصحابة؟
قلنا: هذا إن تُصوِّرَ في عصر الصحابة، فصعب تصوره فيمن بعدهم، من الناحية الواقعية العملية، بل مقتضاه رد كثير من الإجماعات؛ لأنه يصح أن يقول قائلهم: هل أثبتم انقراض العصر حتى يُحتج بهذا الإجماع؟
ويكفي في ضعف هذا الشرط أمران:
الأول: أنه لا دليل عليه، وأن أول من قال به هم المعتزلة كما تقدم بيانه.
الثاني: أن الدليل على خلافه.
* * *
المسألة الحادية عشرة
لا يجوز في الشريعة إحداث قول جديد (١)
إذا اختلف العلماء على قولين فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثالثاً جديداً، وإذا اختلفت الأمة على أربعة أقوال فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً خامساً، وإذا لم يكن للأمة إلا قول واحد فلا يصح لأحد أن يحدث قولاً ثانياً ومن فعل ذلك فقد خالف الإجماع من جهة أن الأمة لما اختلفت على قولين أجمعت أن الحق في أحد هذين القولين، ومن جهة أخرى فقد وقع في الإحداث، والإحداث منهي عنه
стр. 37
في الشرع.
واستدل ابن تيمية (١) ﵀ على منع الإحداث بعموم حديث عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (٢).
ومن ذلك إذا اختلف الصحابة على قولين فلا يجوز أن يحدث قول ثالث فقد سئل الإمام أحمد عن رجل يقول: إذا اختلف الصحابة على قولين فنخرج عن قوليهم، قال: هذا قولٌ خبيثٌ، هذا قول أهل البدع (٣)؛ فإذن لا يجوز إحداث قول جديد، وهذا الذي عليه العلماء الأولون، ونسب إلى بعض الحنفية (٤) جوازه وفي النسبة نظر، وإنما الذين يرون جواز إحداث قول جديد هم الظاهرية (٥)، كداود الظاهري ومن بعده لذا صار مذهبه مذهبا مبتدعا، ولأجله قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد الخامس من «منهاج السنة»: وكل قول تفردت به الظاهرية فهو خطأ (٦). وقد أشار للمعنى وهو أنهم متأخرون.
ووضح هذا أكثر ابن رجب في «فتح الباري» (٧) وبين أن الظاهرية يرون جواز إحداث قول جديد فهم بذلك خالفوا السلف السابقين وأشار لهذا أيضًا في «فضل علم السلف على الخلف» (٨).
стр. 38
فمذهب الظاهرية مبتدع في الفقه وفي العقيدة، لأن عند داود الظاهري أخطاء عقدية والسلف قد شددوا على داود في مذهبه الفقهي ومذهبه العقدي كما يعرف هذا بالرجوع إلى ترجمة داود لابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والترجمة ساقطة من كتاب «الجرح والتعديل» المطبوع لكنها موجوده في «لسان الميزان» للحافظ ابن حجر (١).
والذي يهمنا فيما نحن بصدده هو مذهبه الفقهي.
وسبب ضلاله في الفقه يرجع إلى أمور ذكر ابن القيم أربعة منها (٢) وزاد ابن رجب خامسًا وهو جواز إحداث قول جديد فهم يخالفون ما عليه السلف الأولون، ثم ذكر ابن رجب (٣) أنه من الخطأ أن يقال إن مذهب الظاهرية هو مذهب أهل الحديث كما شاع وانتشر في هذه العصور المتأخرة.
ومما ذكر الشاطبي في موضعين من «الاعتصام» أن العلماء لا زالوا على تبديع الظاهرية (٤).
وممن بدعهم أيضًا ابن العربي المالكي (٥) وغيرهم من أهل العلم.
وقد اشتهر عن المالكية المغاربة الشدة على الظاهرية؛ لأن ابن حزم كان من أهل المغرب وهو الذي أشهر هذا المذهب وأذاعه مما أدى إلى اشتداد مواجهة المالكية ومعارضتهم له.
стр. 39
مسألة
التلفيق بين الأقوال
ومعنى التلفيق: أن يختلف العلماء على قولين ويلفق قولٌ ثالث لا يعارض القولين من كل وجه بل يوافق كل واحد منهما من وجه أما إذا عارض القولين من كل وجه فإنه مردود وهو من إحداث قول جديد.
وقد ذهب إلى جواز التلفيق جمع من أهل العلم المتأخرين وأكثرهم من المتكلمين كالرازي (١) والآمدي (٢) والطوفي (٣) وابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» (٤)، ونسب الزركشي (٥) هذا إلى الشافعي لكن النسبة فيها نظر ولا تصح، وإنما اشتهر بهذا المتكلمون وبعض المتأخرين من أهل الفقه.
ويشترط في التلفيق أن لا يصادم الأقوال السابقة كلها من كل وجه بل يأخذ من كل قول شيئا أما لو صادمها لم يصح.
ومن أمثلة المصادمة التي لا يصلح فيها التلفيق: ما ذكره ابن بدران في «حاشيته على روضة الناظر» وهو أن العلماء اختلفوا على قولين في قود الأب في ولده:
أ- منهم من قال - وهم الجمهور - أن الأب لا يقاد بولده.
ب- وذهب مالك إلى أنه يقاد به إذا كان متعمداً قد تعمد قتله فإنه يقاد فيه بخلاف إذا لم يتعمد (٦).
стр. 40
فلو قال أحد بقول ثالث وهو أنه: يقاد الأب مطلقاً لكان قوله مخالفا للقولين السابقين فهو مخالف للجمهور لأن الجمهور لا يرون أنه يقاد، ويخالف قول مالك لأن مالك لا يرى غير المتعمد يقاد، فمثل هذا لا يسمى تلفيقا.
ومن أمثلة التلفيق الصحيح:
المثال الأول: اختلف العلماء في تحديد وقت المسح على الخفين على قولين هما:
القول الأول: ذهب مالك في أحد قوليه إلى أنه لا يحدد بوقت سواء كان بسفر أو حضر (١)، وهذا القول نسب إلى ربيعة وآخرين (٢).
والقول الثاني: قول الجمهور (٣) أن المسافر يحدد بثلاثة أيام وأن المقيم بيوم وليلة على مقتضى حديث علي الذي أخرجه مسلم (٤).
فلو قال قائل: يحدد للمسافر بثلاثة أيام وللمقيم بيوم وليلة إلا إذا كان في سفر مضطر وقد جد به المسير؛ فإنه لا يحدد.
فمثل هذا قول ملفق وافق الجمهور إلا في حال اضطرار، ووافق القول الذين لا يقولون بالتحديد في حال الاختيار.
المثال الثاني: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم - اختلفوا على قولين في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة (٥):
стр. 41
القول الأول: أن القبلة لا تستقبل ولا تستدبر عند قضاء الحاجة لا في البنيان ولا في الصحراء وهذا قول أبي أيوب الأنصاري أخرجه البخاري ومسلم (١).
القول الثاني: أن القبلة تستقبل وتستدبر لكن في البنيان دون الفضاء أو الصحراء وهذا قول ابن عمر رواه الدار قطني (٢) وجماعة.
فلو قال قائل: إنها تستدبر لكن لا تستقبل لصار قوله قولاً ملفقاً بالنظر إلى أقوال الصحابة لا أقوال أهل العلم؛ لأنه حصل خلاف بين أهل العلم بعد ذلك.
المثال الثالث: أن الصحابة اختلفوا على قولين في صلاة الرواتب في السفر:
القول الأول: أن صلاة الرواتب في السفر تصلى مطلقاً وهذا قول جمهور الصحابة كجابر ﵁ (٣)، وعزاه الحسن البصري إلى الصحابة (٤).
والقول الثاني: أنها لا تصلى وهذا قول ابن عمر ﵁، وفي رواية لابن عمر أنها تصلى رواتب الليل دون رواتب النهار فإنها لا تصلى أي للمسافر (٥).
فهذان قولان معروفان للصحابة.
فلو قال قائل: إن المسافر لا يصلي شيئا من الرواتب إلا ركعتي الفجر لكان قوله ملفقاً ومحدثا بالنسبة إلى أقوال الصحابة ﵃.
فائدة: جمهور أهل العلم من أصحاب المذاهب الأربعة على أن المسافر يصلي الرواتب ليلاً ونهاراً هذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة لكن خالف بعض الحنفية والحنابلة المتأخرين.
стр. 42
أما القول المشهور عند المذاهب الأربعة أن المسافر يصلي الرواتب ليلاً ونهاراً (١).
فالمقصود: أن من استثنى راتبة الفجر فإن قوله قول ملفق.
وما جاء عن ابن عمر من استثناء راتبة الفجر فإنه لا يصح إسناده (٢).
ولم يصح حديث أن النبي ﷺ كان يداوم في السفر على ركعتي الفجر والوتر.
والذي عليه العلماء والفقهاء الأولون أن التلفيق لا يصح وإنما عرف بهذا المتكلمون والمتأخرون كما تقدم ذكره، ويردون على التلفيق بما يلي:
الرد الأول: أنه إنما عرف به المتأخرون من المتكلمين وغيرهم.
الرد الثاني: أنه لما اختلف الصحابة أو من بعدهم على قولين فالطائفة المنصورة على أحد هذين القولين وهي قد تبنت الحق كله فعلى هذا التلفيق ترك لبعض الحق.
الرد الثالث: أن الذي لفق خرج بقول مرجوح قطعًا لأنه أخذ من هذا جزءًا وأخذ من هذا جزءًا فلابد أنه أخذ من القول المرجوح جزءًا وكوَّن قولًا مجموعًا من قولين مرجوحين دون القول الثالث الراجح.
الرد الرابع: أن كل دليل في النهي عن الإحداث هو رد على القول بالتلفيق.
وأخيراً: رأيت بعض أهل العلم ينسب إلى بعض العلماء القول بالتلفيق بناءً على أن فعله يدل على ذلك في مسائل، كما نسبوا هذا القول لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولم أقف على شيء في كتبه يدل على أنه يرى القول الملفق، ولم أر شيئا من كلام تلميذه ابن القيم يدل على أن ابن القيم نفسه أو أن شيخه يرى التلفيق بين
стр. 43
الأقوال، ولم أر أحداً ممن تكلم عن القول الملفق فيما مضى ينسب هذا إلى ابن تيمية نقلاً عن قوله، وإنما عمدة من ينسب هذا لشيخ الإسلام من بعض المعاصرين أن ابن تيمية قرر أقوالًا ملفقة.
فيقال: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم و تنزيله هذا التأصيل على الأمثلة والوقائع.
فقد يخطئ العالم و يحدث قولاً جديداً فلا يدل هذا على أنه يرى إحداث قول جديد.
بل قد يحتج بحديث ضعيف قد بين ضعفه في موضع آخر فذهل عن هذا فاحتج به فهل يقال إنه يرى جواز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في الأحكام؟
كلا، لذا قال عطاء فيما روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله»: وأضعف العلم أيضا علم النظر أن يقول الرجل: رأيت فلانا يفعل كذا ولعله قد فعله ساهيًا (١).
لذا لا يعتمد على تنزيل العالم فقد يخطئ في التنزيل و في العمل وإنما العمدة على تأصيله.
* * *
المسألة الثانية عشرة
طريقة معرفة الإجماع
يعرف الإجماع إذا حكاه عالم ذو استقراء، فإذا حكى عالم ذو استقراء إجماعا فالأصل صحة إجماعه إلا إذا تبين خرمه، والأمر سهل في هذا.
لذا حكى ابن المنذر - وابن المنذر صاحب منزلة عالية في الاستقراء ومعرفة الأقوال -، وأولى من ابن المنذر محمد بن نصر الخزاعي، وأولى منه الإمام أحمد
стр. 44
والشافعي وإسحاق ابن راهويه، إذا حكى أحد هؤلاء الأئمة أو غيرهم إجماعًا فإن الأصل صحة الإجماع إلا إذا تبين أنه مخروم، فإذا تبين أنه مخروم فيسقط الإجماع، كما أنه إذا احتج أحد هؤلاء العلماء أو غيرهم بحديث من سنة النبي ﷺ فالأصل أن الحديث صحيح لكن لو تبين أنه ضعيف فإنه يرد لكن الأصل أنه صحيح، كما إذا صرح أحد هؤلاء العلماء بصحة حديث وهذا أولى من الاحتجاج فالأصل صحته لكن لو تبين أنه ضعيف فينتقل من هذا الأصل لما ظهر للناظر والمجتهد، ومثل هذا إذا حكى إجماعا فالأصل أن الإجماع صحيح لكن لو تبين أن الإجماع مخروم فيسقط الإجماع ويسقط الاستدلال به.
إلا أنه لا ينبغي أن يتعجل في زعم خرم الإجماع، فقد يكون الإجماع سابقاً والخلاف حادثًا، فقد يحكي النووي إجماعًا وهو يريد إجماع الصحابة والتابعين وخالف أناس في القرن الرابع، فينبغي أن يتأمل في مثل هذا فقد يكون الذي خالف محجوجًا بالإجماع السابق، فلا يصح أن يتعجل لكن إذا قدر أنه ثبت خرم الإجماع فيسقط الإجماع، ولابد أن يضع الناظر أمام عينيه عند بحث مثل هذا أن لا يكون الإجماع سابقاً ثم حدث خلاف بعد، وفي المقابل أن لا يكون في المسألة خلاف ثم انعقد الإجماع بعدُ كالتكبير أربعاً على الجنائز، فقد حكى ابن عبد البر (١) والنووي (٢)
стр. 45
إجماعًا وذكروا أن أقوال أهل العلم بعد ذلك استقرت على أنه لا يزاد في الجنازة على أربع وقد كان بين الصحابة خلاف في هذا.
فالمقصود أنه يتأمل في أمثال هذه المسائل ولا يتعجل، لكن لو تبين للناظر أن الإجماع مخروم فإنه يقال بخرمه، وفي المقابل لا يتعجل؛ فإن الأصل فيما يحكيه عالم ذو استقرا كما تقدم ذكرهم كالنووي أو ابن قدامة أو غيرهم صحة الإجماع، وبرهان هذا البحث والنظر فإنه عند البحث غالباً يتضح صحة قولهم.
لكن بعضهم يخرم الإجماع بمخالفة ابن حزم الظاهري أو مخالفة داود الظاهري وهذا خطأ كما سيأتي التمثيل على هذا إن شاء الله تعالى، حتى رأيت أحدهم كتب بحثاً وقال قد ذكر في المسألة إجماعًا لفلان وفلان إلا أن هذا الإجماع لا يصح؛ لأن ابن حزم خالفه. وهذا عجيب كيف يعول على ابن حزم في نقض إجماع سابق؟! وابن حزم محجوج بالإجماع ومثل هذا ينبغي التنبه إليه (١).
ومما يحسن التنبيه إليه أن ثمة علماء يحكون إجماعًا ويريدون الأكثر ولا يعتدون بمخالفة القلة، ومن هؤلاء:
١ - ابن جرير الطبري (٢): فقد اشتهر عند أهل العلم أن ابن جرير الطبري إذا حكى إجماعًا فإنه لا يعتد بمخالفة القلة كالواحد والاثنين وغيرهم فمثل هذا لا يعتد بإجماعه إذ لم يحكِ الإجماع إلا هو.
стр. 46
٢ - وابن عبد البر رحمه الله تعالى: أحياناً يحكي الإجماع ويريد الجمهور (١)، وأحياناً يحكي الإجماع ويريد الإجماع الحقيقي (٢)، وهذا يعرف بالسابق واللاحق من كلامه فإنه إذا قال أجمع العلماء على ذلك ومن خالف فقد شذ كعطاء أو غيره فهو يريد بهذا الإجماع وأحياناً يريد بالإجماع أي إجماع الأكثر.
فإذن ينظر في الإجماع الذي يحكيه ابن عبد البر تارةً يحكي الإجماع بمعناه المعروف وتارة يحكيه ويريد به الجمهور.
أما الإمام ابن المنذر فقد عول عليه المتأخرون في حكاية الإجماع والخلاف كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٣).
فمن الخطأ أن يقال: إن ابن المنذر إذا حكى إجماعًا أراد الأكثر، وذلك أنه يقول: أجمع العلماء إلا فلانًا (٤)، فلما خالف الواحد بيَّنه ولو كان الإجماع عنده بمعنى الأكثر لما احتاج أن يبين مخالفة الواحد أو الاثنين.
* * *
المسألة الثالثة عشرة
الإجماع دليل كاشف
ينبغي أن يعلم أن دليل الإجماع دليل كاشف فليس الإجماع حجة في ذاته بل للنص الذي استند عليه كما تقدم بيانه، فهو إذن كاشف بأن هناك دليلا يدل على هذه المسألة.
فليس دليلًا في نفسه ككلام الله وكلام رسوله ﷺ وهذا مفيد للغاية.
стр. 47
وفي هذا جواب قول القائل: إن الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ولم يقل ارجعوا إلى الإجماع.
فيقال: إن الرجوع للإجماع هو طاعة لله وطاعة لرسوله ﷺ ؛ لأنه كاشف لقول الله ولقول رسوله ﷺ .
وقد صرح جمع من الأصوليين بأن الإجماع كاشف كصفي الدين الهندي (١) والزركشي (٢) وغيرهم.
فلا يلزم أن يكون المستند الذي يستند عليه الإجماع نصًا صريحاً، بل قد يكون مفهوما بأي نوع من المفاهيم التي هي حجة في الدين؛ لأنه لا دليل على أن مستند الإجماع لا يكون إلا نصاً صريحاً.
وبهذا ينتهي الكلام على مسائل الإجماع.
стр. 48
الفصل الثاني
شبهات وإشكالات على دليل الإجماع
الإشكالات والاعتراضات على دليل الإجماع عمليًا كثيرة من بعض أهل السنة (١)، وهذه كل الاشكالات التي حضرتني ولا أراعي في ذكرها ترتيبًا معينًا، بل بحسب ما تواردها على الذهن.
الشبهة الأولى
رد الإجماع في مسألة مع عدم وجود السلف إلا زعمه أن رسول الله ﷺ هو السلف ، كاستدلال بعضهم على حرمة إفراد يوم السبت بالصوم بحديث الصماء بنت بسرة: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» (٢)
ولما قيل له: إن الإمام ابن تيمية (٣) حكى الإجماع أنه لم يقل أحد بحرمة إفراد يوم السبت بالصيام أي: بوجوب أن يصام معه يوم آخر.
قال هذا الإجماع لا يسلم به ... إلخ، ويكفي أن سلفي في هذه المسألة رسول الله ﷺ .
وكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا خطأ قطعًا؛ لأن هذا استدلال بمورد النزاع، وذلك أن المخالف لا يسلم أن هذا هو المفهوم من الحديث أي: لا يسلم أن هذا المفهوم من كلام رسول الله ﷺ ، فالخلاف راجع إلى فهم كلام رسول الله ﷺ فلا
стр. 49
يصح لأحد من الطرفين أن يستدل بمورد النزاع.
فإذا قال سلفي هو كلام رسول الله ﷺ . إذن هو صادر البحث واستدل بمورد النزاع والبحث جارٍ في هذا الفهم هل هو صحيح أم لا؟
والإمام ابن تيمية يحكي الإجماع على أن هذا الفهم لم يُفْهَمْ، وهو يقول: أنا فهمت هذا الفهم، فالخلاف راجع إلى الفهم فلا يصح أن يقال: إن سلفي رسول الله ﷺ ؛ لأن البحث جارٍ في فهم كلام رسول الله ﷺ .
* * *
الشبهة الثانية
لما ذُكِر لبعضهم إجماعٌ وقيل لا سلف في قول كذا وكذا أو في هذه المسألة .
قال: بلى إن هناك سلفاً وهو الصحابي الذي يروي الحديث فالكلام فيه كالكلام في الإشكال السابق.
وكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا استدلال بمورد النزاع فلا يسلم أن هذا فهم الصحابي، والبحث بيننا هل هذا هو مراد رسول الله ﷺ وفهم الصحابي له أم لا؟
لا سيما وأنه لا يلزم من رواية الصحابي لشيء أن يتبناه أو يقول به.
بل قد يدعه؛ لأنه منسوخ، فالأحاديث المنسوخة الكثيرة التي رواها الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ قد رووها وهم يعلمون أنها منسوخة، ففرق بين باب الرواية وباب الدراية، فلا يلزم من رواية الصحابي لحديثٍ ما أنه قد تبناه، بل قد يروي حديثاً وهو يعلم أنه منسوخ أو يعلم أنه مخصص ... إلخ.
стр. 50
الشبهة الثالثة
أن بعضهم لما قيل له: إن في المسألة إجماعًا .
قال: هذا غير صحيح، كيف يكون في المسألة إجماعٌ وأنا أخالف، فمخالفتي نقضٌ للإجماع؟
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
أولًا: لازم هذا القول أنه لا إجماع إلا إلى قبيل قيام الساعة حتى نتأكدَ أن أحدا من أهل العلم لم يخالف إلى قبيل قيام الساعة وهذا لازم باطل وإذا بطل اللازم بطل الملزم.
ثانياً: الأدلة التي بينت أن الإجماع حجة لم تقيده بزمن كما تقدم بحثه في انقراض العصر فمتى ما انعقد الإجماع صار حجة.
* * *
الشبهة الرابعة
قال بعضهم: إنه قد ادعي الإجماع في مسائل وتبين أنه مخروم فكيف يعول على هذه الإجماعات ؟
وكشف هذه الشبهة أن يقال: هذا حق؛ ولكن الأصل صحة الإجماع للأدلة التي تقدم ذكرها.
فإذا تبين خرمه فلا يقال: إنه إجماع، كما أنه إذا صحح بعض أهل العلم حديثاً يحتج به؛ ثم تبين بعدُ أنه ضعيف فإننا نترك تصحيحه لهذا الحديث بعينه، ولكن دون أن نقول: إنه لا يعول على تصحيح هذا العالم.
فأكثر العلماء الذين صححوا وضعفوا قد يتبين لغيرهم من المجتهدين خلاف
стр. 51
قولهم، فلا يصح لهذا المجتهد أن يقول: بما أنه تبين لي أن العلامة الألباني أخطأ في حديث أو حديثين أنَّه لا يعول على تصحيحه، بل يقال إنه إمام في الحديث والتصحيح والتضعيف فإذا تبين أن قوله مرجوح في حديث أو حديثين أو عشرة فهذا لا ينقص من مكانته ويبقى الأصل وهو الاحتجاج بتصحيحه وتضعيفه، وهكذا الحال في غيره من العلماء.
فإذن الأصل أنه إذا حكى أحد الإجماع فهو صحيح، لكن إذا تبين إنه مخروم فيقال إن هذا الإجماع لا يعول عليه، كما إذا صحح أحد من أهل العلم حديثاً فتبين أن تصحيحه ليس صحيحاً فيقال هذا التصحيح لا يعول عليه ولا يصح، مع بقاء منزلته وقبول أحكامه في التصحيح والتضعيف مالم يتبين خلاف حكمه.
* * *
الشبهة الخامسة
حُكيت إجماعات للصحابة ثم حصل خلاف ، وكثير من أهل العلم لم يعتد بهذه الإجماعات فهذا يدل على أن الإجماع غير منضبط؛ لأن كثيرًا من العلماء لم يعتد بهذا الإجماع.
ومن جهة أخرى: يدل على أن مخالفة الإجماع القديم لا يعد شاذًّا.
وتقدم بيان أن ضابط القول الشاذ: هو مخالف الإجماع.
وكشف هذه الشبهة أن يقال: إذا ثبت لدى الناظر والمجتهد إجماع للصحابة فهو دليل تبين له وخفي على غيره فيجب عليه أن يعمل به، كما إذا تبين للمجتهد صحة حديث أو وقف على دليل لم يقف عليه غيره من كثير من المجتهدين فإنه يجب أن يعمل بهذا الدليل، وليس له أن يدع الدليل والحديث؛ لأن جمعًا من المجتهدين لم يعملوا بهذا الحديث وهذا الدليل.
стр. 52
فليس من شرط الدليل حتى يكون حجة في الشريعة أن يعلم ويعمل به، وأن يعلم به جميع المجتهدين، فكما يُتصور أنْ يخفى على كثير من المجتهدين الكثير من الأدلة والأحاديث النبوية عن رسول الله ﷺ فمثل ذلك يقال في دليل الإجماع الذي خفي على كثير من المجتهدين إلا أنه يقال: إن ظهور الإجماع ليس على مرتبة واحدة:
١ - فمن الإجماع ما هو ظاهر لأهل العلم كلهم كالإجماع القطعي الذي تقدم ذكره.
٢ - ومن الإجماع الظني ما يكون ظاهراً للعلماء.
٣ - ومنه ما يكون ظاهراً لأكثر أهل العلم.
٤ - ومنه ما قد يخفى على كثير من أهل العلم.
وهكذا؛ لكن إذا تبين للمجتهد أن في المسألة إجماعًا فهو حجة يتمسك به، كما إذا تبين له أن في المسألة حديثاً صحيحاً فإنه حجة يتمسك به ويكون معولًا له في ترجيح القول الذي يقول به.
ولا يلزم لصحة الدليل أن يعمل به جميع الأمة، ومثل هذا ما حصل فيه إجماع من لدن الصحابة ﵃ قد يكون أحياناً من الصحابة والتابعين فتبين لبعض المجتهدين فإنهم يعملون به ولا يدل هذا على أن الإجماع ليس حجة، كما يقال هذا في السنة النبوية إذا ظهرت لبعض المجتهدين دون أكثر المجتهدين فلا يقال إن هذا السنة ليست حجة من جهة وصف القول بأنه شاذ، فإن مثل هذا الإجماع الذي اشتهر مخالفته عند العلماء يصح دليلاً لكن لا يصح أن يقال فيمن خالفه إنه قد وقع في قول شاذ، وذلك اتباعاً لفهم أهل العلم، فإن أهل العلم لم يفهموا ذلك في مثل الإجماعات التي قد تخفى والتي اشتهر بين أهل العلم ذكر الخلاف في هذه المسألة، بل من ظهر له الإجماع يعمل به،
стр. 53
وفي المقابل لا يصف القول بأنه شاذ؛ لأن الإجماع خفي وليس ظاهراً، بخلاف الإجماع الظاهر الذي اشتهر عن أهل العلم موافقة هذا الإجماع والقول به أو عدم مخالفته ثم وجد من خالفه فإنه يقال إن قوله شاذاً؛ لأن العلماء لا يوردون في كتب الفقه والخلاف العالي الخلاف في هذه المسالة فليس العلماء في أمثال هذه المسائل كالشافعي والإمام أحمد والمروزي والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم يحكون أن في المسألة خلافاً بل يقررون على أن في المسألة إجماعًا.
الشبهة السادسة
يوجد كثير من الفقهاء المتأخرين من لا يعتد بالإجماع السكوتي بحجة أنه تكلم طائفة ولم يتكلم الباقون ، وإنما غاية ما في الأمر أن الباقين سكتوا، وتقدم بيان الكلام في هذه المسألة، لكن أنبه على أمرين:
الأمر الأول: أن العلماء إذا حكوا الإجماع السكوتي وتطاول الزمان على حكايته ولم يخالف أحد فإن هذا الإجماع السكوتي حجة بالإجماع، ذكر هذا التلمساني (١) والزركشي (٢) وجماعة من أهل العلم، وهذا يستفاد منه في كثير من الإجماعات التي يريد كثير من المتأخرين أو من تأثر بالمتكلمين أن يسقطها.
ومن أمثلة ذلك: تحريم الغناء المصحوب بآلات اللهو.
فائدة: توارد العلماء من قرون على حكاية الإجماع على حرمة الغناء المصحوب بآلات اللهو فعارض بعض المتأخرين وقال: إنه ليس في المسألة إجماع بحجة أن غاية ما فيها الإجماع السكوتي، والإجماع السكوتي ليس حجة.
стр. 54
فيقال: إنه لو سلم بعدم حجية الإجماع السكوتي فإن مثل هذا لا يقال في الإجماع السكوتي على حرمة الغناء المصحوب بالمعازف؛ لأنه مما تطاول الزمن على ذكر أهل العلم له، ولم يخالفوه فمثله حجة بالإجماع.
الأمر الثاني: مما يعلم يقيناً أن الشافعي لا يريد بذلك رد الإجماع السكوتي وذلك أن الإمام الشافعي نفسه أصَّل الإجماع وأنه حجة وقال: والإجماع حجة على كل شيء؛ لأنه لا يمكن فيه الخطأ (١). وهذا لا يوجد إلا في الإجماع السكوتي.
ويؤكد ذلك أن الشافعي نفسه احتج بالإجماع عمليا فقد ذهب إلى أن العبد والصبي إذا حجا فأعتق أو بلغ بعد ذلك فإن هذا لا يجزئه عن حجة الإسلام حكى على ذلك الإجماع في «الأم» (٢)، ومثل هذا غاية ما فيه الإجماع السكوتي والأمثلة على هذا كثيرة عن الشافعي وغيره.
إذن قول الشافعي قطعاً لا يحمل على إنكار الإجماع السكوتي؛ لأنه يقرر الإجماع.
تنبيه: ذكر العلائي (٣) ثم الزركشي (٤) أن من أصحاب الشافعي من حمل قوله: (لا ينسب إلى ساكت قول) على غير إجماع الصحابة لكن فيه نظر؛ لأن الشافعي حكى الإجماع في مسائل كثيرة وأصله ولم يبين أنه خاص بإجماع الصحابة.
ومن الشافعية من حمل هذا على الإجماع السكوتي الذي لم يتطاول الزمن على ذكره (٥)؛ لأن ما تطاول الزمن على ذكره فإنه حجة بالإجماع كما تقدم.
стр. 55
فيقال: وإن كان الشافعي قطعاً يحتج بهذا النوع من الإجماع لكن حصر قوله في مثل هذا يحتاج إلي بينة ودليل، ولو كان كذلك لقرر هذا في «الرسالة»، فإنه تكلم في «الرسالة» على حجية الإجماع، ولم يشترط تطاول الزمن على ذكره، ولو كان هذا شرطاً عنده لبينه بوضوح في «الرسالة» أو غيره من كتبه لاسيما وهو مما أصل فيه حجية دليل الإجماع (١)، ومما يقطع به يقينًا أن مثل هذا الكلام من الشافعي لا يصح أن يستند عليه لرد كل إجماع سكوتي، وإن كان قد يستند عليه الشافعي ﵀ في رد إجماع لا يراه صحيحًا، وإذا قيل له: إنه قد قال بهذا القول فلان وفلان ... فالشافعي يرى بقرائن أن غير هؤلاء لم يتكلموا في هذه المسألة، وعدم كلامهم لا يدل على إقرار من تكلم لقرائن، أما أن يجعل هذا الكلام من الشافعي أصلاً في رد الإجماع السكوتي فلا يصح بحال - والله اعلم -.
* * *
الشبهة السابعة
قال الشافعي رحمه الله تعالى: «ما ليس فيه خلاف فليس إجماعًا» .
نقل هذه العبارة ابن حزم (٢) ﵀ وسيأتي الكلام عليها؛ لكن ظاهر هذه العبارة أن المسألة التي يقال لا خلاف فيها فليست إجماعًا وهذه على ظاهرها قوية في الدلالة على أن قول العالم لا أعلم فيه خلافا أو ليس فيه خلاف ... إلخ أنه لا يفيد الإجماع.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الذي نقل هذه العبارة هو ابن حزم في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام» وفي غيره، ولم أر أحدًا سبق ابن حزم إلى نقل هذه العبارة عن
стр. 56
الإمام الشافعي، وابن حزم قد نسبها إلى كتاب «الرسالة»، وهي ليست موجودة في كتاب «الرسالة» الذي بين أيدينا، بل إنني لم أر الشافعية ينقلون هذا القول وينسبونه إلى الشافعي، وإنما رأيت الزركشي في «البحر المحيط» (١) نقل هذا القول ونسبه إلى ابن حزم، ومن بعد ابن حزم إذا نقل هذه الكلمة عن الشافعي إما أنه يذكر الواسطة وهو ابن حزم، أو يأتي بنص عبارة ابن حزم، فالعمدة في نقل هذا القول هو ابن حزم، ومن البعيد للغاية أن يكون هذا النص للإمام الشافعي رحمه الله تعالى ويغفل عنه أهل العلم، والشافعي له منزلته الكبيرة عند العلماء وله أصحابه الذين نصروا أقواله ومذهبه، فلو كانت المقولة ثابتة عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لرأيت أصحابه يتواردون عليها، بل لرأيت العلماء يذكرون مثل هذه المقالة؛ لأن للشافعي رحمه الله تعالى مكانته العظيمة عند العلماء.
الوجه الثاني: أن الإمام الشافعي ﵀ نفسه قد احتج في مسائل غير قليلة بنفي الخلاف، فقال رحمه الله تعالى في كتاب «الأم»: «ولا أعلم اختلافا في أن ليس في الذهب صدقة حتى يبلغ عشرين مثقالاً فإذا بلغت عشرين مثقالاً ففيها الزكاة» (٢).
وقال أيضًا: «والعاقلة في الحر والعبد مالا أعلم فيه خلافا» (٣).
وقال في كتابه «اختلاف الحديث»: «لأن الكتاب ثم السنة ثم مالا أعلم فيه خلافاً يدل على أن المتمتع بالعمرة إلى الحج ... إلخ» (٤).
وقال أيضًا في كتابه «الأم»: «قال عن الحسن عن رجل من أصحاب النبي ﷺ إذا أنكح الوليان فالأول أحق - ... إلخ ثم مما ذكر الشافعي رحمه الله تعالى أنه قال - فنكاح الأول
стр. 57
ثابت؛ لأنه ولي موكل ومن نكحها بعده فقد بطل نكاحه هذا قول عوام الفقهاء لا أعرف بينهم فيه خلافًا، ولا أدري اسمع الحسن منه أم لا» (١).
يعني هو لم يعتمد على الخبر المروي الضعيف على هذا الرجل، وإنما اعتمد على أنه ليس في المسألة خلافٌ.
فالشافعي نفسه يحتج بنفي الخلاف.
الوجه الثالث: أن قول العالم «لا أعلم خلافاً أو لا خلاف بين العلماء» إلى آخر تلك العبارات إنما تدل على الإجماع؛ لأن معنى الإجماع يتساوى مع معنى قولهم أن العلماء لم يختلفوا. أي أنهم مجمعون، إلا أنها ليست في درجة جزم العالم إذا قال أجمعوا بخلاف إذا قال لا أعلم فيه خلافاً أو ليس بين العلماء خلاف، وقول لا أعلم أقل درجة من قول ليس في المسألة خلاف، وأقل منهما جمعياً قوله هذا قول كل من أحفظ عن أهل العلم ... إلخ، وقد أشار إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وسيأتي الكلام في هذه إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: أن المسألة التي يقول فيها عالم من العلماء ليس فيها خلاف أو لا أعلم فيها خلافاً ... إلخ.
يقال: سبيل المؤمنين فيما يحكيه هذا العالم باستقرائه هو كذا وكذا، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فإذن لا يصح أن نخرج عن هذا الذي ذكره العالم إلا إذا ثبت لدينا أن ما حكاه مخروم وأن سبيل المؤمنين في هذه المسألة ليس ما ذكره هذا العالم، ونحن مأمورون باتباع سبيل المؤمنين من باب الظن الغالب، يعني ما علمنا أنه سبيل المؤمنين فنتبعه من باب الظن الغالب ولو كان أقل درجات الظن الغالب.
стр. 58
الشبهة الثامنة
أن السنة حجة في ذاتها ولا تحتاج إلى عمل .
وهذه التأصيل سواءً بعبارة السنة أو الحديث أو الخبر ... إلخ، هو في ظاهره يدل على أن الدليل حجة في نفسه ولا يحتاج أن يعمل به أحد حتى يحتج به.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن نحوًا من هذا الكلام قد قرره الإمام الشافعي ﵀، فقد ذكر في كتابه «الرسالة» ما يتعلق بحكم الحاكم (ولي الأمر) ثم ذكر مسألة تتعلق بما نحن بصدده، فقال رحمه الله تعالى:
«لما كان معروفاً والله أعلم عند عمر أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر.
فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله ﷺ وفي كل أصبع مما هنالك عشرة من الإبل صاروا إليه ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله ﷺ وفي الحديث دلالتان أحدهما قبول الخبر وهذا لا إشكال فيه، والآخر أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا» (١).
فهو يريد بالأئمة الحكام الذين يحكمون في أمثال هذه المسائل.
ثم قال: «ودلالة على أنه مضى أيضًا عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبراً عن النبي ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ﷺ -وأيضًا هذا شاهد قوي
стр. 59
على هذه الشبهة المذكورة- ودلالة على أن حديث رسول الله ﷺ يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده ... » (١).
إذن الوجه الأول: سياق كلام الشافعي ﵀ يتعلق بالحاكم إذا حكم بالقضايا فإنه لا يتكلم عن جميع العلماء وإنما يتكلم عن حكم حاكم، حكم عمر بحكم فحكم قبله أو من بعده من الحكام بحكم فهو لا يتكلم عن إجماع العلماء على ترك العمل بالخبر وإنما يتكلم عن حكم حاكم حكم بخبر قد يكون هناك من يوافق أو من يخالف، لكنه قطعاً يخالف حاكماً قبله أو لا يعلم أن حاكماً قبله حكم بهذا، وهذا لا يعني أنه لا يوجد أحدٌ من أهل العلم يقول بهذا القول.
الوجه الثاني: أن الشافعي رحمه الله تعالى يقرر أنه يصح نسخ الخبر بالإجماع فإذا أجمع العلماء على أن هذا الخبر منسوخ فإنه يترك النص إلى الإجماع.
قال الزركشي في «البحر المحيط»: «إجماع الصحابة كنسخ رمضان صوم يوم عاشوراء، ونسخ الزكاة سائر الحقوق في المال، ذكره ابن السمعاني أيضًا، وكذا حديث: «من غل صدقته فإنا آخذوها وشطر ماله» (٢)، واتفق الصحابة على ترك استعمالهم هذا فدل عدولهم عنه على نسخه.
وقد نص الشافعي على ذلك أيضًا فيما نقله البيهقي في المدخل فقال: ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن الرسول ﷺ آخر مؤقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر أو بقول من سمع الحديث أو العامة - يعني إجماع أهل العلم -» (٣).
ثم استطرد الزركشي في بيان كلام العلماء.
стр. 60
المقصود: أن الإمام الشافعي اعتمد على الإجماع في النسخ فترك دليلاً لأجل أن العلماء أجمعوا على تركه لأنه منسوخ.
الجواب الثالث: أن قول القائل الحديث أو الخبر أو الآية حجة في نفسها وليست محتاجة إلى غيرها فهذا حق فليست الآية محتاجة للاحتجاج بها إلى غيرها، ومثل ذلك يقال في حديث رسول الله ﷺ فهو حجة في نفسه، ولكن فرق بين هذا وبين أن يقال قد ثبت أن هذا لم يعمل به أحد فهذا مانع من العمل، فالأصل أن يعمل بالخبر وهو حجة في نفسه وليس بحاجة إلى غيره، لكن إن تبين أن هناك مانعًا يمنع من العمل به كأن يكون منسوخًا أو يجمع العلماء على تركه فهذا أمر آخر، ففرق بين أن يكون حجة في نفسه وهو كذلك وبين ترك الحجة لسبب آخر كأن تكون هذه الآية أو الحديث منسوخًا أو قد أجمع العلماء على تركه فلا تلازم بينهما.
* * *
الشبهة التاسعة
قرر بعض أهل العلم أن الإجماع الذي يحتج به الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة .
والجواب على هذا كالتالي:
الوجه الأول: أنه لا دليل على حصر الإجماع في كلام الإمام أحمد أو ابن تيمية على الصحابة ومن ادعى ذلك فيلزمه النقل.
الوجه الثاني: أن الإمام ابن تيمية نفسه نص في المجلد الحادي عشر في الصفحة الواحدة والأربعين بعد الثلاث مئة أن الإجماع الذي ينضبط ... إلخ قال: هو إجماع
стр. 61
الصحابة غالباً (١).
فعبر بالغالب فالتعبير بالغالب شيء واطراد ذلك دائماً شيء آخر ولا شك أن الإجماع الذي ينضبط في الغالب هو إجماع الصحابة لكن هذا شيء والاحتجاج بغير إجماع الصحابة شيء آخر.
الوجه الثالث: أن الإمام أحمد ينص في مسائله أن الصحابة أجمعوا على كذا ولم يختلف الصحابة على كذا فلما أراد أن يخصص الأمر بالصحابة نص على ذلك، وفي مواضع يقول أجمع المسلمون أو أجمع العلماء أو لم يختلف العلماء ... إلى غير ذلك، فدل على أن الإمام أحمد لا يخص الإجماع بإجماع الصحابة.
ومثل هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه يذكر الإجماع في مواضع ويريد به إجماع الصحابة، وتارة ينص على إجماع الصحابة، وفي مواضع يطلق ولا يخص الأمر بالصحابة، فدل على أنه لا يخصص الإجماع بإجماع الصحابة.
الوجه الرابع: أن الإمام أحمد في أقل الحيض قال: يوم وليلة، ثم قال: وأعلى ما في الباب قول عطاء (٢).
وعطاء قطعًا ليس حجة في نفسه وإنما لأنه صورة من صور الإجماع فهو سبيل المؤمنين في هذه المسألة، وتقدم الكلام على أن قول السلف صورة من صور الإجماع وسبيل المؤمنين دليل من أدلة الإجماع.
وأيضًا مما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن اتفاق أئمة المذاهب الأربعة ليس حجة
стр. 62
بالإجماع (١).
فهو لا يريد بذلك إجماع الصحابة؛ لأن المذاهب الأربعة جاءت بعد الصحابة.
* * *
الشبهة العاشرة
قال بعضهم الإجماع الذي هو حجة هو المعلوم من الدين بالضرورة دون غيره ، وعليه يحمل كلام الإمام أحمد لما قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الأدلة جاءت بحجية الإجماع متى ما تصور ولم تخص ذلك بالمعلوم من الدين بالضرورة ولا غيره أي لم تخص ذلك بالإجماع الضروري ولا الظني بل هي شاملة لجميع أنواع الإجماع فمتى وقع الإجماع فهو حجة.
الوجه الثاني: أن الإمامين الشافعي وأحمد حكوا إجماعات في مسائل ليست من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة، ومن أمثلة ذلك:
قال الإمام الشافعي في كتابه «الأم»: «لم يختلف المسلمون عليه فيما وصفت في الذين لم يبلغوا الحلم والمماليك لو حجوا وأن ليست على واحد منهم فريضة الحج» (٢).
يعني يقرر أن حجهم صحيح لكنه لا يكفي عن الفريضة ويحكي على هذا الإجماع.
стр. 63
ويقول أيضًا: «لأن عليه دلائل منها قول رسول الله ﷺ : (لا يقتل مؤمن بكافر) والإجماع أن لا يقتل المرء بابنه إذا قتله» (١).
فهذا ليس من الإجماع الضروري ولا من المعلوم من الدين بالضرورة.
وقال أيضًا: «الإجماع على أن لا يقتل الرجل بعبده -وهذا كذلك- ولا بمستأمن بدار حرب ولا بإمرة في دار حرب ولا صبي» (٢).
هذه المسائل كلها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة، وهناك نقولات عن الإمام أحمد مثلها.
ومن ذلك ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٣)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (٤) عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: «لا يختلف المسلمون على أن الدم نجس». وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.
ومن ذلك أيضًا قوله: «أجمعوا على أن التكبير - أي المقيد -، يبتدئ من غداة يوم عرفة» (٥).
وكذلك قوله: «أجمعوا على أن أولاد المسلمين في الجنة» (٦).
وقوله: «أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز» (٧).
стр. 64
وقوله في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]: «أجمع الناس أن هذِه الآية في الصلاة» (١)، وهذا ليس من المعلوم من الدين بالضرورة.
إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي تكلم فيها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهي ليست من المعلوم من الدين بالضرورة ومع ذلك احتجوا بها.
فحصر الإجماع عند الإمام أحمد أو الشافعي بأنه من المعلوم من الدين بالضرورة غلط يخالفه صنيعهم وقبل ذلك يخالفه التأصيل الشرعي، فإن الشريعة جعلت الإجماع حجة متى ما وجد.
* * *
الشبهة الحادية عشرة
قال بعضهم: عدم العلم بالمخالف لا يدل على الإجماع .
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن مفهوم الإجماع أن ينطق طائفة ولا يخالفهم الآخرون هذا هو حقيقة الإجماع كما تقدم بيانه، وهذا موجود في عدم العلم بالمخالف كما تقدم بيانه أيضًا.
الوجه الثاني: أن صنيع الإمامين الشافعي وأحمد وغيرهما أنهم يحتجون بعدم العلم بالمخالف، وتقدم ذكر شيء من ذلك.
ولابن تيمية ﵀ تأصيل بديع في مثل هذا، فمما قرره أن المسائل التي لا يعلم فيها خلاف حجةٌ ولا يصح لأحد أن يحدث قولاً جديداً إلا أن يعلم أن له سلفاً، حيث قال ﵀ في «مجموع الفتاوى»: «وأما الظني فهو الإجماع الإقراري والاستقرائي:
стр. 65
بأن يستقرئ أقوال العلماء فلا يجد في ذلك خلافا أو يشتهر القول في القرآن ولا يعلم أحدا أنكره فهذا الإجماع وإن جاز الاحتجاج به ... » إلى أخر كلامه (١).
فقد جعل هذا الاستقرائي.
وقال في رده على السبكي في مسألة في تعليق الطلاق: «فأنواع الإجماع التي يمكن الاستدلال بها ثلاثة: إجماع إحاطي، وإجماع إقراري، وإجماع استقرائي:
فالأول: ما يحيط علمًا بأن الصحابة أو التابعين كانوا عليه، مثل ما علمنا أنه من دين الرسول ﷺ الظاهر المعروف الذي لا ينكره إلا من هو كافر به.
والثاني: أن يشتهر القول أو العمل في السلف فلا ينكره منكر؛ فهذا إجماع إقراري، فإن الأمة لا تجتمع على الإقرار على باطل، بل كما أن الرسول ﷺ معصوم في قوله وفعله وإقراره، فكذلك الأمة معصومة في قولها وفعلها وإقرارها، وهذا كجعل عمر بن الخطاب ﵁ الأرض المفتوحة عنوة فيما بين المسلمين، وغير ذلك.
وإذا قيل في مثل ذلك: قد يكون بعضهم أنكرها.
قيل: لا يسقط الفرض بإنكار الخطأ إلا إذا ظهر الإنكار، ولو أنكر ذلك منكر لكان مما تتوافر الدواعي على نقله؛ كما نقلوا نزاع ابن عباس ﵄ في العول والعمريتين، ونزاع ابن الزبير ﵄ في ميراث المبتوتة، وأمثال ذلك.
وأما الثالث: فهو الإجماع الاستقرائي، وهو أن يتتبع العالم ما أمكنه من أقوال العلماء فلا يجد أحدًا خالف في ذلك» (٢).
فقد جعل الإجماع أقساماً ثلاثة ويجعل الجميع حجة لكن له تعامل معها إذا خالفت نصاً.
стр. 66
ومن كلامه المفيد أيضًا ما قاله في كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»: «لا يمكن العالم أن يبتدئ قولا لم يعلم به قائلا؛ مع علمه بأن الناس قد قالوا خلافه, حتى إن منهم من يعلق القول فيقول: "إن كان في المسألة إجماع فهو أحق ما يتبع, وإلا فالقول عندي كذا وكذا".
وذلك مثل من يقول: "لا أعلم أحدا أجاز شهادة العبد" وقبولها محفوظ عن علي وأنس وشريح وغيرهم. ويقول آخر: "أجمعوا على أن المعتق بعضه لا يرث" ... » (١) ثم ذكر من خالف في ذلك.
وهذا تأصيل عظيم.
ومما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في رده على السبكي: «أن قول العالم لا أعلم فيه خلافاً يفيد الإجماع ولكنه أقل من قوله أجمعوا» (٢). وهذا حق.
ومما يفيد الإجماع لكنه أقل مما قبله: «أن أقل من ذلك أن يقول: أجمع كل من نحفظ عنه» (٣). وهذا أيضًا يفيد الإجماع ولكنه أقل فكلها مراتب تدل على الإجماع ولكنها متفاوتة، ويكفي أن تفيد إجماعاً من باب غلبة الظن، ولو كان أقل درجات غلبة الظن.
ومما يقوي غلبة الظن في مثل هذا ويجعل النفس تطمئن للعمل به أن يقال: المسألة التي يعرف أن عشرة من العلماء قالوا فيها بالحرمة مثلًا، وأراد أحد أن يخالفهم، ولا يعلم له سلفًا في مخالفتهم، فقوله خطأ لأنه محدث ومخالف لسبيل المؤمنين فيما يعلم، إذن لابد من الرجوع إلى قول الذين لم يعلم أن لهم مخالفًا، وأيضًا أي مسألة لم يحك عالم ذو استقراء فيها الإجماع يحتمل أن تكون
стр. 67
إجماعية وأن تكون خلافية، ويغلب جانب الإجماعية بحكاية هذا العالم الإجماع فيكون إجماعًا من باب الظن الغالب.
* * *
الشبهة الثانية عشرة
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التسعينية (١) وغيرها أنّ عامة أهل البدع يخالفون الأدلة بحجة الإجماع ويكون إجماعهم مخروماً غير صحيح ، فإذاً لا يصح الاستدلال بالإجماع في مخالفة الدليل، لئلا نوافق أهل البدع.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: لا شك أن هناك إجماعات مخرومة بيد أنَّ ذلك ليس مسوغًا لرد الإجماعات كلها، بل يبقى الإجماع حجة حتى يثبت أنه مخروم، كالحديث النبوي فلا شك أن ثمة أحاديث ضعيفة، لكن ليس هذا مسوغًا لرد الأحاديث الصحيحة، بل يقال: ما ثبت أنه صحيح فيحتج به حتى يتبين خلاف ذلك.
الوجه الثاني: إن هناك مسائل حكي فيها الإجماع فزعم قوم خرمه، وتبين خطأ زعمه، ومن أمثلة ذلك:
أن غير واحد من أهل العلم كالطحاوي (٢) والقاضي عياض (٣) وابن جرير (٤):
стр. 68
حكوا الإجماع على أن الصلاة على النبي ﷺ ليست واجبة في التشهد الأخير.
فحاول بعض أهل العلم أن يبين أن هذا الإجماع مخروم فنقل ذلك عن أبي مسعود البدري وعن ابن مسعود الهذلي وعن أبي جعفر الباقر (١).
ثم تبين أن نقله عن ابن مسعود وهمٌ (٢)، وإنما هو من قول أبي مسعود البدري، وإسناد أبي مسعود البدري ضعيف كما بينه البيهقي (٣)
وغيره.
فلم يبق إلا النقل عن أبي جعفر الباقر الذي قال بعضهم فيه: إنه محفوظ. إلا أن إسناد أبي جعفر لا يصح؛ فيه حجاج بن أرطأة وهو معروف بضعفه (٤).
والبيهقي مع أنه شافعي لما ساق إسناد أبي جعفر لم يسقه إلا من طريق ابن أرطاة، ومعلوم أن البيهقي يسعى إلى نصرة المذهب الشافعي- وقد ذكر عنه ابن تيمية في «الرد على البكري» أنه يذكر ما للشافعية دون ما عليهم (٥) -، فلو كان عنده من طريق صحيح لبينه، وهو أراد أن ينصر قول الشافعية في هذه المسالة، وأراد أن ينسب هذا القول لأبي جعفر الباقر، ولم ينسبه إلا من طريق ضعيف.
ونسبه إلى الشعبي (٦) بلا إسناد ولو كان عند البيهقي إسناد صحيح لما
стр. 69
تركه، فهذا يدل أنه لا ينبغي أن يندفع مع كل من أراد أن يخرم إجماعًا، بل لابد أن يتأكد من خرمه، ويتأكد من صحة الأسانيد إلى من ينسب إليهم المخالفة.
* * *
الشبهة الثالثة عشرة
قال بعضهم الإجماع الذي لا يقطع به هو من الظن ، وبعبارة أخرى: الإجماع الذي لا يقطع بعدم المخالف هو من الظن، فكيف يترك الدليل إلى الظن؟
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: ينبغي أن يعلم أن الإجماع بنوعيه سواءً كان قطعياً أو ظنياً، أن قوته في كونه قاطعاً في دلالته كما تقدم بيانه.
فإذا تعارض في نظر المجتهد الإجماع الظني في ثبوته مع حديث أو آية فقد تعارض دليل قطعيٌ في دلالته -وهو الإجماع- مع نص قد يحتمل أكثر من وجه وقد يكون محتملًا فيظن أنه غير محتمل، لكن مما يقطع به أن دلالة الإجماع قطعية إذن إذا تعارض في الظاهر، فلا بد أن يراجع الناظر نفسه؛ لأن الإجماع لا يمكن أن يقدح فيه من جهة دلالته وإنما يقدح فيه من جهة ثبوته، والبحث الآن في الدلالة، والنص المخالف للإجماع في الظاهر قد يقال إنه محتمل لأكثر من معنى، فمن حيث الأصل يقدم الإجماع؛ لأن معنى أن العلماء أجمعوا على هذا: أي أن أفهام العلماء اجتمعت على أن هذا الحكم حرام أو أن هذا الحكم مستحب إلى آخره .. فلا يصح رده إلا أن يقال إنه مخروم.
أما من جهة الدلالة فهو قاطع كما تقدم، فعلى هذا إذا تعارض نصٌ مع إجماع - ولو كان الإجماع ظنياً في ثبوته فإنه يُقدم؛ لأن دلالته لا تكون إلا قطعية بخلاف النص.
стр. 70
الوجه الثاني: غالب ما يظن من النصوص أنه معارض للإجماع فحقيقة الحال أن الإجماع مخصص أو مقيد أو مبين، ومن ذلك أن بعض العلماء ظن أن قول الصحابة بأن الصوم الذي يصام عن الولي هو صوم النذر دون غيره أن هذا مخالف لما روت عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». متفق عليه (١).
ولو تعامل مع قول الصحابة كعائشة وابن عباس الذي لم يخالف بأنه إجماع وأن هذا النص يحتمل أكثر من معنى لخصص هذا العام بفتاوى الصحابة ولم يحتج أن يجعل أقوالهم متعارضة مع النص؛ لذا ذهب بعض الشافعية كالنووي (٢) وغيرهم إلى رد هذه الآثار بناءً على أنه ظنها تخالف النص، والأولى أن يعمل بالحجتين لا أن يرد أحدهما ويجعل قول الصحابة الذي لم يخالف مخصصًا لظاهر النص، كما هو قول الليث بن سعد (٣)، وأحمد في رواية (٤)، وابن القيم (٥)، والألباني (٦).
* * *
الشبهة الرابعة عشرة
قال بعضهم إذا صح الحديث وجب العمل به ولو لم يعلم من عمل به؛ لأنه حجة بلا خلاف .
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
стр. 71
لا شك إذا صح الحديث فهو حجة في ذاته ولا يحتاج للاحتجاج به إلى أن ينظر من عمل به كما تقدم، لكن هذا شيء وترك العمل به لعارض كأن يكون منسوخاً، أو مجمعًا على تركه - مثلاً - شيءٌ آخر، وبحثنا في الثاني لا في الأول.
وقد فهم هذا أهل العلم بل نسبه بعضهم إلى السلف، وممن فهم ذلك الإمام الترمذي وهو من أئمة السنة ومن أئمة السلف فإنه لما أنهى جامعه قال: «كل ما في هذا الجامع قد عمل العلماء به إلا أنه حديثين أجمع العلماء على عدم العمل بهما» (١).
فقد ارتضى الترمذي هذا التأصيل، وليس الترمذي من المتأخرين إنما هو من المتقدمين، ومع ذلك ارتضاه، وإن كان نوزع في ظنه أن العلماء مجمعون على ترك العمل بالحديثين، وبعضهم مصر على أن قول الترمذي صحيح ومن خالفه فمخالفته غير صحيحة.
والمقصود أن الترمذي يقر هذا التأصيل بعيدًا عن المثالين الذين ذكرهما.
ومن الكلمات العظيمة في هذا ما قاله ابن رجب في كتابه «بيان فضل علم السلف على الخلف»: «فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان إذا كان معمولًا به عند الصحابة ومن بعدهم أو عند طائفة منهم فأما ما اتفقوا على تركه فلا يجوز العمل به؛ لأنهم ما تركوه إلا عن علم أنه لا يعمل به قال عمر بن عبدالعزيز: خذوا من الرأي ما يوافق ما كان قبلكم فإنهم كانوا أعلم منكم ... » (٢)، إلخ كلامه رحمه الله تعالى.
فهذا صريح من ابن رجب وهو ينقله عن أهل العلم أن العلماء اذا تركوا العمل بالحديث فإنه لا يعمل بهذا الحديث وهو يعزوه الى السلف، وصنيع
стр. 72
الترمذي شاهد على هذا.
* * *
الشبهة الخامسة عشرة
قال بعضهم: ترك الحديث لعدم العلم بالمخالف عليه المتأخرون دون الشافعي و أحمد .
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: تقدم أن الإمام الشافعي ﵀ يقرر ترك العمل بالحديث إذا كان منسوخًا.
الوجه الثاني: تقدم صنيع الترمذي وما ذكره ابن رجب عن أهل العلم فإنهم تركوا العمل بالحديث إذا لم يُعمل به، فلا يصح نسبة ذلك إلى المتأخرين دون المتقدمين؛ لأن الترمذي متقدم وابن رجب يعزوه إلى المتقدمين.
* * *
الشبهة السادسة عشرة
قال بعضهم: إذا وجد نص لم يُعمل به فلابد وأن هناك من عمل به، ولا يلزم أن ينقل قول من عمل به (١)؛ لأن هناك قطعاً من عمل به، فلا يصح أن يقال: أن العلماء إذا أجمعوا على ترك العمل بالحديث؛ لأن هذا لا يتصور.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أنه إذا وجد من عمل به من العلماء فلا بد أن ينقل لنا من عمل به حتى لا يظن أن في المسألة إجماعًا والإجماع حجة.
الوجه الثاني: تقدم كلام الشافعي في النسخ وأنه-رحمه الله تعالى- ترك حديثاً؛ لأن العلماء
стр. 73
أجمعوا على نسخه، فهو لا يقر بهذا اللازم.
والوجه الثالث: أنه لا دليل على هذه الدعوى ومن أراد أن يدعيها فيلزمه الدليل.
* * *
الشبهة السابعة عشرة
قال بعضهم: مخالفة من قوله ليس حجة مما حكي عليه الإجماع أعذر من مخالفة من قوله حجة وهو الكتاب والسنة ، فكيف تترك الحجة وهو الكتاب والسنة إلى من قوله ليس حجة؟
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
الوجه الأول: أن الإجماع حجة فإذا تبين أن العلماء مجمعون على ترك حديث فالمخالف للإجماع مخالف لحجة شرعية يأثم بذلك، وفرق بين مخالفة أفراد أهل العلم ومخالفة إجماعهم، فكما أن القرآن والسنة حجة فكذلك الإجماع حجة، فكما أنه لا يعذر بتركه الكتاب والسنة بلا مبرر ولا مسوغ شرعي كذلك لا يعذر بتركه الإجماع.
الوجه الثاني: أن مثل هذا إنما يقال إذا تعارض نص من كتاب أو سنة مع إجماع، والواقع أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الإجماع قاطع لابد أن يقدم إما بتخصيص أو بتقييد أو بتبيين أو أن يقال بالنسخ كما صرح بذلك الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وصرح به غيرهم من أهل العلم.
* * *
الشبهة الثامنة عشرة
قال بعضهم: إن طائفة من أهل العلم قالوا أقوالاً لم يسبقوا إليها فدل هذا على جواز إحداث قول جديد .
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
стр. 74
الوجه الأول: إن هناك فرقًا بين تأصيل العالم وعمله فقد يخطئ ويظن أن له سلفاً، فلا يؤخذ من عمله تأصيل إذا خالف تأصيله، وإنما يقال: أخطأ في تنزيل هذا الأصل على الفرع لا أن ينقض الأصل.
فلو قال عالم: إن الأمر يقتضي الوجوب. ولم يقل بالوجوب في مسألة فيها أمر وليس هناك صارف، فلا يقال: إن له قولاً آخر في دلالة الأمر على الوجوب، بل يقال أخطأ في تنزيل هذا الأصل على هذا الفرع.
الوجه الثاني: أن مقتضى هذا القول جواز إحداث قول جديد، وهذه طامة والبحث معه مختلف عن البحث مع البقية؛ لأن من يجوز إحداث قول جديد حقيقة قوله أن الإجماع ليس حجة؛ لأن أي إجماع يجوز أن يخالف بإحداث قول جديد لذا كل دليل يدل على أن الإجماع حجة ردٌّ على هذا.
ويقال أيضًا: كل دليل يدل على أن المحدثات ممنوعات في الشرع كقول النبي ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» (١)، ردٌّ عليه وتقدم بيان هذا.
* * *
الشبهة التاسعة عشرة
قال بعضهم: قال الإمام إسحاق بن راهويه في «مسائل إسحاق بن منصور»: قيل لإسحاق بن راهويه: إن أخاك أحمد بن حنبل أجاب فيها بمثل جوابك فقال: ما ظننت أن أحدًا يوافقني (٢).
فهذا يدل على أن إسحاق بن راهويه يرى إحداث قول جديد؛ لأنه قال في مسألة لا يظن أن أحدا يوافقه عليها.
стр. 75
وكشف هذه الشبهة: أن هذا غير صحيح؛ وذلك أنه كان لا يظن أحدًا من معاصريه، أو من العلماء المشهورين في زمانه لا أنه يرى نفسه أحدث هذا القول.
وبأسلوب آخر يقال: كلام إسحاق يحتمل أنه يجوز إحداث قول جديد ويحتمل أنه لا يظن أحدًا من العلماء المعاصرين له يوافقه في هذا القول، وقطعاً يحمل على الثاني دون الأول؛ لأنه ليس إسحاق ولا غيره من أئمة السنة يرون جواز إحداث قول جديد ولو رأوا ذلك لنقل عنهم ولنسبه أهل العلم لهم.
* * *
الشبهة العشرون
قال بعضهم: درج العلماء على تقديم الكتاب والسنة على الإجماع ويجعلون الإجماع آخر مراتب الأدلة ، فيقول: دل على هذا الكتاب والسنة والإجماع، إذن إذا تعارض الإجماع والحديث أو الإجماع والآية تقدم الآية أو الحديث.
يقال: أما تقديم الكتاب والسنة على الإجماع من جهة الترتيب فلا شك في هذا، وليس البحث في مثل هذا بل البحث فيمن يظن من النصوص أنه مخالف للإجماع هل يقدم هذا الظن أو يقدم الإجماع الذي هو قطعي في دلالته.
وبطريقة أخرى يقال: إنه إذا ظن مجتهد أن هذا النص يدل على كذا فمهما علت مكانته فإنه ما بين أن يقطع أو يظن، وقطعه وظنه محتمل للخطأ فإذا ظن أن النص مخالف للإجماع فقطعاً الإجماع مقدم على ظنه لأن الإجماع قاطع، وهذا بخلاف فهمه فهو يحتمل الخطأ، فيقدم المعصوم القاطع على الفهم الظني المحتمل.
ولو ضبط هذا لانكشفت مسائل كثيرة؛ لأن كثيرًا ممن يريد رد الإجماع في ظاهر النصوص يفترض التعارض والواقع لا تعارض.