Полный текст (176 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وقال تعالى: ﴿فأما من أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره لليسرى﴾ ، أي للحال اليسرى: وهي العمل بالطاعة. ﴿وأما من بخل واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى﴾ ، أي: للحال العسرى وهي: العمل بالمعصية، وقال ﷺ : ((كل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلى الآيتين)) .
٣٤- فالمؤمنون بالتوفيق آثروا الإيمان، وأقدرهم الله عليه، وعلى ترك الكفر. والكافرون بالخذلان آثروا الكفر وأقدرهم الله تعالى عليه وعلى ترك الإيمان. ومعنى قوله: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ ، إن قوماً من ثمود آمنوا ثم ارتدوا فاستحبوا العمى على الهدى أي: اختاروا الكفر على الإيمان.
٣٥- ومعنى قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ ، الخصوص يريد بعضهم وهم الذين علم أنهم يعبدونه، لأنه قال في آية أخرى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾ ومن ذرأه لجهنم لم يخلقه لعبادته.
стр. 37
وقال مجاهد: معنى ﴿ليعبدون﴾ : ليعرفون. أي: ليعرفوا أن لهم خالقاً ورازقاً.
٣٦- وقوله : ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك﴾ ، الحسنة هاهنا: الخصب والغنيمة، والسيئة: الجذب والنكبة. لأنهم كانوا يتشاءمون بالأنبياء ﵈ كما أخبر بذلك في قوله: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾ يعني الرخاء والعافية ﴿قالوا لنا هذه﴾ أي: بحق أصابتنا ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ يعني: بلاء وشدة: ﴿يطيروا بموسى ومن معه﴾ فقال الله تعالى راداً عليهم
стр. 38
متعجباً من قولهم: ﴿قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً﴾ ﴿ما أصابك﴾ أي يقولون: ما أصابك ﴿من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك﴾ ، وإضمار القول في القرآن والكلام كثير.
٣٧- قال الله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ ، أي يقولون: سلام عليكم. ومثله: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ أي: يقولون.
﴿والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ أي يقولون: أخرجوا.
ومثله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾ أي يقولون: ما نعبدهم، فكذلك ما تقدم سواء.
فصل: (في خلق أفعال العباد وتقدير الأرزاق والآجال)
٣٨- ومن قولهم: [إن الله سبحانه مقدر أرزاق الخلق، ومؤقت لآجالهم، وخالق لأفعالهم، وقادر على مقدوراتهم، وأنه إله ورب لنا، لا خالق غيره، ولا رب سواه، على ما أخبر به جل ثناؤه في قوله: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ ، وقال: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ ، وقال: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ .
стр. 39
وقال: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو﴾ ، وقال: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ ، وقال: ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾ ، وقال: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ ، وقال: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ ، وقال: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ .
وقال: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ ، وقال: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾ الآية. فبين تعالى أنه خالق العباد، وضحكهم وبكائهم وقولهم، وسائر أعمالهم.
فصل: (في إثبات صفة الكلام لله)
٣٩- ومن قولهم: إن كلام الله صفة لذاته، لم يزل ولا يزال موصوفاً به. قال جل ثناؤه: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام﴾ الآية.
وقال: ﴿قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي﴾ الآية، وقال: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ ، وقال: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل
стр. 40
لكلماته﴾ ، وقال: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله﴾ ، وقال: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ .
٤٠- وسامع كلامه منه تعالى بلا واسطةٍ، ولا ترجمان كجبريل وموسى ومحمد ﷺ سمعه من الله غير متلوٍ ولا مقروء، فهو القائل ﷻ لموسى ﵇: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ ، وكذلك قال تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ ، فأكد الفعل بالمصدر الذي يزيل المجاز، ويوجب الحقيقة.
وقال: ﴿منهم من كلم الله﴾ ومن عداهم ممن لا يتولى خطابه بنفسه فإنما يسمع كلامه متلواً ومقروءاً. وقال عز من قائل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ ، يريد: متلواً ومقروءاً.
فصل: (في أن القرآن كلام الله غير مخلوق)
٤١- ومن قولهم: إن القرآن كلام الله، وصفة لذاته، جديد لا يبلى، ولا يفنى، ولا يخلقٍ على كثرة الرد، منزل مفروق، ليس بخالق ولا مخلوق، وقال الله تعالى: ﴿قرآناً عربياً غير ذي عوج﴾ . قال ابن عباس: غير مخلوق.
стр. 41
وذلك كذلك إذ كل مخلوق معوج من حيث كان مفتقراً إلى خالقه.
٤٢- وروى محمد بن إسماعيل البخاري، عن الحكم بن محمد، عن سفيان بن عيينة قال: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة، منهم: عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق.
وقد أدرك عمرو ابن عمر، وابن عباس، وجابراً وغيرهم من الصحابة.
٤- وروى غير واحد عن سفيان قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: سمعت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق، وما دونه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله.
٤٤- وروى الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((القرآن كلام الله غير مخلوق)) .
стр. 42
٤٥-[وكلام الله سبحانه قائم به، ومختص بذاته، ولا يصح وجوده بغيره، وإن كان محفوظاً بالقلوب، متلواً بالألسن، مكتوباً في المصاحف، مقروءاً في المحاريب على الحقيقية لا على المجاز، وغير حال في شيء من ذلك، ولو جاز وجوده في غيره لكان ذلك الغير متكلماً به، وآمراً وناهياً وقائلا: ﴿أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ وذلك خلاف دين المسلمين.
٤٦- وكلامه ﷻ : مسموع بالآذان، وإن كان مخالفاً لسائر اللغات، وجميع الأصوات،
стр. 43
وليس من جنس المسموعات، كما أنه جل وعز يرى بالأبصار وإن كان مخالفاً الأجناس المرئيات وكما أنه تعالى موجود مخالف لجميع الحوادث الموجودات.
ولا يجوز أن يحكى كلام الله تعالى، ولا أن يلفظ به؛ لأن الحكاية الشيء مثله وما يقاربه.
٤٧- كلام الله : لا مثل له من كلام البشر، ولا يجوز أن يتكلم به ويلفظ به الخلق لأن ذلك يوجب كون كلام المتكلمين قائماً بذاتين قديم ومحدث، وذلك خلاف الإجماع والمعقول] .
٤٨- ولا يسع أحداً أن يقول: القرآن كلام الله ويسكت، حتى يقول: غير مخلوق.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: لولا ما وقع في القرآن –يعني من القول بخلقه- لوسعه السكوت، ولكن لم يسكت. يريد أنه إنما يسكت لريبةٍ.
стр. 44
وقال ﵀: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي.
قال: ومن قال: لفظي به غير مخلوق فهو قدري. وقد قال أيضاً: فهو بدعي.
وقول أحمد هذا قول جميع أهل السنة من الفقهاء، والمحدثين والمتكلمين!!
стр. 45
٤٩- قال شيخنا أبو بكر محمد بن الطيب: قال أبو الحسن الأشعري ﵀: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو ضال مبتدع، وقائل بما لم يقل به أحد من سلف الأمة.
قال أبو بكر: وكذلك نضلل ونبدع من قال: لفظي به غير مخلوق.
وهو مذهب أحمد بن حنبل الذي رواه عنه ابناه صالح وعبد الله.
٥٠- قال: نا سلمة بن سعيد، قال: نا محمد بن الحسين، قال: نا محمد بن مخلد، قال: نا أبو داود، قال: نا أحمد بن إبراهيم، قال: سألت أحمد قلت: هؤلاء يقولون
стр. 46
: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؟
فقال: هذا شر من قول الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل ﵇ جاء بمخلوق، وأن النبي ﷺ تكلم بمخلوق.
٥١- حدثنا ابن سعيد قال: نا محمد قال: نا ابن مخلد قال: نا أبو داود قال: سألت أحمد ابن صالح عمن قال: القرآن كلام الله، ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق؟!
فقال: هذا شاكٌ، والشاك كافر.
٥٢- حدثنا محمد بن عيسى، قال: نا وهب بن مسرة، قال: نا محمد بن
стр. 47
وضاح قال: كل من أدركت من فقهاء الأمصار، مكة، والمدينة، والعراق، والشام، ومصر وغيرها يقولون: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق.
قال ابن وضاح: ولا يسع أحداً أن يقول: كلام الله فقط؛ حتى يقول: ليس بخالق ولا مخلوق.
٥٣- حدثنا ابن سعيد، قال: نا محمد بن الحسين، قال: نا جعفر بن إدريس القزويني، قال: نا حمويه بن يونس، قال: نا جعفر بن محمد بن فضل الرأسي رأس العين قال:
стр. 48
نا عبد الله بن صالح –كاتب الليث-، قال: نا معاوية بن صالح، عن علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿قرآناً عربياً غير ذي عوجٍ﴾ قال: غير مخلوق.
٥٤- حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الفرائضي، قال: نا أبو الحسين عبد الله بن أحمد المقرئ قال: نا أبو بكر محمد بن عثمان بن نصر المروزي، قال: نا أحمد بن منصور
стр. 49
النيسابوري، قال: نا أحمد بن عيسى الخشاب، قال: نا الحسين بن عبد الله الأزدي، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ((القرآن كلام الله غير مخلوق)) .
стр. 50
فصل: (في رؤية المؤمنين لربهم)
٥٥- ومن قولهم: أن الله يتجلى لعباده المؤمنين في المعاد، فيرونه بالأبصار على ما نطق به القرآن، وتواترت به أخبار الرسول ﷺ .
قال الله : ﴿وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ. إلى ربها ناظرةٌ﴾ ، وأكد ذلك بقوله في الكافرين: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون﴾ تخصيصاً منه برؤيته المؤمنين.
قال الله : ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادةٌ﴾ .
стр. 51
والزيادة: النظر إلى الله تعالى، جاء ذلك مفسراً كذلك عن النبي ﷺ ، وعن غير واحد من الصحابة والتابعين.
٥٦- وقال تعالى مخبراً عن موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ ، ولولا علمه بجواز الرؤية بالأبصار عليه لما أقدم على أن يسأله ذلك.
стр. 52
ورؤيته تعالى بغير حد، ولا نهاية، ولا مقابلة، ولا محادة، لأنه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ .
٥٧- وقال ﷺ : ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته)) . وروى ابن وهب، عن مالك أنه قال: أهل الجنة ينظرون إلى الله تعالى بأعينهم، وأشار ابن وهب إلى عينه.
ومعنى: ((لا تضامون)) أي: لا تدافعون ولا تزدحمون.
стр. 53
ومعنى الحديث الآخر: ((لا تضارون في رؤيته)) . أي: لا يدخل عليكم ضرر في رؤيته.
٥٨- ومعنى قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ .
قيل: اطلع.
وقيل: ظهر من أمره ما شاء.
وقيل معناه: فإنه خلق في الجبل حياة ورؤيةٌ حتى رأى ربه.
٥٩- ومعنى قول موسى ﵇: ﴿تبت إليك﴾ . أي: من التقدم بالمسألة قبل الإذن فيها.
وقيل: من ذنوب تقدمت؛ ذكرها عند ظهور الآية جدد التوبة منها.
٦٠- ومعنى قوله: ﴿وأنا أول المؤمنين﴾ أي: بأنه لا يراك شيء من خلقك إلا حل به ما حل بالجبل.
وقيل: أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا.
ومعنى قوله: ﴿لن تراني﴾ ، أي: في الدنيا، لأن موسى إنما سأله الرؤية في الدنيا، وكان ذلك جواباً لسؤاله.
стр. 54
٦١- وكذلك معنى قوله : ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أي: في الدنيا، لأنها دار الفناء، والنظر إليه تعالى من جزاء الأعمال، وهو أبلغ الجزاء، قوله: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ وليست الدنيا بدار جزاء.
٦٢- وقيل: معنى ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أي: لا تحيط به، وهو تعالى محيط بها كما قال تعالى في قصة موسى ﵇ ﴿إنا لمدركون﴾ ، بعد قوله: ﴿تراءى الجمعان﴾ وقال في قصة فرعون: ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ فالإدراك في هاتين الآيتين: الإحاطة لا الرؤية، فكذلك هو في الآية المتقدمة سواء.
стр. 55
فصل: (في الحساب)
٦٣- ومن قولهم: إن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة، ويسألهم عن أعمالهم، على ما أخبر به في قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ ، وقال : ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾ الآية. وقال: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين﴾ ، وقال: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ ، وقال: ﴿إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون﴾ ، وقال: ﴿ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين﴾ .
٦٤- وحدثنا محمد بن عبد الله، قال: نا وهب بن مسرة، قال: نا محمد بن وضاح، قال: نا ابن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن الأعمش، عن خيثمة، عن
стр. 56
عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان)) .
فصل: (الإيمان قول وعمل ونية)
٦٥- ومن قول الفقهاء والمحدثين: إن الإيمان قول، وعمل، ونية، وإصابة السنة.
فالقول: الشهادة لله بما تقدم وصفنا له، والإقرار بملائكته وكتبه ورسله وبجميع ما جاء من عنده.
والعمل: أداء الفرائض التي فرضها، واجتناب المحارم التي حرمها.
والنية: أعمال القلوب واعتقاداتها.
والسنة: معرفة الديانة بالعلم.
٦٦- وبيان هذا كله في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾
стр. 57
الآية. وقال: ﴿يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ ، وقال: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ الآية. وقال: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ ، وقال: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن﴾ الآية.
وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ الآية. وقال: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول﴾ ، وقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ الآية.
وقال: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة﴾ الآية. وفيها: ﴿وآتى المال﴾ ، وفيها: ﴿وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ .
وقال: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ ، وقال ابن عباس والبراء: يعني صلاتهم إلى بيت المقدس.
стр. 58
فسمى الصلاة إيماناً، في نظائر لهذه الآي تدل على أن الإيمان كما قالوه.
٦٧- فإن قال قائل: فما الإيمان عند المتكلمين من أصحابكم؟!
قلت: التصديق كما قدمناه أولاً، ودللنا على صحته.
فإن قال: وما الطاعات عندهم؟
قلنا: شرائع الإيمان!، بدليل قوله تعالى في غير موضع: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ فوصفهم بالإيمان ووصفهم بعمل الصالحات، فدل على أن الأعمال الصالحة شرائع الإيمان، وأن الإيمان هو التصديق.
стр. 59
فإن قال: تأويل ابن عباس والبراء لقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ يعني: صلاتكم يدل على أن الإيمان: الطاعات، وأن كل طاعة إيمان؟
قلت: ليس بدال على ذلك، إذ ممكن أن يحمل ذلك على التوسع، فلذلك سمينا الصلاة إيماناً إذ كانت من شرائع الإيمان، وبالله التوفيق.
فصل: (في زيادة الإيمان ونقصانه)
٦٨- ومن قولهم –أيضاً-: إن الإيمان يزيد [بالطاعة] ، وينقص بالمعصية، ويقوى بالعلم، ويضعف بالجهل، ويخرج بالكفر.
والدليل على زيادته قوله : ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ ،
стр. 60
وقوله: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً﴾ ، وقوله: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم﴾ ، وقوله: ﴿ويزداد الذين آمنوا إيماناً﴾ في أمثال لذلك من الآي.
والدليل على نقصانه قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية، فما حبط فلا شك في نقصانه.
وقال ﷺ في النساء: ((ما رأيت من ناقصات دين وعقل أغلب على ذي لب منكن)) . وقال ﷺ : ((يخرج من النار من في قلبه مثقال من الإيمان، ونصف مثقال، وربع مثقال)) حتى ذكر الخردلة والشعيرة.
فمن معه قدر مثقال فإيمانه لا شك أزيد ممن معه قدر خردلة وشعيرة.
وأقل الإيمان: ما لا يجامعه الشكوك. وأكثره: إيمان الأنبياء ﵈.
стр. 61
٦٩- حدثنا الخالقاني خلف بن حمدان، قال: نا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: نا عمي يحيى بن زكريا، قال: نا محمد بن يحيى، قال: نا أبو بكر بن أبي الأسود، قال: نا إبراهيم ابن أبي الوزير قال: سألت مالكاً عن الإيمان فقال: قول وعمل.
فقلت: يزيد وينقص؟ قال: نعم.
стр. 62
فصل: (الاستثناء في الإيمان)
٧٠- ومن قولهم: إن الاستثناء في الإيمان جائز واسع إذا كان عائداً إلى العاقبة أو الكمال، ولا يجوز على طريق الشك، لأن أقل ما يقبل من الإيمان ما لا يجامعه الشكوك.
٧١- وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الاستثناء في الإيمان: سنة ماضية عند العلماء، وليس بشك. قال: وإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ فليقل: أنا مؤمن إن شاء الله، أو: مؤمن أرجو.
[أو يقول] : آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
стр. 63
٧٢- وروى منصور عن إبراهيم قال: قيل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو إن شاء الله.
٧٣- وقال أبو بكر المروذي: قيل لأحمد بن حنبل: إن استثنيت في إيماني أكون شاكاً؟ قال: لا.
٧٤- وقال أحمد: حدثني على بن بحر، قال: سمعت جرير بن عبد الحميد، يقول: كان الأعمش، ومغيرة، ومنصور، وليث، وعطاء بن السائب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمارة بن القعقاع، والعلاء بن المسيب، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، وحمزة الزيات يقولون: نحن مؤمنون –إن شاء الله- ويعيبون على من لم يستثن.
٧٥- وقال عبد الرحمن بن مهدي: ترك الاستثناء هو أصل الإرجاء.
стр. 64
وقال ابن حنبل: من لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ.
٧٦- وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الرجل ليمسي مؤمناً ويصبح كافراً، ويصبح كافراً ويمسي مؤمناً)) وهو الذي سوغ الاستثناء لجهل الكل بعاقبة أمرهم وما يختم لهم به.
٧٧- حدثنا حمزة بن علي البغدادي، قال: نا الحسن بن يوسف، قال: نا نصر ابن مرزوق، قال: نا أسد بن موسى، قال: نا عبد العزيز بن محمد، قال: نا
стр. 65
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يعمل بعمل أهل النار فيجعله من أهل النار)) .
فصل: (في معنى الإسلام)
٧٨- ومعنى الإسلام: الاستسلام، والانقياد، والمتابعة، ومن ذلك قوله : ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ أي: انقاد له. ومنه قول إبراهيم ﵇: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ أي: انقدت وتابعت. وقال تعالى: ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ أي استسلما لما أمرا به. وكذا قوله : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ يريد الله تعالى بإسلامهم: الاستسلام فزعا من السيف دون انشراح الصدر بالإيمان. فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم التصديق والإيمان.
стр. 66
وقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾ يريد من انقاد إليكم ظاهره، وأذعن بكلمة الحق، لأنكم لا تعرفون باطنه، فكل طاعة استسلم بها العبد لربه وانقاد بها لأمره، فهي من جملة الإسلام.
فصل: (في الإيمان والإسلام)
٧٩- والإيمان أعلى خصلة من خصال الإسلام، ولا تتم طاعة الله، وقربة إليه إلا به، فوجب بذلك أن يكون كل إيمان إسلاماً لله من حيث كان قربة إليه، وانقياداً، واستسلاماً
стр. 67
لأمره، وأن يكون كل إسلام إيماناً، لأن من الإسلام إيماناً هو تصديق، ومنه ما ليس بتصديق.
٨٠- فأما قوله : ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ ، فلا يدل على أن كل إسلام إيمان، وأن الإسلام هو الإيمان على ما ذهب إليه بعض الناس، لأنه لم يكن في أهل تلك القرية مؤمنون مصدقون لله ، ولا ممن يريد الله بالطاعة، ويستسلم لأمره غير أهل البيت، صاروا هم المؤمنون، وهم المسلمون فقال : ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ الآية، فوصفهم
стр. 68
بالتصديق والإقرار، وبالانقياد والتسليم الذي هو من فروع الإيمان!!
فصل: (في منة الله على المؤمنين بالإيمان)
٨١- وأجل نعم الله على خلقه الطائعين، وعبادة المؤمنين: خلقه الإيمان في قلوبهم، وإجراؤه على ألسنتهم، وتوفيقهم لفعله، وتمكينهم من التمسك به. وخلق الإيمان والتوفيق له نعمه خص الله تعالى بها المؤمنين دون الكافرين، ولذلك قال جل وعلا: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً﴾ ، ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ ، وقال : ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ ، وقال: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم﴾
стр. 69
الآية، وقال: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ ، ولو كانت هذه النعمة على الكافرين لم يكن لتخصيصه بها المؤمنين وامتنانه بها على النبيين معنى، إذ كان قد أنعم بها على المردة المشاقين، والكفرة الضالين.
فصل: (في الإيمان بما جاءت به الرسل)
٨٢- ومن قول جميعهم: إن جميع المكلفين يلزمهم الإيمان بكل ما أتت به الرسل، ونطقت به الكتب، وبجميع فرائض الدين من الوضوء، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وحصول النفع والرشاد في جميع ما ندب الله تعالى إليه، ورغب في فعله، وإباحة جميع ما أحله وأطلقه لعباده، وتحريم كل ما حرم وحظر على خلقه من [السرقة] ، والزنا، واللواط، وسفك الدماء، واستحلال الأموال، وترك الواجبات، ونكاح ذوات المحارم من الأمهات، والأخوات والبنات، ومن سمى الله تعالى في الآية، ومن حرم نكاحه بالرضاعة، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين، وأكل لحم الخنزير وشرب الخمر، وقذف المحصنات إلى غير ذلك من سائر المحرمات الوارد تحريمها في الكتاب والسنة.
стр. 70
فصل: (في جزاء الحسنة والسيئة)
٨٣- ومن قولهم: إن الله تعالى يجازي بالحسنة عشراً، وبالسيئة مثلها، ويعفو عن كثير، ولا يضيع عمل عامل من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ ، وقال : ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ ، وقال: ﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ ، وقال: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾ ، وقال: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ ، وقال: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا﴾ يريد –وهو أعلم- بالعمل الصالح: الدخول في شريعة الإسلام، وتصديق الرسول ﵇.
فصل: (في وجوب التوبة وشروطها)
٨٤- ومن قولهم: إن فرضاً على جميع العصاة المذنبين التوبة إلى الله من ذنوبهم صغيرها وكبيرها، والندم على ما كان منهم، ورد الظلامات إلى العباد، وضمان قيمة ما أنفقوه، والعزم على أدائه متى أمكنهم ذلك، إذا تعذر رده بعينه ورد قيمته، والدليل على وجوب التوبة قوله : ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ ، وقال تعالى
стр. 71
: ﴿يا [أيها] الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً﴾ ، وقال: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً﴾ في غير موضع، وقال: ﴿ [و] سارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ ، وقال تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ في أمثال لهذه الآي، وردت في إيجاب التوبة والدعاء إليها، والحث عليها، والتحذير من تركها، وغليظ الوعيد في التخلف عنها، وقول الله : ﴿وليست [التوبة] للذين يعملون السيئات﴾ الآية، دليل على أنها عليهم واجبة قبل المعاينة وحضور الملائكة.
٨٥- حدثنا محمد بن خليفة الإمام، قال: نا محمد بن الحسين، قال: نا عبد الله ابن سليمان قال: نا إسماعيل بن [عبد الله] الأصبهاني، قال: نا عثمان بن الهيثم،
стр. 72
قال: نا عوف، عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله سبحانه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)) .
стр. 73
فصل: (في مغفرة الله لما دون الشرك)
٨٦- ومن قولهم: إن الله سبحانه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء لمجتنبي الكفر، وهو الذي أراد بقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً﴾ ، أي: إن اجتنبتم أكبر ما نهيتم عنه، وهو الكفر بالله تعالى؛ وقال : ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء﴾ وأنه سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير من السيئات، ويغفر لمن يشاء من المذنبين من أمة نبيه ﷺ .
فصل: (في وعد الله ووعيده)
٨٧- ومن قولهم: [إن الوعد فضل الله ونعمته، والوعيد عدله وحقه، وأن الجنة دار المطيعين بلا استثناء، وجهنم دار الكافرين، وأرجأ تعالى لمشيئته من المؤمنين العاصين من شاء ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾ ، ولا يسأل عما فعله. قال الله تعالى فيما وعد به المؤمنين المطيعين: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم﴾ ، وقال: ﴿يبشرهم ربهم برحمة منه
стр. 74
ورضوان﴾ الآية. وقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً﴾ الآية.
وقال: ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار﴾ إلى آخر السورة.
٨٨- وقال في العصاة الكافرين: ﴿ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً﴾ الآية. وقال: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً﴾ الآية. وقال: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم﴾ الآية. وقال: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً﴾ وقال: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً﴾ أي: ماكثين فيها أبداً إلى غير نهاية.
٨٩-[وقال تعالى في المرجئين لمشيئته من المؤمنين: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ، وقال: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ الآية. وقال: ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ ، وقال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية. والكبائر هاهنا:
стр. 75
الكفر. بدليل قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، والسيئات التي يغفرها هي ما دون الشرك، [فوعده ﵎ للمؤمنين المطيعين صدق، ووعيده للكافرين المشركين حق، ومن مات من المؤمنين مصراً على ذنب فهو في مشيئته وخياره] ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
فصل: (القول في عصاة الموحدين وأحكامهم في الدنيا)
٩٠- ومن قولهم: أن لا ينزل أحد من أهل القبلة جنة ولا ناراً إلا من ورد التوقيف بتنزيله، وجاء الخبر من الله ﵎ ورسوله عن عاقبة أمره. وأن الصلاة واجبة على من مات منهم، وإن عمل الكبائر؛ وأن الرجم لمن أحصن من أحرار المسلمين، والمسلمات، والمؤمنين، والمؤمنات لازم.
٩١- وأن الحج والجهاد مع كل خليفة لا يقطع ذلك ظلم ظالم، ولا جور جائر، وكذا صلاة الجمعة، والعيدين، خلف كل إمام من أئمة قريش براً كان أو فاجراً سنة. وتكره خلف أهل البدع منهم، وقال بعض أصحابنا: يصلى خلفهم للأثر الوارد مطلقاً بذلك ثم
следующие страницы →