Полный текст (170 стр.). Показаны 141–170 · переход к 146.
стр. 141
أخبرنا أبو نصر الفقيه، قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ، أخبرنا أبو محمد الفقيه، أخبرنا أبو عثمان البحيري، أخبرنا أبو علي الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب الزهري، حدثنا مالك أنه بلغه أن أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ كانت تقول: ((ما صدقت بموت النبي ﷺ حتى سمعت صوت وقع الكرازين)) .
الكرازين: جمع كرزنٍ، وهو الفأس.
ويقال فيه بالفتح والكسر، وتجمع على: كرازن أيضاً، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا إسماعيل بن ظفر أبو طاهر قراءةً، أخبرنا أبو المكارم ابن اللبان قراءةً بأصبهان، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا أبو محمد بن جعفر، حدثنا أبو بشر بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: قالت لي فاطمة رضوان الله عليها: يا أنس! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟!
стр. 142
صحيح أخرجه البخاري في ((الصحيح)) .
قال ثابت: وقالت فاطمة ﵂ ورسول الله ﷺ في الموت أو قالت –وهو ثقيل-: واأبتاه، إلى جبريل ننعاه، يا أبتاه، من ربه ما أدناه، يا أبتاه، جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه، أجاب رباً دعاه.
وقد رويناه في ((صحيح البخاري)) موصولاً.
كما أخبرنا أبو ذر سهيل بن [محمد بن] عبد الله الطائي البوشنجي –منها- وجماعة غيره بغيرها في إذنهم، قالوا: أخبرنا ابن أبي مريم، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: ((لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يتغشاه، فقالت فاطمة: واكرباه، فقال لها: ((ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم)) فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵂: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب)) ؟!
قوله: (ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم) يعني –والله أعلم- أنه بمجرد انتقاله من الدنيا، لا يصيبه نصبٌ ولا وصبٌ يجد له ألماً، لأنه يفضي إلى دار الكرامة والعافية، والراحة والسلامة الدائمة ﷺ .
قال ابن عباس ﵄: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ونبئ
стр. 143
يوم الاثنين، ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجراً يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين.
قال أبو القاسم ﵀: واتفقوا أنه ﷺ توفي يوم الاثنين، قالوا كلهم وفي ربيع الأول، غير أنهم قالوا أو قال أكثرهم: في الثاني عشر من ربيع الأول، ولا يصح أن يكون توفي في يوم الاثنين إلا في الثاني من الشهر، والثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة، وهو التاسع من ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس، فكان المحرم، إما الجمعة، وإما السبت، فإن كان الجمعة، فقد كان صفراً إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت، فقد كان ربيع الأول إما الأحد وإما الاثنين، فكيف ما دارت الحال على هذا الحساب، فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين بوجه.
وذكر الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنفٍ أنه ﷺ توفي في الثاني من ربيع الأول، وهذا القول وإن كان خلاف قول الجمهور –كذا هو أوجه عندي-، فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة الأشهر التي قبلها من تسعة وعشرين، فتدبره فإنه صحيح.
ولم أر أحداً تفطن له، وقد رأيت الخوارزمي حكى أنه ﷺ توفي أول يوم من ربيع الأول، وهذا أقرب إلى القياس مما ذكره الطبري عن ابن الكلبي وأبي مخنف، والله سبحانه أعلم.
وكان موته ﷺ خطباً كالحاً، ورزءاً لأهل الإسلام فادحاً، كادت تهد له الجبال وترجف الأرض، وتكسف النيرات لانقطاع خبر السماء وفقد من لا عوض منه، مع ما آذن به موته ﷺ من إقبال الفتن السحم.
فلولا ما أنزل الله سبحانه من السكينة على المؤمنين، وأسرج في
стр. 144
قلوبهم من نور اليقين، وشرح له صدورهم من فهم كتابه المبين، لانقصفت الظهور، وضاقت عن الكرب الصدور، ولعاقهم الجزع عن تدبير الأمور، فقد كان الشيطان أطلع إليهم رأسه، ومد إلى إغوائهم مطامعه، فأوقد نار الشنآن ونصب راية الخلاف، لكن أبى الله إلا أن يتم نوره، ويعلي كلمته، وينجز موعوده، فأطفأ نار الردة، وحسم مادة الخلاف والفتنة على يد الصديق ﵁، ولذلك قال أبو هريرة ﵁: لولا أبو بكر، لهلكت أمة محمد ﷺ بعد نبيها.
وروينا عن عائشة ﵂ قالت: ((لما توفي رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية، لفقدهم نبيهم ﷺ ) .
وقالت أيضاً ﵂: ((توفي رسول الله ﷺ ، فلو نزل بالجبال الصم ما نزل بأبي لهاضها، ارتدت العرب، واشرأب النفاق، فما اختلفوا في نقطةٍ إلا طار أبي يخطها وعنا بها)) .
الارتداد: الرجوع إلى الكفر بعد الإسلام –أعاذنا الله منه-، ومعنى (اشرأب) أي ارتفع وعلا، ونجم النبت ينجم إذا طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم، وخص ما لا يقوم على ساق من النبات باسم النجم، كما خص القائم منه على ساق باسم الشجر.
قولها ((في نقطة)) : أي في أمرٍ وقضية، وهو بالنون، وقيده الهروي بالباء الموحدة، وأخذ عليه.
قال بعض المتأخرين: المضبوط عند علماء النقل أنه بالنون، وهو من كلامٍ مشهورٍ، ويقال عند المبالغة في الموافقة، وأصله في الكتابين يقابل أحدهما بالآخر فيقال: ما اختلفا في نقطة، يعني من نقط الحروف والكلمات، أي بينهما من الاتفاق ما لم يختلفا معه في هذا القدر اليسير.
وقولها: لهاضها، يقال: هاض العظم يهيضه هيضاً إذا كسره بعد
стр. 145
الجبور فهو مهيض، وهو أشد لوجعه، وكل وجعٍ على وجعٍ فهو هيض، ويقال: هاضني الشيء إذا رده في مرضه، والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله ابن أبي الفضل قال: أخبرنا أبو روح بن محمد بن أبي الفضل وأجازنيه، قال أبو القاسم: أخبرنا أبو الحسن البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبيد بن فياض بدمشق، قال حدثنا هشام، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الله بن العلاء بن زبرٍ، أنه سمع بشر بن عبيد الله يحدث، عن أبي إدريس الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: ((أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في خباءٍ من أدم، فجلست في فناء الخباء، فسلمت فرد، وقال: ادخل يا عوف، فقلت: كلي، قال: كلك، فدخلت فوافقته يتوضأ، ثم قال: احفظ خلالاً ستاً بين الساعة، إحداهن موتي. قال عوف: فوجمت عندها وجمة
стр. 146
شديدة، فقال رسول الله ﷺ قل إحدى، فقلت: إحدى، ثم قال: فتح بيت المقدس، ثم يظهر فيكم داءٌ، ثم استفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة تكون بينكم، لا تبقي بيت مؤمن إلا دخلته، ثم صلح يكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون بكم، فيسيرون إليكم في ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً)) .
(الغاية والراية سواء، ومن رواه بالباء الموحدة معناه الأجمة، فشبه كثرة رماح العسكر بها.
قوله: (فوجمت وجمة) ، الواجم الساكت لأمر يكرهه كالمهتم به، وقال ابن الأعرابي: وجم بمعنى حزن، يقال: وجم يجم وجوماً.
وقد روينا في ((صحيح البخاري)) بأسانيدنا قال: حدثنا الحميدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت بشر بن عبيد الله، أنه سمع أبا إدريس، قال: سمعت عوف بن مالك قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم)) ، وذكر الحديث.
قوله: (موتان) هو بضم الميم وسكون الواو، على وزن بطلان، الموت الكثير الوقوع.
(وقعاص الغنم) داءٌ يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، والله سبحانه أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله بن أبي بكر قراءةً بدمشق، وأبو بكر محمد بيده وإذنه ببغداد، قالا: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا مكي. (ح) وأنبأنا
стр. 147
أبو المعالي علي بن محمود بن علي الشعري –في كتابه من هراة- قال: أخبرنا السيد أبو الحسن علي بن حمزة الموسوي قراءةً، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي العميري، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: ((لما توفي رسول الله ﷺ وجاءت التعزية، سمعوا قائلاً يقول: إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب)) .
أخبرنا أبو القاسم بن أبي عبيد الله، أخبرنا أحمد بن محمد، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار، أخبرنا عفان بن مسلم الصفار، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس
стр. 148
رضي الله عنه: أن أبا بكر ﵁ كان رديف رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة، قال: ((فشهدته يوم دخل المدينة، فما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوء من يوم دخل علينا فيه، قال: وشهدته يوم موته فما رأيت يوماً كان قط أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله ﷺ ) .
أخبرنا أبو الغنائم المسلم بن أحمد بن علي المازني النصيبي، قال أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الحسن بن إبراهيم، أخبرنا سهل بن بشر ابن أحمد، أخبرنا علي بن محمد بن علي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الله الذهلي، حدثنا أبو أحمد محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا محمد بن عباد، حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قال ابن عمر ﵁: ((ما وضعت لبنةً على لبنةٍ ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله ﷺ ) .
وقد رويناه بأسانيدنا في ((صحيح البخاري)) قال: أخبرنا علي بن عبد
стр. 149
الله، قال: حدثنا سفيان قال عمرو: قال ابن عمر: ((والله ما وضعت لبنةً على لبنة ولا غرست نخلةً منذ قبض رسول الله ﷺ ) .
قال سفيان: فذكرته لبعض أهله، قال: والله لقد بنى.
قال سفيان: قلت: لعله قال قبل أن يبني.
أخبرنا عبد الله بن الحسين، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسن، أخبرنا محمد بن عمر بن جعفر، أخبرنا محمد بن عبيد الله، حدثنا أبو عثمان، أخبرنا جعفر بن سليمان، أخبرنا ثابت، عن أنس ﵁ قال: ((ما نفضنا أيدينا عن رسول الله ﷺ إنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا)) .
وحق لهم ولمن بعدهم ذلك، وكيف لا يكونون كذلك؟!
ومن العجيب كيف لم تتصدع قلوبهم بفقده، وتغط نفوسهم حزناً عليه ﷺ ، وتتفطر كبودهم أسفاً من بعده، وقد كانت مصيبتهم بموته المصيبة العظمى، ورزيتهم بوفاته الرزية الكبرى، ولم يروا خطباً أفدح من رزئهم بفقدانه، ولا وجدوا مصيبةً أوجع لقلوبهم من مصيبتهم بعدمه بعد وجدانه!!
стр. 150
لانقطاع أخبار السماء، وعدم تنزل الملائكة صلى الله عليه وعليهم وسلم عليه بالأنباء.
وعلى ما شملهم به من رأفته بهم، ورحمته وشفقته عليهم، ونصيحته لهم وهدايته، ووسعهم من بره وعرفه، وعمهم من فضله ولطفه.
مع ما حباهم به على فرط الخصاصة من الإيثار، وهداهم من الضلالة؛ وبصرهم بعد العمى، وأنقذهم من النار، حتى صار لهم كالوالد المتحنن المشفق، والأب الحدب الذي يألم لما يألم له بنوه ويرأف.
فحق لقلوبهم أن تكمد، ولعيونهم حزناً عليه أن لا تجمد، ولنيران أسفهم على فقده أن لا تخمد، وإن حمد الصبر في موطن مصيبة يوماً، فإن الصبر بمصيبة سيدنا أحمد ﷺ لا يحمد.
فالصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم
هذا جبريل قد قال له عند وفاته ﷺ : يا أحمد! هذا آخر وطئي في الأرض، ولا أنزل بعد اليوم أبداً، إنما كنت أنت حاجتي من الدنيا.
أخبرنا أبو نصر الفقيه قال: أخبرنا أبو القاسم الحافظ (ح) ونبأني أبو الحسن الطوسي، قالا أخبرنا أبو محمد السيدي الفقيه، أخبرنا البحيري، أخبرنا السرخسي، أخبرنا الهاشمي، أخبرنا الزهري، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم: أن
стр. 151
رسول الله ﷺ قال: ((ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي)) .
أنشدنا أبو نصر عبد الرحيم بن محمد بن الحسن عم أبي رحمهما الله، بالعاصي، قال أنشدنا عمي الحافظ أبو القاسم ﵀ –في كتابه الذي صنفه في ((الصبر والجلد، عند مصاب المرء المسلم بالولد)) ، بأسانيده فيه:
اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد
وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد
وقال أبو جعفر محمد بن علي ﵁: ما رئيت فاطمة ﵍ بعد وفاة النبي ﷺ ضاحكةً، ومكثت بعده ستة أشهر ﵂ وسلم عليها.
أخبرني محمد بن محمود النجار بخطه، أنبأنا أبو جعفر الواسطي، عن أبي طالب بن يوسف، أخبرنا أبو الحسين بن الأبنوسي، عن عمر بن شاهين، أخبرنا محمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، حدثني طاهر بن يحيى، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵇، قال: ((لما رمس ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فوقفت على قبره وأخذت قبضة من تراب القبر، فوضعت على عينها وبكت)) ، وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا
стр. 152
أخبرنا الشيخ أبو صادق الحسن بن يحيى ﵀ قراءة عليه، قال أخبرنا عبد الله بن رفاعة قراءة عليه، أخبرنا علي بن الحسن القاضي، أخبرنا شعيب بن عبد الله بن أحمد، أخبرنا أحمد بن الحسن بن إسحاق، عن عتبة الرازي، أخبرنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يخبر عن عائشة ﵂: ((أنها رأت في المنام أنها سقط في حجرها، أو في
стр. 153
حجرتها ثلاثة أقمار، فذكرت ذلك لأبي بكر ﵁ فقال: خير.
قال يحيى: فسمعت بعد ذلك أن رسول الله ﷺ لما توفي دفن في بيتها، قال لها أبو بكر ﵂: هذا أحد أقمارك يا بنية، وهو خيرها)) .
أخبرنا عتيق بن أبي الفضل ﵀، أخبرنا علي بن الحسن الحافظ، أخبرنا علي بن إبراهيم الخطيب، أخبرنا رشاء بن نظيف، أخبرنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أبو بكر المالكي، حدثنا عامر بن عبد الله الزبيري، حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن هشام بن عروة أنه أنشد هذه الأبيات لصفية بنت عبد المطلب ﵂ في رسول الله ﷺ يوم مات:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وكان بنا براً رؤوفاً نبينا ... ليبك عليه اليوم من كان باكيا
كأن على قلبي لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبي المكاويا
أفاطم صلى الله رب محمد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا
فداً لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي ونفسي قصرةً وعياليا
صدقت وبلغت الرسالة ناصحاً ... ومت صليب الدين أبلج صافيا
فلو أن رب الناس أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا
أرى حسناً أيتمته وتركته ... يبكي ويدعو جده اليوم نائيا
стр. 154
وروي أن امرأة من المتعبدات جاءت إلى عائشة ﵂، فقالت لها: اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ ، فكشفت لها عنه، فبكت حتى ماتت.
كتب إلينا أبو عبد الله بن أبي محمد الحافظ يخبرنا أن بعض شيوخه أنشده لبعض زوار النبي ﷺ :
أتيتك زائراً وودت أني ... جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على جفوني ... إلى قبر رسول الله فيه؟!
قرئ على أبي البركات بن أبي عبد الله ﵀ وأنا أسمع، أنبأك أبو محمد السعدي (ح) حدثني أبو الحسن علي بن أحمد من لفظه قال: أخبرنا عبد القوي السعدي، أخبرنا ابن أبي الذيال، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا أبو محمد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا البرقي، أخبرنا عبد الملك، عن أبي زيد الأنصاري، أن حسان بن ثابت ﵁ قال –يبكي رسول الله ﷺ :
بطيبة رسمٌ للرسول ومعهدٌ ... منيرٌ وقد تعفو الرسوم وتهمد
стр. 155
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم ... وربعٌ له مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبراً بها واراه في الترب ملحد
أطالت وقوفاً تذرف العين جهدها ... على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر النبي وبوركت ... بلادٌ ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحدٌ منك ضمن طيباً ... عليه بناء من صفيح منضد
تهيل عليه الترب أيدٍ وأعين ... عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلماً وعلماً ورحمةً ... عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
يبكون من تبكي السموات يومه ... ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوماً رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد
وروي أن فاطمة رضوان الله عليها، لما رجعت إلى بيتها بعد دفن رسول الله ﷺ ، ورجع المهاجرون والأنصار إلى رحالهم، اجتمع إليها نساؤها فقالت:
اغبر آفاق السماء وكورت ... شمس النهار وأظلم العصران
فالأرض من بعد النبي محمدٍ ... أسفاً عليه كثيرة الرجفان
فليبكه شرق البلاد وغربها ... ولتبكه مضرٌ وكل يمان
وليبكه الطود المعظم جوده ... والبيت ذو الأستار والأركان
يا خاتم الرسل المبارك ضوؤه ... صلى عليك منزل الفرقان
стр. 156
وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب –واسم أبي سفيان جعفر- يبكي رسول الله ﷺ :
أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك مما ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبته وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كربت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالاً ... علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذرٌ ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول.
أخبرنا أبو عبد الله الزبيدي، أخبرنا أبو الوقت الصوفي، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، قال: ((أخبرني أنس بن مالك ﵁ أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر –وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا –يريد بذلك أن يكون آخرهم-، فإن يك محمدٌ ﷺ قد مات، فإن الله جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به بما هدى الله محمداً ﷺ ، وإن أبا بكر صاحب
стр. 157
رسول الله ﷺ ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه)) .
حديث صحيح أخرجه البخاري في ((مسنده)) كما تراه.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ فيما كان منه:
لعمري لقد أيقنت أنك ميتٌ ... ولكنما أبدى الذي قلته الجزع
وقلت: يغيب الوحي عنا لفقده ... كما غاب موسى ثم يأتي كما رجع
وكان هواي أن تطول حياته ... وليس لحي في بقا ميت طمع
فلما كشفنا البرد عن حر وجهه ... إذا الأمر بالجذع المرحب قد وقع
فلم يك لي عند المصيبة حيلة ... أرد بها أهل الشماتة والفزع
سوى آذن الله الذي في كتابه ... وما آذن الله العباد به يقع
وقد قلت من بعد المقالة قولة ... لها في حلوق الشامتين به بشع
ألا إنما كان النبي محمد ... إلى أجل وافى به الموت فانقطع
ندين على العلات منا بدينه ... ونعطي الذي يعطي ونمنع ما منع
ووليت محزوناً بعين سخينةٍ ... أكفكف دمعي والفؤاد قد انصدع
وقلت لعيني كل دمع ذخرته ... فجودي به إن الشجي له دفع
قوله: (بشع) شيء بشعٌ أي كريه يأخذ بالحلق فهو بين البشاعة، ورجلٌ بشعٌ بين البشع إذا أكله فبشع منه، واستبشع الشيء أي عده بشعاً.
وفي الحديث ((كان رسول الله ﷺ يأكل البشع)) أي: الخشن الكريه الطعم، يريد أنه لم يكن يذم طعاماً، والله سبحانه أعلم.
وروى أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خويلد، وقيل: ابن محرث قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليلٌ فاستشعرت حزناً، فبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها، ولا يطلع نورها، فظللت أقاسي طولها، حتى كان قرب السحر، أغفيت فهتف بي هاتفٌ وهو يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الأطام
стр. 158
قبض النبي محمدٌ فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعاً فنظرت في السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحٌ يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض وهو ميتٌ من علته، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيئاً أزجر به، فعن لي شيهمٌ –يعني: القنفذ- قد قبض على صل –يعني: الحية- فهي تلتوي عليه، والشيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهمٌ شيء مهمٌ، والتواء الصل: التواء الناس عن الحق القائم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أكل الشيهم إياها: غلبة القائم بعده على الأمر، فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غرابٌ سانح، فنطق مثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيجٌ بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقالوا: قبض رسول الله ﷺ ، فجئت المسجد فوجدته خالياً، فأتيت رسول الله ﷺ فوجدت بابه مرتجاً، وقيل: هو مسجى قد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار.
فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وسالماً ﵃ وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار وفيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك وملأٌ منهم. فآويت إلى قريش، فتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، فتكلم أبو بكر ﵁، فلله دره من رجلٍ لا يطيل الكلام، ويعلم مواقع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام، لا يسمعه أحدٌ إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر ﵁ بعده دون كلامه، ومد يده فبايعه وبايعوه، ورجع أبو بكر ﵁ ورجعت معه.
قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على [سيدنا] محمد رسول الله ﷺ وشهدت دفنه، ثم أنشد أبو ذؤيب يبكي رسول الله ﷺ :
لما رأيت الناس في عسلانهم ... ما بين ملحود وبين مضرح
стр. 159
متبادرين لشرجع بأكفهم ... نص الرقاب لفقد أروع أروح
فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروح
فتزعزعت أجبال يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح
كسفت لمصرعه النجوم وبدرها ... وتزعزعت ألهام بطن الأبطح
ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح
وروى ابن هشام عن غير واحد من أهل العلم: أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله ﷺ هموا بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن أسيد، فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ فقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوةً، فمن رابنا ضربنا عنقه.
فتراجع الناس وكفوا عن ما هموا به، فظهر عتاب بن أسيد.
(أسيد) بفتح الهمزة، ذكر أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد النمري الحافظ في كتاب ((الاستذكار)) : ليس في المهاجرين أسيد، ولا في الأنصار أسيد، والله أعلم.
وهذا المقام لسهيل بن عمرو هو الذي أشار إليه ﷺ بقوله في قصته لعمر بن الخطاب –لما كثر عليه يوم الحديبة في أمره حيث رد إليه ولده أبا جندل، وقد جاء مسلماً حيث كتب كتاب الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش، وشاقهم في أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ولم يكتب هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ ، ((إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه)) والله سبحانه أعلم.
قوله (شرجع) الشرجع: سرير الجنازة، والشرجع أيضاً: الطويل، ومطرقة مشرجعة: أي طويلة لا حروف لها، والله سبحانه أعلم.
ونقل أهل السير: أن سواد بن قارب الدوسي –قول ابن الكلبي،
стр. 160
السدوسي، في قول غيره –لما بلغه وفاة النبي ﷺ قام في الأزد.
فقال: يا معشر الأزد! إن من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم، ومن شقائهم أن لا يتعظوا إلا بأنفسهم، وإنه من لم تنفعه التجارب ضرته، ومن لم يسعه الحق لم يسعه الباطل، وإنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس، وقد علمتم أن نبي الله ﷺ قد تناول قوماً أبعد منكم فظفر بهم، وأنه أوعد قوماً أكثر منكم فأخافهم ولم يمنعه منكم عدةً ولا عدد، وكل بلاء منسي إلا ما بقي أثره في الناس، ولا ينبغي لأهل البلاء أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية، وإنما كف نبي الله ﷺ عنكم ما كفكم عنه، فلم تزالوا خارجين مما فيه أهل البلاء، داخلين فيما فيه أهل العافية، حتى قدم على رسول الله ﷺ خطيبكم ونقيبكم، فعبر الخطيب عن الشاهد، ونقب النقيب عن الغائب، ولست أدري لعله تكون للناس جولة، فإن تكن فالسلامة منها الأناة، والله يحبها فأحبوها، فأجابه القوم وسمعوا قوله، فقال في ذلك:
جلت مصيبتك الغداة سواد ... وأرى المصيبة بعدها تزداد
أبقى لنا فقد النبي محمدٍ ... صلى الإله عليه ما يعتاد
حزناً لعمرك في الفؤاد مخامراً ... أو هل لمن فقد النبي فؤاد
كنا نحل به جناباً ممرعاً ... جف الجناب فأجدب الوراد
فبكت عليه أرضنا وسماؤنا ... وتصدعت وجداً به الأكباد
قل المتاع به فكان عيانه ... حلماً تضمن سكرتيه رقاد
كان العيان هو الطريف وحزنه ... باقٍ لعمرك في الفؤاد تلاد
إن النبي وفاته كحياته ... الحق حق والجهاد جهاد
لو قيل تفدون النبي محمداً ... بذلت له الأموال والأولاد
وتسارعت فيه النفوس ببذلها ... هذا له الأغياب والأشهاد
هذا وهذا لا يرد نبينا ... لو كان يفديه فداه سواد
إني أحاذر والحوادث جمعة ... أمراً لعاصف ريحه إرعاد
إن حل منه ما يخاف فأنتم ... للأرض إن رجفت بنا أطواد
لو زاد قوم فوق منية صاحب ... زدتم وليس لمنية مزداد
стр. 161
فصل في ذكر قبره ﷺ وصفته
وذلك وإن لم يكن له تعلقٌ بالزيادة؛ فإن ذكر المحبوب محبوب، وتكرير ذكره ﷺ رحمةٌ وبركةٌ وهو المقصود والمطلوب، وقبره ﷺ في صفة بيت عائشة ﵂، وباب البيت شامي، ولم يكن على الباب غلقٌ مدة حياة عائشة رضي الله تعالى عنها.
أخبرنا علي بن الحسين في إذنه قال: أنبأنا أبو الفضل الحافظ، أنبأنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني، أخبرنا أبو العلاء محمد بن علي بن [أحمد بن] يعقوب الواسطي القاضي، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين النيازكي، أخبرنا أبو الخير أحمد بن محمد بن الخليل العبقسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا محمد بن أبي فديك، عن محمد بن هلال، أنه رأى حجر أزواج النبي ﷺ من جريد مستور بمسوح الشعر، فسألته عن بيت عائشة ﵂؟ فقال: كان بابه من جهة الشام.
стр. 162
قلت: مصراعاً كان أو مصراعين؟ قال: كان باباً واحداً.
قلت: من أي شيء كان؟ قال: من عرعرٍ أو ساج.
وبه نبأنا أبو عبد الله البخاري قال: أخبرنا عبد الله، أنبأنا داود ابن قيس قال: رأيت الحجرات من جريد النخل مغشاةً من خارج بمسوح الشعر، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من ستة أو سبعة أذرع، وأظن سمكه بين الثمان والسبع أو نحو ذلك، ووقفت عند باب عائشة ﵂، فإذا هو مستقبل المغرب.
وقال الحسن بن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبي ﷺ وأنا غلامٌ مراهق، فأنال السقف بيدي، وكانت حجرته ﵊ أكسيةٌ من شعر مربوطةٌ في خشب من عرعر.
إذا أضيفت البيوت إليه ﷺ فهي إضافة ملكٍ، قال الله سبحانه:
﴿لا تدخلوا بيوت النبي﴾ ، أو على تقدير حذف وإضمار، وإذا أضيفت إلى أزواجه فليست بإضافة ملكٍ، لأن ما كان ملكاً له ﷺ فليس بمورث إلا إن تقدم تمليكٌ، وهو الظاهر، والله أعلم.
ونقل أهل السير أن في البيت الذي دفن فيه النبي ﷺ وصاحباه، موضع قبرٍ في السهوة الشرقية.
قال سعيد بن المسيب ﵁: فيه يدفن عيسى ابن مريم ﵇ مع النبي ﷺ وصاحبيه ﵄، ويكون قبره الرابع.
السهوة: بيت صغير منحدرٌ في الأرض قليلاً شبيهٌ بالمخدع، والخزانة وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت. وقيل: هو شبيه بالرف، والطاق يوضع فيه الشيء، والله أعلم.
стр. 163
وقد اختلفت الرواية في صفة القبور:
فأنبأني أبي رحمه الله تعالى قال: أنبأنا أبو القاسم يحيى بن أسعد، عن أبي علي الحسن بن أحمد الحداد، عن الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله، أنبأنا أبو محمد جعفر بن محمد الخلدي، أخبرنا أبو يزيد محمد بن عبد الرحمن المخزومي، أنبأنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، قال: حدثني إسحاق بن عيسى، عن عثيم بن نسطاس قال: رأيت قبر النبي ﷺ لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت مرتفعاً نحواً من أربع أصابع، عليه حصباء إلى الحمرة ما هي، ورأيت قبر أبي بكر ﵁ وراء قبر النبي ﷺ ، ورأيت قبر عمر ﵁ أسفل منه، وصوره لنا.
النبي ﷺ
أبو بكر ﵁
عمر ﵁
وأخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن أبي عبيد الله الحسين بن أبي الحسن علي البغدادي فيما أجازني، أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد
стр. 164
الباقي، أنبأنا حمد بن أحمد بن الحسين، عن أبي نعيم الحافظ، عن جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني إسماعيل بن عبيد الله، عن أبيه عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ((رأس النبي ﷺ مما يلي المغرب، ورأس أبي بكر ﵁ عند رجلي النبي ﷺ ، وعمر ﵁ خلف ظهر النبي ﷺ .
النبي ﷺ ... ... ... أبو بكر ﵁
عمر ﵁
قالت عائشة: وما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي حتى دفن عمر ﵁.
فلم أزل متحفظةً في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جداراً)) .
وفي رواية عنها: ((لما دفن عمر لزمت ثيابها الدرع والخمار والإزار)) .
وقالت: ((إنما كان زوجي وأبي، فلما دخل معهما غيرهما، لزمت ثيابي)) .
وكانوا يأخذون من تراب القبر، فأمرت بجدار فضرب عليهم، وكان في الجدار كوةٌ كانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوة فسدت، والله سبحانه أعلم.
وروي عن نافع بن أبي نعيم أن صفة قبر النبي ﷺ ، وقبر أبي بكر ﵁، وقبر عمر ﵁: قبر النبي ﷺ أمامهما إلى القبلة مقدماً، ثم قبر أبي بكر ﵁ حذاء منكبي رسول الله ﷺ ، وقبر عمر ﵁ حذاء منكبي أبي بكر ﵁ وهذه صفته.
النبي ﷺ
... أبو بكر ﵁
... ... ... عمر رضي الله عنه
стр. 165
وأنبأنا الحافظ أبو المظفر يوسف بن خليل بن عبد الله، عن أبوي القاسم ذاكر بن كامل ويحيى بن أسعد، عن أبي علي الحداد، عن أحمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو محمد بن محمد، أخبرنا أبو يزيد المخزومي، أنبأنا الزبير، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني محمد بن إسماعيل، عن عمر بن عثمان بن هانئ، عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت: يا أماه! أريني قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن قبورهم، فإذا هي لا مرتفعة ولا لاطئة، مبطوحةٍ ببطحاء حمراء من بطحاء العرصة، فإذا قبر النبي ﷺ أمامهما، ورجلا أبي بكر عند رأس النبي ﷺ ورأس عمر عند رجليه، وهذه صفته:
... ... ... النبي ﷺ
أبو بكر ﵁ ... ... عمر ﵁
قد روينا من حديث القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ من غير هذا الوجه على غير هذه الصفة.
كما أخبرنا الشيخان أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني المعدل، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن علي الحافظ، قال أبو بكر: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، وقال أبو الحسن: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن إجازةً، قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني، أخبرنا أبو الحسن رشاء بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ، أخبرنا أبو الحسن بن
стр. 166
محمد بن إسماعيل بن محمد الضراب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان بن محمد المالكي، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن محمد بن إسماعيل، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أماه! اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ ، فكشفت لي عن ثلاثة أقبر ليست بالمشرفة ولا اللاطئة، مبطوحةٍ ببطحاء العرصة [الحمراء] ، فرأيت قبر النبي ﷺ مسنماً، وأبو بكر رأسه عند منكبي النبي ﷺ ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ ، وهذه صفته:
النبي ﷺ ... ... ... عمر ﵁
... أبو بكر ﵁
وروى المنكدر بن محمد عن أبيه قال: قبر النبي ﷺ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي النبي ﷺ .
النبي ﷺ ... ... ... عمر ﵁
... أبو بكر ﵁
وروى عن عبد الله بن محمد بن عقيل ﵈ قال: خرجت في ليلة مطيرة إلى المسجد، حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتني رائحةٌ لا والله ما وجدت مثلها قط، فجئت إلى المسجد، فبدأت بقبر النبي ﷺ ، فإذا جداره قد انهدم، فدخلت فسلمت على النبي ﷺ ، ومكثت فيه ملياً، فرأيت القبور، فإذا قبر رسول الله ﷺ ، وقبر أبي بكر ﵁ عند رجليه، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر رضي الله
стр. 167
عنهما، وعليها حصباء من حصباء العرصة، وهذه صفته:
النبي ﷺ
... أبو بكر ﵁
... ... ... عمر ﵁
قال البغوي: ورواية القاسم تدل على تسطيح قبر النبي ﷺ .
وروي عن سفيان التمار قال: رأيت قبر النبي ﷺ مسنماً، وحديث القاسم أصح، وأولى أن يكون محفوظاً في هذا الباب، انتهى كلامه.
قلت: وقد روينا التسنيم أيضاً من حديث القاسم بن محمد كما أوردناه أولاً مسنداً عنه، وحديث سفيان التمار قد رواه البخاري في ((مسنده)) ، فلا تعارض إذاً بين روايته ورواية القاسم في ذلك ولا ترجيح.
أخبرنا أبو عبد الله الحسين قال: أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل البخاري، أخبرنا عبد الله، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً.
وأنبأنا عبد الله بن عمر بن علي الحريمي –وذكر أهل السير- أن جدار حجرة النبي ﷺ الذي يلي موضع الجنائز، سقط في زمان عمر بن عبد العزيز وظهرت القبور.
стр. 168
قال الراوي: فما رأيت أكثر باكياً من ذلك اليوم، فأمر عمر بقباطي فخيطت ثم ستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس.
فبينما هو يكشفه إذ رفع يده وتنحى واجماً، فقام عمر بن عبد العزيز فزعاً، فرأى قدمين وعليهما السعد، ورأى الأساس. فقال له عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر –وكان حاضراً-: أيها الأمير! لا يروعنك فإنهما قدما جدك عمر بن الخطاب، ضاق البيت عنهما، فحفر له في الأساس.
فقال: يا ابن وردان! غط ما رأيت، ففعل، وأمر أبا حفصة مولى عائشة وناساً معه فبنوا الجدار وجعلوا في كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه، دخل مزاحم مولى عمر فقم ما سقط على القبر من التراب والطين، ونزع القباطي.
فكان عمر ﵁ يقول: لأن أكون وليت ما ولي مزاحمٌ من قم القبور، أحب إلي من أن أكون لي من الدنيا كذا وكذا –وذكر مرغوباً من الدنيا-.
أنبأني أبي ﵀ قال: أنبأنا أبو القاسم التاجر، عن الحسن بن أحمد، عن أبي نعيم الحافظ، أنبأنا جعفر بن محمد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، حدثني غير واحد، منهم إبراهيم بن محمد الزهري، عن أبيه قال: أجاف بيت النبي ﷺ من شرقيه، فجلس عمر بن عبد العزيز ومعه عبد الله بن عبيد الله بن عمر، فأمر ابن وردان أن يكشف الأساس، فبينما هو يكشفه إلى أن رفع يده وتنحى واجماً، فقام عمر بن عبد العزيز فزعاً، فقال عبد الله: أيها الأمير! لا يروعنك، فتانك قدما جدي عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال: يا ابن وردان! غط ما رأيت، ففعل.
стр. 169
وأنبأنا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد الحريمي، عن محمد بن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبي علي الحداد، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن أحمد، عن جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير، حدثنا محمد، حدثني عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن سفيان بن دينار قال: دخلت بيت النبي ﷺ فرأيت قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر ﵄ مسنمةً.
أخبرنا الحسين بن المبارك، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا محمد ابن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثني فروة، قال: حدثنا علي، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: ((لما سقط عنهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدمٌ، ففزعوا، فظنوا أنها قدم النبي ﷺ ، فما وجدوا أحداً يعلم ذلك، حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي ﷺ ، ما هي إلا قدم عمر ﵁) .
ثم إن عمر بن عبد العزيز بنى على حجرة النبي ﷺ حائزاً من سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة المقدسة في وسطه وهو على دورانها، وعلى الحجرة الشريفة ثوبٌ مشمعٌ على هيئة الخيمة، وفوقها سقف المسجد، وفيه خوخة وعليها ممرقٌ مقفل، وفوق الخوخة في سقف السطح خوخةٌ أخرى فوق تلك الخوخة، وعليها ممزقٌ آخر مقفل أيضاً، وحولها في سطح المسجد حظيرةٌ مبنيةٌ بالآجر والجص تميز الحجرة عن السطح وبين سقف المسجد وبين سقف السطح فراغٌ نحو من ذراعين، وعليه شباك من حديد يرمي الضوء من رحبة المسجد، ويشال إذا أرادوا الدخول إلى ثم لحاجةٍ تعرض، أو عمارة تحدث.
أخبرنا محمد بن أحمد وغيره في إذنهم قالوا: أخبرنا أبو الفرج
стр. 170
يحيى بن محمود بن سعد الثقفي الأصبهاني قراءةً، أخبرنا جدي أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ، أخبرنا المعلى، أخبرنا عبد العزيز، حدثنا محمد بن أحمد البزار، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا عبد الله بن شبيب، أخبرنا يحيى بن سليمان بن نضلة قال: ((قال هارون الرشيد لمالك بن أنس رحمهما الله: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من رسول الله ﷺ ؟
فقال مالك ﵀: كقرب قبريهما من قبره ﷺ بعد وفاتهما، فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك)) .
أخبرنا أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة الشروطي قراءةً، قال: أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي. (ح) وأخبرنا أبو الحسن بن أبي جعفر بن أبي بكر قراءةً، قال: أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي السلمي إجازة، قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الخطيب، أخبرنا رشاء بن نظيف، أخبرنا الحسن بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن مروان، حدثنا إبراهيم بن حبيب، قال: أخبرنا محمد بن عباد المكي، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال رجل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم: كيف كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله ﷺ ؟
فقال منزلتهما منه اليوم.
تم والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين