Полный текст (170 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
إتحاف الزائر
وإطراف المقيم للسائر
في زيارة النبي ﷺ
للإمام الحافظ
أبي اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن عساكر
٦١٨ - ٦٨٦ هـ
قابل أصوله الخطية وعلق عليه
حسين محمد علي شكري
شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا الإمام العالم الحافظ أبو اليمن عبد الصمد بن عبد الوهاب بن الحسن بن عساكر الدمشقي، بقراءة الإمام أبي عمرو عثمان التوزري وأنا حاضر بحرم سيدنا رسول الله ﷺ تجاه حجرته الشريفة، في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة.
قال: الحمد لله رب العالمين، و [صلى الله على] سيدنا محمد المصطفى الأمين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، [وعلى آله] وآلهم أجمعين، ورضي الله عن الصحابة والتابعين، وسائر عباد الله الصالحين، وسلم عليه وعليهم، آمين.
وبعد:
فهذا مختصرٌ في زيارة سيدنا سيد البشر رسول الله ﷺ ، وشرف وعظم وكرم، ألفته تحفةً للزائر، وجعلته نحلةً من المقيم يتزودها المسافر، إذ كانت زيارة تربته المقدسة المكرمة من أهم القربات، والمثول في حضرته المشرفة المعظمة من أنجح [المساعي وأكمل] الطلبات، والقصد إلى مسجده الشريف من العباد [من أوصل] الصلات، فإليه تشد الرحال، ولديه تحط الأوزار، و [عليه] تعقد الآمال، وقد أثبت في هذا المختصر ما ينبغي للزائر فعله، وأسندت من الأحاديث الواردة في ذلك ما صح نقله وحسن مثله، والله تعالى يسعفنا في الدنيا بدوام زيارته، ويسعدنا في الآخرة ببركة شفاعته، ويوردنا حوضه، ويرينا وجهه، ويجعلنا من حزبه وخاصته، آمين.
стр. 3
فصل
ويتعلق بالزيارة جمعٌ من الآداب يشاركه فيها غيره، من أسفار القرب والمباحات؛ من الاستخارة، وتجديد التوبة، والخروج عن المظالم، واستحلال المعاملين، والتوصية، وإرضاء من يتوجب عليه إرضاؤه، وإطابة النفقة، والتوسعة في الزاد على نفسه ورفيقه وجماله، وعدم المشاركة فيه، وتوديع المنزل بركعتين، وتقديم الصدقة عند الخروج من منزله على المسير ولو قلت، وغير ذلك مما لا يختص هذا السفر لحصره، فلا نطول بذكره.
&فصل&
ليجتهد في إخلاص النية وتصحيح العقيدة في ذلك، فإنه ملاك الأمر وقد ورد عن رسول الله ﷺ في ((الصحيحين)) ما رويناه من طرق من حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال:
((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) .
وليحرص على تحصيل رفيق موافقٍ، رفيق راغبٍ في الخير، كاره للشر، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، جعلنا الله كذلك.
&فصل&
ثم ينوي زيارته ﷺ ، فإنه من حج ولم يزره فقد جفاه، ولم يحسن
стр. 4
فيما أتاه، وكذلك من كان من جيرانه وساكني القرى التي بين الحرمين من لم يزره منهم من غير مانعٍ، فقد أساء فيما توخاه، فإنه ﷺ يستحق كما يقول الذي يقول:
لو جئتكم زائراً أسعى على بصري ... لم أقض حقاً وأي الحق أديت
أخبرنا الشيخ أبو صادق الحسن بن يحيى بن صباح بن الحسن بن عثمان المخزومي المعدل –﵀ قراءةً عليه، بقيسارية دمشق، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن عذير السعدي الفرضي قراءةً عليه أخبرنا أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد بن عباس العسقلاني، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) .
стр. 5
كذا رواه الإمام أبو الحسن الدارقطني في ((سننه)) .
كما أخبرناه جدي الشيخ أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن قراءةً عليه ﵀، أخبرنا عمي أبو الحسين هبة الله بن الحسن بن هبة الله الفقيه الأصولي الحافظ، أخبرنا أبو الطاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الملك بن بشران، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الحافظ، حدثنا القاضي المحاملي، حدثنا عبيد بن محمد الوراق، حدثنا موسى بن هلال العبدي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) .
стр. 6
وأخرجه الإمام أبو بكر البزار في ((مسنده)) ، وكذلك رواه الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني في كتابه، عن أحمد بن علي بن خلف، عن أبي القاسم بن حبيب، حدثنا أبو بكر أحمد بن سعد بن نصر بن بكار، حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عبيد الله، حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، عن موسى بن هلال العبدي، فذكره.
وكذلك رواه أبو بكر أحمد بن مروان المالكي في ((مجالسته)) ، ورواه أبو داود سليمان بن داود الطيالسي في ((مسنده)) باختلافٍ في لفظه وزيادةٍ في معناه.
كما نبأني الشيخان أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن قدامة الفقيه المصنف الحنبلي، وأبو الطاهر إسماعيل بن ظفر بن أحمد بن إبراهيم المقدسيان، رحمهما الله، قال أبو محمد: أخبرنا أبو الفتح محمد
стр. 7
بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان الحاجب قراءةً عليه، أخبرنا حمد ابن أحمد بن الحسن الحداد. وقال إسماعيل: أخبرنا أبو المكارم أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الله اللبان، أخبرنا أبو [علي] الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد.
قالا: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الحافظ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن فارس، حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب بن عبد القاهر العجلي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي، حدثني رجلٌ من آل عمر، عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
((من زار قبري –أو قال: من زارني- كنت له شفيعاً، أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة)) .
стр. 8
أخبرنا الشيخ أبو بكر عتيق بن أبي الفضل بن سلامة السلماني المعدل قراءةً عليه ﵀، أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، (ح) وأخبرنا الحافظ أبو الحسن محمد بن أحمد بن أبي بكر قراءةً ﵀، أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن علي السلمي إجازةً، قالا: أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن إبراهيم خطيب دمشق، أخبرنا أبو الحسن رشأ بن نظيف بن ما شاء الله المقرئ، أخبرنا
стр. 9
أبو محمد الحسن بن إسماعيل الضراب، أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي، حدثنا زكريا بن عبد الرحمن النصري، حدثنا محمد بن الوليد، حدثنا وكيع بن الجراح، عن خالد، وابن عون، عن الشعبي والأسود بن ميمون، عن هارون بن قزعة، عن مولى حاطب، عن حاطب ﵁ قال: قال النبي ﷺ :
((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين)) .
أخبرنا الحسن بن محمد، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد، أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشته،
стр. 10
أخبرنا أبو سعيد النقاش، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز حدثنا الحسن ابن الطيب البلخي، حدثنا علي بن حجر، حدثنا حفص بن سليمان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) .
حديثٌ غريب من حديث ليث بن أبي سليم، عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن عمر، معدودٌ في أفراد ليث، وما هو مكان عهدته، ولكنها على الراوي عنه، وهو حفص بن سليمان، ويقال: حفص بن أبي داود الأزدي الكوفي البزاز القارئ المعروف: بحفيص، قارئ أهل الكوفة بعد عاصم بن أبي النجود، وهو ابن امرأة عاصم، كان ربيبه في حجره، وتلميذه في القراءة، والرواة عنه ربما سموه وربما كنوه، وكذلك أباه، وربما فعلوا ذلك في نسبه، فاشتبه ذلك على من لا علم له، ومن كثرة اختلافهم في ذلك صحف بعضهم
стр. 11
((حفص)) بـ ((جعفر)) بن سليمان، وإمامته في القراءة مشهورة، وربما انفرد عن عاصم بحروفٍ لا متابع له عليها من أصحاب عاصم، لكنها مأثورة.
وقد روى هذا الحديث الحسن بن الطيب، عن علي بن حجر فزاد فيه زيادة منكرة، قال فيه:
((من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي وصحبني)) .
تفرد بقوله: ((وصحبني)) الحسن بن الطيب، وفيه نظر، والله سبحانه أعلم. حكاه محمد بن يوسف ﵀.
أخبرنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رفاعة، أخبرنا علي بن الحسن، أخبرنا تراب بن عمر، أخبرنا علي بن عمر إملاءً، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد العبادي –من بني عبادة بن ربيعة في بني مرة بالبصرة-، حدثنا سلمة بن سالم الجهني –إمام مسجد بني حرام ومؤذنهم-، حدثنا
стр. 12
عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من جاءني زائراً لم تنزعه حاجةٌ إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) .
وقد رويناه من طرقٍ عدة، وفي إحدى روايات الدارقطني: ((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) .
وفي أخرى: ((من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة)) .
وروينا من حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من لم يزر قبري فقد جفاني)) .
ومن حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من زارني ميتاً فكأنما زارني حياً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر)) .
كل ذلك قد رويناه بأسانيدنا، ولسنا نطول بإيراد طرقها، وتأليف مختلفها، وجمع مفترقها، إذ الغرض الاختصار، لا الإطالة والإكثار.
وعن كعب الأحبار ﵁ قال: ((ما من فجرٍ يطلع إلا نزل
стр. 13
سبعون ألفاً من الملائكة، حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ ، حتى إذا أمسوا عرجوا، وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه، ﷺ ) .
стр. 14
فصل
ينبغي للزائر أن ينوي -مع التقرب إلى الله سبحانه بزيارته- التقرب بالمسافرة إلى مسجده ﷺ ، وشد الرحال إليه، والصلاة فيه، لئلا يفوته ما دل عليه الحديث الصحيح:
((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) .
والحديث الآخر:
((صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف فيما سواه من المساجد)) .
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀: ولا يلزم من هذا خللٌ في زيارته على ما لا يخفى، والله أعلم.
стр. 15
قرأت على الشيخ أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السلمي إمام العصر، وفقيه أهل الشام ومصر، في آخرين –بالمعزية-، وأبي العباس أحمد بن عبد الله المقدسي المعروف –بصاحب البدوي- العبد الصالح ببيت المقدس، أخبرهم أبو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد قراءةً عليه فأقروا به، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشافعي، حدثنا أحمد بن عبيد الله –هو ابن إدريس-، حدثنا
стр. 16
يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ :
((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى)) متفقٌ عليه.
أخرجه البخاري في ((مسنده)) عن أبي الوليد، عن شعبة، عن عبد الملك قال: سمعت قزعة قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث عن النبي ﷺ ، فذكره.
ورواه مسلم في ((صحيحه)) عن عمرو الناقد وزهير بن حرب، عن ابن عيينة وقال فيه: ((مسجدي [هذا] ، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى)) .
ورواه أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري وقال: فيه: ((تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد)) .
ورواه أيضاً عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب، عن عبد الحميد بن جعفر، أن عمران بن أبي أنس حدثه، أن سلمان الأغر حدثه، أنه سمع أبا هريرة ﵁، فذكره.
وقال فيه: ((إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا)) .
стр. 17
وقوله: ((مسجد الحرام)) ، القول فيه كما في نظائر له، مثل قولهم: ((دار الآخرة)) ، و ((مسجد الجامع)) ، فعلى طريقة الكوفيين هو إضافة الموصوف إلى صفته، وهو عندهم سائغ، ولا يسوع ذلك البصريون، يقولون: تقديره ((شهر الوقت الحرام)) ، و ((مسجد المكان الجامع)) ، و ((دار الحياة الآخرة)) ، والله أعلم.
أبو سلمة اسمه عبد الله، وقيل: لا يعرف له اسم، وهو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة الزهري الفقيه القرشي المدني.
وفي اسم أبي هريرة ﵁ واسم أبيه اختلافٌ كثير، قد نبهنا عليها في غير هذا الموضع، والله سبحانه أعلم.
وفي ((الغريب)) : ((لا تشد الغرض إلا إلى ثلاثة مساجد)) ، والغرض: جمع غرضة، والغرض: الحزام الذي يشد على بطن الناقة وهو البطان، والمغرض: الموضع الذي يشد عليه.
وقوله: ((لا تشد الرحال)) معناه: أنه إذا نذر الصلاة في بقعةٍ غير هذه المساجد الثلاثة لا يلزمه، أو لا ينعقد نذره، فيجب عليه أن يشد إليها الرحال، ويقطع إلى قصدها المسافة بالترحال، وقد تشد الرحال إلى المسجد الحرام فرضاً للحج والعمرة، وكانت تشد إلى النبي ﷺ في حياته للهجرة، وكانت واجبةً على الكفاية في قول بعض أهل العلم، فأما إلى بيت المقدس فإنه فضيلةٌ واستحباب.
والحديث متأول على أنه لا يعتكف إلا في هذه المساجد الثلاثة، فيرحل إليها إذا نذر الاعتكاف فيها، وهو قول بعض السلف، ولو عين للاعتكاف غير هذه المساجد الثلاثة هي يتعين أم لا؟ فيه اختلاف، والله سبحانه أعلم.
стр. 18
أخبرنا الشيخ أبو البقاء يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا الموصلي –شيخ النحاة بحلب- قراءةً عليه بها، أخبرك أبو الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي –خطيب الموصل بها-، أخبرنا أبو الفرج محمد بن محمود أبو حاتم القزويني، حدثنا أبو أحمد الفرضي ببغداد، حدثنا القاضي أبو عبد الله المحاملي، حدثنا علي بن شعيب قال: قال ابن أبي فديك: حدثنا عبد الله بن يزيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، ومنبري على ترعةٍ من ترع الجنة، وما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) .
وأخبرنا الشيخ أبو إسحق إبراهيم بن عثمان بن يوسف الكاشغري
стр. 19
رحمه الله قراءةً عليه، أخبرنا أبو القاسم يحيى بن ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، أخبرنا طراد بن محمد بن علي الزينبي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا مالك بن إسماعيل أبو غسان، حدثنا زهير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن
стр. 20
عاصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((إن منبري على حوضي، وإن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، وصلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام)) .
حديث صحيح أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من طرقٍ:
وخبيب هذا بخاء معجمة مضمومة، وكذلك جده خبيب بن يساف، ولجده صحبةٌ، والله أعلم.
وظاهر هذا؛ يدل على أن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، واختلاف العلماء ﵃ في التفضيل بينهما مشهور، وليس تفصيله ههنا من غرضنا.
ولا خلاف أن الموضع الذي ضم أعضاء المصطفى صلوات الله وسلامه عليه المقدسة المشرفة، أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، حتى موضع الكعبة المعظمة، والله سبحانه أعلم.
وقد روى هذا الحديث جابر بن عبد الله ﵁ وقال فيه: ((وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف فيما سواه)) .
كما أخبرنا الشيخ الأصيل بقية الأشياخ أبو محمد الحسن بن
стр. 21
علي بن الحسين بن محمد الأسدي قراءةً ﵀، أخبرنا جدي القاضي النفيس أبو القاسم الحسين، أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي المصيصي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم أبي نصر التميمي، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي، أخبرنا أبو عمرو هلال بن العلاء بن هلال الباهلي، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن عبد
стр. 22
الكريم الجزري، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :
((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه)) .
حكى شيخنا أبو عمرو ﵀، عن أبي بكر النقاش الإمام المفسر أنه قال: حسبت على هذا الرواية فبلغت صلاةٌ في المسجد الحرام عمر خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وصلاة يوم وليلة في المسجد الحرام –وهي خمس صلوات- عمر مئتي سنة وسبعٍ وسبعين سنةً وتسعة أشهر وعشر ليال.
وقد روينا هذا الحديث من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ بزيادة حسنةٍ.
فأخبرنا الحسن بن محمد قراءةً ﵀، أنبأنا أبو الطاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد السلام بن أحمد الأنصاري، أخبرنا
стр. 23
الحسن بن أحمد بن إبراهيم أبو علي، أخبرنا القاضي أبو بكر مكرم بن أحمد بن محمد البزاز، حدثنا أحمد بن عبيد الله النرسي، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يحدث عن عبد الله بن الزبير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
((صلاة في مسجدي [هذا] أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف)) .
قال الربيع: فقلت لعطاء: أرأيت هذا الفضل الذي جاء عن النبي ﷺ في المسجد الحرام خاصةً، أو في الحرم كله؟ قال: بل في الحرم كله، قال: ((الحرم كله مسجد)) .
وأخبرنا الحسن بن علي بن الحسين، أخبرنا أبو القاسم الحسين، أخبرنا الخطيب أبو عبد الله الحسن بن أحمد بن أبي الحديد
стр. 24
السلمي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عوف، أخبرنا أبو القاسم الفضل بن جعفر بن محمد التميمي، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني، حدثنا محمد بن يزيد الأزدي، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن سعيد بن بشير، عن إسماعيل بن
стр. 25
عبيد الله، عن أم الدرداء ﵄، عن النبي ﷺ قال:
((فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مئة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمس مئة صلاة)) .
هذا حديثٌ حسنٌ غريب من حديث سعيد بن بشير الدمشقي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر الدمشقي مولى بني مخزوم، عن أم الدرداء -وهي الصغرى- زوج أبي الدرداء، واسمها هجيمة بنت حيي الأوصابية من حمير، تفرد به سعيد بن سالم القداح المكي الدار، الكوفي الأصل، عن سعيد بن بشير، وهو ممن يكتب حديثه وكان موصوفاً بحفظ، وقد خطأ جماعةٌ من الحفاظ من ذكره في الضعفاء، روى عنه الكبار، ورواه عن سعيد بن سالم القداح، محمد بن أبي خالد يزيد الأزدي المعروف بالمقابري البغدادي، وقد كتب عنه الحفاظ.
فصل
إذا توجه قاصداً للزيارة ، فينبغي له أن يكثر من الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ في طريقه إليه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة وأشجارها وما يعرف به، فليزدد من الصلاة والتسليم عليه ﷺ ، وليسأل الله سبحانه أن ينفعه بزيارته، ويسعده بها في داريه، ويستحب له أن يقول:
اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وارزقني في زيارة نبيك ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك، واغفر لي وارحمني يا خير مسؤول.
&فصل&
يستحب له الاغتسال لدخول المدينة، ولبس النظيف من الثياب، ثم إذا دخلها ينبغي له أن يستحضر في قلبه شرف المدينة وفضلها، وأنها أفضل أمكنة الدنيا عند بعض العلماء بعد مكة، وعند بعضهم هي أفضل على الإطلاق، وأن الذي شرفت المدينة به، هو خير البشر، وأفضل الخلائق أجمعين، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
стр. 26
فليكن من أول ما يقدم، إلى أن يرحل عنها مستشعراً لتعظيمه، ممتلئ القلب من هيبته، كأنه شاهده يراه ويشاهده، محضراً في قلبه رأفته ﷺ بأمته، وشفقته على من آمن منهم، واهتمامه بما يصلح أحوالهم في الدارين، حتى تكون زيارته له زيارة المحب المبجل، والمتحنن المعظم ﷺ وشرف وكرم.
فصل
فإذا أراد دخول المسجد فليقل: اللهم صل على محمدٍ وآل محمدٍ وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن الحسن، أخبرنا علي بن محمد بن علي، أخبرنا شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن مهران بن أحمد بن محمد بن مهران، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران بن موسى، أخبرنا عبد الملك بن أحمد بن نصر الدقاق، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمارة بن غزية، أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: سمعت عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري يقول: سمعت أبا حميد، أو أبا أسيد الأنصاري ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ :
((إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح
стр. 27
لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)) .
أخرجه مسلم في ((صحيحه)) من حديث أبي حميد أو أبي أسيد، ولفظه: ((إذا دخل أحدكم فليقل، وإذا خرج فليقل)) .
وفي رواية: ((فليسلم على النبي ﷺ ثم ليقل)) .
وأخرجه أبو عيسى الترمذي في ((جامعه)) عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدتها فاطمة الكبرى، رضوان الله عليهم أجمعين.
قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلى على محمد ﷺ وسلم وقال:
((رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على آل محمد وسلم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك)) .
قال الترمذي: حديث فاطمة حديثٌ حسن، وليس إسناده بمتصل، لأن فاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعلى آله أجمعين.
стр. 28
فصل
ثم ليدخل المسجد -شرفه الله سبحانه- فيقصد الروضة المعظمة وهي ما بين قبره ومنبره ﷺ ، فيصلي ركعتين تحية المسجد إلى جانب المنبر.
وفي كتاب ((الإحياء)) : أن الواقف يجعل عمود المنبر حذاء منكبه ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق، فذلك موقف رسول الله ﷺ ، ثم يشكر الله سبحانه على هذه النعمة، ويسأله إتمام ما قصده.
وفي كتاب ((المدينة)) : إن ذرع ما بين المنبر ومقام النبي ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفي، أربع عشرة ذراعاً وشبر، وإن ذرع ما بين القبر والمنبر ثلاث وخمسون ذراعاً، ثم يأتي الضريح المقدس، فيستدبر القبلة ويستقبل جداره على نحو ثلاثة أذرع من السارية التي عند رأس القبر في زاوية جداره.
وجدت في كتاب الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمود بن هبة الله بن محاسن الحافظ المؤرخ البغدادي في ((أخبار المدينة)) وأجازني روايته، وقد لقيته ببغداد سنة إحدى وأربعين، وسمعت منه، وكتب لي بخطه بعض ما سمعته منه، وناولني تاريخه الذي ذيل به ((تاريخ بغداد)) ، وكتب عني-فيما أظن- وسمع بقراءتي.
стр. 29
أخبرنا يحيى بن الحسين الأواني، أخبرنا أبو الكرم الشهرزوري، أخبرنا أبو بكر الخياط، حدثنا أبو عبد الله ابن دوست، حدثنا الحسين ابن صفوان، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا سعيد بن عثمان الجرجاني،
стр. 30
حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عمر بن حفص، أن ابن أبي مليكة كان يقول: من أحب أن يقوم وجاه النبي ﷺ فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه.
واستدبار القبلة ههنا هو المستحب، كما في نظائر له، كاستدبارها في القيام لخطبة الجمعة، وسائر الخطب المشروعة.
وقصة مناظرة مالك بن أنس الإمام –رحمة الله عليه- أبا جعفر المنصور مشهورة، وقول المنصور: يا أبا عبد الله! أستقبل القبلة فأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ ؟
فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵊ إلى الله يوم القيامة؟!
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀ –وذكر بعض من أدركنا زمانه من مشايخ مكة من علماء وقته بها-: إن الزائر المسلم يأتي من ناحية قبلته، فيقف عند محاذاة تمام أربعة أذرع من رأس القبر بعيداً، ويجعل القنديل على رأسه، ناظراً إلى أسفل ما يستقبل من جدار القبر، غاض الطرف، في مقام الهيبة والإجلال، ثم يسلم ولا يرفع صوته، بل يقتصد فيقول:
((السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خيرة الله من خلقه، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين.
стр. 31
السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وسائر عباد الله الصالحين.
جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى عليك كلما ذكرك الذاكرون، وكلما غفل عن ذكرك الغافلون، وصلى عليك في الأولين، وصلى عليك في الآخرين، أفضل وأكمل وأطيب ما صلى على أحدٍ من الخلق أجمعين، كما استنقذنا بك من الضلالة، وبصرنا بك من العماية والجهالة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله، وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
اللهم آته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، وخصه بالمقام المحمود، والوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، ونهاية ما ينبغي أن يأمله الآملون. آمين آمين)) .
ومن ضاق وقته عن قول ذلك، أو عن تحفظه، فليقل ما تيسر منه.
قال لنا شيخنا أبو عمرو ﵀: والذي بلغنا عن ابن عمر وغيره ﵃ من السلف الأولين؛ الاقتصار والإيجاز في هذا جداً.
فعن مالك ﵀ إمام أهل المدينة –وناهيك به خبرةً بهذا الشأن- أنه قال في رواية ابن وهب عنه: يقول المسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
ورويناه عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا قدم من سفرٍ دخل المسجد، ثم أتى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
стр. 32
أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن مطر النهرواني الفقيه المعدل ﵀ قراءةً عليه بمدينة السلام بغداد –أنقذها الله- بالمأمونية منها، أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج الدينوري، أخبرنا الحسن بن أحمد بن سلمان، حدثنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أخبرنا دعلج بن أحمد بن دعلج، أخبرنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان يأتي القبر فيسلم على النبي ﷺ وعلى أبي بكر وعمر ﵄.
ورويناه في ((الموطأ)) من حديث عبد الله بن دينار قال: رأيت
стр. 33
عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي ﷺ فيصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لأبي بكر وعمر ﵄.
قال الإمام أبو عبد الله الحليمي: لولا أن رسول الله ﷺ قال:
((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)) .
لوجد من محامده وما يثنى عليه به ما تكل الألسن عن بلوغ مداه، وتخسى الأوهام عن إدراك منتهاه، ولكن من المحال أن يبتغى الفضل في خلافه، فليعدل عن التوسع في ذلك كله بحضرته، وعلى عينه وجهه إلى ما هو أول وألزم، وهو الدعاء له.
وقد أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله المعدل ﵀ قراءةً، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي، أخبرنا جدي أبو أمي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق، حدثنا
стр. 34
عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁، أن رجلاً قال: يا رسول الله! أنت سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال ﷺ :
((يا أيها الناس! قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ) .
قوله: ((قولوا بقولكم)) أي بقول أهل دينكم وملتكم، يعني: ادعوني رسولاً ونبياً كما سماني الله، ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم لأنهم كانوا يحسبون أن السيادة بالنبوة، كالسيادة بأسباب الدنيا.
وقد روي: ((بعض قولكم)) يعني الاقتصاد في المقال، وترك الإسراف فيه، والله سبحانه أعلم.
وفي ((الغريب)) : ((لا تفرطوا بي كما فرطت النصارى عيسى بن مريم)) .
التفريط: هو مدح الحي ووصفه.
ويستحب له أن يقرأ هذه الآية:
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ ، ثم يقول: صلى الله عليك يا محمد، سبعين مرة.
لما أخبرنا الشيخ أبو الغنائم المسلم بن أحمد بن علي المازني
стр. 35
قراءةً عليه ﵀، أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن ﵀، أخبرنا زاهر بن طاهر بن محمد الشحامي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحافظ، أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا ابن أبي فديك قال:
سمعت بعض من أدركنا يقول: بلغنا أن من وقف عند قبر النبي ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ ، صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة، فأجابه ملكٌ: صلى الله عليك يا فلان، لم تسقط لك حاجة.
стр. 36
ثم إنه إن قد أوصاه أحدٌ بإبلاغ سلامه إلى النبي ﷺ فليقل:
السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، أو نحو هذا من القول.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أنه أوصى بعض من توجه إلى المدينة أن يقرئ النبي ﷺ السلام، وروي عنه أيضاً أنه كان يبرد البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله ﷺ .
فصل
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر ﵁، لأن رأسه بحذاء منكب رسول الله ﷺ ويقول:
السلام عليك يا أبا بكر، صفي رسول الله ﷺ وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة رسوله ﷺ خيراً، ولقاك في القيامة أمناً وبراً.
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر ﵁، فإن رأسه بحذاء منكب أبي بكر ﵄ فيقول:
السلام عليك يا عمر الذي أعز الله به الإسلام، جزاك الله عن أمة نبيه ﷺ أفضل الجزاء.
أخبرنا أبو البركات ابن أبي عبد الله، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي محمد الحافظ، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا إسحاق بن يعقوب العطار، حدثنا سوار بن
стр. 37
عبد الله، حدثنا أبي قال: قال رجلٌ لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله! إني أجل رسول الله ﷺ أن أسلم على أحد ٍمعه!
فقال له مالك –رحمة الله عليه-: اجلس، فجلس، فقال: تشهد، فتشهد حتى بلغ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فقال مالك: هما من عباد الله الصالحين، فسلم عليهما –يعني على أبي بكر وعمر ﵄.
ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ﷺ ويتوسل به إلى الله سبحانه في حوائجه، وخويصة نفسه، ويستشفع به إليه، ويجدد التوبة في حضرته الشريفة، ويسال الله سبحانه أن يجعلها توبةٌ نصوحاً، ويكثر الاستغفار، ويديم التضرع إلى الله فيما هنالك، ويسأله ما أهمه من أمور الدين والدنيا، ويكثر الاستشفاع به إلى الله سبحانه في مهماته، وخواصه، ولوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين.
قال شيخنا أبو عمرو ﵀: ومن أحسن ما يقول، قول الأعرابي الذي حكاه جماعةٌ من الأئمة مستحسنين له عن العتبي، واسمه محمد بن عبيد الله - قال:
كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله سبحانه يقول:
стр. 38
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال: فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر ذنوبه.
وقد وقعت إلينا هذه الحكاية من غير طريق العتبي، عن محمد بن حرب الهلالي.
كما نبأني الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي منصور بن نسيم ﵀ –إن شاء الله-، أخبرنا الحافظ أبو القاسم قراءةً عليه، أخبرنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسن بن علي بن زرعة الصوري، حدثنا الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر –بصور- لفظاً، حدثنا أبو العباس أحمد بن علي بن محمد، حدثنا أبو بكر محمد بن زهير –بنيسابور-، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن مرزبان،
стр. 39
حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد النحوي، أخبرنا ابن فضيل النحوي، أخبرنا عبد الكريم بن علي، حدثنا محمد بن محمد بن النعمان، حدثنا محمد بن حرب الهلالي.
قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل! إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ .
وإني جئتك مستغفراً من ذنوبي، مستشفعاً بك فيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: الحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.
стр. 40
فصل
ثم يتقدم إلى رأس القبر المقدس فيقف بينه وبين الأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله سبحانه ويمجده، وحسنٌ أن يقول:
الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، ويدعو لنفسه بما أحبه وبما ينفعه، ولوالديه ولمن يحضر من إخوانه.
روينا عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، عن أبيه، عن جده، أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي مما يلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: هنا رأس رسول الله ﷺ .
следующие страницы →