Полный текст (170 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ثم إنه إن قد أوصاه أحدٌ بإبلاغ سلامه إلى النبي ﷺ فليقل:
السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان، أو نحو هذا من القول.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أنه أوصى بعض من توجه إلى المدينة أن يقرئ النبي ﷺ السلام، وروي عنه أيضاً أنه كان يبرد البريد من الشام يقول: سلم لي على رسول الله ﷺ .
فصل
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على أبي بكر ﵁، لأن رأسه بحذاء منكب رسول الله ﷺ ويقول:
السلام عليك يا أبا بكر، صفي رسول الله ﷺ وثانيه في الغار، جزاك الله عن أمة رسوله ﷺ خيراً، ولقاك في القيامة أمناً وبراً.
ثم يتأخر عن صوب يمينه قدر ذراع للسلام على عمر ﵁، فإن رأسه بحذاء منكب أبي بكر ﵄ فيقول:
السلام عليك يا عمر الذي أعز الله به الإسلام، جزاك الله عن أمة نبيه ﷺ أفضل الجزاء.
أخبرنا أبو البركات ابن أبي عبد الله، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي محمد الحافظ، أخبرنا أبو القاسم ابن أبي إسماعيل الحافظ، حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا إسحاق بن يعقوب العطار، حدثنا سوار بن
стр. 37
عبد الله، حدثنا أبي قال: قال رجلٌ لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله! إني أجل رسول الله ﷺ أن أسلم على أحد ٍمعه!
فقال له مالك –رحمة الله عليه-: اجلس، فجلس، فقال: تشهد، فتشهد حتى بلغ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
فقال مالك: هما من عباد الله الصالحين، فسلم عليهما –يعني على أبي بكر وعمر ﵄.
ثم يرجع الزائر إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ﷺ ويتوسل به إلى الله سبحانه في حوائجه، وخويصة نفسه، ويستشفع به إليه، ويجدد التوبة في حضرته الشريفة، ويسال الله سبحانه أن يجعلها توبةٌ نصوحاً، ويكثر الاستغفار، ويديم التضرع إلى الله فيما هنالك، ويسأله ما أهمه من أمور الدين والدنيا، ويكثر الاستشفاع به إلى الله سبحانه في مهماته، وخواصه، ولوالديه، ولإخوانه، وللمسلمين أجمعين.
قال شيخنا أبو عمرو ﵀: ومن أحسن ما يقول، قول الأعرابي الذي حكاه جماعةٌ من الأئمة مستحسنين له عن العتبي، واسمه محمد بن عبيد الله - قال:
كنت جالساً عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله سبحانه يقول:
стр. 38
﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
قال: فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر ذنوبه.
وقد وقعت إلينا هذه الحكاية من غير طريق العتبي، عن محمد بن حرب الهلالي.
كما نبأني الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي منصور بن نسيم ﵀ –إن شاء الله-، أخبرنا الحافظ أبو القاسم قراءةً عليه، أخبرنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسن بن علي بن زرعة الصوري، حدثنا الفقيه أبو الفتح نصر بن إبراهيم بن نصر –بصور- لفظاً، حدثنا أبو العباس أحمد بن علي بن محمد، حدثنا أبو بكر محمد بن زهير –بنيسابور-، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن مرزبان،
стр. 39
حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد النحوي، أخبرنا ابن فضيل النحوي، أخبرنا عبد الكريم بن علي، حدثنا محمد بن محمد بن النعمان، حدثنا محمد بن حرب الهلالي.
قال: دخلت المدينة فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل! إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه: ﴿ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ .
وإني جئتك مستغفراً من ذنوبي، مستشفعاً بك فيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم استغفر وانصرف، فرقدت فرأيت النبي ﷺ في نومي وهو يقول: الحق الرجل فبشره أن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت فخرجت أطلبه فلم أجده.
стр. 40
فصل
ثم يتقدم إلى رأس القبر المقدس فيقف بينه وبين الأسطوانة التي هناك، ويستقبل القبلة، ويحمد الله سبحانه ويمجده، وحسنٌ أن يقول:
الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، ويدعو لنفسه بما أحبه وبما ينفعه، ولوالديه ولمن يحضر من إخوانه.
روينا عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، عن أبيه، عن جده، أنه كان إذا جاء يسلم على النبي ﷺ وقف عند الأسطوانة التي مما يلي الروضة، ثم يسلم، ثم يقول: هنا رأس رسول الله ﷺ .
стр. 41
فصل
ويستحب للزائر الإكثار من الصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ بحضرته الشريفة، حيث يسمعه ويرد عليه ﷺ .
لما أخبرنا جدي ﵀، أخبرنا عمي الحافظ ﵀، أخبرنا أبو القاسم بن الفضل، أخبرنا سليمان بن إبراهيم، أخبرنا أبو الحسن الجوزجاني، حدثنا أحمد بن محمد بن سهل، المعروف ببكير الحداد، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا العلاء
стр. 42
بن عمرو الحنفي، حدثنا محمد بن مروان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : ((من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً أبلغته)) ﷺ .
ونبأني محمد بن أحمد، وأبو العباس بن عبد الدائم –فيمن لا أحصي- أخبرنا أبو الفرج يحيى بن محمود، أخبرني جدي. (ح) وأخبرنا الحسن، أخبرنا أبو القاسم، أخبرنا أبو القاسم، أخبرنا أبو عمرو
стр. 43
عبد الوهاب، أخبرنا والدي، أخبرنا محمد بن عمر بن حفص النيسابوري، حدثنا محمد بن موسى القرشي، حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي، حدثنا محمد بن مروان السدي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((من صلى علي عند قبري، وكل الله بها ملكاً يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعاً أو شهيداً)) .
وعن سليمان بن سحيم قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت له: يا رسول الله! هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك، أتعلم سلامهم؟ قال:
((نعم، وأرد عليهم)) .
стр. 44
وبه أخبرنا أبو القاسم الطلحي، أخبرنا المعلى بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن بندار، حدثني علي بن عبد الله بن جهضم، حدثنا محمد بن جابان، قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول:
((حججت في بعض السنين فجئت المدينة، فقدمت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وعليك السلام)) .
قلت: والصلاة والتسليم على رسول الله ﷺ كالصلاة والتسليم عليه في التشهد في الصلاة.
والأحاديث الواردة في ذلك مشهورة، وفي كتب الأئمة رحمة الله عليهم مخرجةٌ مذكورة.
وقد روى حديث الصلاة على النبي ﷺ أبو هريرة، وبشير بن سعد، وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري، وأبو حميد عبد الرحمن بن سعد بن المنذر الساعدي، ﵃ باختلاف ألفاظ، وزيادةٍ ونقصان.
وليس من السنة أن يمس جدار القبر المقدس، ولا أن يقبله، ولا
стр. 45
يطوف به، كما يفعله جهال الزوار، بل يكره ذلك ولا يجوز، والوقوف من بعدٍ أقرب إلى الاحترام.
وحكى شيخنا أبو عمرو ﵀: أن الإمام أبا عبد الله الحليمي حكى عن بعض أهل العلم أنه نهى عن إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، وعن مسحه باليد، وذكر أن ذلك من البدع.
وقال شيخنا: وما قاله شبيهٌ بالحق.
وكذلك الانحناء للقبر المقدس عند التسليم، فإنه بدعةٌ، يظن من لا علم له إنه من شعار التعظيم.
قرأت على الحافظ أبي المظفر يوسف بن خليل بن عبد الله بحلب، أخبرك أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيدلاني وغيره،
стр. 46
أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد، أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ. (ح) وقرئ على الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، الحافظ المصنف ﵀، وأنا أسمع، أخبرك أبو جعفر الصيدلاني، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن فارس، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عاصم، حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، أن ابن عمر ﵄ كان يكره مس قبر النبي ﷺ .
فصل
قال شيخنا أبو عمرو ﵀: في ((المبسوط)) من علم مالك، عن مالك ﵁: أنه كره لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف بالقبر، وقال: إنما ذلك للغرباء، ولا بأس لمن قدم منهم من سفرٍ أو خرج إلى سفرٍ أن يقف عند قبر النبي ﷺ فيصلي عليه ويسلم، ويدعو له ولأبي بكر ولعمر ﵄.
قيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفرٍ، ولا يريدونه، يفعلون ذلك في اليوم مرةً أو أكثر.
стр. 47
فقال: لم يبلغني هذا عن أحدٍ من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسعٌ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره ذلك إلا لمن جاء منهم من سفر أو أراده.
قال الباجي: يفرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها، وقد قال ﷺ :
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .
أخبرنا الحسين بن المبارك ﵀، أخبرنا عبد الأول بن عيسى، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا محمد بن يوسف،
стр. 48
أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ قالا:
لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة على وجهه، فقال –وهو كذلك-:
((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .
حديثٌ صحيح، وقد رويناه من طرقٍ، وفي روايات البخاري: ((يحذر ما صنعوا)) .
أخبرنا الشيخ أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الفقيه الحافظ المصنف قراءةً عليه في آخرين رحمة الله عليهم أجمعين، أخبرنا أبو الحسن مؤيد بن محمد بن علي، وأجازنيه أبو الحسن، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا
стр. 49
محمد بن عيسى، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، قالا: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن هلال بن أبي حميد، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .
قالت: ((فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)) .
وفي رواية ابن أبي شيبة: ((لولا ذلك)) ، لم يذكر ((قالت)) .
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وتغليظه ﷺ في النهي عن اتخاذ قبره مسجداً، لما خشي من تفاقم الأمر، وخروجه عن حد المبرة إلى المنكر، وقد بينه ﷺ في قوله: ((لا تتخذوا قبري وثناً يعبد)) .
وأخبرنا الشيخ أبو الفتح نصر بن أبي الفرج بن علي بن محمد
стр. 50
الحافظ ﵀ –في كتابه إلينا من حرم الله-، أخبرنا أبو طالب محمد ابن محمد بن أبي زيد العلوي قراءةً عليه، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن علي التستري، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)) .
стр. 51
قال: وقد ذكر أن ذلك كان أصل عبادة الأصنام، فكانوا إذا مات فيهم نبيٌ أو رجلٌ صالح صوروا صورته، وبنوا عليها مسجداً ليأنسوا برؤية صورته، ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزامن، وجاء بعدهم خلفٌ رأوا أفعالهم وعبادتهم عند تلك الصور، ولم يفهموا غرضهم، وزين لهم الشيطان عملهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها.
قال: ويدل على صحة هذا المعنى، قوله ﷺ في الحديث الآخر:
((لا تتخذوا قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) .
أخبرنا الحسن بن محمد قراءة ﵀، حدثنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز، أخبرنا محمد بن [علي بن] عمرو، أخبرنا محمد بن يعقوب بن إسحاق، حدثنا أحمد بن محمد بن
стр. 52
عمر، حدثنا العباس بن عبد الله، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثني ابن جريج، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ –في قول الله :
﴿ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا﴾ -.
قال: هذه أسماء رجال صالحين من أصحاب الأنبياء كانوا قبل نوح.
قال: فلما أن هلكوا؛ أوحى الشياطين إلى أوليائهم: انصبوا في مجالسهم أنصاباً وسموها بأسمائهم تذكرونهم بها.
قال: ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، فلما هلك أولئك ودرس العلم، عبدت.
قال: فأما ((ود)) فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما ((سواع)) فكانت لهذيل، وأما ((يغوث)) فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالخيف عند سبأ، وأما ((يعوق)) فكانت لمهران، وأما ((نسر)) فكانت لحمير، ثم لآل ذي كلاع.
قال أبو الفضل: ولهذا لما احتاج المسلمون إلى الزيادة في مسجد رسول الله لتكاثرهم، وامتدت الزيادة إلى أن دخل فيها بيوت أزواجه ﵅، ومنها بيت عائشة ﵂ الذي دفن فيه ﷺ ، بني على قبره حيطان أحدقت به، لئلا يظهر في المسجد فيقع الناس فيما نهاهم عنه ﷺ من اتخاذ قبره مسجداً، ثم إن أئمة المسلمين خشوا أن يتخذ موضع
стр. 53
قبره قبلةً، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة صورة العبادة له، وربما وقع في نفوس الجهلة شيءٌ من ذلك، فرأوا بناء جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاويةٍ مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يمكن أحداً استقبال موضع القبر عند صلاته، ولهذا قال في الحديث:
((ولولا ذلك لأبرز قبره ﷺ غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً)) .
стр. 54
فصل
يستحب للزائر الإكثار من الصلاة والدعاء في الروضة الشريفة ما استطاع مدة مقامه بالمدينة شرفها الله سبحانه، ومن المتفق على صحته أنه ﷺ قال:
((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) .
كما أخبرنا المشايخ أبو عبد الله محمد بن غسان بن غافل بن نجاد الأنصاري، والحاكم أبو نصر محمد بن هبة الله بن محمد الفقيه المفتي، وأبو البركات ابن أبي عبد الله بن أبي محمد السجاد ﵏، قراءةً عليهم، أخبرنا الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن، أخبرنا أبو القاسم
стр. 55
علي بن إبراهيم، أخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي، حدثنا أبو الحسين عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد الكلابي، أخبرنا سعيد بن عبد العزيز، حدثنا قاسم بن عثمان الجوعي، حدثنا عبد الله بن نافع المزني، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)) .
متفقٌ على صحته، أخرجاه من طرقٍ.
وفي بعض طرقه: ((ومنبري على حوضي)) .
стр. 56
وفي بعضها:
((ما بين حجرتي إلى منبري، وأن منبري على ترعة من ترع الجنة)) .
أخبرنا المشايخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المؤرخ الأديب النسابة نسيبي، وأبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر المفيد، وأبو الغنائم سالم بن أبي المواهب الحسن بن هبة الله المعدل، قراءةً عليهم رحمة الله عليهم، قال أبو عبد الله: أخبرنا أبو المعالي عبد الله بن عبد الرحمن، وقال الآخران: أخبرنا أبو المجد الفضل بن الحسين بن إبراهيم قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين، قالا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بن عبد الرحمن بن سعدان، أخبرنا أبو بكر يوسف ابن القاسم بن يوسف، حدثنا أبو العباس
стр. 57
محمد بن إسحاق السراج، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، حدثنا هشيم عن علي بن زيد ابن جدعان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ : ((ما بين حجرتي إلى منبري روضةٌ من رياض الجنة، وإن منبري على ترعةٍ من ترع الجنة)) .
وحجرته هي بيته ﷺ ، قال زيد بن أسلم: بيته قبره، وقد جاء مبيناً في ((الصحيح)) .
قال الطبري: إذا كان قبره في بيته، اتفقت الروايات.
стр. 58
وقد روي: ((ما بين بيتي ومنبري)) .
كما أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن الحسين قراءةً عليه، وعبد الرحمن بن مكي في إذنه، أخبرنا الحافظ أبو طاهر، أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي، أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله
стр. 59
الذهلي، حدثنا جعفر، حدثنا قتيبة، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد المازني، عن رسول الله ﷺ قال:
((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)) .
قوله: ((روضة من رياض الجنة)) قال الخطابي: معناه من لزم طاعة الله سبحانه في هذه البقعة، آلت به الحال إلى روضة من رياض الجنة.
وقيل: إن ذلك الموضع بعينه روضة في الجنة يوم القيامة.
وقال أبو عمر بن عبد البر: معناه إن الصحابة كانوا يقتبسون من النبي ﷺ العلم في ذلك الموضع، فهو مثل الروضة.
ويؤيده قوله ﷺ :
((إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر)) .
وقوله ﷺ : ((ومنبري على حوضي)) ، قيل: يحتمل أن يريد منبره بعينه الذي كان في الدنيا، وهو أظهر وعليه أكثر الناس.
وقيل: إن له هناك منبراً على حوضه.
стр. 60
وقيل: إن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة، يورد حوضه ﷺ ويوجب الشرب منه.
وقال الخطابي: معناه أن من لزم طاعة الله سبحانه عنده سقي من الحوض، فعل الله سبحانه ذلك بنا آمين.
قوله ﷺ : ((على ترعة من ترع الجنة)) .
قال أبو عبيد: في الترعة ثلاثة أقوال:
- تكون بمعنى الروضة على المكان المرتفع خاصة.
- وتكون بمعنى الباب.
- وتكون بمعنى الدرجة، والله سبحانه أعلم.
стр. 61
فصل
ثم يأتي المنبر الشريف ويقف عنده ، ويدعو الله ويمجده، ويحمده على ما يسر له، ويصلي على رسوله محمد ﷺ ، ويسأل الله سبحانه من الخير أجمع، ويستعيذ به من الشر أجمع، وقد أوردنا من قبل ما ثبت في ((الصحيح)) من قوله ﷺ :
((ومنبري على حوضي)) ، وقوله ﷺ : ((ومنبري على ترعة من ترع الجنة)) .
وروى أبو سلمة أن النبي ﷺ قال:
((قوائم المنبر رواتب في الجنة)) .
كما أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله العلامة الجوال قراءةً ﵀، أخبرنا أبو روح عبد المعز بن أبي الفضل -بهراة- وأجازنيه منها، أخبرنا أبو القاسم الجرجاني، أخبرنا أبو
стр. 62
الحسن البحاثي، أخبرنا محمد بن أحمد الزوزني الحاكم، أخبرنا أبو حاتم الحافظ، أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن أبي سلمة، عن أم سلمة ﵄، أن النبي ﷺ قال:
((قوائم المنبر رواتب في الجنة)) .
اسم أبي سلمة: عبد الله بن عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي.
واسم أم سلمة: هند، وهي زوج النبي ﷺ ورضي عنها، وعمار هو أبو معاوية بن معاوية، ويقال: ابن حباب، ويقال: ابن صالح البجلي، ودهن بطن من بجيلة.
стр. 63
وقد احترقت بقايا منبر النبي ﷺ القديمة، وفات الزائر من لمس رمانة المنبر التي كان ﷺ يضع يده المقدسة المكرمة عليها عند جلوسه ﷺ عليه ولمس موضع جلوسه منه بين الخطبتين وقبلهما، ولمس موضع قدميه الشريفتين بركةٌ عامةٌ ونفعٌ عائدٌ، وفيه ﷺ عوضٌ من كل ذاهب، ودركٌ من كل فائت، وكان احتراقه ليلة أول يوم في شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة، وكان طول منبر النبي ﷺ ذراعين في السماء وشبراً وثلاثة أصابع، وطول صفته التي كان يستند إليها النبي ﷺ ذراعاً، وطول رمانتيه اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان، وكان عرض المنبر ذراعاً في ذراع يزيد، وتربيعه سواء، وعدد درجاته ثلاث بالمقعدة، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة قد ذهب بعضها، ثم كان طوله إلى أن احترق ثلاثة أذرع وشبراً وثلاث أصابع، وطول الدكة التي جددت له شبر وعقدة، ومن رأسه إلى عتبته خمسة أذرع وشبر وأربع أصابع، وزيد فيه عتبتان أخريان، وجعل له باب يغلق ويفتح يوم الجمعة، هكذا حكاه شيخنا أبو عبد الله النجار في كتاب ((أخبار المدينة)) ﵀.
قرأت على الشيخ أبي الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب الإربلي، قدم علينا ﵀، أخبرك أبو حفص عمر بن محمد بن معمر، أخبرنا علي بن عبيد الله بن نصر،
стр. 64
أخبرنا عبد الله بن محمد بن هزارمرد، أخبرنا عبيد الله بن أحمد، حدثنا عبد الله بن محمد بن زياد، حدثنا أبو الأزهر، والحسن ابن يحيى، قالا: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كان النبي ﷺ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد،
стр. 65
فلما صنع له المنبر واستوى عليه، فاضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكنت.
وأخبرنا الشيخ الأمين أبو القاسم عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الأنصاري ﵀، أخبرنا أبو طاهر الحافظ، أخبرنا أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر بن إبراهيم الحرقي، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله الترمذي البزار، أخبرني جدي أبو بكر محمد بن عبيد الله بن مرزوق بن دينار الخلال، حدثنا عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر حن الجذع، فأتاه النبي ﷺ فاحتضنه، وقال ﷺ :
((لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة)) .
وقد رواه عفان أيضاً عن حماد، عن ثابت، عن أنس ﵃ وعنا، وهو حديثٌ صحيح، ورويناه من طرق، ورواه جماعةٌ من الصحابة: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك ﵃.
وفي بعض روايات البخاري: ((فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل ﷺ فضمها إليه، كانت تئن أنين الصبي الذي يسكت، قال: كانت تبكي على ما تسمع من الذكر عندها)) .
стр. 66
وفي رواية: ((فلما جلس عليه، حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليها)) ، فلما كان من الغد رأيت قد حولت فقلنا: ما هذا، قال: جاء النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ فحولوها.
تفرد بهذه اللفظة الزائدة يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن جابر ﵁.
وفي بعضها: ((فخار الجذع كما تخور البقرة حزناً على رسول الله ﷺ فالتزمه، وأمسكه، حتى سكن)) .
وفي رواية أبي بن كعب ﵁: ((فأصغى إليه الجذع، فقال له: اسكن، ثم التفت فقال له: إن تشاء أن أغرسك في الجنة فيأكل منك الصالحون، وإن تشاء أن أعيدك رطباً كما كنت، فاختار الآخرة على الدنيا)) .
فلما قبض رسول الله ﷺ دفع إلى أبي، فلم يزل عنده إلى أن أكلته الأرضة، رواه ابن أبي -واسمه الطفيل- عن أبيه.
وفي رواية أنس ﵁: فلما قعد رسول الله ﷺ على المنبر خار الجذع خوار الثور، حتى ارتج المسجد لخواره، حزناً على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه وهو يخور، فلما التزمه رسول الله ﷺ سكت.
стр. 67
ثم قال ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه ما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزناً على رسول الله ﷺ ، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن)) ، أخرجه الترمذي.
وفي رواية أنس ﵁ أيضاً: ((وأنا في المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الولد، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها فسكنت)) .
وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ لمكانه من الله ، فأنتم أحق من أن تشتاقوا إلى لقائه. حديثٌ حسنٌ عال.
وروينا من حديث أبي كبشة السلولي عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((إن أتخذ منبراً فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم ﵇) .
стр. 68
فصل
ينبغي للزائر أن يشهد الصلاة كلها في مسجد رسول الله ﷺ ، لما قدمناه من الحديث الوارد في فضل الصلاة فيه، وليحرص على المبيت في المسجد ولو ليلةً يحييها بالذكر، والدعاء وتلاوة القرآن، والتضرع إلى الله سبحانه، والحمد له، والشكر على ما أعطاه، وعلى أن يختم القرآن العزيز في المسجد لأثر ورد فيه.
ويستحب له الخروج في كل يوم إلى البقيع لزيارة من فيه من سلف الأمة رضوان الله عليهم، سيما يوم الجمعة، وليكن ذلك بعد السلام على رسول الله ﷺ ، فإذا انتهى إليه قال:
السلام عليكم دار قوم مؤمنين، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد.
والأحاديث الواردة الثابتة في زيارته ﷺ أهل البقيع مشهورة، ولسنا نطول بإيرادها.
وقد أخبرنا جدي ﵀، أخبرنا عمي ﵀، أخبرنا أبو المظفر ابن القشيري، أخبرنا أبو سعيد الجنزروذي، أخبرنا أبو
стр. 69
عمرو المقرئ، أخبرنا أبو يعلى التميمي، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ أنها قالت:
كان رسول الله ﷺ كلما كانت ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول:
((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) .
رواه مسلم في ((صحيحه)) عن يحيى بن أيوب بن أبي زكريا البغدادي، وشريك هو ابن عبد الله بن أبي نمر.
وفي رواية لمسلم: ((وإنا وإياكم متواعدون غداً ومؤجلون)) .
قال الخطابي: فيه من الفقه: إن السلام على الموتى كالسلام على الأحياء في تقديم الدعاء على الاسم، وكذلك كل دعاءٍ بخيرٍ كقوله سبحانه:
стр. 70
﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ ، وكذلك ﴿سلام على نوحٍ في العالمين﴾ ، انتهى كلامه.
وأما في الشر والذم، فيقدم الضمير على الاسم، كقوله سبحانه: ﴿وإن عليك لعنتي﴾ ، ﴿عليهم دائرةٌ السوء﴾ ، والسلام مشتقٌ من السلام، وهو اسم الله سبحانه، وسمي به لسلامته من العيوب والنقص.
وقيل: معناه اسم السلام عليك، إذا كان اسم الله سبحانه يذكر على الأعمال توقعاً لاجتماع معاني الخيرات فيه وانتفاء عوارض الفساد عنه.
وقيل معناه: إن الله مطلعٌ عليكم فلا تغفلوا.
وقيل معناه: سلمت مني، فاجعلني أسلم منك.
وقيل: هو مشتقٌ من السلامة بمعنى السلم.
ويقال: السلام عليكم، وسلامٌ عليكم بحذف ألفه ولامه، ولم يرد في القرآن إلا منكراً غالباً، فأما في التشهد في الصلاة فيقال فيه معرفاً ومنكراً والظاهر الأكثر من مذهب الشافعي ﵀ أنه اختار التنكير.
وأما السلام الذي يخرج به من الصلاة، فروى الربيع عنه أنه قال: أقل ما يكفيه أن يقول: السلام عليكم، فإن نقص من هذا حرفاً عاد فسلم، ووجهه أن يكون أراد بالسلام اسم الله سبحانه، فلم يجز حذف الألف واللام منه، وكانوا يستحبون أن يقولوا في الأول: سلام عليكم، وفي الآخر: السلام عليكم، وتكون الألف واللام للعهد، يعني السلام الأول.
وأما قوله ﷺ -لما سلم عليه جابر بن سحيم فقال: عليكم السلام- قل: ((السلام عليك، فإن عليك السلام تحية الموتى)) ، فإنه أشار إلى ما جرت به عادتهم في المراثي، كانوا يقدمون ضمير الميت على الدعاء كقول الشماخ:
عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق
وقول الآخر:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
стр. 71
وإنما فعلوا ذلك؛ لأن المسلم على القوم يتوقع الجواب، وأن يقال له: عليك السلام.
فلما كان الميت لا يتوقع له جواب، جعلوا السلام عليه كالجواب عنه، وليس المراد منه أن السنة في تحية الموتى أن يقول: عليكم السلام، لما قدمناه في الحديث.
وقيل: أراد بالموتى كفار الجاهلية، وليس هذا الاستثناء باستثناء شك، لكنه جرى على عادة المتكلم يحسن به كلامه، كقول الرجل لأخيه: إن ائتمنتني لم أخنك إن شاء الله.
وفيه دليلٌ على أن استعمال الاستثناء مستحبٌ في الأحوال كلها، وإن لم يكن في الأمر شك تبرؤا عن الحول والقوة إلا بالله، كما أخبر الله سبحانه عن أنبيائه، وكما علم نبيه محمداً ﷺ وعليهم أجمعين.
وقيل: هو راجعٌ إلى استصحاب الإيمان إلى الموت، أي نلحق بكم مؤمنين إن شاء الله، ولا يرجع إلى نفس الموت.
والأخبار والآثار في فضل مقبرة البقيع كثيرةٌ، سنوردها في أحاديث فضل المدينة إن شاء الله سبحانه.
ويزور القبور الطاهرة: كقبر إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ ، وقبر عثمان بن مظعون ﵁.
روينا عن صالح بن قدامة قال: حدثني أبي أن رسول الله ﷺ دفن إبراهيم ﵇ إلى جنب عثمان بن مظعون ﵁.
وقبره حذو زاوية دار عقيل بن أبي طالب، من ناحية دار محمد بن زيد.
وروينا عنه أيضاً: أول ما دفن رسول الله ﷺ بالبقيع عثمان بن مظعون ﵁، فلما توفي ابنه إبراهيم ﵇.
قالوا: يا رسول الله! فأين نحفر له؟ قال:
((عند قبر فرطنا عثمان بن مظعون)) .
وقبر عبد الرحمن بن عوف أيضاً إلى جنب قبر عثمان بن مظعون ﵄.
стр. 72
وكذلك يزور قبر الحسن بن علي، والعباس عم رسول الله ﷺ ﵄.
وينوي زيارة قبر فاطمة رضوان الله عليها
فقد روينا عن سعد بن محمد بن جبير قال: رأيت قبر الحسن بن علي بن أبي طالب، عند فم الزقاق الذي بين دار نبيه بذروان، وبين دار عقيل بن أبي طالب، وقيل لي: دفن عند قبر أمه ﵃.
وكذلك قبر عقيل بن أبي طالب، وقبر عثمان بن عفان ﵄.
ويزور قبر صفية عمة رسول الله ﷺ ﵂
فقد روينا عن جعفر بن محمد: أن قبر فاطمة رضوان الله عليها عند موضع المسجد الذي بالبقيع، وأن قبر صفية ﵂ عند موضع الوضوء الذي عند دار المغير بن شعبة، وأن قبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وجاه دار سعيد بن عثمان التي يقال لها: الزوراء.
وينوي زيارة قبور أزواج النبي ﷺ
فقد روينا عن محمد بن عبد الله بن علي قال: قبور أزواج النبي ﷺ ﵅، من خوخة نبيه إلى الزقاق الذي إلى البقال مستطيرة.
وروينا عن إبراهيم بن علي الرافعي قال: حفر لسالم البانكي مولى محمد بن علي، فأخرجوا حجراً طويلاً، فإذا هو مكتوب: هذا قبر أم حبيبة رملة بنت صخر ﵂.
وروى مالك بن أنس ﵁: أن زينب بنت جحش توفيت في زمان عمر ﵁، فدفنها بالبقيع وضرب على قبرها فسطاطاً ثلاثاً.
стр. 73
أخبرنا عبد الله بن عمر بخطه، عن أبي الفتوح محمد بن علي، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا جعفر بن محمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، أخبرنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن زبالة قال: وحدثني محمد بن إسماعيل، عن فائد مولى عبادل، أن عبيد الله بن علي أخبره وغيره ممن مضى من أهل بيته:
أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهما أصابه بطن، فلما عرف بنفسه الموت، أرسل إلى عائشة ﵂ أن تأذن له أن يدفن مع رسول الله ﷺ ، فالت: نعم، ما كان بقي إلا موضع قبر واحد.
فلما سمعت بنو أمية استلموا السلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن فيه أبداً، فبلغ ذلك الحسن بن علي، فأرسل إلى أهله: أما إذا كان هكذا، فلا حاجة لي به، ادفنوني إلى جنب أمي فاطمة فدفن في المقبرة.
стр. 74
قال فائد: فأخبرني مولاي ومن سبق من أهلي ممن مضى، أن قبر فاطمة ﵍ مواجه الخوخة التي في دار نبيه بن وهب، وأن طريق الناس بين قبر فاطمة ﵂ وبين خوخة نبيه.
قال: أظن الطريق سبعة أذرع.
قال فائد: وقال لي منقذ الحفار: وفي المقبرة قبران مطابقان بالحجارة قبر الحسن بن علي، وقبر عائشة زوج النبي ﷺ ﵂، فنحن لا نحركهما.
واعلم أن أكثر الصحابة رضوان الله على جميعهم مدفونون بالبقيع، وكذلك أزواج النبي ﷺ فيه، ما خلا خديجة رضوان الله عليها، فإنها بالحجون، وكذلك فيه أيضاً قبور جماعة من سادات التابعين، ومن بعدهم من العلماء والزهاد المشهورين لا تعرف قبورهم، فينبغي للزائر أن يسلم عليهم أجمعين. فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وليس بالبقيع قبرٌ يعرف سوى سبعة قبور:
قبر العباس، وقبر الحسن بن علي، ومعه في القبر ابن أخيه علي بن الحسين زين العابدين، وأبو جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر الصادق، رضوان الله عليهم أجمعين، وعليهم قبةٌ عاليةٌ في الهواء قديمة البناء في أول البقيع.
وأخبرنا الحسين، أخبرنا عبد الأول، أخبرنا عبد الرحمن،
стр. 75
أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد، أخبرنا محمد، حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت لعبد الله بن الزبير: ((ادفني مع صواحبي، ولا تدفني مع النبي ﷺ في البيت، فإني أكره أن أزكى)) .
وقبر عقيل بن أبي طالب أخو علي ﵄ في قبة أيضاً، ومعه في القبر ابن أخيه عبد الله بن جعفر الطيار الجواد المشهور، وقبر إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وقبر صفية عمة رسول الله ﷺ ، وقبر فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب في آخر البقيع عند نخلٍ يعرف (بالحمام) ، وقبر مالك بن أنس الإمام في قبة في أول البقيع.
ونبأني محمد بن محمود بخط يده، عن أبي القاسم، بن أسعد، عن الحسن، عن أحمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الرحمن، عن شريك بن عبد الله، عن أبي روق قال: حمل الحسن بن علي بن أبي طالب على بدن فدفن بالبقيع بالمدينة.
следующие страницы →