← Книги сунны

Книги сунны · id 2677

كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال - ط الرسالة

المتقي الهندي

Полный текст (12 325 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

فالحب للدنيا، ثم قال: ألا إن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن يبغض، وإذا أحب عبدا أعطاه الإيمان، ألا! إن للدين أبناء، وللدنيا أبناء فكونوا من أبناء الدين، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية والآخرة قد ارتحلت مقبلة، ألا! وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا! وإنكم توشكون في يوم حساب وليس فيه عمل. "ابن أبي الدنيا في قصر الأمل، ونصر المقدسي في أماليه، واليمان ضعيف". ٤٤١٦٨- عن جابر بن عبد الله قال: دخلت على علي بن أبي طالب فقلت له: ما علامة المؤمن؟ قال: دخلت على النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله! ما علامة المؤمن؟ قال: ستة أشياء حسن ولكن في ستة من الناس أحسن: العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن، والسخاء حسن ولكن في الأغنياء أحسن، الورع حسن ولكن في العلماء أحسن، الصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، التوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، الحياء حسن ولكن في النساء أحسن. "الديلمي". ٤٤١٦٩- عن علي أن النبي ﷺ قال في خطبة: أيها الناس! قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم،

стр. 11692

فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعملوا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله. "ابن النجار وسنده واه". ٤٤١٧٠- عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي العقيق فقال: يا أنس! خذ هذه المطهرة املأها من هذا الوادي، فإنه واد يحبنا ونحبه، فأخذتها فملأتها وعجلت ولحلقت رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد علي، فلما سمع حسي التفت إلي فقال: يا أنس! فعلت ما أمرتك به؟ قلت: نعم يا رسول الله ﷺ ، فأقبل على علي فقال: يا علي! ما من حياة إلا استتبعها عبرة، يا علي! كل هم منقطع إلا هم النار، يا علي! كل نعيم يزول إلا نعيم الجنة. "ابن النجار وفيه الحسن بن يحيى الخشني متروك". ٤٤١٧١- عن الحسن عن أنس أن رسول الله ﷺ قال فيما يروى عن ربه: ابن آدم! أربعة خصال: واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي؛ فأما التي عليك فتعدبدني ولا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فما عملت من خير جزيتك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك. "ابن جرير".

стр. 11693

٤٤١٧٢- عن هارون بن يحيى الحاطبي عن عثمان بن عمرو بن خالد الزبيري عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله ﷺ : إنما الصنيعة إلى ذي دين أو حسب، وجهاد الضعفاء الحج، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، والتودد نصف الإيمان - وفي لفظ: نصف الدين - وما عال امرؤ اقتصد - وفي لفظ: وما عال امرؤ على اقتصاد - واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله إلا أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون - وفي لفظ: وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون. "العسكري في الأمثال وقال: ضعيف بمرة؛ حب في الضعفاء". ٤٤١٧٣- حدثنا أبو الطيب أحمد عبد الله الدارمي حدثنا أحد ابن داود بن عبد الغفار حدثنا أبو مصعب حدثنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: اجتمع علي بن أبي طالب وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فتماروا في شيء فقال لهم علي: انطلقوا بنا إلى رسول الله ﷺ نسأله، فلما وقفوا عليه قالوا: يا رسول الله! جئنا نسألك عن شيء! قال: إن شئتم سألتموني وإن شئت أخبرتكم بما جئتم له! قالوا: حدثنا عن الصنيعة، قال: لا ينبغي أن يكون

стр. 11694

الصنيعة إلا لذي حسب أو دين، جئتم تسألوني عن البر وما عليه العباد فاستنزلوه بالصدقة، وجئتم تسألوني عن جهاد المرأة، جهاد المرأة حسن التبعل لزوجها، جئتم تسألوني عن الرزق من أين يأتي، أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يعلم. "قال حب: موضوع، آفته أحمد بن داود، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، وأخرجه قط في الأفراد وقال: غريب من حديث مالك، تفرد به أحمد بن داود الجرجاني وكان ضعيفا عن أبي مصعب عنه، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد وقال: غريب من حديث مالك، وهو حديث حسن، لكنه منكر عندهم عن مالك، لا يصح عنه ولا أصل له في حديثه، وقال: وحدث بهذا الحديث هارون بن يحيى الخاطبي عن عثمان بن خالد الزبيري عن أبيه عن علي بن أبي طالب، وهذا حديث ضعيف، وعثمان لا أعرفه ولا الراوي عنه، قال في اللسان: أما عثمان فذكره حب في الثقات، وهارون ذكره عق في الضعفاء". ٤٤١٧٤- عن عاصم بن ضمرة عن علي عن رسول الله ﷺ قال: بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات؛ وكان يحيى تعجبه البرية أن يكون بها، فلما بعث الله عيسى ابن مريم قال: يا عيسى! قل ليحيى إما أن يبلغ ما أرسلت به إلى بني إسرائيل

стр. 11695

وإما أن تبلغهم، فخرج يحيى حتى أتى بني إسرائيل فقال: إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ومثل ذلك مثل رجل أعتق رجلا وأحسن إليه رزقه وأعطاه فانطلق وكفر ولاء نعمته وتولى غيره، وإن الله يأمركم أن تقيموا الصلاة، ومثل ذلك كمثل رجل دخل على ملك من ملوك بني آدم فسأله فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، وإن الله يأمركم أن تؤتوا الزكاة، ومثل ذلك مثل رجل أسره العدو فأرادوا قتله فقال: لا تقتلوني فإن لي كنزا وأنا أفدي به نفسي، فأعطاه كنزه ونجا بنفسه، وإن الله تعالى يأمركم أن تصوموا، ومثل ذلك مثل رجل مشى إلى عدو وقد اعتد للقتال، فلا يبالي من حيث أتى، وإن الله يأمركم أن تقرأوا الكتاب، ومثل ذلك كقوم في حصنهم سار إليهم عدوهم، ذلك مثل من قرأ القرآن، لا يزالون في حرز وحصن حصين. "العسكري في المواعظ، وأبو نعيم". ٤٤١٧٥- عن أنس قال: خطبنا رسول الله ﷺ على ناقته الجدعاء وليست بالعضباء فقال: أيها الناس! كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذي يشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، بيوتهم أجداثهم،

стр. 11696

وتأكل تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، قد أمنا كل جائحة ونسينا كل موعظة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من حلال من غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، واتبع السنة ولم يعدها إلى بدعة، فأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، طوبى لمن حسنت سريرته وطهرت خليقته. "كر". ٤٤١٧٦- زكريا بن يحيى الوراق قال: قرئ علي عبد الله بن وهب وأنا أسمع: قال الثوري قال مجالد قال أبو الوداك قال أبو سعيد قال عمر بن الخطاب قال رسول الله ﷺ : قال أخي موسى ﵇: يا رب! أرني الذي كنت أريتني في السفينة، فأوحى الله إليه: يا موسى! إنك ستراه فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه الخضر، وهو فتى طيب الريح وحسن الثياب، فقال: السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران! إن ربك يقرئك السلام ورحمة الله، قال موسى: هو السلام ومنه السلام وإليه السلام، والحمد لله رب العالمين الذي لا أحصي نعمه ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته، ثم قال موسى: أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعد! قال الخضر: يا طالب العلم! إن القائل أقل ملالة من المستمع فلا تمل جلساءك

стр. 11697

إذا حدثتهم، واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك، فاعزب عن الدنيا وانبذها وراءك، فإنها ليست لك بدار، ولا لك فيها محل قرار، وإنها جعلت بلغة للعباد، ليتزودوا منها للمعاد؛ ويا موسى! وطن نفسك على الصبر تلق الحلم، وأشعر قلبك التقوى تنل العلم، ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم؛ يا موسى! تفرغ للعلم إن كنت تريده، فإن العلم لمن تفرغ، ولا تكونن مكثارا بالنطق مهذارا ١، فإن كثرة النطق تشين العلماء، وتبدي مساوي السخفاء، ولكن عليك بالاقتصاد، فإن ذلك من التوفيق والسداد، وأعرض عن الجهال وباطلهم، واحلم عن السفهاء، فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء، إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما وحنانة وحرما، فإن ما بقي من جهله عليك وشتمه إياك أعظم وأكبر؛ يا ابن عمران! ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا، فإن الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف؛ يا ابن عمران! لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه، ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه! يا ابن عمران! من لا ينتهي من الدنيا نهمته ٢ ولا ينقضى منها رغبته كيف

стр. 11698

يكون عابدا! ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى كيف يكون زاهدا! هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه! أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه! لأن سفره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه؛ ويا موسى! تعلم ما تعلمته لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به، فيكون عليك بوره ويكون لغيرك نوره؛ ويا ابن عمران! اجعل الزهد والتقوى لباسك، والعلم والذكر كلامك، وأكثر من الحسنات، فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك، فإن ذلك يرضي ربك، واعمل خيرا، فإنك لا بد عامل سوء قد وعظت إن حفظت. فتولى الخضر وبقى موسى حزينا مكروبا يبكي. "عد، طس، والمرهبي في العلم، خط في الجامع، وابن لال في مكارم الأخلاق، والديلمي، كر، وزكريا متكلم فيه لكن ذكره حب في الثقات وقال: يخطئ ويخالف، أخطأ في حديث موسى حيث قال: عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد وهو الثوري أن النبي ﷺ قال قال موسى - الحديث، وقال عق في أصل ابن وهب: قال سفيان الثوري: بلغني أن رسول الله ﷺ قال - فذكره ".

стр. 11699

خطب أبي بكر الصديق ومواعظه ﵁ ٤٤١٧٧- "مسند الصديق" عن عمرو بن دينار قال: خطب أبو بكر فقال: أوصيكم بالله لفقركم وفاقتكم أن تتقوه وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تستغفروه إنه كان غفارا، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله فربكم أطعتم، وحقه وحقكم حفظتم، فأعطوا ضرائبكم في أيام سلفكم واجعلوها نوافل بين أيديكم حتى تستوفوا سلفكم وضرائبكم حين فقركم وحاجتكم، ثم تفكروا عباد الله فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم! أين الملوك الذين كانوا أثاروا الأرض وعمروها! قد نسوا ونسى ذكرهم فهم اليوم كلاشيء، فتلك بيوتهم خاوية وهم في ظلمات القبور، ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ ! وأين من تعرفون من أصحابكم وإخوانكم! قد وردوا على ما قدموا، فجعلوا الشقاوة والسعادة، إن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره، وإنه لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجنة - أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. "حل". ٤٤١٧٨- عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء

стр. 11700

خلق الإنسان فيقول: خلق من مجرى البول مرتين - فيذكر حتى ينقذر أحدنا نفسه. "ش". ٤٤١٧٩- عن نعيم بن قحمة قال: كان في خطبة أبو بكر الصديق: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن ينقضى الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله، إن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أين من تعرفون من إخوانكم! قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وحلوا فيه بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحففوها بالحوائط! قد صاروا تحت الصخر والآثار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، وانتضحوا بشفائه وبيانه، إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. "طب، حل؛ قال ابن كثير: إسناده جيد". ٤٤١٨٠- عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر فقال:

стр. 11701

أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله ، وأن تثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وعلى أهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ثم اعلموا عباد الله! إن الله قد ارتهن بحقه انفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدقوا قوله وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة، فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون، ثم اعلموا عباد الله! إنكم لتغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضى الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن ينقضى فتردكم إلى سوء أعمالكم، فإن قوما جعلوا آجالهم لغيرهم فنسوا أنفسهم، فنهاكم أن تكونوا أمثالهم، الوحا ١ الوحا! النجا ٢ النجا! إن وراءكم

стр. 11702

طالبا حثيثا، أمره سريع. "ش، وهناد، حل، ك، ق، في، وروى بعضه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل". ٤٤١٨١- عن ابن الزبير أن أبا بكر قال وهو يخطب: يا معشر الناس! استحيوا من الله، فوالذي نفسي بيده! إني لأظل حتى أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطيا رأسي - وفي لفظ: مقنعا رأسي - استحياء من ربي. "ابن المبارك، ش، ورسته، والخرائطي في مكارم الأخلاق". ٤٤١٨٢- عن عمرو بن دينار قال قال أبو بكر: استحيوا من الله، فوالله إني لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط وأغطي رأسي حياء من الله . "عب، وهناد، والخرائطي". ٤٤١٨٣- عن محمد بن إبراهيم بن الحارث إن أبا بكر الصديق خطب الناس فقال: والذي نفسي بيده! لئن اتقيتم وأحصنتم ليوشكن أن لا يأتي عليكم إلا يسير حتى تشبعوا من الخبز والسمن. "ابن أبي الدنيا، والدينوري". ٤٤١٨٤- عن موسى بن عقبة أن أبا بكر الصديق كان يخطب فيقول: الحمد لله رب العالمين، أحمده وأستعينه، ونسأله الكرامة فيما بعد الموت، فإنه قد دنا أجلي وأجلكم، وأشهد أن لا إله إلا الله

стр. 11703

وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وسراجا منيرا، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، ومن يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبينا، أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به، فإنه جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة، لمن ولاه الله أمركم! فإنه من يطع والي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح وأدى الذي عليه من الحق، وإياكم واتباع الهوى! قد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب، وإياكم والفخر! وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود ثم يأكله الدود! ثم هو اليوم حي وغدا ميت! فاعملوا يوما بيوم وساعة بساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإن العمل كله بالصبر، واحذروا فالحذر ينفع، واعملوا فالعمل يقبل، واحذروا ما حذركم الله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته، وافهموا تفهموا، واتقوا توقوا، فإن الله تعالى قد بين لكم ما أهلك به من كان قبلكم وما نجا به من نجا قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحب من الأعمال وما يكره، فإني لا آلوكم ونفسي - والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله!

стр. 11704

واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم، وحظكم حفظتم واغتبطتم، وما تطوعتم به فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا بسلفكم وتعطوا جزاءكم حين فقركم وحاجتكم إليها، ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا! قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت، إن الله ليس له شريك، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرا، ولا يصرف عنه سوء إلا بطاعته واتباع أمره، فإنه لا خير في خير بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة - أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وصلوا على نبيكم صلى الله عليه والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. "ابن أبي الدنيا في كتاب الحذر، كر". ٤٤١٨٥- عن القاسم بن محمد قال: كتب أبو بكر إلى عمرو والوليد بن عقبة وكان بعثهما على الصدقة، وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة: اتق الله في السر والعلانية، فإنه من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يكفر عنه سيئآته ويعظم له أجرا، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، إنك في سبيل الله لا يسعك فيه الإدهان ١ والتفريط ولا الغفلة

стр. 11705

عما فيه قوام دينكم وعصمة أمركم، فلا تن ولا تفتر، وقام أبو بكر في الناس خطيبا فحمد الله وصلى على رسوله ﷺ وقال: ألا! إن لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهو حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا! وإن لي كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله ما ينبغي للمسلم أن يحب أن يحضره، هي النجاة التي دل الله عليها، ونجا بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة. "كر". خطب عمر ومواعظه ﵁ ٤٤١٨٦- عن قبيصة قال: سمعت عمر وهو يقول على المنبر: من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له، ومن لا يتوب لا يتاب عليه، ومن لا يتق لا يوقه. "خ في الأدب، وابن خزيمة، وجعفر القاري في الزهد". ٤٤١٨٧- عن الباهلي أن عمر قام في الناس خطيبا مدخله في الشام بالجابية فقال: تعلموا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا

стр. 11706

من أهله، فإنه لم يبلغ منزلة ذي حق أن يطاع في معصية الله، واعلموا أنه لا يقرب من أجل ولا يبعد من رزق الله قول بحق وتذكير عظيم، واعلموا أن بين العبد وبين رزقه حجابا، فإن صبر أتاه رزقه، وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يدرك فوق رزقه، وأدنوا الخيل وانتضلوا وانتعلوا وتسوكوا وتمعددوا ١؛ وإياكم وأخلاق العجم، ومجاورة الجبارين وأن يرفع بين ظهرانيكم صليب، وأن تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وتدخلوا الحمام بغير إزار، وتدعوا نساءكم يدخلن الحمامات، فإن ذلك لا يحل؛ وإياكم أن تكسبوا من عقد الأعاجم بعد نزولكم في بلادهم ما يحبسكم في أرضهم! فإنكم توشكون أن ترجعوا إلى بلادكم؛ وإياكم والصغار أن تجعلوه في رقابكم! وعليكم بأموال العرب الماشية تنزلون بها حيث نزلتم! واعلموا أن الأشربة تصنع من ثلاثة: من الزبيب والعسل والتمر، فما عتق منه! فهو خمر لا يخل؛ واعلموا أن الله لا يزكي ثلاثة

стр. 11707

نفر، ولا ينظر إليهم، ولا يقربهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: رجل أعطى إمامه صفقة يريد بها الدنيا، فإن أصابها وقى له، وإن لم يصبها لم يف له؛ ورجل خرج بساعته بعد العصر فحلف بالله لقد أعطى بها كذا وكذا فاشتريت لقوله؛ وسباب المؤمن فسوق وقتاله كفر، ولا يحل لك أن تهجر أخاك فوق ثلاثة أيام؛ ومن أتى ساحرا أو كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . "العدني". ٤٤١٨٨- عن السائب بن مهجان من أهل الشام وكان قد أدرك الصحابة قال: لما دخل عمر الشام حمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم قال: إن رسول الله ﷺ قام فينا خطيبا كقيامي فيكم، فأمر بتقوى الله وصلة الرحم وصلاح ذات البين، وقال: عليكم بالجماعة - وفي لفظ: بالسمع والطاعة - فإن يد الله على الجماعة، وإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئته وسرته حسنته فهي أمارة المسلم المؤمن، وأمارة المنافق الذي لا تسوءه سيئته ولا تسره حسنته، إن عمل خيرا لم يرج من الله في ذلك الخير ثوابا، وإن عمل شرا لم يخف من الله في ذلك الشر عقوبة،

стр. 11708

فأجملوا في طلب الدنيا، فإن الله قد تكفل بأرزاقكم، وكل سيتم له عمله الذي كان عاملا، استعينوا بالله على أعمالكم فإنه يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله، وعليه السلام ورحمة الله، السلام عليكم. "ابن مردويه، هب، كر، وقالا: هذه خطبة عمر بن الخطاب على أهل الشام أثرها عن رسول الله ﷺ ". ٤٤١٨٩- عن عمر أنه كتب إلى ابنه عبد الله بن عمر: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله، فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكر زاده، ولتكن التقوى نصب عينيك وعماد عملك وجلاء قلبك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسبة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. "ابن أبي الدنيا في التقوى، وأبو بكر الصولى في جزئه، كر". ٤٤١٩٠- عن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عماله فكان في آخر كتابه أن حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، قال من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضاء والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته

стр. 11709

سيئاته عاد مرجعه إلى الندامة والحسرة، فتذكر ما توعظ به لكي تنتهى عما تنهى عنه. "ق في الزهد، كر". ٤٤١٩١- عن الحسن قال: أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: يا أمير المؤمنين! إني رجل من أهل البادية وإن لي أشغالا، فأوصني بأمر يكون لي ثقة وأبلغ به، فقال: اعقل، أرني يدك، فأعطاه يده، فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتحج وتعتمر، وتطيع، وعليك بالعلانية! وإياك والسر! وعليك بكل شيء إذا ذكر ونشر لم تستحي منه ولم يفضحك! وإياك وكل شيء إذا ذكر ونشر استحييت وفضحك! فقال: يا أمير المؤمنين! أعمل بهن، فإذا لقيت ربي أقول: أخبرني بهن عمر بن الخطاب، فقال: خذهن، فإذا لقيت ربك فقل له ما بدا لك. "كر". ٤٤١٩٢- عن الحسن قال: كان عمر يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد. "ش". ٤٤١٩٣- عن عمر أنه كتب إلى معاوية بن أبي سفيان: أما بعد! فالزم الحق يبين لك الحق منازل أهل الحق، ولا تقض إلا بالحق - والسلام. "أبو الحسن بن رزقويه في جزئه".

стр. 11710

٤٤١٩٤- عن أبي خالد الغساني قال: حدثني مشيخة من أهل الشام أدركوا عمر قالوا: لما استخلف عمر صعد المنبر فلما رأى الناس أسفل منه حمد الله؛ ثم كان أول كلام تكلم به بعد الثناء على الله وعلى رسوله: هون عليك فإن الأمور … بكف لإله مقاديرها فليس بآتيك منهيها … ولا قاصر عنك مأمورها "العسكري". ٤٤١٩٥- عن عمر قال: أوصيكم بالله إن أنتم بالله خلوتم. "العسكري في السرائر". ٤٤١٩٦- عن عمر قال: اعتزل ما يؤذيك، وعليك بالخليل الصالح! وقل ما تجده وشاور في أمرك الذين يخافون الله. "هب". ٤٤١٩٧- عن سماك بن حرب قال: سمعت معرورا أو ابن معرور التميمي قال سمعت عمر بن الخطاب وصعد المنبر، قعد دون مقعد رسول الله ﷺ بمقعدين فقال: أوصيكم بتقوى الله، واسمعوا وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم. "ابن جرير". ٤٤١٩٨- عن أبي هريرة قال: كان عمر بن الخطاب يقول في خطبته: أفلح منكم من حفظ من الهوى والغضب والطمع، ووفق

стр. 11711

إلى الصدق في الحديث، فإنه يجره إلى الخير، من يكذب يفجر، ومن تفجر يهلك، إياكم والفجور! ما فجور من خلق من التراب وإلى التراب يعود، اليوم حي وغدا ميت! اعملوا عمل يوم بيوم، واجتنبوا دعوة المظلوم، وعدوا أنفسكم من الموتى. "ق". ٤٤١٩٩- عن يحيى بن جعدة قال: مر عمر بن الخطاب على يسار فسلم عليه وقال: والذي لا إله إلا هو! ما من إله إلا الله، وأوصيكم بتقوى الله. "عب". ٤٤٢٠٠- عن عمر قال: يا معشر القراء! ارفعوا رؤوسكم، ما أوضح الطريق! فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا كلا على المسلمين. "العسكري في المواعظ، هب". ٤٤٢٠١- عن عمر قال: استغزروا الدموع بالتذكر. "ابن أبي الدنيا في … والدينوري". ٤٤٢٠٢- عن عمر أنه وعظ رجلا فقال: لا تلهك الناس عن نفسك، فإن الأمر يصير إليك دونهم، ولا تقطع النهار ساربا، فإنه محفوظ عليك ما عملت، وإذا أسأت فأحسن، فإني لا أرى شيئا أشد طلبا ولا أسرع دركة من حسنة حديثة لذنب قديم. "الدينوري".

стр. 11712

٤٤٢٠٣- عن عمر أنه قال في خطبته: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم ﴿تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . "ابن المبارك، ص، ش، حم في الزهد، كر، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس، حل، كر". ٤٤٢٠٤- عن عمر قال: من أراد الحق فلينزل بالبراز يعني يظهر أمره. "ش". ٤٤٢٠٥- عن جويبر عن الضحاك قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد! فإن القوة في العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال، فلا تدرون أيها تأخذون فأضعتم، فإن خيرتم بين أمرين أحدهما للدنيا والآخر للآخرة فاختاروا أمر الآخرة على أمر الدنيا، فإن الدنيا تفنى والآخرة تبقى، كونوا من الله على وجل، وتعلموا كتاب الله فإنه ينابيع العلم وربيع القلوب. "ش". ٤٤٢٠٦- عن عمر قال: كونوا أوعية الكتاب وينابيع العلم، وعدوا أنفسكم من الموتى، واسألوا الله رزق يوم بيوم، ولا يضركم إن يكثر لكم. "سفيان بن عيينة في جامعه، حم في الزهد، حل".

стр. 11713

٤٤٢٠٧- عن سعيد بن أبي بردة قال: كتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد! فإن أسعد الرعاة من سعدت رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت رعيته، وإياك أن ترتع فترتع عمالك! فيكون مثلك عند ذلك مثل بهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها - والسلام عليك. "ش، حل". ٤٤٢٠٨- عن محمد بن سوقة قال: أتيت نعيم بن أبي هند فأخرج إلي صحيفة فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، أما بعد! ّ فإنا عهدنا وأمر نفسك لك مثلهم، وأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل، فأنت كيف أنت عند ذلك يا عمر! فإنا نحذرك يوما تعيي فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتقطع فيه الحجج بملك قهرهم بجبروته والخلق داخرون له، يرجون رحمته ويخافون عقابه، وإنا كنا نحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر أن تكون إخوان العلانية أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا إليك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا، فإنا كتبنا به نصيحة

стр. 11714

والسلام عليك، فكتب إليهما: من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل، سلام عليكما، أما بعد! فإنكما كتبتما إلي تذكر أن أنكما عهدتماني وأمر نفسي لي مثلهم، فإني قد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها يجلس بين يدي الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من ذلك؛ وكتبتما فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر! وإنه لاحول ولاقوة عند ذلك لعمر إلا بالله، وكتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقديما كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد، يأتيان بكل موعود حتى يصيران الناس إلى منازلهم من الجنة والنار؛ كتبتما تذكران أنكما تحدثان أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها أن تكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ولستم بأولئك، هذا ليس بزمان ذلك، وإن ذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض الناس إلى بعض لصلاح دنياهم، ورهبة بعض الناس من بعض؛ كتبتما به نصيحة تعظاني بالله أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، فإنكما كتبتما به وقد صدقتما فلا تدعا الكتاب إلي، فإني لا غنى بي عنكما والسلام عليكما. "ش، وهناد".

стр. 11715

٤٤٢٠٩- عن ابن الزبير قال: قال عمر بن الخطاب: إن لله عبادا يميتون الباطل بهجره، ويحيون الحد بذكره، رغبوا فرعبوا، ورهبوا فرهبوا، إن خافوا فلا يأمنون، أبصروا من اليقين ما لم يعاينوا، فخلطوه بما لم يزالوا، أخلقهم الخوف، فكانوا يهجرون بما ينقطع عنهم لما يبقي لهم، الحياة عليهم نعمة والموت لهم كرامة. فزوجوا الحور العين وأخدموا الولدان المخلدين. "حل". ٤٤٢١٠- عن زياد بن حدير أن عمر بن الخطاب قال: يا زياد ابن حدير! هل تدري ما يهدم الإسلام؟ إمام ضلالة، وجدال منافق بالقرآن ودين يقطع أعناقكم، وأخشى عليكم زلة عالم، فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن زل فلا تقطعوا منه إياسكم، فإن العالم يزل ثم يتوب، ومن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح. "العسكري في المواعظ". ٤٤٢١١- عن الحسن أن عمر كان يقول: يا أيها الناس! إنه من يتق الشر يوقه، ومن يتبع الخير يؤته. "العسكري في المواعظ". ٤٤٢١٢- عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس! ألا إنما كنا نعرفكم إذ بين ظهرانينا النبي ﷺ وإذ

стр. 11716

ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا! وإن النبي ﷺ قد انطلق وانقطع الوحي، وإنما نعرفكم بما نقول لكم، من أظهر منكم خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربكم، ألا إنه قد أتى على حين وأنا أحسب أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده، فقد خيل إلي بآخره أن رجالا قد قرؤه يريدون به ما عند الناس، فأريدوا الله بقراءته. وأريدوه بأعمالكم، ألا! وإني والله ما أدجل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفسي بيده! إذا لأقصنه منه، ألا! لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمروهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم. "حم، وابن سعد، وابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن راهويه في خلق أفعال العباد، وهناد ومسدد وابن خزيمة، والعسكري في المواعظ، وأبو ذر الهروي في الجامع، ك، ق، كر ص". ٤٤٢١٣- حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثنا موسى ابن عقبة قال: هذه خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية: أما بعد!

стр. 11717

فإني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي بطاعته يكرم أولياؤه، وبمعصيته يضل أعداؤه، فليس لهالك هلك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالة، وإن أحق ما تعاهد الراعي من رعيته أن يتعاهدهم بما لله عليه من وظائف دينهم الذي هداهم الله له، وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته وننهاكم عما نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نقيم فيكم أمر الله في قريب الناس وبعيدهم، ولا نبالي على من مال الحق، وقد علمت أن أقواما يتمنون في دينهم فيقولون: نحن نصلي مع المصلين، ونجاهد مع المجاهدين، وننتحل الهجرة، وكل ذلك يفعله أقوام لا يحملونه بحقه، وإن الإيمان ليس بالتحلي، وإن للصلاة وقتا اشترطه الله فلا تصلح إلا به، فوقت صلاة الفجر حين يزايل المرء ليله ويحرم على الصائم طعامه وشرابه، فآتوها حظها من القرآن، ووقت صلاة الظهر إذا كان القيظ فحين تزيغ عن الفلك حتى يكون ظلك مثلك، وذلك حين يهجر المهجر، فإذا كان الشتاء فحين تزيغ عن الفلك حتى تكون على حاجبك الأيمن مع شروط الله في الوضوء والركوع والسجود، وذلك لئلا ينام عن الصلاة، ووقت صلاة العصر والشمس بيضاء نقية قبل أن تصفار قدر ما يسير الراكب

стр. 11718

على الجمل الثقال فرسخين قبل غروب الشمس، وصلاة المغرب حين تغرب الشمس ويفطر الصائم، وصلاة العشاء حين يعسعس الليل وتذهب حمرة الأفق إلى ثلث الليل، فمن رقد قبل ذلك فلا أرقد الله عينيه، هذه مواقيت الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، ويقول الرجثي: قد هاجرت، ولم يهاجر، وإن المهاجرين الذين هجروا السيئات، ويقول أقوام: جاهدنا، وإن الجهاد في سبيل الله مجاهدة العدو واجتناب الحرام، وقد يقاتل أقوام يحسنون القتال، لا يريدون بذلك الأجر ولا الذكر، وإنما القتل حتف من الحتوف، وكل امرئ على ما قاتل عليه، وإن الرجل ليقاتل بطبيعته من الشجاعة فينجي من يعرف ومن لا يعرف، وإن الرجل ليجبن بطبيعته فيسلم أباه وأمه وإن الكلب ليهر ١ من وراء أهله. واعلموا أن الصوم حرام يجتذب فيه أذى المسلمين، كما يمنع الرجل من لذته من الطعام والشراب والنساء، فذلك الصيام التام، وإيتاء الزكاة التي فرض رسول الله ﷺ طيبة بها أنفسهم، فلا يرون عليها برا، فافهموا ما توعظون به، فإن الحرب من حرب دينه، وإن السعيد من وعظ

стр. 11719

بغيره، وإن الشقى من شقى في بطن أمه، وإن شر الأمور مبتدعاتها، وإن الاقتصاد في سنة خير من الاجتهاد في بدعة، وإن للناس نفرة عن سلطانهم، فعائذ بالله أن يدركني! وإياكم ضغائن مجبولة وأهواء مشبعة ودنيا مؤثرة! وقد خشيت أن تركنوا إلى الذين ظلموا فلا تطمئنوا إلى من أوتى مالا، وعليكم بهذا القرآن! فإن فيه نورا وشفاء، وغيره الشقاء، وقد قضيت الذي علي فيما ولاني الله من أموركم، ووعظتكم نصحا لكم، وقد أمرنا لكم بأرزاقكم، وقد جندنا لكم جنودكم وهيأنا لكم مغازيكم، وأثبتنا لكم منازلكم ووسعنا لكم ما بلغ فيكم وما قاتلتم عليه بأسيافكم، فلا حجة لكم على الله بل لله الحجة عليكم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. " … ". ٤٤٢١٤- عن الشعبي قال: لما ولى عمر بن الخطاب صعد المنبر فقال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي أهلا لمجلس أبو بكر، فنزل مرقاة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اقرؤا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ألا! وإني

стр. 11720

أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولى اليتيم، إن استغنيت عففت: وإن افتقرت أكلت بالمعروف. "الدينوري".

стр. 11721

خطب علي ومواعظه ﵁ ٤٤٢١٥- عن علي أنه كتب إلى ابنه الحسن كتابا: من الوالد الفان، المقر للزمان، المدبر للعمر، المستسلم فيه للدهر، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، الظاعن إليهم عنها غدا - إلى المولود المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرض الأسقام، ورهينة الأيام، ورمية المصائب، وعبد الدنيا، وتاجر الغرور، وغريم المنايا، وأسير الموت، وحليف ١ الهموم، وقرين الأحزان، ونصب الآفات، وصريع الشهوات، وخليفة الأموات؛ أما بعد! فإن فيما قد تبينت من إدبار الدنيا عني وجنوح الدهر علي وإقبال الآخرة على ما يزعني ٢ عن ذكر ما سواي، والاهتمام بما

стр. 11722

واري، غير أني حين تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي فصدقني رأيي، وتصرف بي هواي، وصرح إلى محض أمري، فأفضي بي جد لا يرزق به لعب، وصدق لا يشوبه كذب، وجدتك أي بني من بعضي، بل وجدتك من كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما عناني من نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا إن أنا بقيت أو فنيت، وإني أوصيك يا بني بتقوى الله ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبه، فهو أوثق السبب بينك وبينه، يا بني! أحي قلبك بالموعظة، وموته بالزهد، وقوه باليقين، وذلله بذكر الموت، وأكثره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين وذكره ما أصاب من كان قبلك، وسر في ديارهم، واعتبر بآثارهم، وانظر ما فعلوا، وعمن انتقلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم انتقلوا عن الأحبة، وحلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم، فأصلح مثواك واحرز آخرتك، ودع القول فيما لا تعرف، والدخول فيما لا تكلف، وأمسك عن السير إذا خفت ضلالة، فإن الكف عند حيرة الضلالة خير من ركوب الأهوال، وأمر بالمعروف تكن من أهله،

стр. 11723

وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله بجهدك، وخض الغمرات إلى الحق، وتفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه، وألجئ نفسك في الأمور كلها إلى الله، فإنك تلجئها إلى كهف حريز ومانع عزيز، وأخلص في المسألة لربك، فإن بيده العطاء والحرمان وأكثر الاستخارة، وتفهم وصيتي، لا تذهبن عنك صفحا، أي بني! إني لما رأيتني قد بلغت سنا ورأيتني ازددت وهنا بادرت بوصيتي إياك خصالا منهن أن تعجل لي أجل قبل أن أفضى إليك ما في نفسي وأنقص في رأيي كما نقصت في جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبة الهوى وفتن الدنيا فتكون كالصعب النفور، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما ألقى فيها من شيء قبلته، فباكرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك، لتستقبل بجد رأيك ما قد كفاك تجربته، فتكون قد كفيت مؤنة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك ما ربما أظلم علينا فيه، أي بني! إني لم أكن عمرت عمر من كان قبلي، فقد نظرت في أعمارهم وفكرت في أخبارهم، وسرت في آثارهم، حتى عدت كأحدهم، بل كأنني لما قد انتهى إلي من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره

стр. 11724

ونفعه من ضره، فاستخلصت من كل شيء نحيلته، وتوخيت لك جميلته، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت عنايتي بك واجبة علي، فجمعت لك ما إن فهمته أدبك، فاغتنم ذلك وأنت مقتبل بين النية واليقين، فعليك بتعليم كتاب الله وتأويله! وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا تجاوز ذلك قبله إلى غيره، فإن أشفقت أن شبهة لمت اختلف فيه الناس من أهوائهم ورأيهم مثل الذي لبسهم، فتقصد في تعليم ذلك بلطف، يا بني! وقدم عنايتك في الأمر ليكون ذلك نظرا لديك، لا مماريا ولامفاخرا ولا طلبا لعرض عاجلتك، فإن الله يوفقك لرشدك، ويهديك لقصدك، فاقبل عهدي إليك، ووصيتي لك، واعلم يا بني! إن أحب ما أنت آخذ به من وصيتي تقوى الله، والاقتصار على ما افترض الله عليك، والأخذ بما الضى؟؟ عليك أولوك من آبائك والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن ينظروا لأنفسهم كما أنت ناظر وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم ذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم ما علموا، فيكون طلبك ذلك بتعليم وتفهم وتدبر، لا بتوارد الشبهات وعلم الخصومات، وابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بالهك عليك والرغبة إليه،

стр. 11725

واحذر كل شائبة أدخلت عليك شبهة، وأسلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، كان همك في ذلك هما واحدا، فانظر فيما فسرت ذلك، وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب من فراغ نظرك فاعلم أنك إنما تخبط خبط عشواء، وليس من طالب لدين من خبط ولا خلط، والإمساك عند ذلك أمثل، وإن أول ما أبدأك به في ذلك وآخره أني أحمد الله إلهي وإلهك إله الأولين والآخرين، رب من في السماوات ومن في الأرضين، بما هو أهله، وكما هو أهله، وكما يحب وينبغي له، وأسأله أن يصلي على نبينا محمد ﷺ ، وأن يتم علينا نعمه لما وفقنا من مسألته والإجابة لنا، فإن بنعمته تتم الصالحات، اعلم أي بني! إن أحدا لم ينبيء عن الله كما نبأ به محمد ﷺ ، فارض به رائد ١، فإني لم آلك نصيحة ولم تبلغ في ذلك، وإني اجتهدت مبلغي في ذلك لعنايتي وطول تجربتي، وإن نظري لك كنظري لنفسي؛ اعلم أن الله واحد، أحد صمد، لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول ولم يزل، أول من قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بلا نهاية، حكيم، عليم،

стр. 11726

قديم، لم يزل كذلك، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطره، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظيم حاجتك إلى ربك، فاستعن بالهك في طلب حاجتك، وتقرب إليه بطاعته، وارغب إليه بقدرته، وارهب منه بروئيته، فإنه حكيم لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح، اجعل نفسك ميزانا بينك وبين غيرك؛ وأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، ولا تقل ما لا تعلم، بل أقل مما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك؛ اعلم يا بني أن الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب، فاسع في كدحك؛ ولا تكن خازنا لغيرك، فإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك؛ واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة. وأهوال شديدة، وأنك لا غنى بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقله وبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك ويوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم ما أقرضت من استقرضك في حال غناك، واعلم أن أمامك عقبة كؤوداء مهبطها على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك، فليس بعد الموت

стр. 11727

مستعتب، ولا إلى الدنيا منصرف، واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وضمن الإجابة، وأمرك أن تسأله فيعطيك، وتطلب إليه فيرضيك، وهو رحيم لم يجعل بينك وبينه حجابا، ولم يلجأك إلى من تشفع به إليه، ولم يمنعك إن أسأت التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يؤنسك من رحمته، ولم يسد عليك باب التوبة، وجعل توبتك النزوع عن الذنب، وجعل سيئتك واحدة وجعل حسنتك عشرا، إذا ناديته أجابك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأنثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته التي لا يقدر على إعطائها غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الرزق وتمام النعمة، فألحح في المسألة، فبالدعاء تفتح أبواب الرحمة، ولا يقنطك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية، فربما أخرت الإجابة لتطول مسألة السائل، فيعظم أجره، ويعطي سؤله، وربما ذخر ذلك له في الآخرة، فيعطى أجر تعبده، ولا يفعل بعبده إلا ماهو خير له في العاجلة والآجلة، ولكن لا يجد لطفه أحد، ولا يعرف دقائق تدبيره إلا المصطفون، ولتكن مسالتك لما يبقى ويدوم في صلاح دنياك وتسهيل أمرك وشمول عافيتك، فإنه قريب مجيب؛ اعلم أي بني

стр. 11728

انك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وأنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق الآخرة، وأنك طريدة الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا يفوته طالبه، فاحذر أن يدركك وأنت على حال سيئة، وأعمال مردية فتقع في ندامة الأبد وحسرة لا تنفد، فتفقد دينك لنفسك، فدينك لحمك ودمك، ولا ينقذك غيره، أي بني! أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه، وتقضى بعد الموت إليه، واجعله نصب عينيك حتى يأتيك وقد أخذت له حذرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، وأكثر ذكر الآخرة وكثرة نعيمها وحبورها وسرورها ودوامها وكثرة صنوف لذاتها وقلة آفاتها إذا سلمت، وفكر في ألوان عذابها وشدة غمومها وأصناف نكالها، إن أنت تيقنت فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة، ويصغر عندك زينة الدنيا وغرورها وزهرتها فقد نبأك الله عنها وبين أمرها، وكشف عن مساويها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها ككلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر بعضهم إلى بعض؛ ويقهر عزيزها ذليلها، وكثيرها قليلها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل، وسلكت بهم طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في فتنتها، وتخذوها ريا فلعبت بهم

стр. 11729

ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها؛ فإياك يا بني أن تكون مثل من قد شابته بكثرة عيوبها! أي بني! إنك إن تزهد فيما قد زهدتك فيه من أمر الدنيا وتعرض نفسك عنها فهي أهل ذلك، فإن كنت غير قابل نصحي إياك منها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، فإنك في سبيل من قد كان قبلك، فأجمل في الطلب، واعرف سبيل المكتسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب، وليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك؛ إياك أن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا وقد جمعك الله به حرا! وما منفعة خير لا يدرك باليسير، ويسير لا ينال إلا بالعسير؛ وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة! وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله أعظم وأكرم وإن كان كل من الله - ولله المثل الأعلى! واعلم أن لك في يسير مما تطلب فتنال من الملوك افتخارا، وبيع عرضك ودينك عليك عار، فاقتصد في أمرك تحمد معقبة عقلك، إنك لست بائعا شيئا من عرضك ودينك إلا بثمن، والمغبون من حرم نصيبه من الله، فخذ من الدنيا ما أتاك، وتول عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل

стр. 11730

فأجمل في الطلب؛ وإياك ومقاربة من يشينك! وتباعد من السلطان، ولا تأمن خدع الشيطان، ومتى ما رأيت منكرا من أمرك فأصلحه بحسن نظرك، فإن لكل وصف صفة، ولكل قول حقيقة، ولكل أمر وجها ينال الأريب - أي العاقل - فيه رشده، ويهلك الأحمق بتعسفه فيه نفسه؛ يا بني! كم قد رأيت من قيل له: تحب أن تعطي الدنيا بما فيها مائة سنة بلا آفة ولا أدنى، لا ترى فيها سوءا ويكون آخر أمرك عذاب الأبد، فلا يتسع بها ولا يريدها، ورأيته قد أهلك دينه ونفسه باليسير من زينة الدنيا، وهذا من كيد الشيطان وحبائله، فاحذر مكيدته وغروره، يا بني! أملك عليك لسانك، ولا تنطق فيما تخاف الضرر فيه، فإن الصمت خير من الكلام في غير منفعة، وتلافيك ما فرط من همتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، واعلم أن حفظ ما في يديك خير من طلب ما في يد غيرك، وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير في الإسراف، وحسن اليأس خير لك من الطلب إلى الناس، يا بني! لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، والكذب داء فجانبه وأهله، يا بني! العفة مع الشدة خير من الغنى مع الفجور، من فكر أبصر،
следующие страницы →