قديم، لم يزل كذلك، فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك في صغر خطره، وقلة مقدرته، وكثرة عجزه، وعظيم حاجتك إلى ربك، فاستعن بالهك في طلب حاجتك، وتقرب إليه بطاعته، وارغب إليه بقدرته، وارهب منه بروئيته، فإنه حكيم لم يأمرك إلا بحسن، ولم ينهك إلا عن قبيح، اجعل نفسك ميزانا بينك وبين غيرك؛ وأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، ولا تقل ما لا تعلم، بل أقل مما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك؛ اعلم يا بني أن الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب، فاسع في كدحك؛ ولا تكن خازنا لغيرك، فإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك؛ واعلم أن أمامك طريقا ذا مشقة بعيدة. وأهوال شديدة، وأنك لا غنى بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك، فيكون ثقله وبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك ويوافيك به حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم ما أقرضت من استقرضك في حال غناك، واعلم أن أمامك عقبة كؤوداء مهبطها على جنة أو على نار، فارتد لنفسك قبل نزولك، فليس بعد الموت
стр. 11727
مستعتب، ولا إلى الدنيا منصرف، واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وضمن الإجابة، وأمرك أن تسأله فيعطيك، وتطلب إليه فيرضيك، وهو رحيم لم يجعل بينك وبينه حجابا، ولم يلجأك إلى من تشفع به إليه، ولم يمنعك إن أسأت التوبة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يؤنسك من رحمته، ولم يسد عليك باب التوبة، وجعل توبتك النزوع عن الذنب، وجعل سيئتك واحدة وجعل حسنتك عشرا، إذا ناديته أجابك، وإذا ناجيته علم نجواك، فأفضيت إليه بحاجتك، وأنثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن رحمته التي لا يقدر على إعطائها غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان وسعة الرزق وتمام النعمة، فألحح في المسألة، فبالدعاء تفتح أبواب الرحمة، ولا يقنطك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية، فربما أخرت الإجابة لتطول مسألة السائل، فيعظم أجره، ويعطي سؤله، وربما ذخر ذلك له في الآخرة، فيعطى أجر تعبده، ولا يفعل بعبده إلا ماهو خير له في العاجلة والآجلة، ولكن لا يجد لطفه أحد، ولا يعرف دقائق تدبيره إلا المصطفون، ولتكن مسالتك لما يبقى ويدوم في صلاح دنياك وتسهيل أمرك وشمول عافيتك، فإنه قريب مجيب؛ اعلم أي بني
стр. 11728
انك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وأنك في منزل قلعة ودار بلغة وطريق الآخرة، وأنك طريدة الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا يفوته طالبه، فاحذر أن يدركك وأنت على حال سيئة، وأعمال مردية فتقع في ندامة الأبد وحسرة لا تنفد، فتفقد دينك لنفسك، فدينك لحمك ودمك، ولا ينقذك غيره، أي بني! أكثر ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه، وتقضى بعد الموت إليه، واجعله نصب عينيك حتى يأتيك وقد أخذت له حذرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك، وأكثر ذكر الآخرة وكثرة نعيمها وحبورها وسرورها ودوامها وكثرة صنوف لذاتها وقلة آفاتها إذا سلمت، وفكر في ألوان عذابها وشدة غمومها وأصناف نكالها، إن أنت تيقنت فإن ذلك يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة، ويصغر عندك زينة الدنيا وغرورها وزهرتها فقد نبأك الله عنها وبين أمرها، وكشف عن مساويها، فإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلها إليها وتكالبهم عليها ككلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر بعضهم إلى بعض؛ ويقهر عزيزها ذليلها، وكثيرها قليلها، قد أضلت أهلها عن قصد السبيل، وسلكت بهم طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منهج الصواب، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في فتنتها، وتخذوها ريا فلعبت بهم
стр. 11729
ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها؛ فإياك يا بني أن تكون مثل من قد شابته بكثرة عيوبها! أي بني! إنك إن تزهد فيما قد زهدتك فيه من أمر الدنيا وتعرض نفسك عنها فهي أهل ذلك، فإن كنت غير قابل نصحي إياك منها فاعلم يقينا أنك لن تبلغ أملك، ولن تعدو أجلك، فإنك في سبيل من قد كان قبلك، فأجمل في الطلب، واعرف سبيل المكتسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب، وليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب، وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك؛ إياك أن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا وقد جمعك الله به حرا! وما منفعة خير لا يدرك باليسير، ويسير لا ينال إلا بالعسير؛ وإياك أن توجف بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة! وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك، وإن اليسير من الله أعظم وأكرم وإن كان كل من الله - ولله المثل الأعلى! واعلم أن لك في يسير مما تطلب فتنال من الملوك افتخارا، وبيع عرضك ودينك عليك عار، فاقتصد في أمرك تحمد معقبة عقلك، إنك لست بائعا شيئا من عرضك ودينك إلا بثمن، والمغبون من حرم نصيبه من الله، فخذ من الدنيا ما أتاك، وتول عما تولى عنك، فإن أنت لم تفعل
стр. 11730
فأجمل في الطلب؛ وإياك ومقاربة من يشينك! وتباعد من السلطان، ولا تأمن خدع الشيطان، ومتى ما رأيت منكرا من أمرك فأصلحه بحسن نظرك، فإن لكل وصف صفة، ولكل قول حقيقة، ولكل أمر وجها ينال الأريب - أي العاقل - فيه رشده، ويهلك الأحمق بتعسفه فيه نفسه؛ يا بني! كم قد رأيت من قيل له: تحب أن تعطي الدنيا بما فيها مائة سنة بلا آفة ولا أدنى، لا ترى فيها سوءا ويكون آخر أمرك عذاب الأبد، فلا يتسع بها ولا يريدها، ورأيته قد أهلك دينه ونفسه باليسير من زينة الدنيا، وهذا من كيد الشيطان وحبائله، فاحذر مكيدته وغروره، يا بني! أملك عليك لسانك، ولا تنطق فيما تخاف الضرر فيه، فإن الصمت خير من الكلام في غير منفعة، وتلافيك ما فرط من همتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، واعلم أن حفظ ما في يديك خير من طلب ما في يد غيرك، وحسن التدبير مع الكفاف أكفى لك من الكثير في الإسراف، وحسن اليأس خير لك من الطلب إلى الناس، يا بني! لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، والكذب داء فجانبه وأهله، يا بني! العفة مع الشدة خير من الغنى مع الفجور، من فكر أبصر،
стр. 11731
ومن كثر خطاؤه هجر، ورب مضيع ما يسره، وساع فيما يضره، من خير حظ المرء قرين صالح، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن منهم، ولا يغلبن عليك سوء الظن، فإنه لن يدع بينك وبين خليلك ملجأ، قد يقال: من الحزم سوء الظن، وبئس الطعام الحرام، وظلم الضعيف أفحش الظلم، الفاحشة تقصم القلب، إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا، وربما كان الداء دواء والدواء داء، وربما نصح غير الناصح وغش المنتصح، إياك والانكال على المنى! فإنها بضائع النوكى ١، ذك قلبك بالأدب كما تذكي النار الحطب، ولا تكن كخاطب الليل وغثاء السيل، كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، والعقل حفظ التجارب، وخير ما جربت ما وعظك، ومن الكرم لين الشيم، بادر الفرصة قبل أن تكون غصة، ومن الحزم العزم، ومن سبب الحرمان التواني، ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد، لكل أمر عاقبة، فرب مشير بما يضر، لا خير في معين مهين، ولا في صديق ظنين، ولا تدع الطلب فيما يحل ويطيب فلا بد من بلغة، وسيأتيك
стр. 11732
ما قدر لك، التاجر مخاطر، من حلم ساد، ومن تفهم ازداد، ولقاء أهل الخير عمارة القلوب، ساهل ما ذل لك بقوة، وإياك أن تطمح بك مطية اللجاج! وإن قارفت سيئة فعجل محوها بالتوبة، ولا تخن من ائتمنك وإن خانك، ولا تذع سره وإن أذاع سرك، خذ بالفضل، وأحسن البذل، وأحبب للناس الخير، فإن هذه من الأخلاق الرفيعة، وإنك قل ما تسلم ممن تسرعت إليه، وكثيرا ما يحمد من تفضلت عليه؛ اعلم أي بني أن من الكرم الوفاء بالذمم. والدفع عن الحرم، والصدود آية المقت، وكثرة العلل آية البخل، وبعض الإمساك عن أخيك مع الإلف خير من البذل مع الحنف ١، ومن الكرم صلة الرحم، والتجرم وجه القطيعة، احمل نفسك من أخيك عند جموحه على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند تجرمه على الاعتذار، حتى كأنك له عبد وكأنه ذو نعمة عليك، ولا تضع ذلك في غير موضعه، ولا تفعله بغير أهله، ولا تتخذ من عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، ولا تعمل بالخديعة فإنها أخلاق اللئام، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أم
стр. 11733
قبيحة، وساعده على كل حال، وزل معه حيث زال، ولا تطلبن منه المجازاة، فإنها من شيم الدناءة، وخذ على عدوك بالفضل، فإنه أحرى للظفر، لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب، ولن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد المودة، والخيانة لمن ائتمنك، وخلف الظن لمن ارتجاك، والغرر بمن وثق بك! وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقية، ومن ظن بك خيرا فصدق ظنه، ولا تضيعن بر أخيك اتكالا على ما بينك وبينه، فإنه ليس بأخ من أضعت حقه، لا يكون أهلك أشقى الناس بك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك، ولا تزهدن فيمن رغب إليك، إذا كان للخلط موضعا، لا يكونن أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته لا يكونن على الإساءة أقوى منك على الإحسان إليه، ولا على البخل أقوى منك على البذل، ولا على التقصير أقوى منك على الفضل، لا يكثرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه يسعى في مضرته ونفعك، وليس جزاء من سرك أن تسوءه؛ واعلم أي بني! أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأته أتاك، واعلم أن الدهر ذو صروف، فلا تكونن ممن يسبك لاعنة للدهر، ومحفلا عند الناس عذره،
стр. 11734
ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغنى، إنما لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق يسرك، ولا تكن خازنا لغيرك، فإن كنت جازعا مما تفلت من يديك فاجزع على ما يصل إليك، استدل على ما لم يكن بما قد كان، فإن الأمور أشباه يشبه بعضها بعضا، ولا تكفرن ذا نعمة، فإن كفر النعم من قلة الشكر ولؤم الخلق، وأقل العذر، ولا تكونن ممن لا تنفعه العظة إلا إذا بلغت في الملامة، فإن العاقل يتعظ بالقليل، والبهائم لا تنفع إلا بالضرب، واتعظ بغيرك ولا يكونن غيرك متعظا بك، واحتد بحذاء الصالحين، واقتد بآدابهم وسر بسيرتهم، واعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أو وضيعا، واطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين، من ترك القصد جار، نعم حظ المرء القناعة! شر ما أشعر قلب المرء الحسد، وفي القنوط التفريط، وفي الخوف من العواقب البغي، الحسد لا يجلب مضرة وغيظا يوهن قلبك ويمرض جسمك، فاصرف عنك الحسد تغنم، وأنق صدرك من الغل تسلم، وارج الذي بيده خزائن الأرض والأقوات والسماوات، وسله طيب المكاسب تجده منك قريبا ولك مجيبا، الشح يجلب الملامة، والصاحب الصالح مناسب، والصديق من صدق غيبه،
стр. 11735
والهوى شريك العمى، ومن التوفيق سعة الرزق، نعم طارد الهموم اليقين، وفي الصدق النجاة، عاقبة الكذب شر عاقبة، رب بعيد أقرب من قريب ورب قريب أبعد من بعيد، والغريب من لم يكن له حبيب، من تعدى الحق ضاق مذهبه، من اقتصر على قدره كان أبقى له، ونعم الخلق.... وأوثق العرى التقوى، من أعتبك قد هوى، وقد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا، كم من مريب قد شقى به غيره ونجا هو من البلاء، جانيك من يجني عليك، وقد تعدى الصحاح مبارك الجرب، وليس كل عورة تظهر، ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده، ليس كل من طلب وجد ولا كل من توقى نجا، أخر الشيء فإنك إذا شئت عجلته، أحسن إن أحببت أن يحسن إليك، احتمل أخاك على كل ما فيه، ولا تكثر العتاب فإنه يورث الضغينة ويجر إلى المغضبة، وكثرته من سوء الأدب، استعتب من رجوت صلاحه، قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل، من كابد الحرية عطب، ومن لم يعرف زمانه حرب، ما أقرب النقمة من أهل البغي، وأخلق من عدر أن لا يولى له، زلة العالم أقبح زلة، وعلة الكذاب أقبح علة، الفساد يبيد الكثير، والاقتصاد يثمر القليل، والقلة ذلة، وبر
стр. 11736
الوالدين أكرم الطبائع والخوف شر لحاف، والزلة مع العجلة، لا خير في لذة تعقب ندامة، والعاقل من وعظته التجربة، ورسولك ترجمان عقلك، وكتابك أحسن ناطق عنك، فتدبر أمرك، وتقصر شرك، الهدى يجلو العمى، وليس مع اختلاف ائتلاف، ومن حسن العمل افتقاد حال الجار، لن يهلك من اقتصد ولن يفتقر، يبين عن سر المرء دخيله، ورب باحث عن حتفه، وليس كل من ينظر بصير، رب هزل صار جدا، من ائتمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه، ومن لجأ إليه أسلمه أي أخذله، ليس كل من رمى أصاب، وإذا تغير السلطان تغير الزمان، وخير أهلك من كفاك، المزاح يورث العداوة والحقد، أعذر من اجتهد وربما أكدى الحق، رأس الدين صحة اليقين، وتمام الإخلاص تجنب المعاصي، وخير القول الصدق، والسلامة مع الاستقامة، سل عن الرفيق قبل الطريق؛ وعن الجار قبل الدار، كن من الدنيا على بلغة، احمل لمن دل عليك، واقبل عذر من اعتذر إليك، وارحم أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، وعود نفسك السماح، وتخير لها من كل أحسنه، لا تتكلم بما يرديك، ولا ما كثيره يزريك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، أي بني! إياك ومشاورة النساء! إلا
стр. 11737
جربت بكمال، فإن رأيهن يجر إلى أفن ١ وعزمهن إلى وهن، اكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن، فإن شدة الحجاب خير لهن من الارتياب، وليس خروجهن بأشد عليك من دخول من لا تثق به عليهن، فإن استطعت أن لا يعرفهن غيرك فافعل، أقلل الغضب ولا تكثر العتاب في غير ذنب، فإن المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، وأحسن لمماليكك الأدب، وإن أجرم أحد منهم جرما فأحسن العفو فإن العفو مع العز أشد من الضرب لمن كان له قلب، وخف القصاص، واجعل لكل امرئ منهم عملا تأخذه به، فإنه أحرى أن لا يتوكلوا، وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، فإنك بهم تصول، وبهم تطول، وهم العمدة عند الشدة، وأكرم كريمهم، وعد سقيمهم، وأشركهم في أمورهم، ويسر عن معسرهم واستعن بالله على أمرك كله، فإنه أكرم معين، أستودع الله دينك ودنياك - والسلام. "وكيع، والعسكري في المواعظ".
٤٤٢١٦- عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه قال: كان علي يخطب فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين! أخبرني من أهل
стр. 11738
الجماعة؟ ومن أهل الفرقة؟ ومن أهل السنة؟ ومن أهل البدعة؟ فقال: ويحك! أما إذ سألتني فافهم عني، ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي، فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله، فأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتبعني وإن كثروا، وأما أهل السنة المتمسكون بما سنه الله لهم ورسوله وإن قلوا وإن قلوا، وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج، وعلى الله قصمها واستئصالها عن جدبة الأرض، فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس يذكرون الفيء ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وأهله فيء لنا وولده، فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس وكان ذا عارضة ولسان شديد فقال: يا أمير المؤمنين! والله! ما قسمت بالسوية، ولا عدلت في الرعية، فقال علي: ولم - ويحك؟ قال: لأنك قسمت ما في العسكر، وتركت الأموال والنساء والذرية، فقال علي: يا أيها الناس! من كان به جراحة فليداوها بالسمن، فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا، فجاءنا بالترهات! فقال له علي: إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف، فقال رجل من
стр. 11739
القوم: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟ فقال: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها، قال: فيموت أو يقتل؟ قال: بلى يقصمه قاصم الجبارين، قتله بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه، يا أخا بكر أنت امرؤ ضعيف الرأي، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير! وأن الأموال كانت لهم قبل الفرقة وتزوجوا على رشدة وولدوا على الفطرة، وإنما لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم، فإن عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه، وإن كف عنا لم تحمل عليه ذنب غيره. يا أخا بكر! لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله ﷺ في أهل مكة، قسم ما حوى العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل. يا أخا بكر! أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق، فمهلا مهلا رحمكم الله! فإن أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي - وذلك أنه تكلم في هذا غير واحد - فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه؟ قالوا أينا يا أمير المؤمنين! بل أصبت وأخطأنا، وعلمت وجهلنا، ونحن نستغفر الله! وتنادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير المؤمنين! أصاب الله بك الرشاد والسداد! فقام عمار فقال: يا أيها الناس! إنكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم
стр. 11740
يضل بكم عن منهاج نبيكم قيس شعرة، وكيف يكون ذلك وقد استودعه رسول الله ﷺ المنايا والوصايا وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران إذ قال له رسول الله ﷺ : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فضلا خصه الله به إكراما منه لنبيه ﷺ حيث أعطاه الله ما لم يعطه أحدا من خلقه، ثم قال علي: انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له، فإن العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الأخس، فإني حاملكم - إن شاء الله تعالى إن أطعتموني - على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة، وإن الدنيا حلوة، الحلاوة لمن اغتر بها.... من الشقوة والندامة عما قليل، ثم إني مخبركم أن خيلا من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر، فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم، وأما عائشة فأدركها رأي النساء وشيء كان في نفسها علي يغلي في جوفها كالمرجل، ولو دعيت لتنال من غير ما أتت إلي لم تفعل، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى، والحساب على الله، يعفو عمن يشاء ويعذب عمن يشاء، فرضى بذلك أصحابه وسلموا لأمره بعد اختلاط شديد فقالوا: يا أمير المؤمنين! حكمت والله فينا بحكم الله،
стр. 11741
أنا جهلنا ومع جهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين: وقال ابن يساف الأنصاري:
إن رأيا رأيتموه سفاها … لخطأ الإيراد والإصدار
ليس زوج النبي تقسم فيئا … ذلك زيغ القلوب والأبصار
فاقبلوا اليوم ما يقول علي … لا تناجوا بالإثم في الإسرار
ليس ما ضمت البيوت بفيء … إنما الفيء ما تضم الأوار ١
من كراع في عسكر وسلاح … ومتاع يبيع أيدي التجار
ليس في الحق قسم ذات نطاق … لا ولا أخذكم لذات خمار
ذاك هو فيئكم خذوه وقولوا … قد رضينا لا خير في الأكثار
إنها أمكم وإن عظم الخطب … وجاءت بزلة وعثار
فلها حرمة النبي وحقاق … علينا من سترها ووقار
فقام عباد بن قيس وقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الإيمان، فقال: نعم، إن الله ابتدأ الأمور فاصطفى لنفسه ما شاء، واستخلص ما أحب فكان مما أحب أنه ارتضى الإسلام، واشتقه من اسمه، فنحله من أحب من خلقه، ثم شقه فسهل شرائعه لمن ورده وعزز أركانه على
стр. 11742
من حاربه، هيهات من أن يصطلمه مصطلم! جعله سلما لمن دخله، ونورا لمن استضاء به، وبرهانا لمن تمسك به، ودينا لمن انتحله، وشرفا لمن عرفه، وحجة لمن خاصم به وعلما لمن رواه، وحكمة لمن نطق به، وحبلا وثيقا لمن تعلق به، ونجاة لمن آمن به، فالإيمان أصل الحق، والحق سبيل الهدى، وسيفه جامع الحلية، قديم العدة الدنيا مضماره، والغنيمة حليته، فهو أبلج منهاج، وأنوار سراج، وأرفع غاية، وأفضل دعية، بشير لمن سلك قصد الصادقين، واضح البيان عظيم الشأن، الأمن منهاجه، والصالحات مناره، والفقه مصابيحه، والمحسنون فرسانه، فعصم السعداء بالإيمان، وخذل الأشقياء بالعصيان من بعد اتجاه الحجة عليهم بالبيان، إذ وضح لهم منار الحق وسبيل الهدى، فالإيمان يستدل به على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا تخرج الآخرة وفي القيامة حسرة أهل النار، وفي ذكر أهل النار موعظة أهل التقوى والتقوى غاية لا يهلك من أتبعها، ولا يندم من عمل بها، لأن بالتقوى فاز الفائزون، وبالمعصية خسر الخاسرون، فليزدجر أهل النهى وليتذكر أهل التقوى، فإن الخلق لا مقصر لهم في القيامة دون الوقوف بين يدي الله، مرفلين في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية
стр. 11743
القصوى، مهطعين بأعناقهم نحو داعيها، قد شخصوا من مستقر الأجداث والمقابر إلى الضرورة أبدا، لكل دار أهلها، قد انقطعت بالأشقياء الأسباب وأفضوا إلى عدل الجبار، فلا كرة لهم إلى دار الدنيا، فتبرؤا من الذين آثروا طاعتهم على طاعة الله، وفاز السعداء بولاية الإيمان، فالإيمان يا ابن قيس على أربع دعائم: الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد؛ فالصبر من ذلك على أربع دعائم: الشوق، والشفق، والزهد، والترقب؛ فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات، واليقين من ذلك على أربع دعائم: تبصرة الفتنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الأولين، فاهتدى إلى التي هي أقوم، والعدل من ذلك على أربع دعائم: غائص الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل، ومن حلم لم يفرط أمره وعاش في الناس حميدا، والجهاد من ذلك على أربع دعائم: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن
стр. 11744
وشنآن الفاسقين؛ فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ومن شنأ المنافقين وغضب لله غضب الله له، فقام إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الكفر على ما بنيء كما أخبرتنا عن الإيمان، قال: نعم يا أبا اليقظان! بني الكفر على أربع دعائم: على الجفاء والعمى، والغفلة، والشك، فمن جفا فقد احتقر الحق، وجهر بالباطل ومقت العلماء وأصر على الحنث العظيم؛ ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة؛ ومن غفل حاد عن الرشد وغرته الأماني، وأخذته الحسرة والندامة، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن عتا في أمر الله شك، ومن شك تعالى عليه فأذله بسلطانه وصغره بجلاله كما فرط في أمره فاغتر بربه الكريم والله أوسع بما لديه من العفو والتيسير، فمن عمل بطاعة الله اجتلب بذلك ثواب الله، ومن تمادى في معصية الله ذاق وبال نقمة الله، فهنيئا لك يا أبا اليقظان عقبى لا عقبى غيرها وجنات لا جنات بعدها! فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! حدثنا عن ميت الأحياء، قال: نعم، إن الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين فصدقهم مصدقون وكذبهم مكذبون، فيقاتلون من كذبهم بمن صدقهم، فيظهرهم الله
стр. 11745
ثم يموت الرسل، فتخلف خلوف، فمنهم منكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك استكمل خصال الخير، ومنهم منكر للمنكر بلسانه وقلبه تارك له بيده فذلك خصلتان من خصال الخير تمسك بهما وضيع خصلة واحدة وهي أشرفها، ومنهم منكر للمنكر بقلبه تارك له بيده ولسانه فذلك ضيع شرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة ومنهم تارك له بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الأحياء، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا على ما قاتلت طلحة والزبير؟ قال: قاتلتهم على نقضهم بيعتي، وقتلهم شيعتي من المؤمنين حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس والسائحة والاساورة بلا حق استوجبوه منهما ولا كان ذلك لهما دون الإمام، ولو أنهما فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما، ولقد علم من ههنا من أصحاب محمد ﷺ أن أبا بكر لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو كاره ولم يكونوا بايعوه بعد الأنصار، فما بالي وقد بايعاني طائعين غير مكرهين، ولكنهما طمعا مني في ولاية البصرة واليمن، فلما لم أولهما وجاءهما الذي غلب من حبهما للدنيا وحرصهما عليها خفت أن يتخذا عباد الله خولا، ومال المسلمين لأنفسهما، فلما زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جربتهما واحتججت عليهما. فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن
стр. 11746
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما أهلك الله الأمم السالفة قبلكم بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله : ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله ، فمن نصرهما نصره الله ومن خذلهما خذله الله، وما أعمال البر والجهاد في سبيله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كبقعة في بحر لجي، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، وإن الأمر لينزل من السماء إلى الأرض كما ينزل قطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فإذا أصاب أحدكم نقصانا في شيء من ذلك ورأى الآخر ذا يسار لا يكونن له فتنة، فإن المرء المسلم البريء من الخيانة لينتظر من الله إحدى الحسنيين: إما من عند الله فهو خير واقع وإما رزق من الله ياتيه عاجل، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما
стр. 11747
الله لأقوام. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن أحاديث البدع، قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أحاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم: قال رسول الله ﷺ وسمعت رسول الله ﷺ ، كل ذلك افتراء علي، والذي بعثني بالحق! لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة مضلة تدعو إلى النار، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله ، فإن فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم، والحكم فيه بين، من خالفه من الجبابرة قصمه الله، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، ونوره المبين، وشفاؤه النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يموج فيقام، ولا يزيغ فيتشعب ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الرد، هو الذي سمعته الجن فلم تناه أو ولوا إلى قومهم منذرين قالوا: يا قومنا! ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرنا عن الفتنة هل سألت عنها رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، إنه لما نزلت هذه الآية من قول الله : ﴿آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ علمت
стр. 11748
أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله ﷺ حي بين أظهرنا فقلت: يا رسول الله! ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟ فقال: يا علي! إن أمتي سيفتنون من بعدي، قلت: يا رسول الله! أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحزنت على الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر يا صديق! فإن الشهادة من ورائك، فقال لي: فإن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا! وأهوى بيده إلى لحيتي ورأسي، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! ليس ذلك من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر! فقال لي: أجل، ثم قال لي: يا علي! إنك باق بعدي، ومبتلي بأمتي، ومخاصم يوم القيامة بين يدي الله تعالى فأعدد جوابا، فقلت: بأبي أنت وأمي! بين لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها وعلى ما أجاهدهم بعدك؟ فقال: إنك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة - وحلاهم وسماهم رجلا رجلا، ثم قال لي: وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأى في الدين، إنما هو أمر من الرب ونهيه، فقلت: يا رسول الله! فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة، فقال: نعم، إذا كان ذلك فاقتصر على الهدى، إذا قومك عطفوا الهدى على العمى،
стр. 11749
وعطفوا القرآن على الرأي فتأولوه برأيهم، تتبع الحجج من القرآن بمشتبهات الأشياء الكاذبة عند الطمأنينة إلى الدنيا والتهالك والتكاثر فاعطف أنت الرأى على القرآن إذا قومك حرفوا الكلم عن مواضعه عند الأهواء الساهية، والأمر الصالح، والهرج الآثم، والقادة الناكئة، والفرقة القاسطة، والأخرى المارقة أهل الإفك المردي والهوى المطغى، والشبهة الحالقة، فلا تتكلن عن فضل العاقبة فإن العاقبة للمتقين، وإياك يا علي أن يكون خصمك أولى بالعدل والإحسان والتواضع لله والافتداء بسنتي والعمل بالقرآن منك! فإن من فلج الرب على العبد يوم القيامة أن يخالف فرض الله أو سنة سنها نبي، أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل، فعند ذلك يملي لهم فيزدادوا إثما يقول الله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ فلا يكونن الشاهدون بالحق والقوامون بالقسط عندك كغيرهم، يا علي! إن القوم سيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويزكون أنفسهم ويمنون دينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه، ويستحلون حرامه بالمشتبهات الكابة، فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع، ويمنعون الزكاة ويطلبون البر، ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها، ويلي أمرهم السفهاء، ويكثر تتبعهم
стр. 11750
على الجور والخطاء، فيصير الحق عندهم باطلا والباطل حقا، ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم، ويعيبون العلماء ويتخذونهم سخريا. يا رسول الله! فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردة؟ قال: بمنزلة فتنة، ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا السعداء من أولي الألباب إلا أن يدعوا الصلاة ويستحلوا الحرام في حرم الله، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر؛ يا علي! بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه، بنا أهلك الأوثان ومن يعبدها؛ وبنا يقصم كل جبار وكل منافق، حتى إنا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل، يا علي! إنما مثل هذه الأمة مثل حديقة أطعم منها فوجا عاما ثم فوجا عاما، فلعل آخرها فوجا أن يكون أثبتها أصلا وأحسنها فرعا، وأحلاها جنى وأكثرها خيرا، وأوسعها عدلا، وأطولها ملكا؛ يا علي! كيف يهلك الله أمة أنا أولها ومهدينا أوسطها، والمسيح ابن مريم آخرها؛ يا علي! إنما مثل هذه الأمة كمثل الغيث لا يدري أوله خير أم آخره، وبين ذلك نهج أعوج لست منه وليس مني؛ يا علي! وفي تلك الأمة يكون الغلول والخيلاء وأنواع المثلات، ثم تعود هذه الأمة إلى ما كان خيار أوائلها، فذلك من بعد حاجة الرجل إلى قوت امرأته - يعني غزلها، حتى أن أهل البيت ليذبحون الشاة
стр. 11751
فيقنعون منها برأسها ويولون ببقيتها من الرأفة والرحمة بينهم. "وكيع".
٤٤٢١٧- عن أبي وائل قال: خطب على الناس بالكوفة فسمعته يقول في خطبته: أيها الناس! إنه من يتفقر افتقر، ومن يعمر يبتلى، ومن لا يستعد للبلاء إذا ابتلي لا يصبر، ومن ملك استأثر، ومن لا يستشير يندم! وكان يقول من وراء هذا الكلام: يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وكان يقول: ألا! لا يستحيى الرجل أن يتعلم، ومن يسال عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، مساجدكم يومئذ عامرة، وقلوبكم وأبدانكم خربة من الهدى، شر من تحت ظل السماء فقهاؤكم، منهم تبدو الفتنة وفيهم تعود؛ فقام رجل فقال: ففيم يا أمير المؤمنين! قال: إذا كان الفقه في رذالكم، والفاحشة في خياركم، والملك في صغاركم، فعند ذلك تقوم الساعة. "هب".
٤٤٢١٨- عن علي قال: لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال. "ابن السمعاني في الدلائل".
٤٤٢١٩- عن علي: لكل إخاء منقطع إلا إخاء كان على غير الطمع. "ابن السمعاني".
٤٤٢٢٠- عن علي قال: ذمتي رهينة وأنا به زعيم، لمن
стр. 11752
صرحت له العبر، أن لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظعأ على الهدى سنخُ ١ أصلٍ، ألا وإن أبغض خلق الله إلى الله رجل قمش علما غارا في أغباش ٢ الفتنة عميا بما في غيب الهدنة ٣، سماه أشباهه من الناس عالما، ولم يغن في العلم يوما سالما، بكر فاستكبر فما قل منه فهو خير مما كثر حتى إذا ما ارتوى من "ماء آجن" وأكثر من غير طائل قعد للناس مفتيا لتخليص ما التبس على غيره، إن نزلت به إحدى المبهمات هيأ حشوا من رأيه، فهو من قطع المشتبهات في مثل غزل العنكبوت، لا يعلم إذا أخطأ لأنه
стр. 11753
لا يعلم أخطأ أم أصاب خباط عشوات ركاب جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، لا يعض في العلم بضرس قاطع، ذراء الرواية ذرو الريح الهشيم، تبكي منه الدماء، وتضرخ منه المواريث، ويستحل بقضائه الحرام، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما فرط به. "المعافى بن زكريا، ووكيع، كر".
٤٤٢٢١- عن علي أنه بلغه موت رجل من أصحابه ثم جاءه الخبر أنه لم يمت، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد! إنه قد كان أتانا خبر ارتاع له أصحابك، ثم جاء تكذيب الخبر الأول، فأنعم ذلك أن سرنا، وإن السرور بسبيل الانقطاع يستتبعه عما قليل تصديق الخبر الأول، فهل أنت كائن كرجل قد رأى الموت وعاين ما بعده فسأل الرجعة، فأسعف بطلبته فهو متأهب آثب، ينقل ما يسره من ماله إلى دار قراره، ولا يرى أن له مالا غيره، واعلم أن الليل والنهار لم يزالا دائبين في تقض الأعمار وإنفاد الأموال وطي الآجال، هيهات هيهات! قد صحبا عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا، فأصبحوا قد وردوا على ربهم، وقدموا على أعمالهم والليل والنهار غضان جديدان، لم يبلهما ما مر به، مستعدين لما بقي بمثل ما أصابا به من مضي، اعلم أنك إنما أنت نظير أخوانك
стр. 11754
وأشباهك، مثلك كمثل الجسد قد فرغت قوته، فلم يبق إلا حشاشة نفسه، ينتظر الداعي، فتعوذ بالله مما تعظ به ثم تقصر عنه. "العسكري في المواعظ".
٤٤٢٢٢- عن أبي أراكة قال: صليت مع علي بن أبي طالب الفجر، فلما انقلب عن يمينه مكث كأن عليه كآبة، ثم قلب يده، وقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئا يشبههم! لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا، بين أعينهم كأمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، فإذا أصبحوا والله لكان القوم باتوا غافلين. ثم نهض، فما رئي مفترا ضاحكا حتى ضربه ابن ملجم. "الدينوري، والعسكري في المواعظ، كر، حل".
٤٤٢٢٣- عن يحيى بن عقيل عن علي بن أبي طالب أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين! إن سرك تلحق بصاحبيك فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، واقصر الإزار، وارقع القميص، واخصف النعل؛ تلحق بهما. "هب".
٤٤٢٢٤- عن عبد الله بن صالح العجلي عن أبيه قال: خطب
стр. 11755
علي بن أبي طالب يوما فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ثم قال: يا عباد الله! لا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها دار البلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالقدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي ما بين أهلها دول وسجال، لن يسلم من شرها نزالها، بينا أهلها في رخاء وسرور، إذا هم منها في بلاء وغرور، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها، عباد الله! إنكم وما أنتم من هذه الدنيا عن سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا، وأشد منكم بطشا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور، والأحجار المسندة في القبور، الملاطية الملحدة التي قد بين الخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكلة البلى وأكلتهم الجنادل والثرى، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد
стр. 11756
غضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب، وسكنوا التراب، فطعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات! ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلى في دار الموتى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور، وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل، فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، فظهرت منكم العيوب والأسرار، هنالك تجزي كل نفس بما كسبت ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد. "الدينوري، كر".
٤٤٢٢٥- عن علي أنه خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد! فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وإن الآخرة
стр. 11757
قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار ١ اليوم وغدا السباق، ألا! وإنكم في أيام أمل، من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خيب عمله، ألا! فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة، ألا! وإني لم أر كالجنة نائم طالبها، ولم أر كالنار نائم هاربها، ألا! وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل، ومن لم يستقم به الهدي جار به الضلال، ألا! وإنكم قد أمرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، ألا أيها الناس! إنما الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، ألا! إن ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أيها الناس! أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم، فإن الله ﵎ وعد جنته من أطاعه، ووعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا يفك أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
стр. 11758
"الدينوري، كر".
٤٤٢٢٦- عن علي قال: ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن الصبر على الأذى، وقال خير المال وما وقى العرض وقال: لكل شيء آفة وآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة اللب العجب، وآفة النجابة الكبر، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود السرف، وآفة الحياء الضعف، وآفة الحلم الذل، وآفة الجلد الفحش. "وكيع في الغرر".
٤٤٢٢٧- عن يحيى بن الجزار عن علي قال لعثمان: إن سرك أن تلحق بصاحبيك فاقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكمش الإزار، وارقع القميص، واخصف النعل، تلحق بهما. "كر وقال: محفوظ، إن عليا قال لعمر - يعني بصاحبيه النبي ﷺ وأبا بكر".
٤٤٢٢٨- عن أبي بكر بن عياش قال: لما خرج علي بن أبي طالب إلى أرض صفين مر بخراب المدائن فتمثل رجل من أصحابه فقال:
جرت الرياح على محل ديارهم … فكأنما كانوا على ميعاد
وأرى النعيم وكل ما يلهى به … يوما يصير إلى بلى ونفاد
فقال علي: لا تقل هكذا، ولكن قل كما قال الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا
стр. 11759
مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ إن هؤلاء القوم كانوا وارثين فأصبحوا مورثين وإن هؤلاء القوم استحلوا الحرم فحلت فيها النقم، فلا تستحلوا الحرم فتحل بكم النقم. "ابن أبي الدنيا، خط".
٤٤٢٢٩- "مسند علي" عن عبد الملك بن قريب قال سمعت العلاء بن زياد الأعرابي يقول سمعت أبي يقول: صعد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب منبر الكوفة بعد الفتنة وفراغه من النهروان، فحمد الله وخنقته العبرة، فبكى حتى اخضلت لحيته بدموعه وجرت، ثم نفض لحيته فوقع رشاشها على ناس من أناس؛ فكنا نقول: إن من أصابه من دموعه فقد حرمه الله على النار، ثم قال: يا أيها الناس! لا تكونوا ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ويأمر ولا يأتي، وينهى ولا ينتهي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض الظالمين وهو منهم، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، إن
стр. 11760
استغنى فتن، وإن مرض حزن، وإن افتقر قنط ووهن، فهو بين الذنب والنعمة يرتع، يعافى فلا يشكر، ويبتلى فلا يصبر، كأن المحذر من الموت سواه، وكأن من وعد وزجر غيره، يا أغراض المنايا! يا رهائن الموت! يا وعاء الأسقام! يا نهبة الأيام! ويا ثقل الدهر! ويا فاكهة الزمان! ويا نور الحدثان، ويا خرس عند الحجج ويا من غمرته الفتن وحيل بينه وبين معرفة العبر بحق! أقول ما نجا من نجا إلا بمعرفة نفسه، وما هلك من هلك إلا من تحت يده، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ جعلنا الله وإياكم ممن سمع الوعظ فقبل، ودعي إلى العمل فعمل. "ابن النجار".
٤٤٢٣٠- عن قال قال: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الليل، خلق الثياب، جدد القلوب، تعرفوا به في السماء وتذكروا به في الأرض. "حل، وابن النجار".
٤٤٢٣١- "مسند علي" عن يحيى بن يعمر أن علي بن أبي طالب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار أنزل الله بهم العقوبات، ألا! فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل
стр. 11761
أن ينزل بكم الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا، إن الأمر ينزل من السماء إلى الأرض كقطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان في أهل أو مال أو نفس فإذا أصاب أحدكم النقصان في أهل أو مال أو نفس ورأى لغيره وغيره فلا يكونن ذلك له فتنة فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة يظهر تخشعا لها إذا ذكرت، وتغري به لئام الناس كالياسر الفالج ١ الذي ينتظر أول فوزه من قداحه توجب له المغنم وتدفع عنه المغرم، فكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة إنما ينتظر أحدى الحسنيين إذا ما دعا الله، فما عند الله هو خير له، وإما أن يرزقه الله مالا فإذا هو ذو أهل ومال؛ الحرث حرثان: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة وقد يجمعهما الله لأقوام. قال سفيان بن عيينة: ومن يحسن يتكلم بهذا الكلام إلا علي بن أبي طالب. "ابن أبي الدنيا، كر".
٤٤٢٣٢- "مسند علي" عن ابن عباس قال قال عمر لعلي:
стр. 11762
عظني يا أبا الحسن! قال: لا تجعل يقينك شكا، ولا علمك جهلا ولا ظنك حقا، وأعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت وقسمت فسويت، ولبست فأبليت؛ قال: صدقت يا أبا الحسن. "كر".
٤٤٢٣٣- عن علي قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وتناهى في عبادة ربك، إن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله. لا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل سارع في دار الآخرة. "حل، كر في أماليه".
٤٤٢٣٤- قال أبو الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل الخفاف في مشيخته: أنبأنا الشيخ أبو الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسين الصابوني قراءة عليه وأنا أسمع في جمادى الآخرة من سنة خمس وثلاثين وخمسمائة أنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال قراءة عليه أنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال قال قرأت على أبي الحسن أحمد بن محمد ابن عمران بن موسى بن عروة بن الجراح في يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قلت له حدثكم أبو علي الغماري قال حدثني أبو عوسجة سجلة بن عرفجة من اليمن قال حدثني أبي
стр. 11763
عرفجة بن عرفطة قال حدثني أبو الهراش جرى بن كليب قال حدثني هشام بن محمد عن أبيه محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون فتذاكروا: أي الحروف أدخل في الكلام، فأجمعوا على أن الألف أكثر دخولا في الكلام من سائرها فقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فخطب هذه الخطبة على البديهة وأسقط منها الألف، المؤنقة، وقال: حمدت وعظمت من عظمت مننه، وسبغت نعمته وسبقت رحمته غضبه، وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، وبلغت قضيته حمدته حمد عبد مقر بربوبيته، متخضع لعبوديته، متنصل لخطيئته معترف بتوحيده، مؤمل من ربه مغفرة تنجيه يوم يشغل عن فصيلته وبنيه، ويستعينه ويسترشده ويستهديه ويؤمن به ويتوكل عليه وشهدت له تشهد مخلص موقن وبعزته مؤمن، وفردته تفريد مؤمن متقن، ووجدت له توحيد عبد مذعن، ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير، وعن عون معين ونظير، علم فستر، وبطن فخبر وملك فقهر، وعصى فغفر، وحكم فعدل، لم يزل ولن يزول، ليس كمثله شيء، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء، رب منفرد بعزته، متمكن بقوته،
стр. 11764
متقدس بعلوه، متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، وليس يحيط به نظر، قوي معين منيع، عليم، سميع، بصير، رؤوف، رحيم عطوف، عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه، قرب فبعد، وبعد فقرب، يجيب دعوة من يدعوه، ويرزقه ويحبوه، ذو لطف خفي، وبطش قوي، ورحمة موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مؤنقة، وعقوبته جحيم ممدودة موبقة، وشهدت ببعث محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وحبيبه وخليله صلى عليه صلاة تحظيه، وتزلفه وتعليه، وتقربه وتدنيه، بعثه في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة منه لعبيده، ومنة لمزيده، ختم به نبوته، ووضح به حجته، فوعظ ونصح، وبلغ وكدح، رؤوف بكل مؤمن رحيم، سخي رضي ولي زكي عليه رحمة وتسليم، وبركة وتكريم، من رب غفور رحيم، قريب مجيب؛ وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم، وذكرتكم سنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم، وخشية تذري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يذهلكم ويبلدكم، يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته، ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع، وشكر وخضوع، وتوبة ونزوع، وندم ورجوع، وليغتنم كل مغتنم منكم
стр. 11765
صحته قبل سقمه، وشيبته قبل هرمه وكبره، وسعته قبل فقره، وفرغته قبل شغله، وحضره قبل سفره، قبل أن يكبر فيهرم ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه، ويعرض عنه حبيبه، وينقطع عمره، ويتغير عقله، ثم قيل هو موعوك، وجسمه منهوك، ثم أخذ في نزع شديد وحضره كل حبيب قريب وبعيد، فشخص ببصره، وطمح بنظرة ورشح جبينه، وخطف عرنيته، وسكن حنينه، وجذبت نفسه وبكته عرسه، وحفر رمسه، ويتم منه ولده، وتفرق عنه صديقه وعدوه، وقسم جمعه، وذهب بصره وسمعه، وكفن ومدد، ووجه وجرد، وغسل وعري، ونشف وسجي، وبسط وهيء، ونشر عليه كفنه، وشد منه ذقنه، وقمص منه وعمم، وودع وعليه سلم وحمل فوق سريره وصلي عليه بتكبيرة، ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة، فجعل في ضريح ملحود، ضيق موصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه عفره، وحثي عليه مدره، فتحقق حذره، ونسي خبره، ورجع عنه وليه ونديمه ونسيبه، وتبدل به قرينه وحبيبه، فهو حشو قبر، ورهين قفر، يسعى في جسمه دود قبره، ويسيل صديده على صدره ونحره ويسحق تربته لحمه، وتنشف دمه، ويرم عظمه حتى يوم حشره،