← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 26802

مشيخة القزويني

سراج الدين القزويني

Полный текст (483 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

سلسلة الأجزاء والكتب الحديثية (٣٣) مشيخة الإمام سراج الدين عمر بن علي القزويني المحدث المقرئ القرشي الشافعي إمام جامع الخلافة العباسية ببغداد (٦٨٣هـ - ٧٥٠هـ) حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور عامر حسن صبري دار البشائر الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

стр. 2

[افتتاحية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العالم بأسرار القلوب، المطلع على خفيات الغيوب، ذي العظمة والكبرياء، والرأفة والعلياء، والنور والبهاء، مسبغ أصناف الآلاء، ودافع نوازل البلاء، وجاعل العلماء ورثة الأنبياء، ومؤيدهم بحسن توفيقه في حفظ سنة سيد الأنبياء، وحراسة حديثه عن قول أولي الكذب والافتراء، ومودعه في صدور الحفاظ الأصفياء الصلحاء، الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله ... )) الحديث، إلى غير ذلك من مناقبهم الواضحة السناء، المنشورة اللواء. وصلى الله على نبيه محمدٍ، المستخرج من صميم العرب العرباء، ورسوله المؤيد بالكتاب الذي أفحم أفهام البلغاء، وأخرس ألسن الفصحاء، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما نسخ حالك الظلام بناصع الضياء، ومسخ بأصل الأشقياء بظهور الحق على ألسنة الأتقياء. ثم إن الله تعالى بعظيم منته، وجميل رأفته، اختص كل طبقةٍ وزمانٍ

стр. 3

وعصرٍ وأوان، بأئمةٍ جعلهم هداةً للمهتدين، وقادةً للمتبعين، تنتظم بهم أمور الشريعة المحمدية، وتستقيم بهم مناهج السنة النبوية. فهم لها رعاةٌ، وإلى الاقتداء بها دعاةٌ، وهم جهابذة نقده، وموائد حله وعقده، وإليهم يرجع في تصحيحه، ولهم يعتمد في توضيحه، لا سيما الإمام العالم العامل، والحبر الفاضل الكامل، صاحب السيرة العمرية، ومقتدي السنة النبوية، حائز قصب السبق، والمجلي في حلبة الصدق، ذي الآراء السديدة، والمناهج الرشيدة، مقتفي آثار السلف الصالحين، وموضح سنن الحق للسالكين، مجتهد العراق ومسندها بالاتفاق، الذي شاع جميل ذكره في الآفاق، وامتدت شوقاً إلى جميل طلعته الأعناق، سراج الحق والملة والدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني، أعز الله تعالى أهل السنة الغراء بشريف همته الفارعة، وقمع أهل البدعة الشنعاء عنيف سطوته المانعة، ولا زالت وفود الطالبين مزدحمةً على أبوابه، مقبلةً على ثرى أعتابه. والمسؤول من جميل عوائده، وجزيل فوائده، أن يتصدق في حق أصغر تلامذته أبي الحسن علي بن أبي الحسين منصور بن علي الواسطي مولداً الأصبهاني أصلاً، ويلبسه الخرقة التي لبسها من المشايخ الثقات والصلحاء الأثبات، ويجيزه بما صح عنده سماعاً وقراءةً ومناولةً وإجازةً،

стр. 4

أو سمعه منه بقراءته أو قراءة غيره، وأن يذكر كل كتابٍ باسمه وطرقه على ما تيسر من ذلك عالياً ونازلاً، مغتنماً في ذلك جزيل الأجر، فائزاً برفيع القدر، وجميل الذكر. أمتع الله الإسلام والمسلمين بطول حياته، ولا أخلى كافة المحبين من عميم أنسه وكريم لقائه، وطرز الأكوان بمحاسن ذكره، وحميد صفاته، وأبقى ذريته الطاهرة بقاءً لا تنوبه الأكدار، وجعل أعمارهم أطول الأعمار بمحمدٍ وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الكرام المنتجبين.

стр. 5

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ أبو حفص سراج الدين عمر ابن السيد علي بن عمر القزويني، المحدث الشافعي، الإمام بجامع الخليفة ببغداد، بلغه الله من فضل كرمه مآله، وختم بسعادتي الدنيا والآخرة أعماله: أحمد الله على نعمه العظام، وأشكره على مننه الجسام، وأصلي وأسلم على نبيه محمدٍ سيد الرسل الكرام، المبعوث إلى كافة الخاص والعام، وعلى آله دعائم الإسلام، وأصحابه مبيني الشرائع والأحكام. أما بعد: فقد علم الأئمة الفضلاء، والمشايخ العلماء، والقادة الفقهاء -أعلى الله قدرهم ورفع في الدنيا والآخرة ذكرهم٠ أن السنة بين أئمة الحديث في القديم والحديث أن لا يسوغ لأحدٍ رواية الحديث إلا بالإسناد إلى النقلة، أهل السداد والرشاد، لزيادة شرفه بالنسبة إلى سائر العلوم، وجلالة قدره، بأنه مغير العادات والرسوم، وكيف لا وعليه مدار الأحكام الدينية، وبه يتوسل إلى الدرجات العلية، من سلكه فقد نجا، ومن تركه فقد غوى، كما بينه غير واحدٍ من علماء السلف في كتبهم المصنفة في شرف أهل الحديث المتبعين سنن الرواية والتحديث. فلهذا تفضل جماعةٌ منهم واستجازوا مني ما لي فيه حق الرواية: قراءةً وسماعاً، أو مناولةً وإجازةً، أو كتابةً أو تأليفاً، بعد معرفة كل واحدٍ منهم بقلة بضاعتي، وصرف عمري فيما لا يعنيني وإضاعتي، فتقبلت بالمنة قولهم

стр. 6

وأجبت بالسمع والطاعة مسؤولهم، وأجزت لكل واحدٍ منهم على حدته، ولمن أضافه في الاستجازة إلى نفسه من أهله وعشيرته، أن يروي عني ما يصل إليه ويصح لديه أنه من مقروءاتي ومسموعاتي على مشايخي، ومناولاتي ومستجازاتي منهم، وما كتبوا إلي من بلاد الإسلام بخطوطهم بعد التماسي ذلك منهم حجازاً وشاماً وعراقاً، عرباً وعجماً، من جميع أصناف العلوم من التفاسير والأحاديث وكتب القراءات السبعة والعشرة والشواذ والأخبار والسنن والآثار. ومن كل ما يتعلق بالعلوم الدينية، والمعارف الربانية السنية من كتب التصوف وأحوال الصوفية المتمسكين بأحوط المذاهب وأشرف المطالب، وغير ذلك من كتب الأدب نحواً ولغةً وشعراً، وكتب الأصول والفروع. ومن سائر ما للرواية فيه عرفاً، ويدخل للدراية فيه شرعاً مجالٌ، وجميع ما ألفته وجمعته من علم القرآن والحديث والفقه والتاريخ والتصوف، وما سؤألفه وأرويه، معتمداً في ذلك كله على شرائط صحة التحديث عند أرباب النقل والحديث. وكتبت لكل منهم إجازةً، وذكرت فيها شروطاً وآداباً، وخرجت لكتب عينتها طرقاً على قدر ملتمسه وحسب حاله، فسارت بها الركبان، واختلفت بأصحابها البلدان. وأكثرها إملاءً من حفظي من غير تقييد نسخةٍ عندي أتلو منها، فاختلفت لذلك طرق الكتب في كل إجازةٍ، إذ قد يكون في حفظي للكتاب الواحد طرقٌ كثيرةٌ إلى مؤلفه، فيخطر ببالي في وقت كتابة بعض الإجازات طريقٌ، وفي بعضها آخر، فيقف عليهما معاً من لا خبرة له بهذا الشأن، وهو الكل إلا شرذمةٌ يسيرةٌ، وهي أقل من القليل، فلا يكاد يشك في الغلط والتناقض.

стр. 7

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم وأيضاً فإني صرت محتاجاً إلى كتابة إجازةٍ في كل وقتٍ لبعض العلماء بخطي تأليفاً أتكلف فيها على قدر حاله، حيث أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، فتفرق بذلك أكثر وقتي، وشغلني عما يعنيني. [سبب تأليف الكتاب] فلما كتبت لبعض الفضلاء إجازةً طلب كثيرٌ من السادة العلماء نقلها، فمنعهم من ذلك تخصيصها باسمه والإلحاقات التي فيها، أمروني -ومطلق الأمر عندي للوجوب- أن أبيضها لهم، وأضم إليها ما يعن لي من الكتب المصنفة في القراءات وغيرها، وأحذف منها ما يخص ذلك الفاضل مما سمعه [علي] وذكرته هناك، قائلين بأن هذه الإجازة تكون كالمشيخة لكل من يدرك زمانك مطلقاً، فأما ما يقرؤه عليك قارئٌ أو يسمعه منك سامعٌ، أو يلتمسه منك ملتمسٌ من زيادة كتبٍ مروية، وأحاديث نبوية، فإنه يخص به منفرداً عن هذه، مبيناً قراءاته أو سماعه أو إجازته، وما يرويه المختص من هذه الإجازة اختص به وأستجاز بموجبه، فرأيت ملتمسهم أرفه لسري وأسهل لأمري. [رواية الأكابر عن الأصاغر] هذا، ولعمري هو المشار إليه بقول المحدثين في باب رواية الأكابر

стр. 8

عن الأصاغر، فإنهم صنفوا في ذلك تصانيف، بينوا فيها من روى من الأكابر عن الأصاغر وطولوا، ومن أشهر ما يستدل به: رواية الخلفاء الأربعة وغيرهم من عظماء الصحابة -رضوان الله عليهم- عن عائشة ﵂ كثيراً من الأحكام. حتى أن جماعةٌ رووا عمن روي عنهم، وجماعةٌ رووا شيئاً لغيرهم ثم نسوه، فلما أخبرهم به ذلك الغير رووه عنه عن أنفسهم، وقالوا فيه: حدثني فلانٌ عني. وأعظم من ذلك: رواية النبي ﷺ عن تميم الداري على المنبر في حديث الجساسة. وأعظم من هذا أيضاً: روايته ﷺ عن أمه في حديثه عنها أنها أخبرت بإضاءة قصور الشام وبصرى عند ولادته. فإذن لا نكير على من آثر الرواية عن هذا الفقير، وله مثل هؤلاء السادة سلفٌ، وهو في حسن التواضع لهم خلفٌ.

стр. 9

[شرط المصنف في كتابه] مع أني لا أذكر إن شاء الله تعالى في هذه المشيخة طريقاً إلا بعد علمي أنه أعلى الطرق في زماني هذا، لا يدعي أحدٌ في زمننا أعلى منه إلا استدل بدعواه على كذبه أو جهله بالطرق، فإنه علمٌ لا يكاد يعرفه إلا ماهرٌ في كل حين، وهو علمٌ برأسه كالفرائض من الفقه، لا يجوز أن يقبل فيه كل أحدٍ من أهل الحديث، وليس في عصرنا من يفهمه إلا واحدٌ بالعراق كله ولم يمعن فيه، وبعض المشهورين بالشام. وإن روى أحدٌ كتاباً أعلى مني عدداً -سماعاً أو إجازةً- علمت إمكان ذلك في زماني هذا، ولم أتمكن من مساواته بالإجازة العامة المعمول بها عند الأكثر قياساً على الوقف، بينت أنه قد يرويه بعض الموجودين في هذه الأيام أعلى مني عدداً، وهذا إنما يكون في الكتب المصنفة في هذه الأعصار المتأخرة، كـ (مشارق الأنوار) ، و (جامع الأصول) ، و (مفاتيح الغيب) ونحوها، وأما في كتب الأئمة المتقدمين على هؤلاء، وفي كتب الحديث المسندة، فليس لأحدٍ أن يدعي أعلى من ذلك، سوى واحدٍ بدمشق قد عبر المائة، سمع البخاري، وفي صحة السماع عليه أنظارٌ وبحوثٌ وفوق كل ذي علمٍ عليمٍ.

стр. 10

ولا تظنن أن قولي ذلك كله هو مجرد دعوى، فإن هذا أيضاً مما يفهمه أهل هذا الشأن، وأنه واجب القبول، مصرحٌ بعلمٍ شريفٍ من علوم الإسناد، والله أعلم. وهذا ذكر بعض ما أرويه من الكتب على سبيل الاختصار طالباً مشاهيرها، المتداولة بين أهل الزمان دون ما لم يعرفوه في أكثر البلدان. وإن طول الله في العمر وسهل في الأمر كتبت مشيخةً تحتوي على مجلدات، أذكر فيها جميع شيوخي وشيوخ أولادي، إذ شاركوني في أكثر مروياتي إجازةً وسماعاً، وأذكر جميع أسانيدنا بأعلى الطرق إلى المصنفين من جميع المذاهب الأربعة، ولا أبقي كتاباً مصنفاً مشهوراً متداولاً إلا وذكرت إسنادي فيه إلى مؤلفه من جميع أصناف العلوم الشرعية والأدبية وكتب الصوفية، بحيث لا يبقى لمعرضٍ عن فضيلة طلب الإسناد عذرٌ في إعراضه، ولا لطالب رواية جميع العلوم بالإسناد مانعٌ من أغراضه إن شاء الله تعالى. وأقدم على ذكر الكتب الآن طرفاً نزراً من شروط رواية الحديث وآدابه وعلومه المذكورة في تلك الإجازة المشار إليها، مع إضافاتٍ قد لا آمن القلم أن يجري بها في إثباتها. فمن الشروط التي اشترط على من يروم رواية الحديث: [اشتراط الإسناد] أن لا يقرأ شيئاً ولا يرويه إلا بإسنادٍ متصلٍ إلى راوي ذلك الحديث، أو مؤلف ذلك الكتاب، للراوي والمؤلف معاً، كيلا تنقطع سلسلة الإسناد،

стр. 11

الذي هو مما اختص الله تعالى به هذه الأمة دون سائر الأمم، وبين نقص غيرهم على لسان نبيه ﷺ في إسقاط عدالتهم، وعدم جواز الرواية بالعنعنة عنهم بقوله: ((بينوا عني ولو آيةً، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)) . قال العلماء: أي ولا حرج في إسقاط الرواية عنهم، حيث لم يكونوا أهلاً للضبط والعدالة، وقد صح عن عبد الله بن المبارك الإمام أنه قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال أحمد بن حنبلٍ الإمام: طلب الإسناد العالي سنةٌ عمن سلف. وقيل ليحيى بن معينٍ الإمام في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي؟ قال: بيتٌ خالٍ، وإسنادٌ عالٍ. وقال محمد بن أسلم الطوسي الإمام الزاهد: قرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى. ولذلك كان السلف الصالح رحمة الله عليهم ينهون عن إسقاط الإسناد غاية النهي، حتى أنهم لم يرووا حكايةً ولا شعراً إلا بالإسناد إلى المروي عنه، حتى لا يدعي أحدٌ كلام غيره أو شعر غيره، فقد فعله كثيرٌ ممن فضحه الله ببركة الإسناد وجهابذته، فما ظنك بالحديث والتفسير والفقه الذي هو علم الشريعة خاصةً من بين سائر العلوم، حتى لو أوصي لأهل العلم أو لعلماء الشرع لم يصرف إلا إلى علماء التفسير والحديث والفقه، وناهيك بهم شرفاً. ولا اغترار بكثرة عدد من ترك الإسناد في علومه في أقطار البلاد، بل ربما أنكره مستغنياً عنه بسواد بياض منقطع الإسناد، محتملٍ للزيادة

стр. 12

والنقصان والتبديل والتحريف، يفتون بموجبه، ويروون عن مشاهدة خطه، فلو قيل لهم: من أين لكم أن هذا الكتاب تأليف فلانٍ، أو هذا الكلام للإمام الشافعي، أو أبي حنيفة -رحمة الله عليهما- لاشتغلوا بتأويلات يسوغون بها باطلهم، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فهذا الزمان الذي أخبر بمعناه ﷺ في كثيرٍ من أحاديثه الصحيحة، هذا مع أنهم يقرؤون في كتب الأصول حكاية اختلاف العلماء قديماً وحديثاً في قبول رواية المراسيل التي يرويها التابعي المشهور عن رسول الله ﷺ بمجرد إسقاط ذكر الصحابي المروي عنه، فإن الشافعي وجمهور المحدثين لم يقبلوها، وإن قبل الشافعي مراسيل سعيدٍ بن المسيب، فإنه إنما قبلها لكونه تتبعها فوجدها عنده مسانيد. فإذا كان مثل سعيد بن المسيب، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيرهم من سادات التابعين، إذا أطلقوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأسقطوا ذكر الصحابي لم يقبل ذلك احتجاجاً، به، فكيف [بغيرهم] ممن بعد سبعمائة ونيفٍ وعشرين سنةٍ؟! يقولون في مثل كتاب (المصابيح) ، و (المشارق) ، و (الشهاب) ، وغيرها: قال رسول لله ﷺ ؟! متأولين ثبوت أسانيدها عند أهلها، ويا له من خطأ ظاهرٍ عند أهله، فالواجب أن يذكر إسناد الكتاب المقروء أولاً، ويقول: أخبرنا فلان بن فلان بن فلان إجازةً أو قراءةً عليه، أو سماعاً، على ما تقتضيه روايته عن شيخه، قال: أخبرنا فلانٌ هكذا إلى مؤلفه، ثم يقول:

стр. 13

قال رحمة الله عليه كذا وكذا، وفي كل مجلسٍ يعيد ذلك الإسناد إلى مؤلفه، أو يقول بالإسناد المذكور إلى مؤلف هذا الكتاب: فلانٌ قال رحمة الله عليه كذا وكذا، ولا يهمل ذلك، فلا يجوز غيره، إذ ما من كتابٍ مصنفٍ في نوعٍ من أنواع العلوم إلا ولهذه الطائفة المنصورة على مؤلفه إسنادٌ معروفٌ عندهم يعرفه الباحث من جنسه، إما بطريقٍ عالٍ أو نازلٍ، سماعاً أو إجازةً. [سماع الحديث وروايته] ومنها: أن لا يروي شيئاً من العلوم من صحيفةٍ لم تقرأ، بل لا بد أن يكون ذلك الكتاب والحديث بخط المؤلف الراوي له أو مقروءٍ عليه، أو على من قرأ عليه وهلم جرا إلى أن يصل إلى أحد شيوخ نفسه ممن يروي هو عنه، وإن لم يكن كذلك فأقل مراتبه أن يكون مقابلاً بأصل، هذا شأنه، فإن قول القائل عن كتاب لم يقرأه ولم يقابل المقروء: أخبرنا فلانٌ بجميع هذا الكتاب إلى أن يسنده إلى مؤلفه -مع علمه باختلاف النسخ وزيادتها ونقصانها- يكون كذباً في الزيادة قطعاً، ورأس هذا الأمر وعموده الصدق والاحتياط. وقد عد الحاكم أبو عبد الله الحافظ البيع في طبقات المجروحين من كان هذا شأنه، وقال: وهم يتوهمون أنهم في روايتها صادقون، حتى أن عبد الله بن لهيعة الإمام المصري ترك الاحتجاج بروايته مع جلالته لتساهله بأمر الكتب.

стр. 14

واعلم أن رواية مثل هذا الكتاب بالسماع أعظم كذباً من روايته بالإجازة، ولا اغترار بفعل أكثر بلاد العجم روايتهم كتاب (المصابيح) من أي نسخةٍ وقعت بأيديهم، خصوصاً إن قرئت على رجلٍ فاضلٍ أديبٍ جعلوا تلك النسخة معتمد النسخ، ولم يعلموا أنهم ربما زادوا سقماً بتصرف ذلك الفاضل في الألفاظ النبوية التي ضبطت من ألفاظ العلماء خلفاً عن سلفٍ آحاداً، كما ضبطت ألفاظ القرآن تواتراً. فالحمد لله الذي لم يجعل للفضلاء في ألفاظ القرآن نصيباً، بل حفظه بقوله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ ، فجزى الله أهل البلاد الشامية أفضل الجزاء، فإن هذا الأمر عندهم مضبوطٌ. [التثبت في الرواية] ومنها: أن يحترز من الغلط والتصحيف والزلل والتحريف في الأسانيد والمتون، لكن إن كانت النسخة مضبوطة بخط بعض المعتمدين من الحفاظ الراوين له فبها ونعمت، وإلا فلا بد أن يكون القارئ أو المسمع أو بعض الحاضرين عارفاً بأسماء الرجال، والجرح والتعديل، وعلم العربية، وتصرفات اللغة، كيلا يقع غلطٌ في شيء من ذلك. [حفظ ما جاء في الأصل وإن كان فيه خللٌ] وإياه وتغيير ما في الأصول المقروء منها من الألفاظ التي يزعم أنها

стр. 15

غلطٌ، بل يبين ما يغلب على ظنه صحته، بعد تحقيقه على الحاشية: صوابه كذا، فإنه ربما ورد كذلك، وله وجهٌ صالحٌ لم يصل علمه إليه، أو وجهٌ ضعيفٌ وردت الرواية به، خصوصاً عند من لم يجوز الرواية بالمعنى، فالأمر فيه عنده شديدٌ، وأيضاً فإنه لا قائل بجواز رواية الحديث بالمعنى لمثل أهل هذا الزمان، فإنهم اتفقوا على عدم الجواز لهم، واختلفوا في جوازه لمن بلغ مرتبة الاجتهاد من العلماء. وإذا أشكل حرفٌ في الرواية فليقل ما يغلب على ظنه صحته، ثم يردفه بقوله: أو كما قال، ليسلم من تبعته إن شاء الله تعالى، فهكذا فعله الأئمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. [ألفاظ الأداء] ومنها: أن لا يطلق اللفظ في كل ما يرويه بـ (حدثنا) أو (أخبرنا) كما يفعله بعض من لا فهم له ولا دين، بل يفصل، فيقول فيما سمعه من لفظ الشيخ مع غيره: حدثنا فلانٌ، وبمفرده: حدثني، فإن كان الشيخ حدثه من لفظه، قال: أملى من حفظه، وإن كان من الكتاب، قال: قراءةً من لفظه وكتابه. ويقول فيما سمعه على الشيخ بقراءة نفسه: أخبرني فلانٌ، إما مطلقاً هكذا، أو مقيداً بقوله: بقراءتي عليه، وإن كان معه غيره، قال: أخبرنا فلانٌ، وكذلك إن قرأ غيره على الشيخ وهو يسمع مطلقاً أو مقيداً، إفراداً وجمعاً. ويقول فيما ناوله بيده وقال: إروي هذا الكتاب، أو ما في هذا الكتاب عني: أخبرني فلانٌ مناولةً، ولا يطلق. وكذلك إن أجاز له أن يروي عنه مطلقاً فليقل: أخبرني، أو أخبرنا في

стр. 16

الجمع، فلانٌ إجازةً من لفظه، أو خطه، أو كتابه، أو بلفظه وخطه وكتابه إلينا على ما يقتضيه الواقع، ولا يطلق في شيءٍ من الإجازة: أخبرنا، مطلقاً من غير تقييدٍ، فإذا أراد أن يطلق في شيءٍ من المناولة أو الإجازة فليقل: أنبأنا فلانٌ فقط، أو أجاز لنا فلانٌ، أو كتب لنا أو إلينا، فإذا لم يجز في هذه الصور إطلاق لفظ الإخبار، فإطلاق لفظ التحديث أولى، بل لا يجوز في هذه الصور: حدثنا، مقيداً أيضاً على الوجه المختار. فأعلى هذه المراتب: حدثنا فلانٌ من حفظه، ثم حدثنا من لفظه وكتابه، وفيه خلافٌ، ثم بعدهما: حدثني، ثم أخبرنا، ثم أخبرني، ثم ناولنا، ثم ناولني، ثم أجاز لنا بلفظه وخطه، ثم أجاز لنا بلفظه، ثم بخطه، ثم كتب لنا، ثم إلينا، ثم وجدنا بخط فلانٍ، ثم وجدت بخطه على ما تقدم من تقديم الجمع على الإفراد في الكل، وهكذا إلى آخر أسانيد ذلك الكتاب بتحرير صورة الحال في كل شيخٍ من شيوخه. فإن شك في شيءٍ من ذلك أخذ بأقلها مرتبةً، كما إذا شك في التحديث والإخبار أخذنا بالإخبار، أو شك في السماع والإجازة، وقال: أنبأنا إجازةً إن لم يكن سماعاً، هذا هو الاحتياط، في كل فصلٍ منه خلافٌ مذكورٌ في كتب الأئمة. [مراعاة الأمانة في الحكم على الحديث] ومنها: أن لا يطلق في شيء من أنواع الحديث غير ما هو لائقٌ به من الصحة والضعف، فيقول في الحديث الصحيح: هذا حديثٌ حسنٌ، فيكون قد أنزل [مرتبته] ، وفي الحسن أنه صحيحٌ، فيكون قد أعلى مرتبته،

стр. 17

وكذلك في جميع الأنواع التي يخالف بعضها بعضاً في القوة والضعف، فإنه يعد حينئذٍ كاذباً وخائناً. [أنواع علوم الحديث] وهذا ذكر بعض أنواعه ليستدل به على غيره، فإن أنواع علوم الحديث قد أطنب فيها مع تفاريعها بحسب علوم أئمتها، حتى إن الضعيف -وهو نوعٌ واحدٌ منها- بلغ به الإمام أبو حاتم ابن حبان البستي في تقسيمه خمسين قسماً إلا واحداً، فما ظنك بغيره؟ [الحديث الصحيح] فالحديث الصحيح على أنواعه، وهو: المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً. وفي هذه الأوصاف احترازٌ عن: المرسل، والمنقطع، والمعضل،

стр. 18

والشاذ، وما فيه علةٌ قادحةٌ، وما من راويه نوع جرحٍ، فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة، بخلافٍ بين أهل الحديث، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف في راويه. ومتى قالوا: (هذا حديثٌ صحيحٌ) فمعناه: أنه اتصل سنده مع وجود جميع الأوصاف المذكورة فيه، وليس من شرطه أن يكون مقطوعاً به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدلٌ واحدٌ. وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول. وكذلك إذا قالوا في حديث: ((إنه غير صحيحٍ)) ، فليس ذلك قطعاً منهم بأنه كذبٌ في نفس الأمر، إذ قد يكون صدقاً في نفس الأمر، وإنما المراد به: أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور، والله أعلم. قلت: هكذا قاله الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتاب (علوم الحديث) له، وأما ما ذكره الإمام الحاكم أبو عبد الله ابن البيع النيسابوري في كتاب علوم الحديث له: إن الصحيح هو أن يرويه عدلان ضابطان، عن

стр. 19

عدلين ضابطين إلى منتهاه، فليس بصحيحٍ، فإن كثيراً من أحاديث الصحيحين لم يكن تحصيل هذه الشريطة فيه. وكيف، ومن أصح الأحاديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ، فإنه حديثٌ أجمع على صحته علماء الأمصار وفقهاء الأقطار وله طرقٌ ومتابعاتٌ كثيرةٌ، وما رواه عن رسول الله ﷺ في الصحيح غير عمر بن الخطاب، وما رواه عن عمر بن الخطاب إلا علقمة بن وقاص الليثي، وما رواه عن علقمة إلا محمدٌ بن إبراهيم التيمي، وما رواه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وما رواه عن محمد بن عمرو إلا ربيع بن زيادٍ [الضبي] ، وقد رواه عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاري جماعةٌ من الثقات وغيرهم يزيدون على المائتين. قال أبو حاتم بن حبانٍ: حديث: ((الأعمال بالنية)) تفرد به أهل

стр. 20

المدينة، وليس هو عند أهل العراق، ولا عند أهل مكة واليمن، ولا عند أهل الشام، ومصر، قد أخرجه الأئمة في كتبهم من طرقٍ تختصر على ذكر طريقٍ واحدٍ لكل واحدٍ منهم. فرواه محمد بن إسماعيل البخاري عن أبي بكرٍ عبد الله الحميدي، عن سفيان، في أول جامعه الصحيح. ورواه مسلم بن الحجاج القشيري عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي. ورواه أبو داود السجستاني عن محمد بن كثيرٍ، عن الثوري. ورواه الترمذي عن عبد الوهاب الثقفي. ورواه أبو عبد الرحمن النسائي عن عمرو بن منصور، عن القعنبي. ورواه محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري.

стр. 21

قال الإمام المطلبي أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، فيما رواه عنه البويطي: يدخل في حديث: ((الأعمال بالنيات)) ، ثلث العلم. وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: ((الأعمال بالنية)) ، وحديث عائشة ﵂: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) ، وحديث النعمان بن بشير: ((الحلال بينٌ والحرام بينٌ)) ، فإذا كان هذا الحديث بهذه الصحة والشهرة لم يحصل فيه شرط الحاكم أبي عبد الله من العدلين، فكيف يحكم لغيره من الأحاديث باشتراط العدد ولم يبلغ أكثرها بعض مرتبته، والاعتماد على ما ذكره ابن الصلاح. وله أنواعٌ متعددةٌ مختلفة المراتب، والله أعلم. [الحديث الحسن] ثم بعد الحديث الصحيح: الحديث الحسن. قال أبو سليمان الخطابي: الحديث الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، [وهو] الذي [يقبله] أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.

стр. 22

وقال أبو عيسى الترمذي: الحديث الحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثاً شاذاً. وقال بعضهم: الحديث الذي فيه ضعفٌ قريبٌ محتملٌ هو الحسن، ويصلح للعمل به. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ما مختصره: كل هذا مستبهمٌ لا يشفي الغليل، وتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان: أحدهما الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا متهماً بالكذب أو سببٍ مفسقٍ، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف مخرجه من وجهٍ آخر، واعتضد بمتابعاتٍ، قال: وكلام الترمذي عليه يتنزل. والثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، قال: وعليه يتنزل كلام الخطابي، ولا بد مع ذلك كله أن يكون سليماً عن الشاذ، والمنكر، المعلل. وله أيضاً أنواعٌ متعددةٌ قوةً وضعفاً. وأما ما صار إليه صاحب (المصابيح) من تقسيم أحاديثه إلى نوعين: الصحاح والحسان، يريد بالصحاح ما أورده الشيخان، وبالحسان ما أورده

стр. 23

غيرهما، فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارةٌ عن ذلك، فإن هذه الكتب تشتمل على حسنٍ وغيره، قاله ابن الصلاح أيضاً، والله أعلم. [الحديث الضعيف] ثم الحديث الضعيف، هو: حديثٌ لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحسن المذكورة فيما تقدم. وله أنواعٌ وفروعٌ كثيرةٌ جداً، ومراتب مختلفةٌ، كما ذكرنا عن أبي حاتم. وهذه الأنواع الثلاثة إليها مرجع الأنواع كلها في غالب الاستعمالات، والباقي كالفروع. [الحديث المسند] والحديث المسند في قول الحافظ أبي بكر الخطيب هو: ما اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يستعمل ذلك فيما جاء عن رسول الله ﷺ دون ما جاء عن الصحابة وغيرهم، فإن أسند منقطعٌ كمالكٍ، عن الزهري، عن ابن عباسٍ، فليس بمسندٍ، لأن الزهري لم يسمع من ابن عباسٍ.

стр. 24

[الحديث المتصل] والحديث المتصل، ويقال له: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع والموقوف، وهذا الذي اتصل إسناده، فكأن كل واحدٍ من راويه قد سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى منتهاه. مثال المتصل المرفوع من الموطأ: مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . ومثال المتصل الموقوف: مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قوله، والله أعلم. [الحديث المرفوع] والحديث المرفوع، هو: ما أضيف إلى رسول الله ﷺ خاصة، ولا يقع مطلقاً غير ذلك، نحو الموقوف على الصحابة وغيرهم، ويدخل في المرفوع: المتصل، والمنقطع، والمرسل ونحوه. [الحديث الموقوف] والحديث الموقوف: ما يروى عن الصحابة من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقفه عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله ﷺ ، هذا إذا أطلق كان مختصاً بالصحابي، وقد يستعمل إلى غيرهم، فيقال: هذا حديثٌ وقفه فلانٌ على عطاءٍ، وطاووس. وقال أبو القاسم الفوراني، من فقهاء الخراسانيين: الفقهاء

стр. 25

يقولون: الخبر ما يروى عن النبي ﷺ ، والأثر ما يروى عن الصحابة، ومراده بالفقهاء: الخراسانيون منهم دون غيرهم، فإن ذاك عندهم مرفوعٌ وهذا موقوفٌ. [الحديث المقطوع] والحديث المقطوع، وهو غير المنقطع الذي يأتي ذكره، ويقال في جمعه: المقاطيع والمقاطع، وهو: ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم وأفعالهم. [الحديث المرسل] والحديث المرسل، صورته التي لا خلاف فيها: حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعةً من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب وأمثالهما، إذا قال: قال رسول الله ﷺ . والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك إذا لم يذكروا الصحابي في إسنادهم، وفي تعريفه خلافٌ كثيرٌ بين الأئمة. قلت: وأما مراسيل الصحابة فقد اتفق الكل على قبولها، إلا ما انفرد به الإمام أبو إسحاق الإسفراييني، من أصحاب الإمام الشافعي، فإنه لم يقبلها أيضاً، وذلك مثل قول عائشة ﵂: ((أول ما بدئ به رسول الله ﷺ ) ، نزل قبل ولادتها بخمس سنين، فيكون قد سمعت القصة من النبي ﷺ ، أو من صحابي أدرك ذلك الزمان، والله أعلم.

стр. 26

[الحديث المنقطع] والحديث المنقطع: الفرق بينه وبين المرسل مذاهب لأهل الحديث والفقهاء، والأقرب من ذلك: أن المنقطع ما رواه من هو دون التابعي، عن الصحابي، عن رسول الله ﷺ ، مثل: رواية مالكٍ، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . [الحديث المعضل] والحديث المعضل: ما سقط من إسناده اثنان فصاعداً، وأصحاب الحديث يقولون: أعضله فهو معضلٌ -بفتح الصاد- وهو لقبٌ لنوعٍ خاص من المنقطع، فكل معضلٍ منقطعٌ، وليس كل منقطعٍ معضلاً. ومثاله: ما يرويه تابعي التابعي أو من دونه قائلاً فيه: قال رسول الله ﷺ ، أو عن أبي بكرٍ وعمر وغيرهما، غير ذاكرٍ للوسائط بينه وبينهم، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وقول المصنفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا، ونحو ذلك، كله من قبيل المعضل. [الحديث المعنعن] والحديث المعنعن هو: الذي يقال في إسناده: [فلانٌ عن] فلانٍ، من غير بيان اتصال بسماع، أو إجازةٍ، قد عده بعضهم من قبيل المرسل والمنقطع، والذي عليه الجمهور: أنه من قبيل الإسناد المتصل، بشرط أن

стр. 27

يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً، مع براءتهم من وصمة التدليس، فحينئذٍ تحمل على الاتصال، إلا أن يظهر فيه خلاف ذلك. [الحديث المدلس] والحديث المدلس نوعان، أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهماً أنه قد لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحدٌ أو أكثرٌ، ومن شأنه أن لا يقول في ذلك: حدثنا فلانٌ، ولا أخبرنا، وما أشبهما، وإنما يقول: قال فلانٌ، أو عن فلانٌ، ونحو ذلك. ومن ذلك ما روي عن علي بن خشرمٍ، قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمع من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. والثاني: تدليس الشيوخ، وهو: أن يروى عن شيخ حديثاً سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كيلا يعرف. ومثاله: ما روي عن الإمام أبي بكر بن مجاهدٍ المقرئ أنه روى عن أبي بكرٍ عبد الله بن أبي داود السجستاني، فقال: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله. وروي عن أبي بكرٍ محمد بن الحسن النقاش المفسر المقرئ، فقال: حدثنا محمد بن سندٍ، نسبه إلى جد له. والأئمة للنوع الأول أشد كراهيةً منهم للثاني، فإن الثاني لا طائل تحته، وقد استعمله كثيرٌ من العلماء الحفاظ، والله أعلم.

стр. 28

[الحديث المسلسل] والحديث المسلسل: ما تتابع رجال إسناده وتواردوا فيه على صفةٍ واحدةٍ، أو حالٍ واحدةٍ، كقولهم: أخبرنا فلانٌ وهو أول حديث سمعته منه إلى آخره. والتسلسل بالمحمدين أو غيرهم، وبالفقهاء أو غيرهم. وببعض البلاد كالمكيين والمدنيين والشاميين والنيسابوريين وغيرهم. أو ببعض الأفعال، كقولهم: أخبرنا ويده في يدي، أو أطعمنا تمراً ولبناً، وصوره كثيرةٌ عندهم. [الحديث المدبج] والحديث المدبج، هو: ما يرويه الأقران بعضهم عن بعضٍ، كرواية الصحابي عن الصحابي، ورواية التابعي عن التابعي، ورواية القرين عن القرين، بشرط أن يروي كل واحدٍ عن صاحبه، فإن انفرد أحد القرينين بالرواية عن صاحبه دون الآخر فليس بمدبج، وقيل: يكفي رواية أحدهما عن الآخر في اسم مدبجٍ. [الحديث المنسوخ] والحديث المنسوخ: ما رفع الشارع حكمه المقدم بحكمه المتأخر. كقوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) . وتارةً من الصحابي كقول جابرٍ: ((كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار)) .

стр. 29

وتارةً من التاريخ، كقوله في رواية شداد بن أوس وغيره عام الفتح، وهي سنة ثمانٍ: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) ، ثم نسخ بقول ابن عباس في حجة الوداع، وهي سنة عشرٍ: ((احتجم رسول الله ﷺ وهو محرمٌ صائمٌ)) . وتارةً بالإجماع، كحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، فإن إجماعهم على خلافه يدل على ناسخٍ يخالفه. [الحديث الشاذ] الحديث الشاذ قسمان: أحدهما: هو الفرد المخالف للحفاظ. والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد، والشذوذ من النكارة والضعف. وروي عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال: قال الإمام الشافعي: ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي ثقةٌ حديثاً يخالف ما روى الناس. وحكى الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي وجماعةٍ من أهل الحجاز، ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسنادٌ واحدٌ يشذ بذلك شيخٌ، ثقةً كان أو غير ثقةٍ، [فما كان

стр. 30

عن غير ثقةٍ] فمتروكٌ لا يقبل، وما كان عن ثقةٍ يتوقف ولا يحتج به إلى أن يظهر أمره. [الحديث الغريب] والحديث الغريب: هو الذي يتفرد به بعض الرواة عن إمامٍ من أئمة رواته، لا يشاركه فيه أحدٌ عنه. وكذلك الحديث يتفرد به بعضهم لا يذكره فيه غيره، إما في متنه، أو في إسناده، أو فيهما. والغريب ينقسم إلى صحيحٍ وغير صحيحٍ، والغالب على الغريب عدم الصحة. [الحديث العزيز] والحديث العزيز: هو الذي ينفرد بروايته عن إمامٍ من أئمة رواته، رجلان أو ثلاثةٌ، ويشتركون فيه، ولا يوجد ذلك عند غيرهم. [الحديث المشهور] والحديث المشهور، معناه مفهومٌ، وهو الذي رواه الجماعة الكثيرة عن إمامٍ من أئمة رواته. وهو أيضاً منقسمٌ إلى صحيحٍ، كقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) ، وضعيفٍ، كقوله: ((طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ)) .

стр. 31

وقد يكون الحديث قد اشتهر أمره في الدنيا ولا أصل له، وشهرته لكثرة إيراد القصاص له، كقولهم: ((من عزى مصاباً فله مثل أجره)) ، و ((من بشرني بخروج آذار)) ، وفي رواية: بخروج صفرٍ - بشرته بالجنة)) ، و ((من آذى ذمياً فقد آذاني)) ، و ((يوم نحركم يوم صومكم)) . وقد يكون مشهوراً بين أهل الحديث وغيرهم، كقوله: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) . وقد يكون مشهوراً عند أهل الحديث دون غيرهم، وهو لا يحصى كثرةً. ومن المشهور ما يعده جماعةٌ من الفقهاء والأصوليين متواتراً، ولو سئلوا عن إبراز مثالٍ لذلك لأعياهم تطلبه، وأصح شيءٍ يمثلون به حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ، وقد ذكر في النوع الأول أنه حديثٌ صحيحٌ، لكنه منقطع الأول عن العدد، فكيف يصح تواتره إذا كان متواتر الوسط والآخر دون الأول؟! وليس في الحديث متواتراً، إلا إن كان ولا بد فليكن حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ، فإنه رواه عن النبي ﷺ قريب تسعين من الصحابة، واتصل منهم إلى هذا الزمان بجم غفيرٍ من الرواة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وليس في الحديث ما يشبهه في كثرة رواته، والله أعلم.

стр. 32

[الحديث العالي والنازل] الحديث العالي: ما يقرب عدده إلى رسول الله ﷺ بإسنادٍ نظيفٍ غير ضعيفٍ، وهو أعلى الحديث، وقد يكون عالياً بقربه من إمامٍ من الأئمة الحفاظ، أو إلى كتابٍ من كتبهم كصحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الأئمة المصنفين، وإن كثر عدد الرواة منهم إلى رسول الله ﷺ ، وقد يكون عالياً بقوة رجاله، أو شهرتهم، أو حفظهم وإتقانهم، أو شرفهم، أو زيادة فقههم مع تساوي العددين فيهما، أو قدم موت أحدهما، أو قدم سماعه، فهذه عشرة أقسامٍ. والحديث النازل بعكس ذلك، وفيهما بحثٌ طويلٌ، والصحيح ما ذكرناه هاهنا إن شاء الله تعالى، والنزول مرتبةٌ ضعيفةٌ مرغوبٌ عنها، لا التفات إلى قول من نصرها نقلاً واحتجاجاً. [الحديث المصحف] والحديث المصحف: هو الذي تصحف إسناده أو متنه. أما الإسناد، فمثل: أن يصحف في الاسم كحيان وحبان، وشريحٍ وسريجٍ، ومثل ما روى الإمام يحيى بن معين حديث شعبة، عن العوام بن مراجم فرواه بالزاء والحاء، وإنما هو بالراء المهملة والجيم.

стр. 33

وتارةً يكون في الشيخ، مثل: أن يروي عن رجلٍ فيشتبه عليه ويصحف اسمه باسمٍ آخرٍ. أما المتن، فمثل: ما روى ابن لهيعة عن كتاب موسى بن عقبة بإسناده: ((أن رسول الله ﷺ احتجم في المسجد)) بالميم، وإنما هو بالراء: (احتجر) بخص، أو حصيرٍ، حجرةً يصلي عليها. روى غندر حديث جابرٍ قال: ((رمي أبي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله ﷺ ) بفتح الهمزة وكسر الباء وتخفيف الياء، وإنما هو بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء، يعني أبي بن كعبٍ المقرئ الصحابي. وروى شعبة: ((من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرةٍ)) بضم الذال وتخفيف الزاي، وإنما هو (ذرة) ، بفتح الذال وتشديد الراء. وروى هشام بن عروة في حديث أبي ذر: ((وتعين الضايع)) ، بالضاد

стр. 34

المعجمة والياء، وإنما هو الصانع -بالصاد المهملة والنون- ضد الأخرق. وروى أبو موسى العنزي، هو محمد بن المثنى حديث: ((لا يأتي أحدكم يوم القيامة ببقرةٍ لها خوارٌ)) ، فقال فيه: ((أو شاةٌ تنعر)) بالنون، وإنما هو بالياء المثناة من تحتٍ. وقال يوماً: نحن قومٌ لنا شرفٌ، نحن من عنزةٍ، صلى إلينا النبي ﷺ ، يريد قوله: ((صلى إلى عنزة)) توهماً أنه صلى إلى قبيلته، والمراد بالعنزة: حربةٌ تنصب بين يدي المصلي ليصلي إليها. وأظرف من هذا أن أعرابياً سمع هذا فظن [أنها] العنزة -بسكون النون- فرواه بالمعنى، وقال: كان النبي ﷺ إذا صلى نصبت بين يديه شاةٌ. وروى أبو بكر الصولي حديث أبي أيوب: ((من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)) ، فقال: شيئاً، بالشين المعجمة والياء.

стр. 35

وروى وكيعٌ مرةً: قال: ((لعن رسول الله ﷺ الذين يشققون الحطب تشقيق الشعر)) ، بالحاء المهملة وإنما هو بالخاء المعجمة وضمها. ورواه بعض الفضلاء أيضاً بالحاء المهملة، فقال بعض الملاحين: فكيف نعمل والحاجة ماسةٌ؟! ومثل هذا كثيرٌ، وأكثر من زلق فيه الفضلاء الذين يعتمدون في رواية الحديث على فضلهم لا على الرواية. [الحديث المدرج] الحديث المدرج أقسامٌ: منها: في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته، مثل قوله في تشهد ابن مسعود في آخره: ((فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) ، هذا من كلام ابن مسعود. ومنها: أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسنادٍ إلا طرفاً منه، فإنه عنده بإسناد ثانٍ، فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الثاني ويرويه جميعاً بالأول. ومنها: أن يدرج في متن حديثٍ بعض متنٍ آخر مخالفٍ للأول في الإسناد، مثاله: رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالكٍ، عن الزهري، عن

стр. 36

أنسٍ، أن النبي ﷺ قال: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تنافسوا)) ، أدرجه ابن أبي مريم من متن حديثٍ آخر، رواه مالكٌ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وفيه: ((ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا)) . ومنها: أن يروي الراوي حديثاً عن جماعةٍ بينهم اختلافٌ في إسناده ولا يذكر الاختلاف، بل يدرج روايتهم على الاتفاق. وللأئمة فيه تصانيف وأمثلةٌ يكثر تعدادها. [الحديث المقلوب] والحديث المقلوب، نحو حديثٍ مشهورٍ عن سالمٍ، يجعل عن نافعٍ، ليصير بذلك مرغوباً فيه. ومثاله: ما روي أن الإمام أبا عبد لله محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح قدم بغداد، فاجتمع قبل مجلسه قومٌ من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلما فرغوا من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة التفت إليهم فرد كل متنٍ إلى إسناده، وكل إسنادٍ إلى متنه، فأذعنوا له بالفضل.

стр. 37

[الحديث المعلل] والحديث المعلل، وتسميته المعلول ضعيفٌ عند أهل العربية، وهو: الحديث الذي اطلع فيه على علةٍ تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها. وينصرف ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقاتٌ من حيث الظاهر، ويستعان على إدراكه بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إليه تنبه العارف بهذا الشأن، أو إلى المتن، أو إليهما جميعاً. واعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علومه وأدقها وأشرفها، وإنما يشعر بها أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب بعد إمعان الفكر الصحيح ففي الحقيقة هو كالصراف الذي يعرف علة النقد، وقد لا يقدر أن يعبر عن كثيرٍ من صفاته، وهو نتيجة كثرة المباشرة، والله أعلم. [الحديث المضطرب] والحديث المضطرب: هو الذي تختلف الرواية فيه، فبعضهم يرويه على وجهٍ، وبعضهم يرويه على وجهٍ آخر مخالفٌ له، عند تساوي الروايتين من غير ترجيح إحداهما على الأخرى، بزيادة حفظٍ، أو كثرة صحبةٍ، أو غير ذلك، فإن ترجحت إحداهما بأحدهما فلا اضطراب، والحكم للراجحة، وتارةً يكون ذلك في الإسناد، وأخرى في المتن، والله أعلم. [الحديث المجهول] والحديث المجهول: ما يكون في إسناده رجلٌ لا يعرف أصلاً، أو يدعي معرفته من لا يعتمد عليه، وقد يكون في الإسناد الواحد مجاهيل، وقد يكون مجهولٌ عند قومه، معروفٌ عند آخرين معتمدين، فليس من هذا

стр. 38

القبيل بشيءٍ، وأكثر ما يقع هذا في اختلاف رواة البلدان النائية عن بعضها بعضاً. [الحديث المنكر] والحديث المنكر قسمان: الأول: المنفرد المخالف لما رواه الثقات، لوهمٍ حصل له وإن كان ثقةً. والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده، وهذا أضعف من ذاك، والله أعلم. [الحديث الموضوع] والحديث الموضوع -وهو شر أنواع الحديث- لا تجوز روايته، لأنه المختلق المصنوع المكذوب به على رسول الله ﷺ متناً وإسناداً، وهو الذي إذا روي لا يروى إلا لبيان حاله من الوضع والقدح فيه دون غيره من الأحاديث الضعيفة، المذكورة أنواعها التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب. وهذا النوع الموضوع لا تجوز روايته، لا في الترغيب، ولا في الترهيب، ولا في الأحكام، خلافاً لبعض الكرامية، حيث جوزوا وضع الحديث في الترغيب والترهيب، فإن قولهم مردودٌ عليهم بقوله ﷺ في

стр. 39

الحديث المتفق على صحته، الذي لا تجوز دعوى التواتر في شيءٍ من الحديث إلا إن كان ولا بد ففيه، لكثرة عدد رواته من الصحابة فمن بعدهم: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) . وإنما عرف العلماء كون الحديث موضوعاً بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من حال الراوي والمروي، فقد وضعت أحاديث كثيرةٌ طويلةٌ، يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، وربما كان الحديث بخلاف ذلك من حسن ترصيف ألفاظه وصحة معانيه، فيتقبله الناس بالقبول وهو موضوعٌ يعرفه أهل صناعته من وجوهٍ كثيرةٍ، كالأربعين [في] الخطب الودعانية، ونحوها. والواضعون للحديث أصنافٌ، وأعظمهم ضرراً قومٌ ينسبون إلى الزهد ويضعون الحديث احتساباً فيما زعموا، فيقبل الناس موضوعاتهم ثقةً منهم بهم، وركوناً إليهم. ثم نهضت جهابذة الحديث -جزاهم الله تعالى عن الإسلام خيراً- بكشف عوارها ومحو عارها، رحمة الله عليهم. ثم إن الواضع ربما صنع كلاماً من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلاماً لبعض الحكماء وغيرهم فوضعه على رسول الله ﷺ ، وربما غلط غالطٌ فوقع

стр. 40

في شبهة الوضع من غير تعمدٍ، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) ، فإنه دخل على بعض المحدثين، وقد ذكر إسناد حديثٍ يريد ذكره عن رسول لله ﷺ ، فلما دخل مجلسه ووقع نظره عليه رأى حسن وجهه بالنهار، [فقال هذا القول] ، فظن أن الإسناد المذكور لهذا الكلام فركبه عليه، ورواه بذلك الإسناد عن رسول الله ﷺ ، وشهد بذلك الحاضرون في المجلس، فهذا حديثٌ موضوعٌ لم يقصد ثابت بن موسى وضعه. وممن أقر ببعض ما وضعه نوح بن أبي مريم أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً سورةً؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبةً. وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ في فضائل القرآن سورةً سورةً، ولقد أخطأ الواحدي المفسر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه كتبهم.
следующие страницы →