Полный текст (433 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
أبو عاصم, عن ابن جريج, عن ابن أبي سلمة, عن ابن شهاب, أن النبي ﷺ لما قدم المدينة –وقدمها, في شهر ربيع الأول- أمر بالتاريخ.
٤٨٩- قال محمد بن جرير: وقد كانوا أرخوا بعام الفيل, أعني قريشاً خاصةً؛ وفي عام الفيل ولد النبي ﷺ , وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنةً, وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنةً, وبين بناء الكعبة ومبعث النبي ﷺ خمس سنين, وبعث وهو ابن أربعين سنةً, فقرن بنبوته جبريل ﷺ , ويقال: بل الذي قرن إليه بدءاً إسرافيل من غير أن يؤمر بإظهار الدعوة, ثم أمر بإظهارها؛ وأقام بمكة عشر سنين, وبالمدينة عشراً.
٤٩٠- قال أبو جعفر: وهذا استخراجٌ حسن, لأن الصحابة اختلفوا في هذا, فقال ابن عباس: أنزل عليه الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنةً, فمكث بمكة عشراً, وهو قول جماعة من الصحابة, والذي قال: قرن بنبوته إسرافيل ﷺ الشعبي, قال: كان يسمع حسه ولا يرى شخصه, يعلمه الكلمة والشيء, ولم ينزل القرآن على لسانه, فلما مضت لنبوته ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ﷺ , فنزل القرآن على لسانه بعد.
стр. 142
٤٩١- وممن قال: أقام بمكة عشراً؛ عائشة ﵂ وأنس بن مالك, كما روى مالكٌ, عن ربيعة, عن أنس سمعه يقول: كان النبي ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، وليس بالآدم، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء.
قال أبو جعفر: قوله بالأبيض الأمهق، هو البياض الذي ليس بمشرق، يخاله الناظر إليه برصاً؛ والقطط أشد الجعودة.
٤٩٢- وإذا كان أول ليلة من الشهر كتب، بمعنى كتب الكتاب: غرة شهر كذا في أول ليلة من كذا. ومستهل شهر كذا ومهل شهر كذا ولا يجوز لليلة خلت ولا مضت لأنهم في الليلة بعد فإذا أصبحوا لم يجز من ذلك شيء لأن الاستهلال بالليل ولكن يليه خلت ومضت، لأن الليلة قد انقضت؛ ويجوز لغرة الشهر، ولأول يوم من صفر.
٤٩٣- قصد أبو جعفر صفراً دون سائر الشهور في هذا الموضع، لأنا بلغنا هذا الفصل ونحن في صفر سنة سبع وعشرين.
٤٩٤- ويكتبون: لثمان خلون، ولإحدى عشرة ليلةً خلت؛ اصطلحوا على هذا، ولو كتبوا لثمان خلت، ولإحدى عشرة ليلةً خلون
стр. 143
لجاز، وليس قول من قال: إنما قالوا لإحدى عشرة ليلة خلت، لأن الليلة موحدةٌ = شيئاً، لأن الخبر ليس عن الليلة. واحتج آخر بقول الله : ﴿منها أربعةٌ حرمٌ ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ واحتج بمجيء النون في القليل، لأن ﴿فيهن﴾ عنده لأربعة، وقد قيل: ﴿فيهن﴾ لاثني عشر.
٤٩٥- واصطلحوا على أن كتبوا: للنصف من الشهر، وأجازوا لخمس عشرة ليلةً خلت، ومضت، فإذا جاوزوا ذلك كتبوا لأربع عشرة ليلةً بقيت، لأن الشهر قد يكون ناقصاً. ورأيت علي بن سليمان يختار هذا. وبعضهم يقول: لأربع عشرة ليلةً إن بقيت. ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوبون الكتاب في ما يكتبون به من هذا، واحتج لهم بأنهم إنما يكتبون هذا على أن الشهر تامٌ قد عرف معناه، وأن كاتبه وقائله يريد إن كان الشهر تاماً ولا يحتاج أن يلفظ بهذا، لأن اللفظ به عيٌ وشيءٌ لا يحتاج إليه. وقد علمنا أن قائلاً لو قال: أنا أدفع إليك كذا، لكان كلاماً صحيحاً، وأنه لا يحتاج أن يقول: إلا أن يحدث علي حدثٌ.
٤٩٦- ومع هذا، فقد وجدنا من لفظ رسول الله ﷺ مما رواه ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، في سابعة تبقى، أو خامسة تبقى)) .
стр. 144
٤٩٧- واصطلحوا أيضاً على كتب ثلاث وثلاثين بغير ألف فيهما جميعاً، وكذلك ثلاث عشر وثلاث عشرة، وكذلك ثمانية بغير ألف اصطلاحاً قديماً، وربما يعاب من خالفه، وكذا ثماني نسوة بغير ألف, فإن قلت جاءني من النسوة ثمان فبالألف, لأنك قد حذفت ياءً, فلا تجمع حذفين, ومن قال جاءني من النسوة ثماني عشرة حذف الألف, ومن قال: ثمان عشرة لم يحذف, لأنه حذف الياء؛ كما أنشد بعض أهل اللغة للأعشى:
ولقد شربت ثمانياً وثمانياً ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
وأبو إسحاق ينشده: وثلاث عشرة.
فأما اثنتا عشرة, فمن العرب من يقول: جاءني ثنتا عشرة, فيحذف الألف من أوله.
وأما ثمانون فيكتب بالألف لأنه لا ياء فيه, فيشبه ثمانياً.
٤٩٨- ومن الاصطلاح القديم كتبهم أربعة درهم بغير ألف, وكذلك أربعة دننير, وكذلك أربعة ألف بالحذف لكثرة استعمالهم إياه, وأنه لا يشكل, فإن قلت: عنده دراهم أو دنانير أو آلاف, فالألف لا غير, لئلا يشكل؛ وكتبوا: له أربعة دكاكين بالألف, لأنه لا يكثر استعمالهم إياه, وكتبوا: أربعة أثواب وخمسة أثواب وخمسة أجمال
стр. 145
بالألف, وإن كان قد كثر استعمالهم, لئلا يشكل بأثوب وأجمل, لأن فعلاً قد جمع على أفعل نحو زمن.
٤٩٩- وكتبوا مائة بالألف ليفرقوا بينها وبين منه.
٥٠٠- وإذا عرفت بالألف واللام فقد وقع في ذلك اصطلاحٌ متفقٌ عليه وآخر مختلفٌ فيه.
فأما المتفق عليه, فقولهم: ما فعلت خمسة الدراهم وعشرة الأثواب, كما قال ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
فإن شئت قلت: كتبت الخمسة الكتب, ودفعت الستة الدراهم, تنصبهما جميعاً, هذان الوجهان جائزان بإجماع, واختلفوا في قولهم: ما فعلت الخمسة الأثواب بالإضافة, فأجاز ذلك الكسائي, ومنع منه البصريون لاجتماع الألف واللام مع الإضافة, وهذا لا يشبه من الحسن الوجه شيئاً, وهو من الخطإ البين.
٥٠١- قال أبو إسحاق: سألت أحمد بن يحيى في مجلس الوزير القاسم بن عبيد الله: على أي شيء أجزتم عندي الخمسة الأثواب؟ فلم يكن عنده جوابٌ, غير أن قال: لأن الوزير يكتب بذلك؛ فأمسكت.
٥٠٢- فإن قلت: عندي خمسة عشر درهماً, فأردت تعريفه,
стр. 146
فالصواب على قول الجميع: ما فعلت الخمسة عشر درهماً, عرفته من أوله, لأنه بمنزلة اسم واحد, كما تقول رجلٌ والرجل؛ وأجاز الكسائي الخمسة العشر درهماً؛ وهذا نقض ما يقول النحويون؛ جعلوا الاسمين اسماً واحداً, وأجازوا: ما فعلت الخمسة العشر الدرهم, وهذا أبعد من ذاك, وهو خطأٌ عند البصريين والفراء, إلا أبا زيد؛ فإنه حكاه وأجازه, وأبو زيد وإن كان له المحل الجليل, صاحب شذوذ, وليس كالأصمعي.
فإن قلت: عندي خمسةٌ وعشرين درهماً، ثم عرفت، قلت: ما فعلت الخمسة والعشرون درهماً؟ وأجاز الكسائي: ما فعلت الخمسة والعشرون الدرهم؟ فإن قلت: ما فعلت الخمسة والعشرون الدراهم، جاز عند الجميع.
فإن قلت: له مائة درهم، ثم عرفت، قلت: ما فعلت مائة الدرهم؟ كما فعلت في أربعة الدراهم؟ غير أنه لا يجوز المائة الدرهم إلا أن يقول: المائة الدراهم، وكذا ألف الدرهم؛ ولا يجوز الألف الدرهم عند الفراء والبصريين، إلا أبا زيد، فإنه حكى أن من العرب من يقول: المائة الدرهم، والألف الدرهم، والخمس مائة الدرهم، والخمسة عشر الدرهم؛ ولا نعلم اختلافاً في الكسور أن الألف واللام تدخل في الآخر إذا عرفت، نحو أخذت نصف الدرهم، وربع الدينار، فيجب على هذا أن ترد ما اختلفوا فيه على ما اجتمعوا عليه، فيقال: ثلاثة الدراهم، ومائة الثوب، وألف الدينار؛ وهذا بينٌ؛ وكتبوا مائةً في
стр. 147
التثنية بزيادة ألف، كما قالوا في الواحد لئلا تخالف التثنية الواحد، إلا أن الكسائي والفراء وقطرباً ذكروا أن من مضى كان يكتب التثنية بإسقاط الألف، ولا اختلاف في الجمع أنه على أصله يكتب بغير ألف، قالوا: مئون ومئات، والأصل في مئة مئيةٌ، كما قال:
فقلت والمرء تخطيه منيته ... أدنى عطيته إياي مئيات
باب الاصطلاح القديم على حذف اللام من الخط وما يلحقه من حذف الألف واللام
٥٠٣- كتبوا الذي والذين بلام واحدة، وكذا التي والاتي والواتي؛ وكتبوا اللذين بلامين. في كتبهم هذا بلامين ثلاثة أقوال:
فمن أصحها أن هذا كتب على أصله، فلا ينبغي أن يسأل عنه، وإنما يسأل عما كتب من هذا الجنس بلام واحدة، ونحن نبينه.
стр. 148
وقيل: كتبوا التثنية بلامين، لأن التثنية تجري على أصلها، وتعرب في كل مبني وفيما لا ينصرف.
والجواب الثالث أنهم أرادوا أن يفرقوا بين التثنية والجمع، والعلة فيما كتب من هذا الجنس بلام واحدة أن اللام لا تفارقه، ولا يتكلم به منفصلاً، فكتب على الادغام، وأصل الذي لذ عند سيبويه، مثل عم، ثم دخلت عليه الألف واللام للتعريف بلا مفارقة له؛ لأنه لا يستعمل إلا معرفةً. وقال الفراء: أصل الذي ذا التي للإشارة، ثم نقل إلى الغائب، فحطوا الألف إلى الياء، وأدخلوا الألف واللام للتعريف، فاندغمت اللام في الذال، فأدخلوا بينهما لاماً متحركةً، وأدغم لام التعريف فيها لسكون لام التعريف.
٥٠٤- وكذلك كتبوا ((لان)) لام ألف نون وحذفوا الهمزة والألف، لأن الألف واللام لا يفارق، وكان أصلها ((أوان)) فحذفوا الألف الثانية وحولوا الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، فصار أان مثل حان، ثم دخلت الألف واللام عليها وتركت منصوبةً، لأنها صفةٌ في اللفظ والمعنى.
٥٠٥- وكتبوا اللحم واللوح بلامين, لأنك تقول: لحمٌ ولوحٌ, ثم تجيء بالألف واللام للتعريف, وكذا كل ما كان مثله إلا شيئاً من الاصطلاح المحدث, فإنهم كتبوا الهو والعب بلام واحدة تشبيهاً بالذي
стр. 149
وذلك غلطٌ, والفرق بينهما ما بيناه.
٥٠٦- فإن جاؤوا بلام الخفض ولام التوكيد, فأدخلوا إحداهما على هذا المكتوب بلامين, كتب أيضاً بلامين, والقياس أيضاً ثلاث لامات, نحو قولك: للهو مستمعٌ لام للهو ولامٌ للتعريف ولام للخفض, فحذفوا لاجتماع اللامات.
واختلف النحويون في العلة التي حذفوا من أجلها: فقال الفراء: إنهم لو كتبوه على الأصل لاجتمعت لامٌ بعدها ألفٌ وبعد الألف لامٌ, فكانوا يجمعون بين ثلاثة أشكال إذ كانت الألف في صورة اللام.
وقال غيره من البصريين: لام الخفض بمنزلة ما ليس في الكلام, ألا ترى أن معنى جاءني غلام زيد, جاءني غلامٌ لزيد؛ وكذا لا أخاك, ولا أخا لك, فلما كانت هكذا صارت مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد, فوجب حذف الألف, ومنهم من قال: كرهوا أن يشبه لا التي للنفي.
ومن البصريين من قال: لما جامعت اللام لاماً قبلها, وكان الغالب على الكلام أن لا يلتقي فيه حرفان مثلان في أول كلمة إلا قليلاً, مثل قولهم: ددٌ ودداً ودد للعب وببة اسم رجل؛ ويروى عن عمر ﵁ أنه قال: حتى يكون الناس بباباً واحداً, أي: شيئاً واحداً, وهي كلمةٌ عجميةٌ, وكذا ببغاء= فلهذا حذفوا الألف من قولك: للرجل, لما علموا أن هناك محذوفاً, وقيل لكثرة الاستعمال, كما كتبوا بلحارث وبلهجيم وبلعنبر بحذف النون والياء من بني, والألف من الحارث, والهجيم والعنبر, وهذا من أحسن ما قيل فيه, وهو يشبه قول من قال:
стр. 150
إن اللام دخولها وخروجها سواءٌ. وأما قول الفراء, فغلط, لأنهم جمعوا بين ثلاثة أشكال في قولهم الابن والاسم.
٥٠٧- ومما يحذف منه أيضاً الألف مع اللام قولك: للألواح, بحذف ألف الوصل التي مع لام التعريف.
٥٠٨- ومما حذفوا الألف فيه مع اللام قولك: للرجل, ومن حسن ما قيل في هذا من العلة أن الألف واللام عند سيبويه بمنزلة قد, فهما كحرف واحد, فكرهوا أن يجعلوا بعضه متصلاً باللام التي قبلها, فيكون كأن الألف منفصلةٌ من لامها, وقد فعلوا أكبر من هذا كتبوا ليكة في المصحف في موضعين بحذف الهمزة والألف, حتى قرأ بعضهم: ﴿كذب أصحاب ليكة المرسلين﴾ والأولى عند النحويين بالخفض, والحذاق منهم يقولون: لا يجوز إلا ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين﴾ كما قرأ أكثر القراء, فإن كانت الألف التي مع اللام أصلاً, ولم تدخل عليها ألفٌ ولامٌ لم يجز حذفها, نحو قولك: مررت بألواحك ولألواحك, فهذا ما جاء على أصله.
باب حذف الألف مع غير اللام
٥٠٩- اصطلحوا قديماً على حذف الألف من إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وهارون وعثمان ومروان ونحوهن من الأسماء, وذكر في ذلك
стр. 151
عللٌ, منهن كثرة الاستعمال, وقيل: لما حذفوا منها التنوين اجترؤوا أيضاً على الحذف منها في الخط.
وقيل: لما كانت عجميةً, فنقلت إلى كلام العرب وغيرت اجترؤوا أيضاً على تغييرها في الخط.
وقيل: لما كانت حروف المد واللين يكثرن زوائد صرن كأنهن حركاتٌ ضعفن فحذفن ولم يلتبسن بغيرهن أيضاً.
وأقوى هذه العلل كثرة الاستعمال ألا ترى أنهم يحذفون من سليمان الألف وليس بأعجمي, ولا يحذفون من قارون وجارود وطالوت وجالوت, لأنه لم يكثر استعمالهم هذه الأسماء.
٥١٠- ولم يحذفوا من عباس وعامر شيئاً, وما جاء على أصله فلا ينبغي أن يسأل عنه, وقد قال بعض النحويين: لو حذفوا من عباس وعامر الألف أشكل بفعل, وقيل: لم يحذفوا من داود الألف لأنه قد حذفت منه واوٌ, وحذفوا الألف من صالح ومالك وخالد في التسمية, ولم يحذفوا في النعت, إذا قلت مررت برجل صالح؛ فقيل: للفرق, وقيل: لكثرة الاستعمال؛ وهذه علةٌ صحيحة. الدليل على ذلك: أنهم لا يحذفون من حاتم وحامد وسالم نعتاً, ولا غيره, وكذلك لا يحذفون من حارث إذا كان نعتاً, أو كان مسمىً بما ليس فيه ألفٌ ولامٌ, فإن سميته بالحارث حذفت الألف إذا كان علماً, وأثبتها في النعت.
٥١١- وقد حذفوا الألف في النعت في قولك: الصالحت, ولم يحذفوا في المسلمات, لأنك إذا حذفت الألف من الصالحات
стр. 152
بقيت ألفٌ بعد الحاء, وليس هذا في المسلمات ولا المؤمنات, وتحذف الألف من القانتات والحافظات كما فعلت في الصالحات, وكذا الكافرات والخاسرات والشاكرات والفاسقات, وكذا السماوات تحذف الألف التي بعد الميم, ولم يحذفوا من العادات ولا الرادات والمارات والضالات والجادات لأنه مدغمٌ, والدال فيه مقام دالين, فقد حذفت منهما واحدةً, ومذكر هذا كمؤنثه, لئلا يختلف؛ ولا من الرامين ولا القاضين ولا الماضين؛ لأنه معتلٌ قد حذفت منه ياءٌ, ولا من مؤنثه, أتبعوا المذكر المؤنث.
ومن الاصطلاح القديم
٥١٢- كتبهم بلالاً وهلالاً بغير ألف, وكتبوا شيطاناً بألف, وكذلك دهقان وعمران, فأما عثمان وسفيان ومروان, فلك فيه الوجهان, وكتبوا الملائكة بغير ألف, وكذا السلام ويارسول الله.
٥١٣- ولو كتبت هذا كله على أصله لجاز, ولكنا ذكرنا اصطلاح الكتاب ووجه جواز ما اصطلحوا عليه؛ وبالله التوفيق.
стр. 153
باب حذف الواو
٥١٤- حذفوها من طاوس تخفيفاً, وكذا جاؤا وشاؤا, وكذا تلون؛ وجرى القياس في هذا على ما كان قبل الواو فيه ضمةٌ, وربما أجروه على الأصل, فكتبوه بواوين, ولم يستعملوا غير ذلك, نحو مؤونة كتبوها بواوين, كان القياس أن تكون بواحدة لأنها تشبه ما اصطلحوا عليه, وكتبوا يستون بواو واحدة في المصحف, وكذا ﴿فاؤا إلى الكهف﴾ وكتبوا يستهزؤن بواو واحدة, وكذا الصابؤن, حتى قرأ بعضهم ﴿والصابون﴾ وكتبوا يقرؤن ويهزؤن بواو واحدة, فإذا قالوا: صؤولٌ وقؤولٌ كتبوه بواوين, فإذا انفتحت الواو الأولى كتبوه بواوين نحو: اكتووا واستووا, فأما مدعوون, ومقروون, فبواوين, لأنه معتلٌ لئلا يشكل.
стр. 154
باب حذف الياء
٥١٥- اصطلحوا قديماً على حذف الياء من: لا أدر, وكان يجب أن تكتب بالياء, لأنه غير مجزوم, وهي لفظةٌ عربيةٌ معروفةٌ, واصطلحوا أيضاً على حذف ياء النفس في التسجيع, نحو قولهم: كلمن وقاتلن, وهذا جائزٌ صحيحٌ في التسجيع, والنحويون يسمونه الفواصل, ومثله: ﴿فيقول ربي أكرمن﴾ كما قال الأعشى:
فهل يمنعني ارتيادي البلاد ... من حدث الموت أن يأتين
ومثل هذا جائزٌ في الكلام, وسمعت أبا إسحاق يقول في قول الشاعر:
وقبيلٌ من لكيز شاهدٌ ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل
هذا قبيحٌ, لأنه حذف الألف وحذف الفتحة, فلا يجوز هذا في الكلام.
٥١٦- وكذا يحذفون الياء إذا سجعوا, في مثل قوله :
стр. 155
﴿المتعال﴾ وكذا في الفواصل, وربما استعملوا هذا في غير تسجيع ولا فاصلة, فيقولون: هشام بن الغاز وعمرو بن العاص.
٥١٧- وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: لا يجوز إلا عمرو بن العاصي, بالياء, لأن الياء إنما تحذف لسكونها وسكون التنوين, فلما دخلت الألف واللام زال التنوين, فلم يجز إلا إثبات الياء.
٥١٨- ثم رأيت علي بن سليمان قد خالفه, فقال: الأجود إثبات الياء وحذفها جائزٌ, والعلة في جواز حذفها أنها كانت محذوفةً من قبل دخول الألف واللام, وسبيل الألف واللام إن دخلتا في غير هذا أن لا يغير الاسم عما كان عليه, وأجري هذا مجرى ذلك, فتقول: العاص والمتعال.
والذي قاله علي بن سليمان حسنٌ, وفي المصحف منه غير حرف, منه ﴿المناد﴾ وغيره.
٥١٩- واصطلحوا على حذف الياء من المنادى المضاف في بعض المواضع, وذلك جائزٌ حسنٌ, لأن الكسرة تدل عليها, والنداء موضع حذف, فإذا جئت بالتنوين حذفت, نحو قولك: هذا قاض, ومررت بغاز, وغلامك صاف قادمٌ؛ لا فرق بين الاسم العلم والنكرة, لأن العلة فيهما واحدةٌ, وذلك أن الأصل صافيٌ, استثقلوا الحركة في الياء, فسكنت, والتنوين ساكنٌ, ولا يجمع بين ساكنين, فحذفت الياء
стр. 156
لسكونها وسكون التنوين بعدها, وفي كتاب الله جل وعز ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ .
٥٢٠- ورأيت علي بن سليمان يجيب بعض الكتاب: أنه لا يجوز إلا حذف الياء في موضع الخفض والرفع, فقلت له: ما الذي يمنع من إثبات الياء على القياس, لأنها قد تحذف لسكونها وسكون التنوين بعدها, والتنوين لا يكون في الوقف, والقياس إثبات الياء إذا زال التنوين؟ فقال: ما يمتنع هذا, ولكني لا أجيب به إذا اختصم اثنان, لأني لا أفصل بينهما إلا بذكر أجود الوجهين؛ وكان هذا مذهبه.
٥٢١- ومثل هذا مما يحذف منه الياء في الخط: جاءني جوار, ومررت بجوار, فإن كان هذا في موضع النصب, قلت: رأيت قاضياً, حركت الياء في موضع النصب لخفته, ورأيت جواري بغير ألف, لأنه لا ينصرف؛ ويجوز: مررت بجواري, بالياء, تجري المخفوض مجرى المنصوب وتشبهه بغير المعتل, وأنشد سيبويه:
فلو كان عبد الله مولىً هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
فإن جئت بالألف واللام أثبت الياء, فقلت: جاءني الجواري.
стр. 157
باب حذف النون من الخط وما يتصل به من باب لا وما غيرهما
٥٢٢- كتبوا: ((لم يك)) بحذف النون وإثباتها, وجاء بهما القرآن, هذا إذا لم يكن بعدها ساكنٌ, فإن كان بعدها ساكنٌ لم يجز إلا إثبات النون عند أكثر النحويين, نحو قولك: لم يكن ابنك جالساً, ولا يكن الذاهب عمروٌ, وإنما لم يجز حذفها إذا لقيها ساكنٌ؛ لأن التحريك أولى بها, لأنها ليست من حروف المد واللين, فلما تحركت ثبتت, إلا أن قطرباً حكى حذفها, وحكى سيبويه حذف النون من لكن في الشعر, كما قال:
ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
٥٢٣- وكتبوا ((ألا)) متصلاً, وقد كتب في المصاحف متصلاً في مواضع ومنفصلاً في أخرى, واختلف النحويون في علة الحذف, وهو الذي يستعمله الكتاب.
ورأيت علي بن سليمان لا يجيز إلا الانفصال, لأنها ((أن)) دخلت عليها ((لا)) .
стр. 158
ومن النحويين من يقول: إن أدغمتها بغنة أثبت النون, وإن لم تأت بالغنة حذفتها.
ومنهم من يقول: إن رفعت ما بعدها كتبتها مفصولةً لا غير, نحو قوله جل وعز: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً﴾ , لأن التقدير أنه لا يرجع, وقيل: التقدير أن ليس يرجع؛ وإن نصبت ما بعد ((لا)) كتبتها متصلةً, نحو: ﴿حقيقٌ على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ .
٥٢٤- وكتبوا ((لئلا)) بحذف النون وإثبات الياء اصطلاحاً قديماً, وكان القياس كتبها بالألف, لأنها همزةٌ مبتدأٌ بها في الأصل, وهي ((أن)) , فالنون فيها أيضاً من الأصل.
٥٢٥- وكتبوا: لئن قمت لأقومن, بالياء, وكان القياس كتبها بالألف لأنها همزةٌ مبتدأٌ بها في الأصل, وقد قيل: فرقوا بينها وبين ((لأن)) , وقيل: فعل هذا اتباعاً للمصحف.
٥٢٦- وكتبوا ((هلا)) موصولاً, و ((بل لا)) مفصولاً, والفرق بينهما أن ((لا)) إذا دخلت على ((هل)) تغير معناها, وصار المعنى التحضيض, وإذا دخلت ((لا)) على ((بل)) فمعنى ((بل)) موجودٌ, وإن كان ((لا)) قد أفادت معنى الإباء, كما تقول: جئت كي تكرمني, وجئت كي لا تلومني؛ فـ ((لا)) ها هنا مفصولةٌ؛ فإن قلت: ((كيما)) فهي موصولةٌ؛ لأن ((ما)) زائدةٌ للتوكيد.
٥٢٧- وحكى بعض أهل اللغة أنه يكتب ((عما)) إذا كانت بمعنى
стр. 159
((ما)) صلةً أو غير صلة موصولةً للادغام, وحكى: سله عما صار إليه, موصولاً. وهذا خطأٌ, لو وجب أن يكون الادغام علةً للوصل لكتبت الشمس بغير لام, وهذا ما يتفاحش ويخرج من الغاية.
٥٢٨- والصواب أن يقال فيه: كان يجب أن تكون ((ما)) مفصولةً في كل موضع, لأنها على حرفين تنفصل مما قبلها, ولكنهم شبهوها إذا كانت صلةً أو كافةً بما لا ينفصل من المضمر.
٥٢٩- ومن النحويين من يقول: أرادوا الفرق بين ((ما)) إذا لم تكن اسماً, وإذا كانت اسماً فتكتب: ((بينما زيدٌ قائمٌ أقبل عمرو)) , موصولةً, لأنها ليست اسماً, وتكتب: ((بين ما قلت وقال زيدٌ بونٌ بعيدٌ)) , مفصولةً, لأنها بمعنى الذي.
٥٣٠- وكذا: ((عجبت من ما صنعت, وأعرضت عن ما قلت)) , وكذا: ((أين ما كنت تعد)) , وكذا: ((إن ما عندك يعجبني)) , و ((أي ما عندك أفضل)) , و ((أي ما تراه أوفق)) , و ((رغبت في ما عندك)) , وكذا ((اجعل هذا مع ما عندك)) أي: مع الذي عندك, وكذا ((عن ما سألت)) , و ((من من طلبت)) مفصولاً لأن ((ما)) اسمٌ, وكذا: ((سل عن من أحببت)) , و ((أنا أرغب في من رغبت)) .
وإذا لم يكن اسماً فهي موصولةٌ في أكثر المواضع, قال الله جل وعز: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ , وكذا ((أيما الرجلين لقيت)) , وكذا: ﴿إنما إلهكم الله﴾ , وقال الشاعر:
стр. 160
وقال العذارى أنما أنت عمنا ... وكان الشباب كالخليط نزايله
و ((كأنما زيدٌ أميرٌ)) متصلٌ, وقال الله : ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ و ((ربما زرتنا)) , قال الله: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ ، و ((أينما تمض أمض)) ، قال الله جل وعز: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ ، و ((مهما تصنع أصنع)) ، قال الله جل ثناؤه: ﴿وقالوا ومهما تأتنا به من آية﴾ ، وكذا ((كلما جئتني أكرمتك)) ، قال الله جل وعز: ﴿كلموا أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ .
فإن قلت: ((كل ما يسرني يسرك)) فصلت، لأن معنى ((ما)) بمعنى ((الذي)) . وإنما تكتب ((كلما)) متصلة إذا كانت بمعنى ((إذا)) . فإن قلت: ((إنَّ ما عندك يسرني)) فصلت، لأن ((ما)) اسم.
وتقول: ((نعم ما فعلت)) ، و ((بئس ما فعلت)) جاز الاتصال والانفصال، فمن وصلها جعلها بمنزلة ((حبذا)) ، ومن فصل قال: المعنى: بئس الشيء. وقال الكسائي والفراء: إذا جاوزت نعم وبئس فصلت لا غير، نحو: لحسن ما فعلت، ولسرع ما جئت.
٥٣١- وأما ((كيما)) فموصولةٌ، وحكى الكوفيون معناها: ((كما)) وسيبويه يمنع من ذلك، وحكى ما بعد ((كما)) من الفعل
стр. 161
المستقبل مرفوعاً.
و ((كيلا)) موصولةٌ.
وتقول: ((إنما تكلمني أكلمك)) فتصلها، لأنها ليست باسم، وهذا من الاصطلاح القديم.
٥٣٢- فأما على حقيقة النظر، فالقول ما قال علي بن سليمان في الفصل يدلك على ذلك أنك لو قلت: قام ما عمرو، وكان ما زيدٌ قائماً، لم يجز أن تكتب إلا مفصولاً، وإن كانت ((ما)) ليست اسماً. فإن قلت: كان ما زيداً أخوك، لم تكتب إلا مفصولاً، وإن كانت ليست اسماً. وقيل: أرادوا ها هنا الفرق بين ((ما)) الفاصلة وغير الفاصلة، ويكتبون: رب ما رجل صالح قد رأيت، وربت ما دار كبيرة قد ملكتها، وبالفصل، و ((ما)) ليست باسم.
فإن جعلت ((ما)) استفهاماً ومعها حرف خفض حذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر، فتقول في الخبر: ((سل عن ما أردت)) ، و ((تكلم في ما أحببت)) ، وتقول في الاستفهام: ((إلام تكدح)) ، و ((عم تسأل)) ، و ((فيم جئت)) ، و ((بم تقاتل)) و ((علام أنت ها هنا)) .
فإن وقفت وقفت بالهاء لا غير، وكذا يجب أن يكون في الخط بالهاء، لأن الخط مبني على الوقوف، تقول: لمه، وإلامه؛ وإنما هذا في حروف الجر خاصة، أعني الوصل، فأما ما كان لا يخفض بالإضافة فمفصولٌ، تقول: ((صاحب مه؟)) ، فإن وصلت قلت: ((صاحب م أنت؟)) والكتاب بالهاء في هذا كله أوكد، وكذا: ((م أنت)) ، مثل:
стр. 162
((من أنت)) .
وحكى الكوفيون أن مثلاً ينصب في كل موضع فيصير كحروف الخفض فيكتب على الاتصال نحو: ((مثلم أنت)) . فإن قلت: ((خلف م رأيتك)) فصلت بإجماع، وكتبت بالهاء لا غير.
ومن الاصطلاح القديم
٥٣٣- ((سل عم شئت)) ، و ((خذه بم شئت)) ، و ((مم [و] فيم شئت)) بحذف الألف مع ((شئت)) وحده لا غير، وإن كانت ((ما)) بمعنى ((الذي)) ، فإن جئت بغير ((شئت)) أثبت الألف، فقلت: ((تكلم بما أحببت)) و ((قل في ما بدا لك)) .
٥٣٤- وكتبوا ((يومئذ)) و ((حينئذ)) و ((ليتئذ)) موصولةً، وكذا ((ويلمه)) إذا لم تهمز.
٥٣٥- وأما كتبهم مما وعما وفيما موصولةً في كل موضع فغلطٌ لم يجر على الأصل ولا اصطلاح قديم، وكذلك ((إن ما عندك يعجبني)) مفصولٌ لا غير، واحتجاج من احتج بأن حروف الجر مع الاسم شيءٌ واحدٌ غلطٌ، لأنهم قد أجمعوا على أن كتبوا: ((كن في من رغبت إليه)) مفصولاً، واحتجاج من احتج بخط المصحف لا معنى له، فقد كتب في المصحف: ﴿إن ما توعدون لأت﴾ مفصولاً على ما يجب، لأن ((ما)) بمعنى ((الذي)) .
стр. 163
باب حذف الهمز
٥٣٦- اصطلحوا قديماً على حذف الهمز، إذا قالوا: ((مر فلاناً بكذا)) ولو جاء على الأصل لقيل: اؤمر مثل أوجر فلاناً، وكذا سل فلاناً، ولو جاء على الأصل لقيل: اسأل، فإن كان قبله واو أو فاء جاؤوا به على الأصل، فقالوا: وامض إلى فلان فاسأله عن كذا، وأمره بما تريد، ولو جاؤوا بأحدهما في موضع صاحبه لجاز. فأما: خذ وكل فلا يستعملان إلا بالحذف.
٥٣٧- وكتبوا: ائذن لفلان على ما يجب, فإن جاؤوا بالواو والفاء حذفوا, فقالوا: ادخل وأذن لفلان لا غير, فإن جاؤوا بثم أثبتوا, فقالوا: ادخل ثم ائذن لفلان؛ والفرق بين الواو والفاء وثم أن ثم يوقف عليها.
٥٣٨- ونظير الحذف والإثبات قولهم: امرؤٌ وامرأةٌ, فإذا جاؤوا بالألف واللام, قالوا: المرء والمرأة, والقياس الامرؤ والامرأة؛ وذلك جائزٌ.
٥٣٩- واختلف النحويون في حذف الهمزة للاستفهام من الخط مع الألف واللام, ومع ألف القطع, وكان الكسائي والفراء يحذفانها في الخط؛ تقول: أالرجل قال ذاك, ﴿ءالذكرين حرام أم الانثيين﴾ ؛ وكذا أأبو محمد قال ذاك؟ أأخوك جالسٌ؟ وعلتهما الكراهة للجمع بين صورتين. فزعم الكسائي أن الساقط منهما ألف
стр. 164
الاستفهام لأنها دخيلٌ, ورد هذا عليه الفراء, قال: لأن ألف الاستفهام دخلت لأنها دخيلٌ لمعنىً, فإذا أسقطها سقط المعنى, فتركت الثانية, وكذا إن كانت ثلاث ألفات لم يجز أن تكتب إلا بألف واحدة, نحو قولك: سواءٌ علي أآمنت أو لم تؤمن, تكتب بألف واحدة عند الكسائي والفراء, وشبهاه بقولك: أخذت عطآ, وسمعت ندآ بألف واحدة, وكان سبيله أن يكون بثلاث ألفات. وقال البصريون: لا يجوز أن يكتب هذا إلا بألفين.
قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول: لا يجيز البصريون أن يكتب هذا إلا بألفين, تقول: اشتريت رداءً, كما أنه لا يجوز في قولك: رأيت زيداً, أن تحذف منه الألف.
٥٤٠- قال أبو جعفر: ورأيت بخط أبي إسحاق مما كتب به إلي مثل هذا بألف واحدة.
٥٤١- فإن أدخلت على ألف الوصل ألف الاستفهام, لم يجز عند الجميع أن تكتب إلا بألف واحدة, إلا أن الأخرى تسقط في اللفظ, تقول: آبنك قال كذا؟ آسمك زيدٌ؟، ووقع في كتاب أحمد بن جعفر في هذا غلطٌ قبيحٌ، قال: أابنك قال ذاك؟ أاسمك زيدٌ؟ قال: هذا بألفين. وهذا الذي قاله لا يجوز عند أحد علمته، قال الله : ﴿أصطفى البنات على البنين﴾ ولا يجوز: أاصطفى، وكذا ﴿أطلع الغيب﴾ .
وعلة الكوفيين في كتبهم: ((أخذت عطاءك)) بألف واحدة، أنهم
стр. 165
كرهوا أن يجمعوا بين صورتين= غلطٌ، لأنهم يكتبون مؤونةً بواوين، وكذا صؤولٌ وقؤولٌ، فكما جاز الجمع بين واوين جاز الجمع بين ألفين، وكذا سواءٌ علي أآمنت أو لم تؤمن، بألفين عندهم لا غير، والأصل ثلاث ألفات، فأسقطوا واحدةً تخفيفاً، وكذا: بنيت بناءً، وابتعت كساءً، وكذا براآتٌ بألفين لا غير، والأصل ثلاث ألفات.
٥٤٢- قال محمد بن يزيد: تكتب في غير النصب والتنوين بألف واحدة، يعني: أنك تكتب مررت بردآ، بألف واحدة، وكذا برآه، لأنهما ألفان، فتحذف إحداهما، وكذا: رأيت حمرآ وصفرآ وبيضآ؛ وقد قرأ حمزة ﴿بما لا يسمع إلا دعآ وندآ﴾ ممدودٌ بغير همز إذا وقف عليه، فعلى هذه اللغة يكتب بألف واحدة، غير أنها لغةٌ شاذةٌ لا ينبغي أن يقرأ بها، ومن يقرأ قراءة حمزة فالاختيار له أن يصله ولا يقف عليه.
٥٤٣- ومن العرب من يقول: شربت ماياً يا هذا، فيبدل من الهمزة ياءً، فإن أضفت ألحقت في موضع الرفع واواً، وفي موضع الخفض ياءً، ولا اختلاف في ذلك؛ فقلت: هذا عطاؤك، ومررت بردائك؛ وتقول في النصب: رأيت عطاءك، بألفين عند البصريين، وواحدة عند الكسائي والفراء، فإن قلت: هذان رداآن وعطاآن، كتبته بألفين لا غير عند البصريين، وقد حكى سيبويه: رداوان، فإن قلت حمراوان لم يجز غير هذا عند البصريين، فرقاً بين المذكر والمؤنث، فإن أدخلت ألف
стр. 166
الاستفهام على همزة مضمومة أو مكسورة، فالاصطلاح أن تكتب المضمومة واواً، والمكسورة ياءً، نحو: ((أؤنبيك أيذا)) ، والقياس أن تكتب بألفين، وهو الصواب، لأنها ألفٌ مبتدأةٌ دخلت عليها ألف الاستفهام، فإن فرقوا بين ألف الاستفهام وبين الهمزة كتبت بألفين لا غير، وإن كانت مكسورةً أو مضمومةً، نحو: ((أإذا)) ؛ فإن أدخلت ألف الاستفهام على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وأيوب كتبت بألف واحدة عند الكسائي والفراء، وكان القياس على قولهما إذا قلت: ((أإبراهيم قال ذاك؟)) أن تكتب بعد الهمزة الأولى ياءً، كما فعلت في ((أيذا)) إلا أنهم فرقوا بينهما، فقالوا: الحذف في الأسماء الأعلام أحسن، لأنهم يحذفون منها في التصغير, قالوا: بريه, وهي أيضاً لا تنصرف, فأما قول البصريين فسليمٌ من التعقيد والتخليط, صحيحٌ في المعقول يكتبون أإبراهيم قال ذاك؟ بألفين, وكذلك أإذا لأنهما واحدٌ في أنهما مبتدأٌ بهما, ثم دخلت عليهما ألف الاستفهام.
باب مختصر ما تكتب عليه الهمزة
٥٤٤- نملي هذا الباب عن أبي الحسن بن كيسان على نص كلامه, إذ كان قد جوده وأتقنه؛ قال أبو الحسن بن كيسان: الهمزة حرفٌ من الحلق مثل العين, إلا أنها أبعد منها مخرجاً, ولا صورة لها في الخط, إلا أن تستعار لها صورة الياء والواو والألف, لأنها تخفف وتبدل منهن,
стр. 167
فكتبت بصورتهن, وربما لم يثبتوا لها في الخط صورةً, وأنا مبينٌ لك ذلك بقول مجتمعٌ عليه.
٥٤٥- اعلم أنهم اجتمعوا على أن يكتبوها في أول الكلمة ألفاً, وكل ألف في أول الكلمة همزةٌ, والألف نفسها لا يبتدأ بها, وذلك قولك: أبٌ وأخٌ وأمٌ وإبلٌ وأكلٌ.
وإن دخلت عليها ألف الاستفهام كتبت ألف الاستفهام وحذفت هي من الخط, فتقول: آبوك خرج, آمك, آخوك؛ يكتب هذا كله بألف واحدة, كذا جرى عليه الكتاب, ومنهم من يستوثق فيكتب بألفين, ومنهم من يكتب المضمومة بعد ألف الاستفهام واواً في يعض المصاحف, نحو ﴿أؤلقي﴾ ويكتب المكسورة بعد ألف الاستفهام ياءً, وأكثر المصاحف ﴿أءذا﴾ : ((أي ذالٌ)) . وإن كانت الألف تسقط في الأصل ودخلت عليها ألف الاستفهام سقطت البتة.
٥٤٦- وإذا كانت الهمزة طرفاً في آخر الكلمة يوقف عليه كما يبتدأ بالتي في أول الكلمة, فاكتبها على حركة ما قبلها, فاكتبها بعد الضمة واواً, نحو قولك: جرؤ الرجل, والتهيؤ يا فتى؛ وتكتبها بعد الكسرة ياءً, نحو قولك: هو قارئٌ يا فتى, ومخطئٌ يا فتى, وتكتبها بعد الفتحة ألفاً, نحو قولك: أخطأ الرجل وهو الخطأ. فإن كان ما قبلها
стр. 168
ساكناً لم تكتب لها في الخط صورةٌ, وذلك قولك: المرء, وخبء, والهزء, والجزء, والعبء, والدفء, والملء؛ فهذا المختار.
٥٤٧- ومنهم من يكتب الهمزة التي قبلها حرفٌ ساكنٌ على حركة ما قبلها بالكسر والضم, ولا يكتبها على الفتح؛ فيكتب الخبء والمرء على ما ذكرنا, ويكتب الجزؤ والهزؤ, بالواو, والدفئ والعبئ بالياء.
٥٤٨- ومنهم من يكتبها بعد الضم والكسر على حركتها, ولا يلتفت إلى ما قبلها, فيكتب: هذا عبؤٌ, بالواو وجئته بالجزئ, بالياء؛ فإذا نصبوا هذه الحروف ونونوها كتبوها بألف تكون بدلاً من التنوين, ولم يثبتوا للهمز صورةً, نحو: أعطيته جزءاً, وخبأته خبئاً, وحملته عبئاً؛ لا اختلاف في ذلك.
٥٤٩- قال أبو جعفر: في هذا غلط البصريون, يكتبون هذا بألفين, وكذا ذكر محمد بن يزيد, لأن الهمزة متوسطةٌ, فصورتها ألفٌ لأنها مفتوحةٌ, وبعدها ألفٌ عوضاً من التنوين, فإن لم ينون حمل على ما قدمنا.
فإن اتصل بالهمزة التي تكون طرفاً حروف المكني، نحو قولك: هو يقرؤه، ويخطئه، وقرأه، وهذا قارئهم، وعجبت من التهيؤ لذلك الأمر= اختلفوا في كتابتها: فمنهم من يجعل حكمها حكم الهمزة المتوسطة، ومنهم من يقر الياء والواو على حالها ويختلف في الألف، ومنهم من يقرها، ومنهم من يجعلها واواً إذا انضمت الهمزة فيقول: هو يقرؤه،
стр. 169
فيكتبها بواو واحدة. ومنهم من يكتبها ألفاً على هيئتها في ((يقرأ)) قبل أن تلحقها الهاء. ومنهم من يزيد على الألف واواً، فيجعل مكان الهمزة حرفين: الألف التي كانت في يقرأ والواو التي زادها لزوم الضمة لها؛ وكذلك يفعل في قوله: هذا خطؤه، يكتب بألف واحدة وواو واحدة، وبألف وواو؛ وكذلك الخفض: عجبت من خطئه، بياء واحدة وبألف واحدة، وبألف وياء معاً؛ وأجود ذلك أن تكتب بالواو وحدها في الرفع، وبالياء وحدها في الخفض، ويقر الألف في النصب. هذا ما في الهمزة إذا كانت طرفاً
٥٥٠- وأما الهمزة المتوسطة، فإن سكنت كتبت على ما قبلها؛ تكتب بعد الضمة واواً، نحو قولك: جؤية، ويؤمنون، وجرؤت يا رجل، وتكتب بعد الفتحة ألفاً، نحو قولك: رأسٌ، فأسٌ، وقرأت، وتكتب بعد الكسرة ياءً، نحو: بئر، وذئب، ولم يخطئه.
وكذلك إذا انفتحت كتبت على ما قبلها أيضاً، تكتب بعد الضمة واواً، نحو: الجؤن، وبعد الكسرة ياءً، نحو: المئر؛ وبعد الفتحة ألفاً، نحو: سأل؛ وإذا انضمت كتبت واواً لقوة الضمة، وإذا انكسرت كتبت ياءً، فالواو قولك: لؤم الرجل، والياء قولك: بئس الرجل.
فإن سكن ما قبلها ففيها ثلاثة أوجه، أجودها أن يكتبها على
стр. 170
حركتها، نحو قولك: أسؤلٌ جمع سؤل، وأذؤبٌ وأدؤرٌ، وهذا أسأل منك، تكتبها بالألف لفتحتها، والأفئدة تكتبها بالياء لكسرتها، ومنهم من [لا] يكتب لها صورةً في هذه المواضيع، فيكتب: هو أسل منه أس ل وأ ذ بٌ وأفدةٌ أف د ة. ومنهم من يكتبها ألفاً في كل حالها بجعلها بمنزلة الهمزة المبتدأة، فهي ثلاثة أوجه، الأول أجودها.
وإن كانت الهمزة مكسورةً وبعدها ياءٌ أو واوٌ مضمومةٌ وبعدها واوٌ= كتبت الواو أو الياء ولم تكتب الهمزة، نحو: ريس ومونة، ومنهم من يكتبها بواوين ويائين.
وإن كانت بعد ياء ساكنة أو واو ساكنة أثبتت الواو والياء ولم تثبت هي نحو شنوة وبطية ومشنو وبطي.
وإن جاءت بعد ألف، ولم تكن طرفاً كتبت الهمزة المضمومة بعد الألف واواً، نحو: هذا كساؤك؛ والمكسورة تكتب بعد الألف ياءً، نحو: جئت بكسائه؛ ولا تكتب المفتوحة بعد الألف ألفاً، تقول: رأيت كسآه، فيكتب بألف واحدة.
فإذا كانت قبل الألف وقبلها ضمةٌ كتبت واواً نحو السؤال، وإن كانت مكسورةً كتبت ياءً، نحو: جيآ البرمة، وهو غشاؤها.
فإن كانت قبلها فتحةٌ لم تكتب لها صورةٌ, نحو: شآه ورآه, كما لم
стр. 171
تكتب لها بعد الألف صورةٌ.
وإن انضمت أو انكسرت وانضم ما قبلها وبعدها ياءٌ أو واوٌ, لم تكتب لها صورةٌ, نحو قولك: مخطون ويستهزون وفمالون, هذا المستعمل؛ فإن خففت كتبت على حركتها, وهو الوجه الثاني في الاختيار, وأجاز الكسائي أن يكتبها على حركة ما قبلها.
باب ما في الشكل
٥٥١- أصل الشكل الضبط, ومنه شكلت الدابة, وحكى ابن كيسان, عن محمد بن يزيد, قال: الشكل الذي في الكتب من عمل الخليل, قال: وهو مأخوذٌ من صور الحروف, فالضمة واوٌ صغيرة الصورة في أعلى الحرف لئلا تلتبس بالواو المكتوبة, والكسرة ياءٌ تحت الحرف, والفتحة ألفٌ مبطوحةٌ فوق الحرف.
٥٥٢- وحكى علي بن سليمان, عن محمد بن يزيد: وإن كان الحرف منوناً أتبعت كل شيء فما ذكرنا خطاً.
٥٥٣- وحكى عنه ابن كيسان بصورة النون إلا أنه لطفه.
٥٥٤- قال: وجعل للحرف الساكن صورة الحاء.
٥٥٥- وحكى عنه علي بن سليمان, قال: لأنك تريد أول خفيف, ولا يجوز على هذا أن تجعل هاءً,؛ إلا أن ابن كيسان, قال: استعمل
стр. 172
الناس بعده الهاء, لأن الهاء حرفٌ مهموسٌ يلزم موضعه, فهو مشبهٌ للوقفة على الحرف.
٥٥٦- وجعل التشديد صورة الشين.
٥٥٧- وحكى أبو إسحاق, عن محمد بن يزيد: إن كان مهموزاً أثبت الهمزة كالعين, لقرب مخرجها.
٥٥٨- وحكى عنه: إن أردت أن تقف بالإشمام أثبت أمامه نقطةً, وإن أردت الروم أثبت راء مكان الواو التي تقع للمضموم.
٥٥٩- قال: والإشمام ما ضممت به شفتيك ولم تسمع معه صوتاً, وروم الحركة ما سمعت له مع ضمك لشفتيك صوتاً, كما يستعمل القراء في المرفوع.
٥٦٠- قال: وسمعت أحمد بن يحيى, وقد غلط في هذا, فجعل الروم إشماماً والإشمام روماً, ولا يتهيأ الإشمام في المخفوض ولا المنصوب. والروم في المرفوع حسنٌ لا يكاد يستعمل في المخفوض ولا المنصوب.
باب الاصطلاح المحدث الذي استعماله خطأٌ
٥٦١- من ذلك أنهم كتبوا: لن ((نرجوا)) فلاناً, بألف بعد
стр. 173
الواو, وهذا خطأٌ, لأن الألف إنما تثبت في الجمع للفرق بينه وبين الواحد, وللفرق بين الواو الأصلية والواو الزائدة للجمع.
٥٦٢- فإن قلت: فلانٌ يرجو فلاناً, فهو أيضاً بغير ألف عند البصريين؛ إلا أن الفراء أجاز أن تكتب فيه ألفٌ في موضع الرفع, لأنها واوٌ ساكنةٌ, فجعل لها –زعم- صلةً إذا سكنت, فيلزم على هذا أن تكتب ((لو)) بألف, لأنها واوٌ ساكنةٌ.
٥٦٣- وكتب بعضهم: جاءني ((مسلموا)) القرية بألف, وهذا لا معنى له ولا وجه؛ وكذلك: جاءني مكاتبوا زيد.
٥٦٤- واصطلحوا على أن كتبوا ((إحديهما)) بالياء, وهذا خطأٌ فاحشٌ, لأنه مثل قولك: حبلاه وحبلاك.
وكتبوا: ((وحيوتك)) بالواو, وذا لا معنى له.
وكتبوا: ((يا ؤخي)) بالواو, وهذا خطأٌ, لأن الهمزة مبتدأه, فلا يكتب إلا ألفاً, غير أنها تضم, ولا ينكر الشكل في مثل هذا, للفرق بينه وبين يا أخي.
وكتبوا: ((ثلاث سجلات)) بغير هاء, وهذا خطأٌ, والصواب ثلاثةٌ, لأن سجلاً مذكرٌ, فهو مثل قولك ثلاثة أيام وثلاثة حمامات.
٥٦٥- وكتبوا: ((رحمت)) بالتاء, وإنما تؤنث الأسماء بالهاء.
стр. 174
٥٦٦- واصطلحوا اصطلاحاً محدثاً على أن كتبوا ((عي حديث فلان)) بالياء, وهذا خطأٌ, لأنه أمرٌ.
٥٦٧- وقد ذكرنا كتبهم ((عما)) و ((فيما)) و ((مما)) و ((معما)) موصولات.
٥٦٨- واصطلحوا اصطلاحاً محدثاً على أن فرقوا بين المضاف والمضاف إليه, في قولهم: دفعت إليه كذا وكذا, وحصل منه كذا وكذا, ((حساب في كل شهر عشرون)) .
قال أبو جعفر: وهذا خطأٌ إنما يأتي مثله في الشعر, كما قال:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
وفي هذه المسألة وجوهٌ.
قال أبو جعفر: رأيت علي بن سليمان يختار منها وجهين؛ أحدهما أن يقال: حساباً في كل شهر عشرون, وإن شئت: عشرين, ويجوز أن ترده على ما قبله فتقول: إذا كان قبله حصل أو ما أشبهه قلت: عشرون, على إضمار فعل مثل الأول, ويجوز النصب على هذا أيضاً. والوجه الخامس: الرفع بالابتداء, والاختيار عندي ما قاله أبو الحسن: أن يكون متعلقاً بحساب, ويكون الكلام متصلاً.
стр. 175
٥٦٩- واستعملوا: نشجت في معنى تغنت, ولا يعرف نشجت في معنى تغنت.
٥٧٠- واستعملوا ((احتشم)) بمعنى ((استحيا)) , ولا يعرف ((احتشم)) إلا بمعنى ((غضب)) .
٥٧١- واستعملوا ((يفعل ذلك)) بغير لام الأمر, وهذا الخطأ القبيح الذي ينقلب معه المعنى فيصير خبراً والمراد الأمر, وإن جزم أيضاً فخطأٌ, لأن الأمر للغائب لا يكون بغير لام إلا في شذوذ واضطرار, على أنه قد حكى لنا علي بن سليمان أنه لا يجوز عنده ولا عند أصحابه حذف اللام من الأمر للغائب, لأن الحروف لا تضمر, ولا سيما وعوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء, وإن ما أنشد فيه من الشعر ليس بحجة, لأنه لا يعرف قائله.
ومن الاصطلاح المحدث
٥٧٢- كتبهم: ((أطال الله بقاء سيدنا)) , فسمعت علي بن سليمان يقول: ما أدري مم أخذوا هذا! زعموا أنه أجل الدعاء, ونحن ندعو رب العالمين جل وعز على غير هذا, ومع هذا, ففيه انقلاب المعنى.
стр. 176
٥٧٣- وسمعت علي بن سليمان يقول –ولم أر أحداً من النحويين أعرف بحقيقة هذه الأشياء منه, لأنه من أهل بيت الكتبة؛ يتعجب من قول بعض الكتاب الذين ينتحلون العلم, وقد فرق بين ((فرأيك)) , وبين ((فإن رأيت)) , فجعل ((فرأيك)) لا يكتب إلى جليل, لأنه أمرٌ-: ما أعجب هذا! أتراه لا يعلم أن الإنسان يخاطب الرجل الجليل فيقول: انظر في أمري؛ فيكون لفظه لفظ الأمر, ومعناه السؤال والطلب.
ومن الاصطلاح المحدث
٥٧٤- كتبهم: ((أطال الله بقاءك)) وجعلهم إياه أجل الدعاء, وقد حكى إسماعيل بن إسحاق أنه دعاءٌ محدثٌ, واستدل على هذا بأن الكتب المتقدمة كلها لا يوجد فيها هذا الدعاء, غير أنه قد ذكر أن أول من أحدثه الزنادقة.
٥٧٥- وجعلوا ((أعزك الله)) , أجل من ((أكرمك الله)) وهو من الاصطلاح المحدث, وقد حكي عن الشافعي أنه عوتب على أن قال لنصراني: أعزك الله! فقال: أخذته من عز الشيء, إذا قل.
٥٧٦- ومع هذا فأنا أذكر هذه الأدعية التي قد اصطلحوا عليها, ونذكر ترتيبها على ما تعارفوا عليه, ونذكر ما يحضرنا من حجة, إن كانت لهم أو عليهم, ليكون الكتاب كامل المنفعة.
стр. 177
ونذكر هذا في المرتبة الرابعة تالياً للخط والهجاء, لأنه من شكله, ونذكر فيه التفريق بين مكاتبة الرؤساء والأوساط والدون, ونذكر مكاتبة الفقهاء والمتدينين, والفرق بين النساء والرجال في المكاتبات, وما أشبه ذلك؛ إن شاء الله.
стр. 178
ذكر المرتبة الرابعة
أذكر فيها إن شاء الله ترتيبات اصطلح عليها الكتاب, وأذكر أصول المكاتبات والتفريق فيها, وأصول مكاتبة الرئيس إلى من دونه, ومكاتبته نظيره, والمرؤوس رئيسه.
وأذكر من يكاتب عنه بالتصدير ممن خص بذلك اصطلاحاً, وأذكر مكاتبة الرجل ابنه, وأذكر مكاتبة الفتيان, ومكاتبة الفقهاء والأدباء, ومكاتبة النساء, وأذكر ترتيبات العنوانات في الدعاء, وإنكار من أنكر ((لأبي فلان)) وإنكار من أنكر كثرة الدعاء إذا عنون, والكتب في الظهور, وأذكر كتبهم ((سلامٌ عليك)) في أول الكتاب, وفي آخره: ((والسلام عليك ورحمة الله)) , ولم قدموا السلام على الرحمة؟ وأذكر العلة في ترتيبهم ((أطال الله بقاءك)) في أول الدعاء, ولم اتبعوا ((أدام الله عزك)) دون غيره؟ وما الذي أوجب عندهم أن يكون ((وتأييدك)) أجل من ((وأعزك)) ؟ ولم كان ((وأعزك)) أجل من ((وأكرمك)) ؟ وكراهة من كره ((وجعلني فداك)) ؛ وهذا نذكره على قول من قال: إنهم لم يجتمعوا على الشيء إلا لعلة؛ لأن باب الإجماع لا يكون عنده إلا كذا.
ثم نتبع ذلك ذكر ((أما بعد)) وما معناها, ونختم ذلك بفصول مستحسنة ورسائل بليغة.
стр. 179
باب ذكر ترتيبات اصطلحوا عليها
٥٧٧- فمن ذلك اصطلاحهم على أن ((أطال الله بقاء سيدنا)) , أجل الدعاء, ويليه: ((أطال الله بقاء سيدي)) , واستقبحوا الخلاف في فصول الكتاب, واستغبوا من فعله, وذلك أن يكتب: ((أطال الله بقاء سيدنا أو سيدي)) , ثم يقول في الكتاب: ((بلغك الله أملك)) فإن رأيت فهذا خلافٌ في الدعاء؛ أو يقول: ((أيد الله سيدي)) ثم يقول: ((أكرم الله سيدي)) .
٥٧٨- واستقبحوا أيضاً أن تكون الأدعية متفقةً, وذلك أن تقول: ((أعزك الله)) ثم تكتب في الفصل الذي يليه مثله.
٥٧٩- واصطلحوا على أن مكاتبة النظير نظيره: فإن رأيت أن تفعل كذا وكذا فعلت؛ ولا يكتبون إليه: ((فرأيك)) ؛ فإن كان دونه قليلاً كتبوا: ((فرأيك)) وكتبوا: فأحب أن تفعل كذا وكذا؛ فإن كان دونه أكثر من ذلك, كتبوا: فينبغي أن تفعل كذا وكذا؛ فإن كان دون ذلك كتب: فافعل كذا وكذا.
٥٨٠- قال أبو جعفر: ورأيت علي بن سليمان ينكر ما مر من كتبهم: ((أطال الله بقاء سيدي)) وقال: هذا دعاءٌ لغائب, وهو جهلٌ باللغة, ونحن ندعو الله جل وعز بالمخاطبة.
وأنكر أيضاً مذهبهم في فرأيك, لأن الطلب يكون هكذا, فأنت
стр. 180
تطلب إلى من هو أجل منك, فتقول: ((فر رأيك في)) فيكون إذا نصبت فرأيك كذا؛ ونحن نذكر الإعراب في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
٥٨١- ومن المستقبح عندهم أيضاً أن تدعو له وتشتمه في كتاب واحد.
٥٨٢- واستعملوا: ((وجعلني من كل سوء ومكروه فداك)) للنظير وللذي يليه: ((وجعلني من السوء فداءك)) والفداء ممدودٌ, وهذا يحكم في المقصور والممدود من هذا الكتاب, إن شاء الله.
باب أصول المكاتبات فأول ذلك مكاتبة الرئيس إلى من هو دونه
٥٨٣- فمن ذلك مكاتبة الإمام:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله أحمد باسمه, وإن شئت من عبد الله أبي العباس الإمام الراضي بالله أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان: سلامٌ عليك, فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو, ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ , وهذا فصلٌ.
следующие страницы →