← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 26803

عمدة الكتاب لأبي جعفر النحاس

أبو جعفر النحاس

Полный текст (433 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٣٥٤- وقال محمد بن يزيد: وأنا أحسب أنه إنما سمي حبراً لأنه تحبر به الكتب، أي: تحسن. باب ذكر الديوان والدفتر والقرطاس والكراسة والإضبارة والسحاءة والخاتم وختم الكتاب وطين الختم والعنوان وتشقيقه وتصريف لغاته وتتريب الكتاب وما يتبع ذلك ٣٥٥- قال أبو جعفر: المعروف في لغة العرب أن معنى الديوان: الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه. كما قال ابن عباس: إذا سألتموني عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب، أي: أصله. ٣٥٦- قال أبو جعفر: ويقال: دون هذا، أي: أثبته واجعله أصلاً. وزعم بعض أهل اللغة أن أصله عجميٌ، وبعضهم يقول عربيٌ. وقد ذكره سيبويه في كتابه، وتكلم على أن أصله دوانٌ، واستدل على ذلك بقولهم في الجمع دواوين، وهذا قولٌ حسنٌ: أبدلوا من إحدى الواوين ياءً، ونظيره دينارٌ، والأصل فيه دنارٌ، وكذا قيراطٌ الأصل فيه قراطٌ.

стр. 107

٣٥٧- فأما الفراء، فزعم أنك إذا سميت رجلاً بديوان وأنت تريد به كلام الأعاجم لم تصرفه. ٣٥٨- قال أبو جعفر: هذا غلطٌ، لأنك إذا سميت رجلاً ديواناً على أنه أعجميٌ لم يجز إلا صرفه، لأن الألف واللام تدخلان فيه، فقد صار بمنزلة طاووس، وراقود، وما أشبههما؛ وإن جعلته عربياًً صرفته أيضاً، لأنه فعالٌ، والدليل على هذا قولهم: دواوين. وديوانٌ بالفتح خطأٌ، ولو كان بالفتح لم يجز قلب الواو ياءًَ، وإن قيل: الياء أصلٌ، فقل: هذا خطأٌ؛ ولو كان كذا، لقيل في الجمع: دياوين، فديوانٌ لا يقال، كما لا يقال: دينارٌ ولا قيراطٌ. ٣٥٩- وقد زعم الأصمعي أن أصله عجميٌ، وروى أن كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا في دار فيعملوا حساب السواد في ثلاثة أيام، فاجتمعوا في الدار واجتهدوا، فأشرف عليهم وبعضهم يعقد وبعضهم يكتب فقال: أبيات ديو أشد، هؤلاء مجانين، فلزم موضع الكتابة هذا الاسم من ذلك الدهر، ثم عربته العرب فقالوا: ديوانٌ. ٣٦٠- وأما الدفتر، فهو اسمٌ عربيٌ، ولا نعلم له اشتقاقاً، وكان أبو إسحاق يذهب إلى أن كل اسم عربي فهو مشتقٌ، إلا أنه ربما غاب عن العالم شيءٌ وعرفه غيره، ويقال: دفترٌ ودفترٌ وتفترٌ، ثلاث لغات. ٣٦١- فأما القرطاس، فإنه يقال بالضم والكسر وجمعه قراطيس، ويقال: قرطسٌ وجمعه قراطيس، وإذا نسبت الرجل إلى أنه يبيع القراطيس، قلت: قرطاسيٌ، وقراطيسيٌ خطأٌ، لا يجوز عند

стр. 108

الخليل وسيبويه، لأنك إذا نسبت إلى جماعة لم يجز النسب إلا إلى واحدها. ويقال: تقرطس قرطاساً إذا اتخذه، وقرطس إذا أتى بقرطاس، وإذا أصاب القرطاس، ومنه يقال: قرطس إذا جود. ٣٦٢- فأما الكراسة، فمعناها: الكتب المضمونة بعضها إلى بعض، والورق الذي ألصق بعضه إلى بعض، مشتقٌ من قولهم: رسمٌ مكرسٌ إذا ألصقت الريح التراب [به] ، كما قال: يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً ... قال نعم أعرفه وأبلساً أبلس: تحير فلم تكن له حجةٌ؛ والرسم: الأثر بلا شخص؛ والكرس أيضاً ما تجمع من الوسخ في موضع القلادة، وانكرس الثور والظبي: إذا دخلا في كناسهما. ٣٦٣- وقال الخليل: الكراسة من الكتب مأخوذةٌ من اكراس الغنم، وهو أن تبول في الموضع شيئاً بعد شيء فتتلبد. ٣٦٤- وأما الإضبارة، فمعناها الجمع، أي: يجمع بعضها إلى بعض، وتضبر القوم: تجمعوا، ورجلٌ مضبرٌ الخلق، أي: مجتمعه، وكذا ناقةٌ مضبرةٌ ومضبورةٌ، وضبر الفرس جمع قوائمه ووثب، ويقال للإضبارة: إضمامةٌ، أي: ضم بعضها إلى بعض.

стр. 109

٣٦٥- وأما السحاءة، فمما كتبناه عن علي بن سليمان، عن يعقوب بن إسحاق صاحب الطوسي، قال: أصل سحوت: قشرت، سحوت سحواً، وسحيت سحياً، وسحيت تسحيةً، وكتابٌ مسحوٌ ومسحيٌ ومسحىً، والسحاءة جمعها سحاء، وحكى غيره: سحايةٌ، ويقال جاء المطر فسحى وجه الأرض، أي قشره، والمسحاة مأخوذةٌ من ذلك. قال النابغة: ردت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد ويقال في مثل: ما لمسحاتك عندي طينٌ، أي: مالك عندي ما ترجو أن تناله. ٣٦٦- ويقال: ما أحسن تسحيته للكتاب، فإن أردت المرة الواحدة قلت: سحى سحيةً، وإن شئت جئت به بالواو. ٣٦٧- ويقال: قد أسحى الكتاب إذا أمكن أن تؤخذ منه السحاءة، وتسمى السحاءة خزامةً، وكل ما شددت به شيئاً فهو خزامةٌ، وأصله: الزيادة، ومنه الخزم في الشعر. ٣٦٨- وأما الخاتم؛ فقد روي فيه أحاديث، ومن العلماء من كره لبسه إلا لذي سلطان، ومنهم من أباح ذلك.

стр. 110

٣٦٩- فمنه ما رواه أنسٌ، قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً، قال: فاتخذ خاتماً من فضة، قال: فكأني أنظر إلى بياضه في يده؛ ونقش عليه: محمدٌ رسول الله. ٣٧٠- وروى ابن عمر، أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتماً من ذهب، وكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع مثله، ثم إنه جلس على المنبر، فنزعه، وقال: ((إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل)) فرمى به، وقال: ((والله لا ألبسه أبداً)) فنبذ الناس خواتيمهم. ٣٧١- وقال الليث: بلغنا أنه اصطنع بعد ذلك خاتماً من ورق. ٣٧٢- وقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : ((تختموا بالعقيق، فإنه مباركٌ)) . ٣٧٣- وروى مجمع بن عتاب بن شمير، عن أبيه، قال: وضأت علي ابن أبي طالب ﵇، وعليه خاتمٌ من ورق ما يقوم بدرهم. ٣٧٤- فهذا كله يدل على إباحة لبس الخاتم لجميع الناس. ٣٧٥- فأما من كره ذلك من العلماء، فمنهم سعيد بن المسيب، فإنه سئل عن شيء في فص خاتم مثل رأس الطير، فقال: ما علمت أن أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ تختم، لا أبو بكر ولا عمر ولا فلان ولا فلان؛ حتى عد ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ . ٣٧٦- وقال جعفر بن سليمان: لم يكن على مالك بن دينار

стр. 111

ولا محمد بن واسع ولا حبيب بن محمد خواتم، وشهدت مالكاً شهد على شهادة، فحل إزاره، فأخرج خاتماً من حديد، فختم به، ثم أدخله إزاره. ٣٧٧- وروى ليثٌ أن عطاء ومجاهداً وطاوساً لا يتختمون. ٣٧٨- وروى أبو ريحانة أن رسول الله ﷺ حرم عشراً: الوشر، والوشم، والنتف، ومكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، والحرير أن تصنعوه [تضعوه؟] من أعلى ثيابكم كما تصنعه [تضعه؟] العجم، والنمر والنهية والخاتم إلا لذي سلطان. ٣٧٩- قال أبو جعفر: الوشر أن تشر المرأة أسنانها حتى تحددها. والوشم أن تغرز ظهر كفها ومعصمها بإبرة ثم تحشوه بالكحل. والمكامعة المضاجعة، مشتقٌ من الكميع، وهو الضجيع، وزوج المرأة كميعها. ٣٨٠- وقد يروى المكاعمة، قال أبو عبيدة: المكاعمة أن يلثم الرجل صاحبه، أخذ من الكعام كعام البعير، وهو أن يشد فمه إذا هاج. ٣٨١- وقال غيره: هو ضم الشيء إلى الشيء، مشتقٌ من عكمت الثياب. ٣٨٢- والنمر، هو: النهي عن الركوب بجلود النمر، وهو مبينٌ في حديث أبي ريحانة هذا أن النبي ﷺ نهى عن الركوب بجلود النمور. ٣٨٣- فأما النهي عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان، فيجوز أن يكون منسوخاً، ولا سيما مع حديث أنس، قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم، فقيل: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم،

стр. 112

فاتخذ خاتماً من فضة؛ فدل على أنه اتخذه عند حاجة إليه. ٣٨٤- وأيضاً، فمن صحيح الأسانيد ما رواه يحيى بن القطان، عن عبد الله، قال: حدثني نافعٌ، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب، وجعل فصه مما يلي كفه، فاتخذه الناس، فرمى به واتخذ خاتماً من ورق. وهذا إسنادٌ لا مطعن فيه، ففي هذا الحديث دليلٌ على أن المسلمين كانوا يفعلون كما يفعل رسول الله ﷺ اقتداءً به، ودل هذا على إباحة الخواتيم لجميع الناس إلا ما كان من الذهب، فإن أكثر العلماء على كراهته، ولو لم يكن فيه إلا ما رواه عبد الله بن جبير، قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس المعصفر وعن قراءة القرآن في الركوع وعن التختم بالذهب. ٣٨٥- وفي خاتم أربع لغات، يقال: خاتمٌ، وخاتامٌ، وخيتامٌ، والرابعة خاتمٌ بالكسر، إلا أن الرابعة لغةٌ رديئةٌ، لأنها تشكل بقولهم: ختمت الكتاب، فأنا خاتمٌ؛ وجمع خاتم وخاتم خواتم، وهذه سبيل فاعل إذا كان اسماً غير نعت؛ وجمع خاتام خواتيم، وجمع خيتام خياتيم، ويقال: استختم الكتاب إذا بلغ أن يختم، وحكي اختتم بهذا المعنى. ويقال: أختمت الكتب، أي: وجدتها مختومةً، مثل أحمدت فلاناً، أي: وجدته محموداً. ويقال: الكتاب في الختم والختام، ولا يقال: في الخاتم. ويقال: أول من ختم الكتاب سليمان صلى الله عليه، وأن معنى ﴿كتابٌ كريمٌ﴾ مختومٌ، ويقال: فض الكتاب: إذا كسر خاتمه؛ ومعنى الفض في

стр. 113

اللغة: التفريق والكسر، ومنه انفض القوم، ومنه لا يفضض الله فاك؛ وإن شئت قلت: لا يفض بالكسر والفتح والضم. ٣٨٦- قال أبو جعفر: ورأيت بعض النحويين قد جعل في كتابه أن معنى لا يفضض الله فاه: لا جعله الله فضاء لا أسنان فيه، لأن الفضاء المكان الواسع، وهذا غلطٌ في الاشتقاق، لأن لام الفعل من الفضاء ليست ضاد، ولام الفعل من فض ضادٌ، وهذا من أقبح الغلط، ولا سيما ممن يدعي الرياسة في النحو. ٣٨٧- ويقال: هو فص الخاتم، والجمع القليل أفص، والكثير الفصوص والفصاص. ٣٨٨- وأما طين الكتاب، فالفعل منه: طنت الكتاب أطينه طيناً، فأنا طائنٌ، وقد طين الكتاب، وإن شئت أشرت إلى الضمة كما قرأ نافعٌ: ﴿سيء بهم﴾ . ٣٨٩- وحكى النحويون: طون الكتاب، والأصل: طين، قلبت الياء واواً، والكتاب مطينٌ، قال المثقب: فأبقى باطلي والجد منها ... كدكان الدرابنة المطين ويجوز مطيونٌ ومبيوعٌ، هذا في ذوات الياء، ولا يجوز في بنات الواو، خاتمٌ مصووغٌ لثقل الواو، هذا قول البصريين، فأما الكوفيون، فأجازوا ذلك.

стр. 114

٣٩٠- وحكى الكسائي والفراء أيضاً: مطونٌ ومبوعٌ، على قولك قد طون، ورجلٌ مهوبٌ. ٣٩١- ويقال: طينت الكتاب تطييناً، إذا أعدت عليه الطين مراراً؛ والتي يجعل فيها الطين مطينةٌ، بكسر الميم. ٣٩٢- العنوان: أما العنوان، ففيه لغاتٌ أفصحها عنوانٌ، ويقال: علوان، ويقال: عنيانٌ وعنيانٌ، وفي الفعل منه خمس لغات: عنونت الكتاب عنونةً وعلونته علونةً وعننت بنونين، الأولى منهما مشددةٌ، تعنيناً وعنيت تعنيةً بنون مشددة بعدها ياء، والخامسة عنوت الكتاب أعنوه عنواً وعنواً، ويقال منه: يا عان أعن كتابك، مثل دعا يدعو؛ وجمع عنوان عناوين، وجمع علوان علاوين. ٣٩٣- فأما الاشتقاق، ففي بعضه اختلافٌ عن النحويين، وقد علق الكتاب ببعض أقاويلهم حتى صار أكثرهم لا يعرف غيره، فهم يعرفون أن العنوان الأثر، فالعنوان يبين أثر الكتاب ممن هو وإلى من هو. وقال الشاعر يرثي عثمان بن عفان ﵁: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا ٣٩٤- وزعم بعضهم أن العنوان مأخوذٌ من قول العرب: عنت الأرض تعنو إذا أخرجت النبات وأعناها المطر، إذا أخرج نباتها، فيكون

стр. 115

عنواناً على هذا فعلاناً، ينصرف في النكرة ولا ينصرف في المعرفة، وقيل: هو مشتقٌ من عن يعن، إذا عرض وبدا، فعلى هذا ينصرف في المعرفة والنكرة، لأنه فعوالٌ، ومن قال: علوانٌ، أبدل من النون لاماً، مثل صيدلانيٌ وصيدنانيٌ، فيكون الاشتقاق واحداً. ٣٩٥- وفي الحديث، أن معاوية قال لبعض الوفود، ورأى أجساماً ضخمةً: ما هذه الفدامة منكم؟ قالوا: عنوانٌ نعم الله علينا. ٣٩٦- وقيل: علوانٌ، مشتقٌ من العلانية، لأنه خطٌ مظهرٌ على الكتاب. ٣٩٧- ورأيت محمد بن الوليد ينكر أن يعنون على كتاب لأبي فلان، وقال: الصواب: إلى أبي فلان، قال لأن الكتاب إليه لا له، ولا يجوز لأبي فلان إلا على مجاز بعيد. والصواب ما قال، وأكثر العلماء من الصحابة عليه كما روى ابن سيرين، عن ابن عمر، قال: يكتب الرجل: من فلان إلى فلان، ولا يكتب لفلان. ٣٩٨- قال: وكتب رجلٌ عند ابن عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، لفلان بن فلان؛ فقال ابن عمر: مه! إن اسم الله جل وعز هو له إذن!. ٣٩٩- وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن

стр. 116

الرحيم، لفلان بن فلان؛ وكانوا يكرهونه في العنوان. ٤٠٠- قال أبو جعفر: ولا أحفظ عن أحد من المتقدمين أنه رخص في أن يكتب لأبي فلان في عنوان ولا غيره. ٤٠١- فأما ابتداء الإنسان بنفسه وكتبه: من فلان إلى فلان، أو إلى أبي فلان، فابتداؤه بالمكتوب إليه ففيه اختلافٌ بين العلماء في العنوان وصدر الكتاب، فأكثر العلماء يرى أن يبدأ بنفسه، لأن ذلك عنده هو السنة. ٤٠٢- كما روى ابن سيرين، أن العلاء بن الحضرمي كتب إلى رسول الله ﷺ ، فبدأ بنفسه. ٤٠٣- وكان ابن عمر يقول لغلمانه وولده: إذا كتبتم إلي فلا تبدؤوا بي؛ وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه. ٤٠٤- وقال يحيى بن سعيد: قلت لسفيان الثوري: اكتب إلى أمير المؤمنين –يعني: المهدي- قال: إن كتبت إليه بدأت بنفسي؛ قلت: فلا تكتب إليه إذن. ٤٠٥- قال أبو جعفر: وقال الربيع بن أنس: ما كان أحدٌ أعظم حرمةً من رسول الله ﷺ ، وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدؤون بأنفسهم. ٤٠٦- قال أبو جعفر: فهذا عند أكثر الناس الإجماع الصحيح، لأنه إجماع الصحابة، ثم جرت عادة الناس على غير هذا في العنوان والتصدير إلا في أشياء خواص قد اصطلح الكتاب عليها.

стр. 117

منها أن الكتاب إذا كان من إمام كاتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله فلان أو أبي فلان الإمام –ثم يذكر صفته التي يسميها العامة لقبه: أمير المؤمنين- إلى فلان بن فلان: سلامٌ عليك، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو –ويسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ ثم يقال: أما بعد؛ فإن كذا وكذا؛ ويؤتى على المعنى. ٤٠٧- وكذا ولي العهد، يبدأ بنفسه، وهذه الكتابة التي يجب أن تستعمل مع كل واحد، وأن يبدأ الإنسان بنفسه. ٤٠٨- ثم وقع الأمر على غير ذلك وغير، وكان هذا من أسهل ما غير؛ لأنه شيءٌ قد اختلف فيه العلماء ورخص فيه جماعةٌ منهم. ٤٠٩- كما روي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية. ٤١٠- وقال محمد بن الحنفية: فلا بأس أن تبدأ بالرجل إذا كتبت إليه. ٤١١- وروى حميدٌ، عن بكر بن عبد الله، أنه كتب إلى عامل في حاجة، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى فلان من بكر؛ فقلت له: أتبدأ باسمه! قال: فما علي أن أرضي صاحبي وأقضي حاجة أخي المسلم. ٤١٢- وروى ضمرة، عن أبي شوذب، قال: قلت لأيوب السختياني: إن لي إلى عبد الرحمن بن القاسم حاجةً، وقد أردت أن أكتب إليه، قال:

стр. 118

فابدأ به. ٤١٣- قال أبو جعفر: فجاز على هذا أن يكتب إلى أبي فلان من فلان بن فلان. ٤١٤- وقد ذكرنا إنكار من أنكر أن يكتب على العنوان لأبي فلان، والقول كما قال، لأن الكتاب إليه لا له، إلا أنه يجوز على وجه يحتال فيه، وذلك أن تكون اللام بمعنى إلى، فقد قال قومٌ في قول الله : ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ معناه: إليها. وأنشد أبو عبيدة: وحى لها القرار فاستقرت ٤١٥-فإن أعدت الكنية خفضت على البدل، ويجوز الرفع على إضمار مبتدإ، ويجوز النصب بمعنى: أعني؛ وفي إعادة الكنية معنى التعظيم والتبجيل. وأنشد سيبويه: لا أرى الموت يسبق الموت شيءٌ ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا ٤١٦- فأما تتريب الكتاب فإنه محمودٌ عند العلماء، كما روى جابرٌ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((إذا كتب أحدكم كتاباً فليتربه، فإن

стр. 119

التراب مباركٌ وهو أنجح للحاجة)) . ٤١٧- وقال عمر ﵁: تربوا الكتاب. ٤١٨- ويقال: أتربت الكتاب وتربته بمعنى واحد, كما يقال: أكرمته وكرمته. قال زهيرٌ: ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ٤١٩- ويقال: ترب الرجل: إذا افتقر, واشتقاقه أنه كأنه صار إلى التراب؛ وأترب استغنى, معناه: أنه كثر ماله حتى إنه صار كالتراب؛ وأكثر الاستعمال: أتربت الكتاب, فوافق لفظه لفظ أترب, إذا استغنى. ٤٢٠- وفي التراب لغاتٌ, يقال: ترابٌ وتوربٌ وتورابٌ وتيربٌ, وبمعناه يقال: بفيه الأثلب والأثلث, أي: التراب, وكذا الكثيب والكثكث والدقعم والدقعاء والرغام, ومنه: أرغم الله أنفه, أي: أذله حتى يلصق بالتراب, والبرى مقصورٌ والكلحم والكملح والعثير.

стр. 120

باب ذكر الإملاء وحقيقة معناه عند العرب ٤٢١- يقال: أمليت الكتاب إملاءً وأمللت إملالاً, جاء القرآن بهما جميعاً, قال الله جل وعز: ﴿فليملل وليه بالعدل﴾ فهذا من أمل, وقال جل ثناؤه: ﴿فهي تملى عليه﴾ فهذا من أملى, فيجوز أن تكونا لغتين بمعنىً واحد, ويجوز أن يكون أصل أمليت أمللت, فاستثقلوا الجمع بين حرفين على لفظ واحد, فأبدلوا من أحدهما ياءً, كما يقال: تظينت. وسألت أبا إسحاق عن ذبيان, فقال: هو من ذب عنه يذب الأصل ذبان, فأبدلوا من إحدى الباءين ياءً؛ وهذا قولٌ حسنٌ, ما علمت أن أحداً سبقه إليه, فإذا كانتا لغتين بمعنىً واحد, كان أصل أمليت من قولهم أمليت لفلان, وأملى الله له, أي: أطال له في العمر, ومنه: ﴿وأملي لهم إن كيدي متين﴾ فيكون معنى أمليت الكتاب على فلان: أطلت قراءتي عليه في الحروف حتى يفهمها ويكتبها, ومنه تمل حبيبك, وقال متمم بن نويرة: كهولٌ ومردٌ من بني مالك معاً ... وأيفاع صدق لو تمليتهم رضا ويكون هذا مشتقاً من الملي, والملي: القطعة من الدهر الطويلة, قال الله جل وعز: ﴿واهجرني ملياً﴾ ويقال: ملاوةٌ وملاوةٌ. والملوان: الليل والنهار, كما قال:

стр. 121

أمل عليها بالبلى الملوان ويجوز أن يكون: أمللت من أمل أيضاً, إذا طال. باب ذكر آلات الكتابة وحسنها وقبحها وتبيينها وفسادها وقرمطتها وتفسيحها ٤٢٢- فمن آلات الكتابة حسن الخط, وتقديره, وما يستحسن فيه ويستقبح, ومعرفة الأضداد مما يقع في الكتب والرسائل والخطب, والبلاغة, والمعرفة بترتيب الأعمال, والدربة بوجوه استخراج الأموال مما يحل ويحسن ويسع؛ فهذه آلات الكتابة داخلةٌ فيها لا تنحاز عنها, ولا تنفرد باسم؛ لا يدخل في جملتها, وليس كذا, صناعة الحساب والمساحة, والمعرفة بإجراء المياه والنجوم, والمعرفة بالفقه والفرائض, والعلم بالأنساب, والعلم بالنحو واللغة؛ فهذه أشياء تنفرد بذاتها, فيقال: الفقيه, والحاسب, والماسح, والنحوي, والنسابة؛ وإن كان يستحب للرئيس في الكتابة أن ينظر فيها. ٤٢٣- ومن أحسن ما سمعت في هذا الذي حكاه لنا علي بن سليمان, قال: سمعت محمد بن يزيد يقول: ينبغي لمن يحب العلم أن

стр. 122

يفتن في كل ما يقدر عليه من العلوم, إلا أنه يكون منفرداً غالباً عليه منها علمٌ يقصده بعينه ويبالغ فيه. ٤٢٤- وقال الأصمعي: ما أعياني إلا المنفرد. ٤٢٥- قال أبو جعفر: وقد ذكرنا أمر الخط العربي وأصله, فأما التقدير فيه وما يستحسن ويستقبح, فهذا موضع ذكره. ٤٢٦- فمن حسن تقدير الكاتب أن يكون المضاف والمضاف إليه في سطر لا يفرق بينهما, نحو: دار عمرو, وكذا أعزه الله, لا يقطعه, وكذا أحد عشر, لأنهما بمنزلة اسم واحد. ٤٢٧- ويستحسنون المشق في السين والشين, إلا في أواخر الكلام, نحو: الناس والبأس؛ وأصل المشق في اللغة الخفة, يقال: مشقه بالرمح, ومشق الرجل الرغيف: إذا أكل أكلاً خفيفاً, فمعنى مشق الكاتب: خفف يده, وهو اختيارٌ محدثٌ. ٤٢٨- فأما رؤساء الكتاب المتقدمون, فكانوا يكرهون المشق كله وإرسال اليد فيه, ويقول بعضهم: هو للمبتدئ مفسدةٌ لخطه, وللمنتهي دليلٌ على تهاونه بما يكتب. ٤٢٩- وقد كره الفقهاء أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بغير سين, وقد ذكرنا ما روي في ذلك. ٤٣٠- ويستحسنون إذاً توالت السين والشين في كلمة أن يقدر الكاتب فصلاً بينهما بمدة.

стр. 123

٤٣١- ويستحسنون التقدير في كتابة بين أو بير أو ما أشبهها أن ترفع الوسطى من الثلاث للفرق بين ذلك وبين السين والشين. ٤٣٢- ويستحسنون أن تكون الكاف غير مشقوقة, وأقبح ما تكون مشقوقةً إذا كانت طرفاً عندهم, ويجيزون تعليمها إذا كانت مبسوطةً ولا تعلم طرفاً. ٤٣٣- ويستحسنون أن تكون الألفاظ سهلة سمحةً غير بشعة, ومما يستحسن لإبراهيم بن المهدي توقيعه إلى كاتبه: إياك والتتبع لحوشي الكلام طمعاً في نيل البلاغة, فإن ذلك العي الكبير, وعليك بما سهل مع تجنبك لألفاظ السفلة. ٤٣٤- وكذا ما وصف به يحيى بن زياد كاتباً, فقال: أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد, وساقه أحسن مساق, واسترجع به القلوب النافرة, واستصرف به الأبصار الطامحة. ٤٣٥- وقال الجاحظ: لم أر قوماً في مثل طبقة الكتاب من البلاغة, وذلك أنهم التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً حوشياً ولا ساقطاً عامياً. ٤٣٦- حدثني جعفر بن محمد البلخي, قال: قال أحمد بن محمد بن الفضل البصري, صاحب كتاب ((الديباج)) : يجب للكاتب أن يعدل بكلامه عن الغريب الحوشي والعامي السوقي والرذل

стр. 124

السليقي, ويجانب التقعير, ويجب أن يستعمل نفسه في تنزيل الألفاظ. ٤٣٧- ومن آلات الكتاب, معرفة الأضداد, لأنهم يحتاجون إلى ذلك في الكتب والرسائل والخطب, لأن ذلك يقع في كتبهم كثيراً, فيشكل عليهم, لأن أصله من جوهر اللغات الفصاح, فيقولون: السرف والإمساك, وإنما هو السرف والتقتير, قال الله جل وعز: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ . ويجوز السرف والقصد, وإنما ضد الإمساك والإعطاء, وإن كان غير إسراف. ويقولون: الجمال والقبح, وإنما هو الجمال والدمامة, والحسن والقبح. باب الأضداد مما يحتاج إليه الكاتب في الكتب والرسائل والمخاطبات ٤٣٨- اعلم أن الكلام يجيء كثيراً على الأضداد, فربما غلط الكاتب, فجعل مع الشيء غير ضده, فيلزم النقصان بذلك, ونحن نملي منه ما فيه كفايةٌ إن شاء الله فمن ذلك: الأمانة والخيانة, والنصيحة والغش, والجور والعدل, والإنصاف والحيف, والإثم والأجر, والثواب والعقاب, والطلاقة والانقباض, والجلالة والدقة, والصغر والكبر, والشباب والهرم, والغنى والفقر, والبلاغة والعي, والفرح والترح, والضحك والبكاء, والنشاط والكسل, والشبع والجوع, والإقلال والإكثار, والنباهة والخمول,

стр. 125

والحرية والعبودية, والطاعة والمعصية, والموافقة والمخالفة, والحرص والقناعة, والوفاء والغدر, والاستبشار والعبوس, والإنجاز والخلف, والإهانة والإكرام, والرتق والفتق, واليأس والطمع, والربح والوضاعة, والنقص والزيادة, والخفة والوقار, والعقل والحمق, والعقد والحل, والشح والسخاء, والنزول والمسير, والكبر والتواضع, والبعد والقرب, والإغلاق والفتح, والإقبال والإعراض, والإقبال والإدبار, والإرشاد والإضلال, والرشاد والضلال, والتسديد والتضليل, والعزوبة والتأهل, وبره وهره, والوضوح والغموض, ودب أحباؤه, ودرج أعداؤه, والإشكال والبيان, والسهولة والحزونة, والرعاية والإذالة, والتشمير والتقليص, والطيب والخبث, والطيب والخبيث, والنسك والفسق, والصفاء والكدر, والعناء والراحة, والجمام والكلال, والندى والجفوف, واليبس والرطوبة, والخشونة واللين, والجمال والدمامة, والسرف والتقتير, والحسن والقبيح, والاعتدال والاعوجاج, والانحطاط والارتفاع, والانكماش والتواني, والإزراء والإعظام, والعجز والإطاقة, والعجز والاحتيال, والإذن والحجب, والتحريم والتحليل, والإعفاء والإلزام, والأخذ والترك, والسكر والصحو, والجدب والخصب, والغلو والتقصير, والعطش والري, والتسهل والتعسر, والمساهلة والمعاسرة, والمسامحة والمباخلة, والمعاداة والمصافاة, والاتصال والفرقة, والإلحاح والرفق, والصيانة والمهنة, والمواصلة والمقاطعة, والداء والدواء, والصحة والسقم, والعلة والبرء, والحلم والسفه, والرفق والخرق, والإكباب والإغفال,

стр. 126

والحزم والتفريط, والصعوبة والاستكانة, والاستغفار والإصرار, والنعمة والنقمة, والشكر والكفر, والجزع والصبر, والسلو والحنين, والعداوة والصداقة, والصلاح والفساد, والمبالغة والتقصير, والهزل والجد, والنسيان والذكر, والحفظ والإضاعة, والإمساك والإرسال, والإمساك والتسريح, والقبض والبسط, والنعمة والبؤس, والدعة والنصب, والراحة والتعب, والسلامة والعطب, والعافية والبلاء, والنجاة والهلكة, والرحمة والسخط, والحبس والتخلية, والأسر والإطلاق, والعذاب الأليم والنعيم المقيم, والعلاء والسفال, والعلو والسفل, والأناة والعجلة, والفهم والبلادة, والحمل والوضع, والخفض والرفع, والصعود والهبوط, والإصعاد والانحدار, والورد والصدر, والإيراد والإصدار, والنقض والإبرام, والنبل والقماءة, والشغل والفراغ, والتقتير والتوسعة, والحرب والسلم, والرفق والعنف, والرزق والحرمان, والجد والحد, والاتفاق والنفار, والخوف والأمن, والنصر والخذلان, والعقوق والبر, والحمد والذم, واللوم والعذر, والإجلال والاستخفاف, والإلطاف والجفاء, والإقامة والظعن, والإصلاح والإفساد, والصلاح والطلاح, والإباء والسلس, والتوفير والتقصير, والقيام والقعود, واليقظة والهجوع. ٤٣٩- قال أبو جعفر: سمعت علي بن سليمان يقول: لا تكاد

стр. 127

العرب تستعمل القيام والجلوس, ولا قام وجلس, ولكن قام وقعد لمكان القاف من القاف. باب تحسين الكتابة وإفسادها وقرمطتها وغير ذلك من آلاتها ٤٤٠- يقال لمن حسن كتابته زينها وحسنها وحبرها ونمقها ونمنمها وذهبها ورقشها, كما قال: كما ... رقش في ظهر الأديم قلم ٤٤١- وقد يقال رقش إذا حرش, كما قال الحارث بن حلزة: أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو وهل لذاك خفاء كأنه الذي يحرش بتحسين القول. ٤٤٢- فإن أفسد كتابته قيل: شرمخها وهلهلها ولهلهها, وكذا في الكلام, كما قال:

стр. 128

أتاك بقول لهله النسج كاذب ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع ٤٤٣- فإن لم يبين كتابته قيل: دخمسها, وكذا دخمس كلامه إذا لم يبينه, ولواها وعقمها وعلقها ومجمجها وجمجمها. ٤٤٤- فإن جمع الحروف وقارب السطور بعضها من بعض, قيل: قرمطها. قال الخليل بن أحمد: القرمطة في الكتاب مأخوذٌ من القرمطة في المشي, يقال: قرمط الشيخ في مشيه, إذا قارب بين خطاه. ٤٤٥- فإذا أجاد القراءة قيل: أعرب وأفصح وأبان وبين, وكذا يقال: أبان الشيء في نفسه, وقد يقال: بان, وهي قليلةٌ, ويقال: استبان وتبين, فإن تردد في قراءته قيل: لجلج لجلجةً, فإذا أخفى قراءته, قيل: دندن. وعن النبي ﷺ , أنه مر بأعرابي يخفي كلامه, فقال: ((ما هذه الدندنة؟)) قال: أسأل الله الجنة, وأتعوذ به من النار. فقال النبي ﷺ : ((حولهما ندندن)) . فإن زاد في الإخفاء, قال: هينم وهتمل. ٤٤٦- ويقال تصفح الكتاب إذا تفقده, وكذا توسمه, قال زهيرٌ:

стр. 129

وفيهن ملهىً للعيون ومنظرٌ ... أنيقٌ لعين الناظر المتوسم ٤٤٧- وخط الكتاب يخطه, فإذا أكثر حروفه قيل: خططه. ٤٤٨- وذبر الكتاب وزبره, أي: كتبه. وحكى الأصمعي زبر الكتاب يزبره ويزبره إذا كتبه, وذبره يذبره ويذبره إذا قرأه. ٤٤٩- وحكى: أوحيت, أي: كتبت, قال الله : ﴿فأوحى إليهم أن سبحوا﴾ قال الحكم: أي: كتبت والأمر منه: أوح يا هذا, ومن وحى: ح يا هذا؛ والنحويون يقولون: تكتب بهاء بعد الحاء, لتكون الهاء لبيان الحركة, لأنه لا ينطق بحرف واحد, والكتاب يكتبونه بياء بعد الحاء, وكذا: ش ثوبك؛ وكتابه بالياء خطأٌ, لأنه مجزومٌ أو غير معربٌ, وأصل الوحي في اللغة أن يؤتى بالشيء على خفية, هذا أصله, ثم يتفرع, فيكون الوحي من الله إلى أنبيائه, ويكون الوحي إلهاماً, قال الله : ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ وقد يكون إلهاماً للأنبياء صلى الله عليهم في غير الفرائض, ويكون الوحي إشارة, كما قال ذو الرمة: يوحي إليها بأنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم

стр. 130

ويكون الوحي بإسرار, قال الله : ﴿يوحى بعضهم إلى بعض﴾ وبمعنى الأمر, قال الله جل وعز: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ كما قال: وحى لها القرار فاستقرت ٤٥٠- فإن أسرع في قراءته, قيل: خطرف, وكذا خطرف في إملائه مشتقٌ من خطرفة البعير, وهو إسراعه في السير. ٤٥١- فإن بالغ في القراءة وجودها, قيل: أسهب, مشتقٌ من السهب, وهو المكان الواسع, وقد يكون مشتقاً من أسهب الحافر, أي: بلغ إلى الرمل في حفره, فإن بلغ إلى الماء, قيل: أنبط. ٤٥٢- فإن حذف بعض الحروف, قيل: زلف, مشتقٌ من الزلفة, أنشد سيبويه: مر الليالي زلفاً فزلفا ٤٥٣- فإن تردد في القراءة, قيل: درس, مشتقٌ من قولهم: طريقٌ مدروسٌ, أي: كثر وطء الناس فيه. قال الخليل: يقال درسته ودسته ودرس الطعام وداسه بمعنىً واحد. فمعنى درس فلانٌ السورة على هذا راضها, وذلل بها لسانه, ودرس المنزل والأثر, أي: امحى لمرور الرياح عليهما.

стр. 131

٤٥٤- ومعنى عارضت بالكتاب الكتاب: جعلت ما في أحدهما مثل ما في الآخر, مأخوذٌ من: عارضت بالثوب, إذا أعطيته أخذت غيره. ٤٥٥- ومعنى تلا فلانٌ الكتاب: قرأه فأتبع بعض حروفه بعضاً, مشتقٌ من تلوت الرجل, أي: تبعته. ٤٥٦- يقال: تمنى الكتاب, إذا قرأه, ومنه قول الله : ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ . ٤٥٧- ويقال: رتل الكاتب قراءته, إذا تثبت فيها, وفصل كل حرف من الحرف الذي يجيء بعده, ولم يستعجل فيدخل بعض الحروف في بعض, ومنه قول الله : ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ وهو مشتقٌ من الرتل, قال الأصمعي: في الأسنان الرتل, وهو أن يكون بين الأسنان الفرج, لا يركب بعضها بعضاً, ويقال: ثغرٌ رتل. قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد قيل: الترتيل الضعف والتبتير, وأن معنى رتل القراءة لمها ولم يستعجل. ٤٥٨- وقولهم سرد الكاتب قراءته أحكمها, مشتقٌ من سرد الدرع, إذا أحكمها, وجعل حلقها ولاءً غير مختلفة, وأحسن صنعة المسامير, أنشد أبو عبيدة: وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع

стр. 132

٤٥٩- وروى ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: ﴿وقدر في السرد﴾ أي: قدر المسامير, لا يكن رقيقاً فتسلس ولا غليظاً فيفصمها. ٤٦٠- ويقال للإشفى: المسرد, وقد سرد إذا خرز بإحكام, وحكى سيبويه أنه يقال: سرندٌ وسرندى للذئب. ٤٦١- فأما معنى عبر الكاتب الكتاب, فهو قراءته فيما بينه وبين نفسه وتدبره. ٤٦٢- ويقال: كتابٌ نزلٌ, أي: مجتمع السطور, وطعامٌ نزلٌ, أي: كثير الريع, وأرضٌ نزلةٌ, أي: كثيرة الخير ويقال: كتابٌ له نزلٌ, بفتح النون والزاي. ٤٦٣- ويقال: همز القارئ حروفه, وأصل الهمز في اللغة الغمز والتحريك. ٤٦٤- ويقال: فهم تأويل كتابه, أي: مرجعه ومصيره, مشتقٌ من آل الشيء يؤول إذا رجع. ٤٦٥- ويقال: واتر كتبه, قال الأصمعي: معناه جعل بين كل كتابين فترةً, وتابعه على ذلك يونس بن حبيب, وزعم أن قول الله : ﴿ثم أرسلنا رسلنا تتراً﴾ أي: بين كل

стр. 133

رسولين فترةٌ ومدةٌ من الزمان. ٤٦٦- قال أبو جعفر: التاء الأولى في تترى بدلٌ من الواو، يدلك على ذلك واتر، فمن نون جعل الألف بدلاً من التنوين، وكتبه بالألف لا غير، ومن لم ينون جعلها فعلى، وكتبها بالياء على مذهب الكتاب. ٤٦٧- وحكي عن الأصمعي وابن حبيب أن معنى واتر كتبه تابعها، وتواترت الخيل تتابعت. ٤٦٨- وقولهم: سطر الكاتب كتابه وسيطره وسطره، معناه: حظر أن تتجاوز العلامة، وكذا استطار البيان، وقال الله : ﴿لست عليهم بمسيطر﴾ ويقال: سطرٌ وسطرٌ، فمن قال سطرٌ قال: أسطارٌ، كما قال: إني وأسطارٌ سطرن سطراً لقائلٌ يا نصر نصراً نصرا وجمع أسطار أساطير. وحكي عن محمد بن يزيد أنه قال: أساطير جمع أسطورة، مثل: أحدوثة وأحاديث. ومن قال: سطرٌ، بإسكان الطاء، قال في الجمع القليل: أسطرٌ، والكثير سطورٌ.

стр. 134

باب المقابلة ٤٦٩- يقال: قابل بالكتاب قبالاً ومقابلةً، أي: جعله قبالته، وجعل فيه كل ما في الآخر، ومنه: منازل القوم تقابل، أي: يقابل بعضها بعضاً، والقابلة من هذا، والعام القابل، ومنه قابله الطريق، أي: صار قبالته، ومنه أقبلت المكواة أفواه العروق، أي: جعلتها قبالتها، كما قال: شربت الشكاعى والتددت ألدةً ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا

стр. 135

باب ذكر المرتبة الثالثة ٤٧٠- قال أبو جعفر: أذكر منها إن شاء الله الخط والهجاء وما يضاف إليهما من العدد وغيره، فمن ذلك: باب الاصطلاح في الخط ٤٧١- اعلم أن الاصطلاح في الخط على ضربين، منه اصطلاحٌ قديمٌ ومنه اصطلاحٌ محدثٌ، من استعمله كان محطئاً عند النحويين الحذاق. فمن الاصطلاح القديم كتبهم كل ما كان على فعل ثلاثي معتل إذا رددته إلى نفسك أو إلى المستقبل كان بالياء، كتبته بالياء، وهو نحو: رمى ومشى, لأنك تقول: رميت ومشيت؛ ونحو: يرمي ويمشي؛ فإن رجع إلى الواو كتبت بالألف, نحو دعا وغزا, لأنك تقول: دعوت وغزوت, وهو يدعو ويغزو, فإن كان الثلاثي اسماً, وكان يثنى ويجمع بالياء, كتبت بالياء, نحو مدىً وهدىً, تكتبان بالياء, لأنك تقول: مديان وهديان؛ فإن رجع إلى الواو كتب بالألف, نحو: عصاً وقطاً, لأنك تقول: عصوان وقطوان, وعصواتٌ وقطواتٌ. فإن كان هذا كله تجاوز ثلاثة أحرف, كتب بالياء, نحو: استقرى

стр. 136

واستقضى وملهىً ومثنى. وعلتهم في هذا أنهم أرادوا الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو في الثلاثي, وردوا ذوات الواو إلى الياء في ما جاوز ثلاثة أحرف, لأن الياء أخف من الواو, فلما زاد على ثلاثة أحرف ثقل, فحملوه على الأخف, وقيل لأنه يرجع في المستقبل إلى الياء. وكذلك كتبوا يغزى بالياء اتباعاً للماضي على هذا القول, وعلى القول الآخر, لأنه جاوز الثلاثة. ولا اختلاف بين النحويين في أن كتبت هذا كله بالألف فجائزٌ, ثم اختلفوا بعد إجازتهم إياه: فمنهم من قال: كتب ذوات الياء بالياء أولى للفرق. ومنهم من قال: الكاتب مخيرٌ في ذينك, والأمر واحدٌ فيهما. ومنهم من قال: هذا الاصطلاح, وإن كان قديماً, وقد جرى عليه الكتاب, فإنه خطأٌ لا يجوز, واحتج في ذلك بحجج بينة, منها: أنه لو كانت العلة صحيحةً في الفرق بين ذوات الياء وذوات الواو بالياء, فقد نقضوا هذا, وكتبوا ضحىً بالياء, وهو من ضحا يضحو, وكتبوا ربىً بالياء, وهو من ربا يربو, واستعمل الكسائي والفراء هذا كله في كل مضموم أوله أو مكسور, إلا حمىً ورضىً, فإنهما أجازا كتبهما بالياء والألف, وكان إبراهيم بن السري أبو إسحاق يتعجب من هذا كله, ويقول: لم يأخذوا بما في كتاب الله جل وعز, ولا بالقياس الصحيح في كتاب الله جل وعز: ﴿وما ءاتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس﴾

стр. 137

٤٧٢- وسمعت علي بن سليمان يحكي عن محمد بن يزيد أن أصل هذا من الأخفش سعيد احتال على الكتاب ليضطرهم إلى النظر في النحو, ثم سأل الكسائي فتابعه عليه. ٤٧٣- قال: وقد علمنا أنا إنما ننقل إلى الكتاب ما كان في اللفظ, وإذا قلنا: رمى, فليس في اللفظ إلا ألفٌ؛ ثم ذكر المناقضة في هذا بإجماعهم على كتب ذوات الياء بالألف إذا اتصلت بمضمر, نحو: رماه, وملهاك. قال: وقولهم: إنما كتبنا رمى بالياء لتدل على أن الألف منقلبةٌ من ياء خطأً, لأنه يلزمهم أن يكتبوا غزا بالألف لأن الألف منقلبةٌ من واو. ٤٧٤- وقال محمد بن يزيد: خاطبت أحمد بن يحيى على كتبهم ضحىً بالياء, فقال لي: لأنها ألف تأنيث فعلمت أن قد غلط غلطاً عظيماً فتجافيت عن كلامه على ما قال، لأني علمت أنه لم يقصده؛ ثم قال: لما انضم أولها توهموا أنها من ذوات الياء، فقلت له: نحن جميعاً على يقين أنها من ذوات الواو من ضحا يضحو؛ فانقطع، ولقيني بما أكره، إلى أن حلفت أني لا أكلمه في مسألة أبداً. ٤٧٥- ومما أجمعوا عليه مما كتب بالألف وإن كان من ذوات

стр. 138

الياء في موضع ما كان قبل آخره ياءٌ، كراهة الجمع بين ياءين، من ذلك، نحو: خطايا وزوايا إذا كانت جمع خطيئة. ٤٧٦- وكتبوا يحيى بالياء إذا كان اسماً، وجمعوا بين ياءين، فزعم بعض الكتاب أنهم لم يلزموا فيها القياس، وهذا غلطٌ منه، وقد سمعت أبا إسحاق يذكر ضعف هذا الرجل في النحو، وأنه خاطبه، فرأى ذلك منه. ٤٧٧- قال أبو جعفر: والقياس في هذا مستمرٌ: أنك إذا سميت بيحيى أو بخطايى أو بزوايى كتبت هذا كله بالياء، وجمعت بين ياءين، فرقاً بين التسمية وغيرها، فإن قلت فلانٌ يحيا حياةً طيبةً، كتبته بالألف لا غير. ومن الاصطلاح القديم ٤٧٨- زيادتهم الألف بعد واو الجمع، نحو: كفروا، وذهبوا: فمذهب الخليل أنهم فرقوا بين واو الإضمار والأصلية وأولوه. وقول أحمد بن يحيى: أنهم فرقوا بين واو المضمر المتصل والمنفصل. ٤٧٩- واصطلحوا على أن كتبوا على بالياء، لقولهم: عليك،

стр. 139

وكذا إلى؛ وكتبوا حتى بالياء؛ قال أبو إسحاق: شبهوها بسكرى؛ وكتبوا متى وبلى وأنى بالياء، وهذا اصطلاحٌ يتعذر أن يقع فيه علةٌ، وعلى أن بعضهم قد قال: كتبن بالياء لأن الإمالة تحسن فيهن. ٤٨٠- واصطلحوا على أن كتبوا هذا بغير ألف تلي الهاء، وكذا ذلك، قيل: لئلا تقرأ ذا لك. ٤٨١- وزادوا في عمرو واواً فرقاً بينه وبين عمر، وكان أولى بالزيادة لخفته، هذا إذا كان مخفوضاً أو مرفوعاً، فإن كان منصوباً لم تزد فيه واوٌ، لأن عمر لا ينصرف، فقد زال الإشكال؛ وقيل: لم تزد فيه واوٌ في النصب لئلا يجمع بين زائدين، وهما الألف والواو، فإن شكلت عمراً في موضع الخفض والرفع لم تلحق فيه واواً، لأنه لا يشكل بعمر، فإن قلت: لعمر الله، لم تلحق فيه واواً، لأنه لا يشكل. ٤٨٢- وزادوا الواو في أولئك فرقاً بينه وبين إليك، وزادوها في أولى فرقاً بينها وبين إلى. ٤٨٣- وكتبوا إذاً بالألف على اختلاف في ذلك. حدثنا علي بن سليمان، عن محمد بن يزيد، أنه كان لا يجيز أن تكتب إذن إلا بالنون، لأنها مثل: لن، قال: وأشتهي أن أكوي يد من يكتبها بالألف. وقال الفراء: ينبغي لمن نصب الفعل المستقبل بإذن أن يكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام، وكانت لغواً، كتبت بالألف, وهذا لعمري قولٌ ثابتٌ قد جاء به, غير أنه نقضه, فقال: وأحب إلي أن يكتبها

стр. 140

بالألف في كل حال, لأن الوقوف عليها في كل حال بالألف. باب الاصطلاح القديم في العدد والتاريخ ٤٨٤- اصطلحوا قديماً على أن كتبوا التاريخ, ويقال: التوريخ, لأنه يقال: ورخت الكتاب وأرخته من مقدم النبي ﷺ إلى المدينة. ٤٨٥- ويقال: إن المبتدي بهذا التاريخ كان عمر بن الخطاب ﵁, لأن عامله على اليمن قدم عليه, فقال: أما تؤرخون كتبكم؟ فأراد عمر ﵁ أن يبتدئ ببعث النبي ﷺ , قال ابن سيرين: فقالوا: من وفاته؛ ثم أجمعوا على الهجرة. ٤٨٦- وأرادوا أن يجعلوا أوله شهر رمضان, ثم اتفقوا على المحرم, لأنه منصرف الناس من حجهم, وهو شهرٌ حرامٌ. ٤٨٧- وقال ابن عباس: والفجر المحرم فجر السنة؛ والتاريخ: اليوم قبل الهجرة بشهرين وثنتي عشرة ليلةً, لأن النبي ﷺ هاجر في شهر ربيع الأول, فقدم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت منه, فقدموا التاريخ. ٤٨٨- قال أبو جعفر: وهذا المعروف عند العلماء, غير أن محمد بن جرير قال: حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة, قال: حدثنا

стр. 141

أبو عاصم, عن ابن جريج, عن ابن أبي سلمة, عن ابن شهاب, أن النبي ﷺ لما قدم المدينة –وقدمها, في شهر ربيع الأول- أمر بالتاريخ. ٤٨٩- قال محمد بن جرير: وقد كانوا أرخوا بعام الفيل, أعني قريشاً خاصةً؛ وفي عام الفيل ولد النبي ﷺ , وكان بين عام الفيل والفجار عشرون سنةً, وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنةً, وبين بناء الكعبة ومبعث النبي ﷺ خمس سنين, وبعث وهو ابن أربعين سنةً, فقرن بنبوته جبريل ﷺ , ويقال: بل الذي قرن إليه بدءاً إسرافيل من غير أن يؤمر بإظهار الدعوة, ثم أمر بإظهارها؛ وأقام بمكة عشر سنين, وبالمدينة عشراً. ٤٩٠- قال أبو جعفر: وهذا استخراجٌ حسن, لأن الصحابة اختلفوا في هذا, فقال ابن عباس: أنزل عليه الوحي وهو ابن ثلاث وأربعين سنةً, فمكث بمكة عشراً, وهو قول جماعة من الصحابة, والذي قال: قرن بنبوته إسرافيل ﷺ الشعبي, قال: كان يسمع حسه ولا يرى شخصه, يعلمه الكلمة والشيء, ولم ينزل القرآن على لسانه, فلما مضت لنبوته ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل ﷺ , فنزل القرآن على لسانه بعد.

стр. 142

٤٩١- وممن قال: أقام بمكة عشراً؛ عائشة ﵂ وأنس بن مالك, كما روى مالكٌ, عن ربيعة, عن أنس سمعه يقول: كان النبي ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، وليس بالآدم، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله على رأس أربعين سنةً، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنةً، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء. قال أبو جعفر: قوله بالأبيض الأمهق، هو البياض الذي ليس بمشرق، يخاله الناظر إليه برصاً؛ والقطط أشد الجعودة. ٤٩٢- وإذا كان أول ليلة من الشهر كتب، بمعنى كتب الكتاب: غرة شهر كذا في أول ليلة من كذا. ومستهل شهر كذا ومهل شهر كذا ولا يجوز لليلة خلت ولا مضت لأنهم في الليلة بعد فإذا أصبحوا لم يجز من ذلك شيء لأن الاستهلال بالليل ولكن يليه خلت ومضت، لأن الليلة قد انقضت؛ ويجوز لغرة الشهر، ولأول يوم من صفر. ٤٩٣- قصد أبو جعفر صفراً دون سائر الشهور في هذا الموضع، لأنا بلغنا هذا الفصل ونحن في صفر سنة سبع وعشرين. ٤٩٤- ويكتبون: لثمان خلون، ولإحدى عشرة ليلةً خلت؛ اصطلحوا على هذا، ولو كتبوا لثمان خلت، ولإحدى عشرة ليلةً خلون

стр. 143

لجاز، وليس قول من قال: إنما قالوا لإحدى عشرة ليلة خلت، لأن الليلة موحدةٌ = شيئاً، لأن الخبر ليس عن الليلة. واحتج آخر بقول الله : ﴿منها أربعةٌ حرمٌ ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ واحتج بمجيء النون في القليل، لأن ﴿فيهن﴾ عنده لأربعة، وقد قيل: ﴿فيهن﴾ لاثني عشر. ٤٩٥- واصطلحوا على أن كتبوا: للنصف من الشهر، وأجازوا لخمس عشرة ليلةً خلت، ومضت، فإذا جاوزوا ذلك كتبوا لأربع عشرة ليلةً بقيت، لأن الشهر قد يكون ناقصاً. ورأيت علي بن سليمان يختار هذا. وبعضهم يقول: لأربع عشرة ليلةً إن بقيت. ورأيت بعض العلماء وأهل النظر يصوبون الكتاب في ما يكتبون به من هذا، واحتج لهم بأنهم إنما يكتبون هذا على أن الشهر تامٌ قد عرف معناه، وأن كاتبه وقائله يريد إن كان الشهر تاماً ولا يحتاج أن يلفظ بهذا، لأن اللفظ به عيٌ وشيءٌ لا يحتاج إليه. وقد علمنا أن قائلاً لو قال: أنا أدفع إليك كذا، لكان كلاماً صحيحاً، وأنه لا يحتاج أن يقول: إلا أن يحدث علي حدثٌ. ٤٩٦- ومع هذا، فقد وجدنا من لفظ رسول الله ﷺ مما رواه ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، في سابعة تبقى، أو خامسة تبقى)) .

стр. 144

٤٩٧- واصطلحوا أيضاً على كتب ثلاث وثلاثين بغير ألف فيهما جميعاً، وكذلك ثلاث عشر وثلاث عشرة، وكذلك ثمانية بغير ألف اصطلاحاً قديماً، وربما يعاب من خالفه، وكذا ثماني نسوة بغير ألف, فإن قلت جاءني من النسوة ثمان فبالألف, لأنك قد حذفت ياءً, فلا تجمع حذفين, ومن قال جاءني من النسوة ثماني عشرة حذف الألف, ومن قال: ثمان عشرة لم يحذف, لأنه حذف الياء؛ كما أنشد بعض أهل اللغة للأعشى: ولقد شربت ثمانياً وثمانياً ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا وأبو إسحاق ينشده: وثلاث عشرة. فأما اثنتا عشرة, فمن العرب من يقول: جاءني ثنتا عشرة, فيحذف الألف من أوله. وأما ثمانون فيكتب بالألف لأنه لا ياء فيه, فيشبه ثمانياً. ٤٩٨- ومن الاصطلاح القديم كتبهم أربعة درهم بغير ألف, وكذلك أربعة دننير, وكذلك أربعة ألف بالحذف لكثرة استعمالهم إياه, وأنه لا يشكل, فإن قلت: عنده دراهم أو دنانير أو آلاف, فالألف لا غير, لئلا يشكل؛ وكتبوا: له أربعة دكاكين بالألف, لأنه لا يكثر استعمالهم إياه, وكتبوا: أربعة أثواب وخمسة أثواب وخمسة أجمال

стр. 145

بالألف, وإن كان قد كثر استعمالهم, لئلا يشكل بأثوب وأجمل, لأن فعلاً قد جمع على أفعل نحو زمن. ٤٩٩- وكتبوا مائة بالألف ليفرقوا بينها وبين منه. ٥٠٠- وإذا عرفت بالألف واللام فقد وقع في ذلك اصطلاحٌ متفقٌ عليه وآخر مختلفٌ فيه. فأما المتفق عليه, فقولهم: ما فعلت خمسة الدراهم وعشرة الأثواب, كما قال ذو الرمة: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع فإن شئت قلت: كتبت الخمسة الكتب, ودفعت الستة الدراهم, تنصبهما جميعاً, هذان الوجهان جائزان بإجماع, واختلفوا في قولهم: ما فعلت الخمسة الأثواب بالإضافة, فأجاز ذلك الكسائي, ومنع منه البصريون لاجتماع الألف واللام مع الإضافة, وهذا لا يشبه من الحسن الوجه شيئاً, وهو من الخطإ البين. ٥٠١- قال أبو إسحاق: سألت أحمد بن يحيى في مجلس الوزير القاسم بن عبيد الله: على أي شيء أجزتم عندي الخمسة الأثواب؟ فلم يكن عنده جوابٌ, غير أن قال: لأن الوزير يكتب بذلك؛ فأمسكت. ٥٠٢- فإن قلت: عندي خمسة عشر درهماً, فأردت تعريفه,
следующие страницы →