Полный текст (433 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الضلاعة, وهي القوة, وأصله من الضلع, لأن الجنبين إذا قويا فالإنسان قويٌ.
وقوله: بغير نكلٍ؛ النكل: النكول, وهو مصدر نكل عن الشيء ينكل, والفصيح ينكل.
والقدم: التقدم.
ومعنى: ولا وهنٍ في عزمٍ: ولا ضعفٍ في رأيٍ.
ومعنى: حتى أورى قبس القابس: أظهر نوراً من الحق, وأوريت النار: قدحت فأظهرتها.
وآلاء الله: نعمه, واحدها إلىً وألىً وأليٌ, ومعنى: آلاء الله تصل بأهله وأسبابه: نعم الله تصل بأهل ذلك القبس, وهو الإسلام والحق, وأسبابه فأهله المؤمنون.
به هديت القلوب بعد خوضات الفتن, أي: بعد الكفر.
موضحات الأعلام: نائرات, من نار الشيء, ويقال: أنار, إذا وضح, فأتى باللغتين جميعاً.
شهيدك يوم الدين, أي: الشاهد على أمته يوم القيامة.
وبعيثك, بمعنى مبعوثك.
افسح له مفسحاً, أي: أوسع له سعةً.
ومعنى في عدلك, أي: في دار عدلك, مثل: ﴿وسئل القرية﴾ يعني: يوم القيامة.
стр. 282
وإن كان في عدنك, أي: في جنتك, جنة عدنٍ.
وقوله: ((وجزيل عطائك المعلول)) هو: من العلل, وهو الشرب بعد الشرب, فالشرب الأول نهلٌ, والثاني عللٌ, أي: عطاءً مضاعفاً يعل به عباده, أي: يعطيهم عطاءً بعد عطاءٍ.
ومعنى ((أعل على بناء البانين بناءه)) : ارفع فوق عمل العاملين عمله.
والمثوى: المنزل لا يعرف فيه الأصمعي إلا: ثوى بالمكان: إذا نزله وأقام به, وحكى غيره: ثوى وأثوى.
ونزله: رزقه.
٩٩٧- وقرئ على أحمد بن عمرو بن عبد الخالق, وأبي بكر بن محمد بن جعفر بن حفص بن راشدٍ؛ واللفظ لفظ أحمد بن عمروٍ؛ عن يوسف بن موسى, قالا: حدثنا محمد بن فضيلٍ, قال: حدثنا عطاء بن السائب, عن أبيه, عن علي بن أبي طالبٍ رضوان الله عليه, أنه قصد فاطمة ﵂, فقال لها: إني لأشتكي صدري مما أمد بالغرب, فقالت: وأنا والله أشتكي يدي مما أطحن بالرحى؛ فقال لها عليٌ: ائت النبي صلى الله عليه؛ وفي حديث محمد بن جعفرٍ: فإنه قد أتاه سبيٌ؛ ثم رجع اللفظ إلى أحمد بن عمروٍ: فاسأليه أن يخدمك خادماً؛ فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه, فسلمت عليه, ثم رجعت, فقال رسول الله صلى الله عليه: ((ما جاء بك؟)) قالت: جئت لأسلم على
стр. 283
رسول الله؛ فلما رجعت إلى عليٍ, قال: ما لك؟ قالت: والله ما استطعت أن أكلم رسول الله صلى الله عليه من هيبته؛ فانطلقا إليه جميعاً, فقال لهما رسول الله صلى الله عليه: ((ما جاء بكما؟ ولقد جاء بكما حاجةٌ)) قال له عليٌ ﵁: أجل يا رسول الله! شكوت إلى فاطمة صدري مما أمد بالغرب, فشكت إلي يدها مما تطحن بالرحى, فأتيناك لتخدمنا خادماً مما آتاك الله؛ قال: ((لا والله! لكني أبيعهم فأنفق أثمانهم على أصحابي أصحاب الصفة الذين تطوى أكبادهم من الجوع, ولا أجد ما أطعمهم)) قال: فلما رجعا, فأخذا مضاجعهما من الليل, أتاهما النبي صلى الله عليه وهما في خميلٍ, والخميل القطيفة البيضاء من الصوف, وكان رسول الله صلى الله عليه جهزها بها وبوسادةٍ حشوها إذخرٌ, وقد كان عليٌ وفاطمة ﵄ حين ردهما شق ذلك عليهما, فلما سمعا حس رسول الله صلى الله عليه ذهبا ليقوما, فقال لهما النبي صلى الله عليه: ((مكانكما)) ثم جاء حتى جلس على طرف الخميل, ثم قال: ((إنكما جئتماني لأخدمكما خادماً, وإني سأدلكما –أو كلمةً نحوها- على ما هو خيرٌ لكما من الخادم: تحمدان الله في دبر كل صلاةٍ عشراً, وتسبحان عشراً, وتكبران عشراً, وتسبحانه ثلاثاً وثلاثين, وتحمدانه ثلاثاً وثلاثين, وتكبرانه أربعاً وثلاثين, فذلك مئةٌ, إذا أخذتما مضاجعكما من الليل)) قال عليٌ رضوان الله عليه: فما أعلم أني تركتهما بعد, فقال له عبد الله بن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال له عليٌ: قاتلك الله! ولا ليلة صفين)) .
стр. 284
٩٩٨- ويروى أن علياً ﵁ كان يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصك، فاغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك.
٩٩٩- وكان ﵁ يقول في حروبه: اللهم إنك أرضى للرضا، وأسخط للسخط، وأقدر على تغيير ما كرهت، ولا تغلب على باطلٍ، ولا تعجز عن حقٍ، وما أنت بغافلٍ عما يعمل الظالمون.
١٠٠٠- وكان علي بن الحسين رضوان الله عليهما يقول في دعائه: اللهم ارزقني خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجيت، ولا أخاف إلا ما خوفت.
١٠٠١- وكان محمد بن علي بن الحسين صلى الله عليهم يقول في دعائه: اللهم أعني على الدنيا بالغنى، وعلى الآخرة بالتقوى.
١٠٠٢- وكان يقول: اللهم إنك بما أنت له أهلٌ من العفو أولى بما أنا له [أهلٌ] من العقوبة.
стр. 285
ذكر الاشتقاق والمضارعة في البلاغة، وهما مما كان يستعمله البلغاء من الكتاب قديماً ويستحسنونه لحلاوته وحسنه
١٠٠٣- روى ابن المبارك، عن معمرٍ، قال: سئل الأحنف عن مودةٍ بغير مالٍ، فقال: الخلق السجيح، والكف عن القبيح، أولا أخبركم بأدوإ الداء: اللسان البذيء والخلق الدنيء.
١٠٠٤- واعتد الوليد على نوفل بن مساحقٍ بالإذن له على نفسه وهو يلعب بالحمام، فقال: خصصتك بهذه المنزلة فقال: ما خصصتني، ولكن خسستني، لأنك كشفت لي عن عورةٍ من عوراتك.
١٠٠٥- ومن الاشتقاق كتب بعض الكتاب: العذر مع التعذر واجبٌ فرأيك فيه.
١٠٠٦- ومن المضارعة، ما روي عن رسول الله ﷺ : ((إياكم والمشارة، فإنها تميت الغرة، وتحيي العرة)) .
١٠٠٧- ومما يدخل في هذا الباب غير أن الكتاب يسمونه التبديل، لأن الكاتب يجعل ما كان مقدماً في الأول مؤخراً في الثاني، وما كان مؤخراً مقدماً= كما روي عن عبد الملك بن عمير، قال: انطلق
стр. 286
عمرو بن حريثٍ إلى الهيثم بن الأسود يعوده، فقال: كيف أصبح أبا العريان؟ قال: بخيرٍ أبيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسود مني ما كنت أحب أن يبيض؛ ولان مني ما كنت أحب أن يشتد، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين؛ ثم أنشأ يقول:
اسمع أخبرك بآيات الكبر
تقارب الخطوة وضعفٌ في البصر
وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر
وكثرة النسيان في ما يدكر
وفركك الحسناء في قبل الطهر
والناس يبلون كما تبلى الشجر
١٠٠٨- ومن حسن ما في هذا قول بعض الكتاب: اشكر من أنعم عليك, وأنعم على من شكرك.
ذكر السجع والازدواج في البلاغة
١٠٠٩- هذان مستحسنان عند الكتاب القدماء إذا نجوا من الاستكراه والتعسف, على أن قوماً كرهوهما, فمنهم من تعمى عليهم ولم يدركوهما, ومنهم من أظهر التدين لتركهما.
١٠١٠- كما روي عن أبي هريرة, قال: اقتتلت امرأتان من هذيلٍ,
стр. 287
فضربت إحداهما الأخرى بحجرٍ, فقتلتها وما في بطنها, فاختصموا إلى رسول الله ﷺ , فقضى أن دية جنينها عبدٌ أو وليدةٌ, وقضى بدية المرأة على عاقلتها, وورثها ولدها ومن معهم, فقال حمل بن مالك بن النابغة الهذلي: يا رسول الله! أأغرم من لا شرب ولا أكل, ولا نطق ولا استهل, فمثل ذلك قد بطل؛ فقال رسول الله ﷺ : ((إنما هذا من إخوان الكهان)) , من أجل سجعه الذي سجع.
١٠١١- قال أبو جعفرٍ: وهذا لا يلزم, وقد قلنا: إن السجع حسنٌ إذا خلا من الاستكراه والتعسف, وهذا السجع مستكرهٌ متعسفٌ مكروهٌ, لأنه خاطب رسول الله ﷺ بما هو لعمري مكروهٌ محظورٌ, ومثل هذا السجع مكروهٌ محظورٌ.
فأما أن يقول القائل: السجع كله مكروهٌ, وقد أتى به كلام الله وكلام رسوله, كما قال صلى الله عليه: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم, ويسعى بذمتهم أدناهم, وهم يدٌ على من سواهم)) , الأدنى ها هنا العبد, وقال ﵇ يعوذ الحسن والحسين رضوان الله عليهم: ((أعيذكما من السامة والهامة, وكل عينٍ لامةٍ)) والأصل ملمةٍ, فقيل: ((لامة)) للازدواج.
وهكذا يقول بعض النحويين في قوله صلى الله عليه: ((ارجعن
стр. 288
مأزوراتٍ غير مأجوراتٍ)) والأصل موزوراتٍ.
١٠١٢- ومن حسن ما في هذا قول أبي عليٍ البصير: حتى عاد تعريضك تصريحاً وتمريضك تصحيحاً.
قال بعض الكتاب واستحسن هذا، قال: أتى بوزنين متوازنين ومسجوعين بالحرف نفسه، وهو الحاء، من غير الدليل على استكراهٍ وتعسفٍ، وجعل بإزاء التعريض من الجزء الأول التمريض من الجزء الثاني، وذلك تسجيعٌ في هاتين اللفظتين بالضاد من غير استكراهٍ، وبإزاء التصريح التصحيح، وهما مسجوعان بالحاء أيضاً.
١٠١٣- ومن حسن ما في هذا ما روي أنه قيل لكثير عزة: ما لك تركت قول الشعر؟ فقال: مات ابن ليلى فما أرغب، وذهب شبابي فما أطرب، وماتت عزة فما أنسب. وهذا تسجيعٌ جيدٌ.
ذكر فقرٍ من الحكم تدخل في البلاغة
١٠١٤- قرئ على أحمد بن محمد بن حجاجٍ، عن يعقوب بن حميد بن كاسبٍ، عن علي بن أبي علي بن محمدٍ الهاشمي، عن جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفرٍ، عن ابن عباسٍ ﵁، أن النبي ﷺ أردفه فقال: ((يا فتى! ألا أهب لك وأعلمك كلماتٍ ينفعك الله بهن؟ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم
стр. 289
أن قد جف القلم بما هو كائنٌ، واعلم أن الخلائق لو أرادوك بخيرٍ لم يردك الله به لم يقدروا عليه، ولو أرادوك بشرٍ لم يردك الله به لم يقدروا عليه، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً)) .
١٠١٥- وقال زيادٌ، أو عبيد الله بن زياد يوماً لأصحابه: من أنعم الناس عيشاً؟ قالوا: الأمير وأصحابه؛ قال: كلا، إن لصعود المنابر روعاتٍ، وإن لحلق البريد فزعاتٍ، ولكن أنعم الناس عيشاً رجلٌ في دارٍ لا يجري عليه فيها كراءٌ، وله زوجةٌ قد قنع بها وقنعت به، لا يعرفنا ولا نعرفه، إنا إن عرفناه أفسدنا عليه دينه ودنياه، وأتعبنا ليله ونهاره.
١٠١٦- قال ابن عائشة: أتي فحدث بهذا الحديث عبيد الله بن الحسين العنبري، فقال: هذا والله كلامٌ من ذهبٍ، فمن أحب أن يسمع كلاماً من ذهبٍ فليسمع هذا.
١٠١٧- ومن الفقر البليغة قول عمر بن الخطاب ﵁: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.
١٠١٨- ونظيره قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ ﵁: أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما؛ وأبغض بغيضك يوماً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
١٠١٩- وقال بعض الحكماء: بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة.
стр. 290
١٠٢٠- وقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية المازني، فقال: رحمك الله أبا المؤرق! كنت لا تحقر ضعيفاً، ولا تحسد شريفاً.
١٠٢١- وقال بعض الحكماء: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم.
١٠٢٢- وقال معاوية لابنه: ما المروءة؟ فقال: إذا أنعم عليك شكرت، وإذا ابتليت صبرت، وإذا قدرت غفرت.
قال: أنت مني، وأنا منك.
١٠٢٣- ولبعض البلغاء: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فما كل من حكى عنك شراً يوسعك عذراً.
١٠٢٤- ووصف إسحاق الموصلي رجلاً، فقال: ظاهره مروءةٌ، وباطنه فتوةٌ.
ذكر فقرٍ من البلاغة عن علي بن أبي طالبٍ ﵁
١٠٢٥- روي عن أوفى بن دلهمٍ، قال: قال لي عليٌ رضوان الله عليه: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه يأتي بعدكم زمانٌ ينكر فيه الحق تسعة أعشارهم.
стр. 291
١٠٢٦- وقال عليٌ ﵁: إن الدنيار دارٌ قد ارتحلت مدبرةً، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلةً، ولكل واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً، والتراب فراشاً، والماء طيباً، ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.
١٠٢٧- وقال عليٌ ﵁: العلم أوديةٌ، في أي وادٍ أخذت حسرت، فخذ من كل شيءٍ طرفاً، أي: خياراً.
ومنه ﴿ننقصها من أطرافها﴾ . قال: موت العلماء، والعلماء هم الخيار الكرماء.
ومنه: ((ما يدري أي طرفيه أطول)) ، أي: ما يدري الكرم يجيئه من ناحية أبيه أو من ناحية أمه.
١٠٢٨- وعنه: إن الله جعل حسن الخلق وصلةً بينه وبين خلقه، فحسنكم شيءٌ يتصل بالله .
١٠٢٩- وعنه رضوان الله عليه: قيمة كل امرىءٍ ما يحسن.
وهذا إذا تدبر كان فيه أعظم الفائدة والحكمة، لأن الإنسان الفرق بينه وبين البهيمة تمييزه وما يحسن، وهم يجتمعون في القوة والشهوة.
١٠٣٠- وكذا، قوله: الفرص تمر مر السحاب.
١٠٣١- وقال قنبرٌ: دخلت على عليٌ وعثمان ﵄،
стр. 292
فأحبا الخلوة، فأومأ إلي عليٌ، فتنحيت غير بعيدٍ، فجعل عثمان يعاتب علياً وعليٌ مطرقٌ، فقال عثمان: ما لك لا تقول؟ فقال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب.
ومن كلامه رضوان الله عليه
١٠٣٢- من لانت كلمته وجبت حرمته.
١٠٣٣- وقال لبعض أصحابه ورآه جزعاً: عليك بالصبر، فبه يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع.
١٠٣٤- ومن حسن ما روي عنه، أن رجلاً قال له وهو يخطب: يا أمير المؤمنين! صف لنا الدنيا؛ فقطع الخطبة، ثم أقبل عليه، فقال: أولها عناءٌ، وآخرها فناءٌ، حلالها حسابٌ، وحرامها عذابٌ؛ من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أهمته، ومن تهاون بها نصرته.
١٠٣٥- وسمع رجلاً يذم الدنيا، وكان مطرقاً فرفع رأسه، وقال: الدنيا دار صدقٍ لمن صدقها، ودار غنىً لمن تزود منها؛ ودار عافيةٍ لمن فهم عنها، مهبط وحي الله ، ومسجد أحبابه، ومصلى أنبيائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، تخويفاً وترهيباً، مثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، فأيها الذام الدنيا، المغتر بغرورها؛ متى
стр. 293
استذمت إليك الدنيا؟ أم متى غرتك بمصارع آبائك من الثرى، أم بمضاجع أمهاتك من البلى، كم عللت بيديك، وكم مرضت بكفيك، تبتغي له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لم ينجه شفقتك، ولم يشفع فيه طلبتك، ولم ينجع فيه دواؤك، ولم يغن عنه أطباؤك، ومثلت الدنيا بنفسه نفسك، وبمصرعه مصرعك، حين لا يغني عنه بكاؤك، ولا يدفع عنه أحباؤك؛ ثم التفت إلى أهل التربة، فقال: يا أهل التربة! يا أهل الغربة! أما المنازل فقد سكنت، وأما الأزواج فقد نكحت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟! ثم التفت إلى أصحابه، فقال: والذي نفسي بيده، لو أذن لهم في الجواب لخبروا أن خير الزاد التقوى.
وعنه رضوان الله عليه: اعقلوا الخبر إذا سمعتموه، ولا تعقلوه عقل روايةٍ، فإن رواة الكتاب كثيرٌ، ووعاته قليلٌ.
١٠٣٦- وعنه: المعروف أفضل الكنوز، وأحصن الحصون، لا يزهدنك فيه كفر من كفره، فقد شكر لك عليه من لم يستمتع بشيءٍ منه.
стр. 294
ومن مشهور كلامه ﵁
١٠٣٧- الدنيا دار ممرٍ إلى دار مقرٍ، والناس فيها رجلان: رجلٌ باع نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها.
١٠٣٨- وعنه: مثل الدنيا كمثل الحية، لينٌ مسها، وفي جوفها السم الناقع، يهوي إليها الصبي الجاهل، ويحذرها ذو اللب الحاذر.
١٠٣٩- ومن كلامه: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.
١٠٤٠- وعنه: عليكم بالنمط الأوسط، فبه يلحق التالي، وإليه يرجع الغالي.
١٠٤١- وعن أبي الأسود الدؤلي، أن علي ابن أبي طالبٍ ﵁ مر بأهل القبور فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا أهل التربة! يا أهل الغربة! اعلموا أن المنازل قد سكنت، وأن الأموال بعدكم قد قسمت، وأن الأزواج بعدكم قد نكحت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ فأجابه هاتفٌ يقول: ((السلام عليكم ورحمة الله، يا أمير المؤمنين! أما ما عندنا فما أكلنا ربحنا، وما قدمنا وجدنا، وما تركنا خسرنا؛ فالتفت إلى أصحابه وتلا هذه الآية: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾ .
стр. 295
قرئ على الحسن بن علي بن سعيد، عن مؤمل بن هشامٍ البصري، عن امرأة ابن علية، عن ابن برقان، عن ميمون بن مهران، عن أبي الأسود الدؤلي.
ذكر أشياء من البلاغة مرويةٍ مما يحفظها الكتاب والمتأدبون
١٠٤٢- فمن ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ كتب إلى معاذ بن جبلٍ يعزيه عن ابنه: أما بعد؛ فأعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، ثم إن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، نمتع بها في غبطةٍ وسرورٍ، ثم يقبضها لأجر كبير، افترض علينا الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وكان ابنك من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، أمتعك به في غبطة وسرور، وقبضه لأجرٍ كبيرٍ؛ فإن صبرت واحتسبت يا معاذ فلا يحبطن أجرك جزعك، فتندم على ما فاتك، فلو كشف لك عن ثواب مصيبتك علمت أن المصيبة قد قصرت عنه، واعلم أن الجزع لا يرد ميتاً، ولا يذهب حزناً، فليذهب أسفك على ما هو نازلٌ بك، فكأن قد، والسلام.
١٠٤٣- وفي حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : ((ثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ مهلكاتٌ؛ فأما المنجيات: فالإخلاص لله في
стр. 296
السر والعلانية، والحكم بالعدل عند الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى؛ وأما المهلكات: فشحٌ مطاعٌ، وهوىً متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه)) .
١٠٤٤- وروي عنه ﷺ : ((ثلاثٌ من الفواقر: امرأة سوءٍ إن دخلت إليك لسنتك، وإن خرجت عنها لم تأمنها؛ وجار سوءٍ إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه؛ وأمير سوءٍ إن أطعته أكفرك، وإن عصيته قتلك)) .
١٠٤٥- ودعا أعرابيٌ، فقال: اللهم إني أعوذ بك من فقرٍ مكبٍ، وضرعٍ إلى غير محبٍ.
١٠٤٦- وقال رجلٌ لصديقٍ له: اقعد! فعندي تكأٌ وطيءٌ، وطعامٌ غير بطيءٍ.
١٠٤٧- وذكر إدريس بن معقلٍ أبا مسلمٍ، فقال: بمثل أبي مسلمٍ يدرك الثأر، وينفى العار، ويبين عقدٌ، ويؤكد عهدٌ، ويسهل وعرٌ، ويخاض غمر، ويفل نابٌ، ويفتح بابٌ.
١٠٤٨- وقال رجلٌ لخالد بن صفوان: كيف أسلم على الإخوان؟ قال: لا تبلغ بهم النفاق، ولا تقصر بهم عن الاستحقاق.
١٠٤٩- وقيل للأحنف بن قيسٍ: كيف يسود الرجل؟ فقال: بالخلق السجيح، والكف عن القبيح.
١٠٥٠- وقيل لبعضهم: أي إخوانك أوجب عليك حقاً؟ فقال: الذي يسد خللي، ويغفر زللي، ويقيل عللي.
стр. 297
١٠٥١- وقال محمد بن سليمان لابن السماك: بلغني عنك شيء كرهته؛ قال: لست أبالي ذاك؛ قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان حقاً غفرته, وإن كان باطلاً كذبته.
١٠٥٢- وقال أعرابيٌ في وصف الحرب: أولها شكوى, وأوسطها نجوى, وآخرها بلوى.
١٠٥٣- ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: ((المحسن المذموم مرحومٌ)) .
١٠٥٤- وعنه صلى الله عليه: ((لا تظهر الشماتة بأخيك, فيرحمه الله ويبتليك)) .
١٠٥٥- ويروى أن أرسطا طاليس كتب إلى الإسكندر في بعض رسائله: سس الناس بالإحسان إليهم تحظ بالمودة منهم, واعلم أن طلبك طاعتهم بالرفق بهم أدوم بقاء منه باعتسافك إياهم, واعلم أنك إنما تملك الأجساد فتخطها إلى القلوب بالمعروف, واعلم أن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل, فاحرص على أن لا تقول تسلم من أن تفعل.
١٠٥٦- وقرئ على محمد بن هارون, عن أبيه, قال: أخبرني أبو يوسف, قال: وذكره صالحٌ أيضاً, عن أحمد بن عبد الله, عن يونس, قال: حدثنا حيان, عن مجالدٍ, عن الشعبي, عن ابن عباس, قال: قال لي أبي: إن هذا الرجل –يعني عمر- يدنيك, أو قال: يخصك
стр. 298
فيدخلك مع أهل بدرٍ, فاحفظ عني خصالاً ثلاثاً: لا تفشين له سراً, ولا تغتابن عنده أحداً, ولا يجربن عليك كذباً. قال الشعبي: فقلت: كل كلمةٍ خيرٌ من ألفٍ؛ قال ابن عباسٍ: إي والله ومن عشرة آلافٍ. قال ابن حيان: فذكرته لابن شبرمة, فقال: رحمهما الله, كانت الأموال إذ ذاك قليلةً.
стр. 299
باب المرتبة السابعة
١٠٥٧- لقبنا هذه المرتبة بمرتبة الفهاهة, لما قدرنا أن نذكر فيها مما يعاب على الكتاب ومن لحقته الفهاهة, فيكون ذلك مستجلباً لنشاط القارئ وإصغاء المستمع, ولعل من يتصفح هذا الكتاب يقول: ما هذا من صناعة الكتاب, فيخرج إلى الفهاهة لأن معرفة كثيرٍ مما يمر في هذا الباب يستحسن للكاتب معرفته, ويعد حفظه إياه من أدبه.
١٠٥٨- فأول ما نبدأ به ذكر معنى الفهاهة من اللغة, ثم باب ذكر من لحقته الفهاهة في زمن النبي ﷺ , ثم باب ذكر من لحقته الفهاهة في زمن الصحابة, ثم باب ذكر ما يعد على من استعمله من الكتاب فهاهةً, ثم باب ذكر الفهاهة في استعمال حوشي الكلام, ثم باب ذكر الفهاهة في جعل الحرف في غير موضعه, ثم باب ذكر الفهاهة في المعاظل من الكلام, ثم باب ذكر من لحقته الفهاهة من الكتاب وغيرهم.
فأول ذلك:
باب ذكر الفهاهة في اللغة
١٠٥٩- قال الخليل: الفه: الرجل العيي عن حجته؛ والمرأة فهةٌ، وقد فههت يا رجل فهاهةً وفهةً، ورجلٌ فهٌ وفهيهٌ، وذلك إذا
стр. 300
جاءت منه سقطةٌ أو جهلةٌ من العي وغيره. وقال الشاعر، هو أبو قيس ابن الأسلت:
الكيس والقوة خيرٌ من الإشفاق ... والفهة والهاع
١٠٦٠- وقال أبو زيدٍ: الفه العيي، الكليل اللسان، وأفهني عن حاجتي حتى فههت.
ذكر من لحقته الفهاهة في عهد رسول الله ﷺ
١٠٦١- روى تميم بن طرفة، عن عدي بن حاتم الطائي، قال: جاء رجلان إلى رسول الله ﷺ ، فتشهد أحدهما، فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما، فقال رسول الله ﷺ : ((بئس الخطيب أنت، فقم)) .
١٠٦٢- وروي عن الفراء في قوله : ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ قال: دخل رجلٌ إلى النبي ﷺ ، فقال: إن حمدي زينٌ، وإن ذمي شينٌ؛ قال: ((ذاك الله ) .
стр. 301
١٠٦٣- وعن محمد بن الضحاك، عن أبيه قال: قدم على النبي ﷺ وفد بني تميمٍ، وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً، منهم الأقرع بن حابسٍ، والزبرقان بن بدرٍ، وعطارد بن حاجبٍ، وقيس بن عاصمٍ، وعمرو بن الأهتم، وانطلق معهم عيينة بن حصنٍ، وكان يكون في كل سوءةٍ، فقدموا المدينة، فدخلوا المسجد، فوقفوا عند باب النبي ﷺ ، فنادوا من وراء الحجرات بصوتٍ عالٍ جافٍ: اخرج يا محمد حتى نفاخرك، وجئنا بشاعرنا وخطيبنا؛ فخرج النبي ﷺ ، فجلس، فقام –يعني خطيبهم- فقال: والله إن مدحي لزينٌ، وإن ذمي لشينٌ؛ فقال رسول الله ﷺ : ((ذلك الله ) فقال: أنا أكرم العرب؛ فقال رسول الله ﷺ : ((أكرم منك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)) وذكر الحديث.
١٠٦٤- ومما يدخل في هذا الباب خبر الزبرقان بن بدرٍ حين مدح، فلم يرض، فذم؛ كما روى محمد بن إدريس الحنظلي، قال: دخل على النبي ﷺ عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصمٍ والزبرقان بن بدرٍ، فقال النبي ﷺ لعمروٍ: ((أخبرني عن هذا –يعني الزبرقان- فأما هذا، فإني لا أسألك عنه –لقيسٍ-)) فقال عمروٌ: مطاعٌ في أدنيه، شديد العارضة، مانعٌ ما وراء ظهره؛ فقال: والله يا رسول الله، لقد قال، وهو يعلم أني أفضل مما قال؛ فقال عمروٌ: والله إنك لزمر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال؛ ثم قال:
стр. 302
يا رسول الله! لقد صدقت فيهما جميعاً، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم، ثم أسخطني فقلت بأسوإ ما أعلم فيه؛ فقال رسول الله ﷺ : ((إن من البيان لسحراً)) .
١٠٦٥- ومن هذا الباب ما ثبت عن رسول الله ﷺ , أن رجلاً استأذن عليه, فقال: ((من ذا؟)) فقال: أنا! كأنه كره ذاك.
١٠٦٦- قال أبو جعفر: وسمعت علي بن سليمان يقول –كأنه لم يبلغه هذا الحديث- دق رجلٌ على الخليل الباب, فقال: من ذا؟ فقال: أنا! فقال: أنت والصوت واحدٌ.
ذكر من لحقته الفهاهة في وقت الصحابة
١٠٦٧- روي عن سماك بن حربٍ, عن أبي العافية, قال: قدمت بحلوبةٍ إلى المدينة, فأتاني أبو بكرٍ الصديق ﵁, فساومني بناقةٍ, فقال: بكم؟ فقلت: بكذا؛ فقال: أتبيع بكذا؟ فقلت: لا, عافاك الله؛ فقال: لا تقل كذا, ولكن قل: لا وعافاك الله.
١٠٦٨- وعن مالكٍ, عن يحيى بن يحيى بن سعيدٍ, أن رجلاً سلم على عبد الله بن عمر, فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته والغاديات والرائحات؛ فقال عبد الله: عليك ألفاً؛ ثم إنه كره ذلك.
стр. 303
١٠٦٩- والكتاب يستحسنون حسن الجواب, كما حكي عن بعضهم, قيل له: ما اسمك؟ قال: أحمد, أحمدك الله العاقبة في جميع أمورك.
١٠٧٠- وضد هذا مستقبحٌ, كما روى مالكٌ, عن يحيى بن سعيدٍ, أن عمر بن الخطاب ﵁, قال لرجلٍ: ما اسمك؟ قال: جمرة؛ قال: ابن من؟ قال: ابن شهابٍ, قال: ممن؟ قال: من الحرقة؛ قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار؛ قال: بأيها؟ قال: بذات لظىً؛ قال له: أدرك أهلك فقد احترقوا, فكان كما قال.
باب ما يعد على من استعمله فهاهةً من الكتاب
١٠٧١- كان عبيد الله بن سليمان يرى أن من فهاهة الكتاب كتبهم: وعرفتك ذلك لتعلمه, لأنه لا فائدة فيه.
١٠٧٢- وروي عن محاربٍ أنه مر به صديقٌ له, فسلم عليه, ثم مر به آخر, فقال: أرأيت لي فلاناً؟ يعني الذي سلم عليه؛ فقال: لا؛ فقيل له: سبحان الله! ما دعاك إلى هذا الكذب؟ فقال: إنما قال لي: أرأيته لي, وليس له رأيته.
стр. 304
١٠٧٣- وقال رجلٌ لموسى بن عبد الملك لما لقيه: أطال الله بقاءك, وأدام عزك, وأتم نعمته عليك وعندك؛ فالتفت موسى إلى بعض كتابه, فقال: اكتب إليه: إني في عافيةٍ؛ أراد أنه لقيه بصدر كتابٍ.
١٠٧٤- ونظر عبيد الله بن سليمان في كتاب بعض الكتاب, فإذا فيه حرفٌ مصلحٌ, وقد لهوت عن جباية الخراج؛ فاغتاظ, وقال: لا يحكه غيري, فحكه وأصلحه: وقد لهيت.
١٠٧٥- وهم يعيبون تكرير الألفاظ وليس ذلك عند كثيرٍ من أهل العربية كما يذهبون إليه, وقد يقع من ذلك التوكيد وغيره.
١٠٧٦- وقد عابوا سعيد بن حميدٍ على محله من الكتابة بأنه كتب إلى بعض الرؤساء: وميل خادمك بين ما يملك فلم يجد فيه شيئاً يفي بحقك، ورأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان وإن كان دون حقك أبلغ في أداء ما يجب لك. فأعاد ((حقك)) في مقدار هذا اليسير من الكلام مرتين.
١٠٧٧- وكذا أقمت شهيداً به عليه، والأحسن: أقمت عليه شهيداً به.
١٠٧٨- وكذا عابوا: لفلانٍ ولي به حرمةٌ مظلمةٌ، وكان الأجود أن يقال: لفلانٍ وأنا أرعى حرمته مظلمةً.
١٠٧٩- وكذا: بفلانٍ وبه غلة حاجةٍ إلى لقائك.
стр. 305
١٠٨٠- يعيبون مثل هذا، ويعيبون التجميع، وهو أن يكون الجزء الثاني منافراً للأول في النظم، كما كتب سعيد بن حميدٍ: وصل كتابك، فوصل به ما يستعبد الحر، وإن كان قديم العبودية. ثم قال: ويستغرق الشكر، وإن كان سالف فضلك لم يبق شيئاً منه منافراً للعبودية.
١٠٨١- ويعيبون اختلاف الأجزاء، فيقع التعمل؛ كما كتب إبراهيم بن المدبر إلى عبيد الله بن سليمان يعزيه: إذا كان للمحزون في لقاء مثله أكبر الراحة كان في العاجل، ثم قال: كان الحزن راتباً إذا رجع إلى الحقائق وغير زائلٍ. فبين في الكلام التكلف في قوله: وغير زائل.
باب الفهاهة في استعمال حوشي الكلام
١٠٨٢- قال بشر بن المعتمر: إياك والتوعر، فإنه يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويمنعك مراميك.
١٠٨٣- وممن كان يستعمل حوشي الكلام أبو علقمة النحوي، ثار به مرارٌ، فقرأ رجلٌ في أذنه، فلما أفاق قال: ما لكم تتكأكؤون علي كأنكم تتكأكؤون على ذي جنةٍ؟ افرنقعوا عني! فقال بعضهم لبعضٍ: وجنيته أيضاً هنديةٌ.
١٠٨٤- وقال لحجامٍ يحجمه: انظر ما آمرك به فاصنعه، ولا تكن
стр. 306
كمن أمر بأمرٍ فضيعه؛ أنق غسل المحاجم، واشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزاً، ومصك نهزاً، ولا تكرهن أبياً، ولا تردن أتياً؛ فوضع الحجام محاجمه في جونته وانصرف.
١٠٨٥- وهذا مستثقلٌ من كل مستعملٍ، فأما من لا يتعمل من الفصحاء المتقدمين، فإن ذلك مستحسنٌ منهم، كيحيى بن يعمر، وهو من جلة التابعين، يروى أنه اختصم إليه رجلٌ وامرأةٌ، فأقبل على الرجل، فقال: أإن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها، الشكر: الفرج، وشاةٌ شكراء: محفلةٌ؛ والشبر: النكاح؛ وتطلها: تدفعها عن حقها لتبطله, ومنه: دمٌ مطلول, وقد طل دمه؛ وتضهلها: لا توفيها حقها, ولكن تدفع إليها اليسير, وبئرٌ ضهولٌ: إذا كان الماء يأتي من جرفها فقط.
١٠٨٦- ومن المطبوعين في مثل هذا عيسى بن عمر النحوي, سئل عن مسألةٍ من النحو, فقال: مسألتك هذه يتنٌ, أي: ليست مستويةً, وأصل اليتن خروج رجل الصبي قبل رأسه.
١٠٨٧- وقال: لقد كتبت حتى انقطع سوائي؛ والسواء: الوسط.
١٠٨٨- وضربه عمر بن هبيرة ضرباً كثيراً من أجل وديعةٍ, فكان يقول وهو يضرب: ما هي إلا أثيابٌ في أسيفاطٍ قبضها عشاروك.
стр. 307
باب ذكر الفهاهة في جعل الحرف في غير موضعه
١٠٨٩- من ذلك اللفف, وهو: إدخال بعض الحروف في بعضٍ, ويقال: رجلٌ ألف, إذا كان عيياً.
١٠٩٠- ويقال: به عقلةٌ, إذا كان به التواءٌ عند إرادته الكلام.
١٠٩١- والأعجمي والأعجم: الذي لا يبين ويلحن, وإن كان أصله من العرب, والعجمي: الذي نسبه من العجم, وإن كان فصيحاً.
١٠٩٢- والطمطماني والطمطماني والطمطم: الذي كلامه كلام العجم, وبه طمطمةٌ.
١٠٩٣- والألكن, وبه لكنةٌ: إذا كان يعترض في كلامه اللغة العجمية.
كما يروى عن زيادٍ الأعجم أنه كان إذا أراد أن يقول: السلطان, قال: السلتان.
١٠٩٤- ورجلٌ تمتامٌ, وبه تمتمةٌ, إذا كان يكرر التاء.
١٠٩٥- ورجلٌ فأفاءٌ, وبه فأفأةٌ: إذا كان يكرر الفاء.
١٠٩٦- وبه حبسةٌ: إذا تعذر عليه الكلام عند إرادته. ويقال: إنها
стр. 308
تعترض من كثرة السكوت.
١٠٩٧- والرتة والرتت كالريح تعرض في أول الكلام, فإذا مر فيه انقطع ذلك, ويقال: إنها تكون غريزةً.
١٠٩٨- والغمغمة: أن تقطع الحروف, وهي تستعمل في كل صوتٍ لا يفهم للناس وغيرهم.
١٠٩٩- واللثغة: أن يدخل بعض الحروف في بعضٍ.
١١٠٠- والغنة: أن يخرج الصوت من الخياشيم, وهي تستحسن في الحديثة.
١١٠١- فإن اشتدت, قيل لها: خنةٌ, وبها خننٌ.
١١٠٢- والترخيم: حذف آخر الكلام, غير أني سمعت محمد بن الوليد, يقول: قال الأصمعي: أخذ عني الخليل بن أحمد معنى الترخيم, وذلك أنه سألني: ما الترخيم؟ فقلت: العرب تقول: جاريةٌ رخيمةٌ إذا كانت حسنة الكلام لينته.
стр. 309
ذكر الفهاهة في المعاظلة بين الكلام
١١٠٣- قال ابن السكيت: تعظل القوم: اجتمعوا.
١١٠٤- وحكى غيره: تعاظلت الكلاب، أي: تسافدت.
١١٠٥- قال ثعلبٌ: المعاظلة: مداخلة الشيء في الشيء، يقال: تعاظلت الجرادتان، وعاظل الرجل المرأة.
١١٠٦- وفي حديث عمر ﵁ حين ذكر زهيراً، فقال: كان [لا] يعاظل بين الكلام.
١١٠٧- فالناس في المعاظلة على وجهين أصلهما واحدٌ، وهو: الاجتماع والمداخلة.
١١٠٨- فمنهم من قال: المعاظلة: اجتماع الحروف، يعني تكريرها، وذلك عيبٌ عند الكتاب. كما كتب سعيد بن حميدٍ إلى بعض الرؤساء في يوم المهرجان: وميل خادمك بين ما يملك فلم يجد فيه شيئاً يفي بحقك، فرأى أن تقريظك بما يبلغه اللسان، وإن كان مقصراً عن حقك أبلغ في أداء ما يجب لك. فأعاد ((حقك)) مرتين، وليس هذا مما يعاد توكيداً، وقد مضى هذا الفصل في ما تقدم.
١١٠٩- ومن الكتاب من يسمي هذا التكرير، ويقول: المعاظلة أن
стр. 310
تدخل بعض الكلام في بعض مما ليس من جنسه، أو فيما نافره ولم يلق به، فتقول: فلانٌ فقيهٌ طويلٌ.
١١١٠- ومن هذا فاحش الاستعارة، كما قال الشاعر:
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساقٍ وحافر
فاستعار الحافر مكان القدم.
١١١١- وقال آخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملكٍ أظلافه لم تقلم
وإنما الأظلاف للشاء والبقر، ولو استعار فجعل لغير الإنسان الظفر لكان حسناً، ولم يكن كقبح هذا.
١١١٢- كما يقال: مات الإنسان، ونفقت الدابة، وتنبل البعير، ولو قلت في كله: مات، لصلح، ولو قلت: نفق الإنسان، لكان هذا عند قائل هذا المعاظلة، وإنما تقع المعاظلة في الاستعارة القبيحة البعيدة.
١١١٣- فأما الاستعارة المستعملة فكثيرةٌ حسنةٌ، نحو: لقيت من فلانٍ عرق الجبين، أي: شدةً= ونحو: ضحكت الأرض إذا أنبتت، لأنها تبدي حسن النبات، وتشقق عن الزهر كما يفتر عن الثغر= ويقال: النور يضاحك الشمس، لأنه يدور معها، كما قال الأعشى يذكر روضةً:
يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزٌ بعميم النبت مكتهل
стр. 311
ذكر من لحقته الفهاهة من الكتاب وغيرهم
١١١٤- يروى أن كاتباً لأبي موسى كتب إلى عمر ﵁: من أبو موسى؛ فكتب إليه عمر: اضربه سوطاً, واعزله عن عملك.
١١١٥- وزعم عمرو بن بحرٍ الجاحظ أن ممن أدخل نفسه في الكتابة وتسمى باسمها, وكان غثاً أنوك= صالح بن سير, وجعفر بن معروفٍ, والفضل بن مروان ابن أخت أبي الوزير, وغيرهم.
١١١٦- وأحمد بن الخطيب رأى جراداً كثيراً يطير, فقال: ما أحسنه! إلا أن أكثره ميتٌ.
١١١٧- وأنشد عمروٌ:
حمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ من زياد
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك بالمداد
١١١٨- حدثني ميمون البري, قال: قرأ محمد بن الفضل الكاتب على صاحبه كتاباً فيه: ومطرنا مطراً كثر عنه الكلأ؛ فقال له: ما الكلأ؟ فتردد في الجواب, وتعثر لسانه, ثم قال: لا أدري؛ فقال: سل عنه.
стр. 312
١١١٩- وقرأ محمد بن عيسى الكاتب على بعض الخلفاء كتاباً يذكر فيه حاضر طيىءٍ, فصحفه تصحيفاً أضحك منه الحاضرين, وذلك أنه قال: جاء ضرطي.
١١٢٠- وحكى القتبي أن بشراً المريسي كان يقول لجلسائه: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهنؤها. وسمع قاسمٌ التمار قوماً يضحكون؛ فقال: هذا كما قال الشاعر:
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيءٍ ما كان يرزؤها
فالاحتجاج أعجب من اللحن.
١١٢١- ويروى أن بعض كتاب الدواوين ألزم بعض العمال مالاً وجب إلزامه إياه من حسابه, فوقع عبيد الله بن سليمان على رقعته إلى كتاب الدواوين: هذا هذاءٌ؛ فقدر العامل لضعف أدبه وعلى سبيل التمويه منه أن الوزير قد قبل حجته وقبل في الرقعة قوله كما يقال تثبيت الشيء: هو هو, كما قال الله: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ ؛ فأخرج التوقيع إلى الكتاب, وناظرهم على أنه يوجب إزالته عنه, فما منهم أحدٌ درى ما أراد عبيد الله, فرد صاحب الديوان التوقيع إلى عبيد الله, فلم يزده على أن شدد الكلمة الأخيرة, ووقع: الله المستعان.
стр. 313
١١٢٢- وحدثني العباس بن أسدٍ, أن أبا الحسين علي بن عيسى كتب إلى أبي الطيب أحمد بن علي كتاباً من مكة, فقرأه, ثم رمى به إلي, فقال: اقرأه! فلما ابتدأت أوله أرتج علي حرفٌ منه, ثم قرأت: كتابي إليك يوم القر؛ فوبخني, وقال: وما معنى يوم القر؟ قلت: القر البرد؛ وقال: إنما هو يوم القر حين يقر الناس بمنىً, وهو اليوم الثاني من النحر.
١١٢٣- وحكى محمد بن يزيد، أن المأمون عقد لرجلٍ أربعةً، وقال: كم هذه؟ فقال: أيهما يريد أمير المؤمنين، آلقائمة أم النائمة؟
١١٢٤- وحضر رجلٌ ذو هيئةٍ ولحيةٍ ونبلٍ مجلس بعض الولاة، فرفعه وهاب مجلسه، فلما استقر به المجلس، قال: أعزك الله! إن أبيك كان صديقٌ لأبي؛ فقال لحاجبه: أقم هذا الماص كذا من أمه من مجلسي؛ فانصرف القوم بسببه بغير حاجةٍ.
١١٢٥- قال أبو بكرٍ: وحضرت مجلس رجلٍ، فأفحمت عن مسألة حاجتي لكثرة حمقه، فرأيته وقد أنكر على كاتبه وقد أملى عليه: ولم أكتب إليك بخطي خوفاً من أن تقف على رداوته؛ فكتب كاتبه: على راءته؛ كما يجب، فقال: أما تحسن الهجاء، أين الواو؟ فأثبتها الكاتب، فخس في عيني، فاجترأت عليه، ودنوت منه، فسألته حاجتي.
стр. 314
١١٢٦- وقال عمرو بن بحران للرشيد: قد هجوت الرافضة؛ فقال: هات، فقال:
رغماً وشنغماً وزيتوناً ومظلمةً ... من أن ينالوا من الشيخين طغيانا
فقال له الرشيد: فسره لي! فقال: أنت يا أمير المؤمنين معك مئة ألفٍ من الجند لا تعرفه، أعرفه أنا وحدي!؟
١١٢٧- وقال رجلٌ للأحنف: ما أبالي أهجيت أم مدحت؛ فقال له الأحنف: لقد استرحت من حيث تعب الكرام.
١١٢٨- وحكي عن أحمد بن إسرائيل مع تقدمه في الكتابة أنه كتب: كانت رسومهم مساناةً، ثم صارت مشاهرةً، ثم صارت مياومةً، ثم صارت مساعاةً؛ فأخطأ، وكان يجب أن يقول مساوعةً.
١١٢٩- وعن آخر، قيل له: خير الغداء بواكره، فكيف تقول في العشاء؟ فقال: لا أدري؛ فقيل: بواصره.
١١٣٠- وعن آخر، قال: ولى النبي ﷺ معاذ بن جبل صنعاء والجند، أراد الجند، وهو أحد مخاليف اليمن.
١١٣١- وقال آخر: بنو حجحبى، وإنما هو جحجبى حيٌ من الأنصار.
стр. 315
١١٣٢- وعن آخر تعجب من حسن دارٍ دخلها، فقال: قد كنت أعرفها في موضع غير هذا.
١١٣٣- وعن آخر، لم يفرق بين عرض الحائط وطوله وسمكه.
١١٣٤- وعن آخر، لم يعرف يمين القبلة وشمالها.
١١٣٥- وربما سألوا عما لا يلزمهم معرفته، نحو قولهم: كم في ﴿العصر﴾ واوأً؟ وكم في ﴿إنا أنزلناه﴾ ؟ وعن آيتين تجمع كل واحدة منهما اب ت ث؟ وكم في آية الكرسي من لام ألفٍ؟ وعن بيتٍ يجمع اب ت ث؟ وهذا تفسير ما مضى مما سألوا عنه.
١١٣٦- أما الذي لا يفرق بين عرض الحائط وطوله وسمكه؛ فعرضه البناء المبني, وطوله نواحيه, وسمكه ارتفاعه.
١١٣٧- وأما يمين القبلة وشمالها, فما كان عن يمينك إذا قابلتها فهو شمالها, وما كان عن شمالك إذا قابلتها فهو يمينها.
١١٣٨- وفي ﴿العصر﴾ عشر واواتٍ.
١١٣٩- وفي ﴿إنا أنزلناه﴾ ثلاثٌ.
١١٤٠- وأما الآيتان اللتان تجمع كل واحدةٍ منهما حروف اب ت ث, فقوله جل وعز ﴿محمدٌ رسول الله﴾ ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنةً نعاساً﴾ .
١١٤١- وفي آية الكرسي لام ألفٍ اثنا عشر موضعاً.
стр. 316
١١٤٢- والبيت الذي يجمع حروف اب ت ث أنشدنيه علي بن سليمان:
صف خلق خودٍ كمثل الشمس إذ بزغت ... يحظى الضجيع بها شنباء معطارا
١١٤٣- وقال آخر:
هلا سكنت بذي ضغثٍ فقد زعموا ... شخصت تطلب ظبياً راح مجتازا
١١٤٤- وكتب الحسين بن علي بن العباس, على محله وعلمه ورئاسته: وهم مجانون؛ توهم أنه جمعٌ مسلمٌ.
١١٤٥- وشك آخر في صرف خفيفٍ, فقيل له: إن الشيء إنما يصرف لأنه خفيفٌ.
١١٤٦- وصحف بعضهم فأنشد:
إن الذنوب تنفع المغلوبا
وإنما هو تنقع, أي: تروي. ومنه يقال: الرشيف أنقع للظمآن, والعرب تقول: إنه لشرابٌ بأنقعٍ, أي فطنٌ, حسن التدبير, وأصله أن الطائر الفطن يأتي إلى القيعان من الماء ليشرب منها ويتخلص.
١١٤٧- قال أبو العيناء في أسد بن جهورٍ الكاتب:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... وأمات أهل العلم والآداب
وأتى بكتابٍ لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
стр. 317
جيلٌ من الأنعام إلا أنهم ... من بينها خلقوا بلا أذناب
لا يفرقون إذا الجريدة جردت ... مابين عتاب إلى عناب
أو ما ترى أسد بن جهورٍ قد غدا ... متشبهاً بأجلة الكتاب
لكن يخرق ألف طومارٍ إذا ... ما احتيج منه إلى جواب كتاب
وإذا أتاه سائلٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب
وسمعت من غث الكلام ورثه ... وقبيحه واللحن بالإعراب
ثكلتك أمك هبك من بقر الملا ... ما كنت تغلط مرةً بصواب
١١٤٨- ومما وجدته في آخر كتابٍ عندي في هذه القصيدة، ونسبت إلى أحمد بن مهران الكاتب بأسرها:
وإذا أتاه مسلمٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب
وأتاه من غث الكلام ورثه ... وحديثه واللحن بالإعراب
стр. 318
باب المرتبة الثامنة
١١٤٩- قال أبو جعفرٍ: هذه مرتبة الخطابة، وهي من أوكد ما يحتاج الكتاب إليه، لما روي عن النبي ﷺ ، قرئ على أحمد بن شعيب بن عليٍ، عن محمود بن خالدٍ، قال: حدثنا؛ قال: قال أبو عمروٍ: أخبرني قرة، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((كل أمرٍ ذي بالٍ لا تبدأ فيه بحمد الله أقطع)) .
١١٥٠- فأول ما نبدأ به من الأبواب في هذه المرتبة باب ما روي عن النبي ﷺ من الخطب، ثم باب ما ذكر عن أهل البيت ﵈ من الخطب، ثم باب ما ذكر من الخطب عن الصحابة ﵃، ثم باب ما ذكر عن جلة الكتاب، ثم باب ذكر من أرتج عليه في خطبته.
стр. 319
باب ما يروى عن النبي ﷺ من الخطب
١١٥١- قرئ على أحمد بن شعيب بن عليٍ، عن قتيبة بن سعدٍ، قال: حدثنا عبثر، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة، فقال: ((التشهد في الحاجة أن تقول: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ ويقرأ ثلاث آياتٍ)) .
١١٥٢- قال في حديث أبي عبد الرحمن: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة، وذكر هذا؛ قال: وفيه: ثم يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث: ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ ، و ﴿واتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم﴾ و ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ .
١١٥٣- قال أبو بكرٍ محمد بن إبراهيم بن المنذر: ما تركت هذه الخطبة عند النكاح.
стр. 320
١١٥٤- وقال غيره: وجدنا خطب رسول الله أكثرها أوله هذا الكلام, وفي بعضها زيادةٌ: ((يا أيها الناس! كأن الموت على غيرنا كتب, وكأن الحق على غيرنا وجب, وكأن الذي نشيع من الأموات سفرٌ عما قليلٌ إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم, ونأكل تراثهم, كأنا مخلدون بعدهم, قد نسينا كل واعظةٍ وأمنا كل جائحةٍ, طوبى لمن شغله عيبه عن عيب غيره, وأنفق ما اكتسبه من غير معصيةٍ, ورحم أهل الضعف والمسكنة, وخالط أهل الفقه والحكمة, طوبى لمن أذل نفسه, [وطاب كسبه,] وحسنت خليقته, وصلحت سريرته, [وكرمت علانيته,] وعزل عن الناس شره؛ [طوبى لمن عمل بعلمه,] وأنفق الفضل من ماله, وأمسك الفضل من قوله, ووسعته السنة, ولم يعدها إلى بدعةٍ)) .
١١٥٥- وفي أخرى: ((يا أيها الناس! إن المؤمن بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه, وبين أجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه, فليأخذ العبد من نفسه لنفسه, ومن دنياه لآخرته, ومن الشبيبة قبل الكبر, ومن الحياة قبل الموت؛ والذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الموت مستعتبٌ, ولا بعد الدنيا دارٌ إلا الجنة أو النار)) .
следующие страницы →