Полный текст (433 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
١١٤٢- والبيت الذي يجمع حروف اب ت ث أنشدنيه علي بن سليمان:
صف خلق خودٍ كمثل الشمس إذ بزغت ... يحظى الضجيع بها شنباء معطارا
١١٤٣- وقال آخر:
هلا سكنت بذي ضغثٍ فقد زعموا ... شخصت تطلب ظبياً راح مجتازا
١١٤٤- وكتب الحسين بن علي بن العباس, على محله وعلمه ورئاسته: وهم مجانون؛ توهم أنه جمعٌ مسلمٌ.
١١٤٥- وشك آخر في صرف خفيفٍ, فقيل له: إن الشيء إنما يصرف لأنه خفيفٌ.
١١٤٦- وصحف بعضهم فأنشد:
إن الذنوب تنفع المغلوبا
وإنما هو تنقع, أي: تروي. ومنه يقال: الرشيف أنقع للظمآن, والعرب تقول: إنه لشرابٌ بأنقعٍ, أي فطنٌ, حسن التدبير, وأصله أن الطائر الفطن يأتي إلى القيعان من الماء ليشرب منها ويتخلص.
١١٤٧- قال أبو العيناء في أسد بن جهورٍ الكاتب:
تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... وأمات أهل العلم والآداب
وأتى بكتابٍ لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
стр. 317
جيلٌ من الأنعام إلا أنهم ... من بينها خلقوا بلا أذناب
لا يفرقون إذا الجريدة جردت ... مابين عتاب إلى عناب
أو ما ترى أسد بن جهورٍ قد غدا ... متشبهاً بأجلة الكتاب
لكن يخرق ألف طومارٍ إذا ... ما احتيج منه إلى جواب كتاب
وإذا أتاه سائلٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب
وسمعت من غث الكلام ورثه ... وقبيحه واللحن بالإعراب
ثكلتك أمك هبك من بقر الملا ... ما كنت تغلط مرةً بصواب
١١٤٨- ومما وجدته في آخر كتابٍ عندي في هذه القصيدة، ونسبت إلى أحمد بن مهران الكاتب بأسرها:
وإذا أتاه مسلمٌ في حاجةٍ ... رد الجواب له بغير جواب
وأتاه من غث الكلام ورثه ... وحديثه واللحن بالإعراب
стр. 318
باب المرتبة الثامنة
١١٤٩- قال أبو جعفرٍ: هذه مرتبة الخطابة، وهي من أوكد ما يحتاج الكتاب إليه، لما روي عن النبي ﷺ ، قرئ على أحمد بن شعيب بن عليٍ، عن محمود بن خالدٍ، قال: حدثنا؛ قال: قال أبو عمروٍ: أخبرني قرة، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: ((كل أمرٍ ذي بالٍ لا تبدأ فيه بحمد الله أقطع)) .
١١٥٠- فأول ما نبدأ به من الأبواب في هذه المرتبة باب ما روي عن النبي ﷺ من الخطب، ثم باب ما ذكر عن أهل البيت ﵈ من الخطب، ثم باب ما ذكر من الخطب عن الصحابة ﵃، ثم باب ما ذكر عن جلة الكتاب، ثم باب ذكر من أرتج عليه في خطبته.
стр. 319
باب ما يروى عن النبي ﷺ من الخطب
١١٥١- قرئ على أحمد بن شعيب بن عليٍ، عن قتيبة بن سعدٍ، قال: حدثنا عبثر، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة، فقال: ((التشهد في الحاجة أن تقول: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ ويقرأ ثلاث آياتٍ)) .
١١٥٢- قال في حديث أبي عبد الرحمن: علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة، وذكر هذا؛ قال: وفيه: ثم يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث: ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ ، و ﴿واتقوا الله وقولوا قولاً سديداً. يصلح لكم أعمالكم﴾ و ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾ .
١١٥٣- قال أبو بكرٍ محمد بن إبراهيم بن المنذر: ما تركت هذه الخطبة عند النكاح.
стр. 320
١١٥٤- وقال غيره: وجدنا خطب رسول الله أكثرها أوله هذا الكلام, وفي بعضها زيادةٌ: ((يا أيها الناس! كأن الموت على غيرنا كتب, وكأن الحق على غيرنا وجب, وكأن الذي نشيع من الأموات سفرٌ عما قليلٌ إلينا راجعون نبوئهم أجداثهم, ونأكل تراثهم, كأنا مخلدون بعدهم, قد نسينا كل واعظةٍ وأمنا كل جائحةٍ, طوبى لمن شغله عيبه عن عيب غيره, وأنفق ما اكتسبه من غير معصيةٍ, ورحم أهل الضعف والمسكنة, وخالط أهل الفقه والحكمة, طوبى لمن أذل نفسه, [وطاب كسبه,] وحسنت خليقته, وصلحت سريرته, [وكرمت علانيته,] وعزل عن الناس شره؛ [طوبى لمن عمل بعلمه,] وأنفق الفضل من ماله, وأمسك الفضل من قوله, ووسعته السنة, ولم يعدها إلى بدعةٍ)) .
١١٥٥- وفي أخرى: ((يا أيها الناس! إن المؤمن بين مخافتين: بين أجلٍ قد مضى لا يدري ما الله صانعٌ فيه, وبين أجلٍ قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه, فليأخذ العبد من نفسه لنفسه, ومن دنياه لآخرته, ومن الشبيبة قبل الكبر, ومن الحياة قبل الموت؛ والذي نفس محمدٍ بيده ما بعد الموت مستعتبٌ, ولا بعد الدنيا دارٌ إلا الجنة أو النار)) .
стр. 321
١١٥٦- ويروى أنه خطب صلى الله عليه في تزويج عليٍ لفاطمة رضوان الله عليهما: ((الحمد الله المحمود بنعمه, المعبود بقدرته, المطاع بسلطانه, المرهوب من عقابه, المرغوب في ما عنده, النافذ أمره في سمائه وأرضه, الذي خلق الخلق بقدرته, وميزهم بحكمته, وأعزهم بدينه, وأكرمهم بمحمدٍ نبيه؛ أما بعد؛ فإن الله جعل المصاهرة نسباً لاحقاً, وحقاً واجباً, وفرضاً لازماً, وحكماً عادلاً, وخيراً جامعاً؛ وشج به الأرحام, وألزمه الأنام, وفرق به بين الحلال والحرام, فقال جل ذكره: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً﴾ . فأمر الله يجري إلى قضائه, وعلمه سائرٌ على قدره, ولكل حكمٍ أجلٌ, و ﴿لكل أجلٍ كتاب. يمحوا الله ما يشاء ويثبت عنده أم الكتاب﴾ ولأمر الله العلو والنفاذ. وقد أنكحت فاطمة ابنة محمدٍ من علي بن أبي طالبٍ المشارك لها في نسبها, الرضى عند الله وعند رسوله على الملة العادلة والسنة القائمة, فجمع الله شملهما, وبارك لهما, وجعلهما مفاتح للرحمة, وأمناء للأمة, أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)) .
١١٥٧- قرئ على أحمد بن حمادٍ, عن يحيى بن عبد الله بن بكيرٍ, قال: حدثنا الليث, قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد, عن عياض بن عبد الله بن سعدٍ, أنه سمع أبا سعيدٍ الخدري, يقول: قام رسول الله
стр. 322
صلى الله عليه وسلم , فخطب الناس, فقال: ((والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا)) فقال رجلٌ: يا رسول الله! أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعةً, ثم قال: ((كيف قلت؟)) قال: قلت: يا رسول الله! أيأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعةً, ثم قال: ((كيف قلت؟)) فقال: قلت: وهل يأتي الخير بالشر؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إن الخير لا يأتي إلا بالخير أو خيرٌ هو, إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم)) وذكر الحديث.
١١٥٨- قال أبو جعفرٍ: وهذا من لفظ رسول الله ﷺ مما يقال أنه لم يسبق إليه, وهو من الكلام البليغ, وذلك أن الحبط أن تأكل الناقة من الرعي فتكثر حتى تنتفخ بطنها, ومعنى: ((أو يلم)) يقارب أن يقتل, فنهى رسول الله ﷺ عن الاستكثار من الدنيا ونضارتها وحسنها إذا كان في ذلك ما يهلك, فضرب استكثار البهيمة من العشب في الربيع حتى يقتلها حبطاً مثلاً لذلك.
باب ما يذكر عن أهل البيت رضوان الله عليهم من مشهور الخطب
١١٥٩- لأمير المؤمنين عليٍ صلوات الله عليه: ألا إن الدنيا قد
стр. 323
أدبرت وآذنت بوداعٍ, ألا إن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاعٍ, المضمار اليوم, والسباق غداً, ألا وإنكم في أيام أملٍ من ورائه أجلٌ, فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله, ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة؛ ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها, ولا كالنار نام هاربها؛ ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل, ومن لم يستقر به الهدى جار به الضلال؛ ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن, ودللتم على الزاد, وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى, وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق, وأما طول الأمل فينسي الآخرة.
١١٦٠- وروى عبد خيرٍ, قال: قام عليٌ ﵁ على المنبر, فقال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ قالوا: بلى! قال: أبو بكرٍ؛ ثم سكت سكتةً, ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكرٍ؟ عمر.
١١٦١- وروى سويد بن غفلة قال: مررت بقومٍ من الشيعة وهم يشتمون أبا بكرٍ وعمر رحمهما الله, قال: فدخلت على عليٍ ﵁, فقلت: يا أمير المؤمنين! مررت بنفرٍ من أصحابك يتناولون أبا بكرٍ وعمر, ويذكرونهما بغير الذي هما له من الأمة أهلٌ, فلولا أنهم يرون أنك تضمر مثل ما أعلنوا ما تجرؤوا على ذلك؛ فقال عليٌ ﵁: أعوذ بالله! أعوذ بالله! مرتين, أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل, أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه؛ ثم نهض دامع العينين
стр. 324
قابضاً على لحيته ينظر فيها وهي بيضاء, فاجتمع له الناس, ثم قام بخطبةٍ بليغةٍ, ثم قال: ما بال قومٍ يذكرون سيدي قريشٍ وأبوي المسلمين, بما أنا منه بريءٌ, وعليه معاقبٌ, وعنه متنزهٌ! أما والذي فلق الحبة, وبرأ النسمة, إنه لا يحبهما إلا مؤمنٌ نقيٌ, ولا يبغضهما إلا فاجرٌ شقيٌ؛ صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء, يأمران وينهيان ويقتصان ويعاقبان, لا يجاوزان فيما يقضيان رأي رسول الله ﷺ , لا يرى رسول الله ﷺ كرأيهما رأياً, ولا كحبهما حباً, مضى رسول الله ﷺ راضياً عنهما, والمؤمنون راضون, أمر رسول الله ﷺ أبا بكرٍ على صلاةٍ المؤمنين أياماً, فلما قبض النبي ﷺ ولاه المؤمنون ذلك, وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان, وآتوه البيعة طائعين, وهو لها كارهٌ, يود أن أحداً منا كفاه ذلك, وكان والله خيراً من نفرٍ, أرحمهم رحمةٍ، وأرأفهم رأفةً، وأثبتهم ورعاً، وأقدمهم إسلاماً، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفةً ورحمةً، وبإبراهيم ﵇ عفواً، ووقاراً، فسار فينا بسيرة رسول الله ﷺ حتى مضى لسبيله رحمة الله عليه. وولي الأمر من بعده عمر، واستأمر المسلمين في ذلك، فمنهم من رضي، ومنهم من كره، وكنت في من رضي، فما فارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، فأقام الدين على منهاج النبي ﷺ وصاحبه يتبع آثارهما كاتباع الفصيل أثر أمه؛ وكان والله رفيقاً رحيماً عوناً وناصراً للمظلومين على الظالمين لا يخاف في الله لومة لائمٍ، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شأنه، حتى إنا كنا لنظن أن ملكاً ينطق
стр. 325
على لسانه؛ أعز الله بإسلامه الدين، وجعل هجرته للدين قواماً، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة، وفي قلوب المنافقين الرهبة، وشبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح الرسول ﵇ حنقاً واغتياظاً على الكفار، الضراء في طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله؛ فمن لكم بمثليها؟ رحمها الله، ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا باتباع آثارهما، وحبٍ لهما؛ فمن أحبني فليحببهما، ومن لم يحبهما فقد أبغضني، وأنا منه بريءٌ، ولو أنني كنت تقدمت إليكم في أمرهما بشيءٍ: لعاقبت من ذكرهما بسوء أشد العقوبة، ولكني لا ينبغي لي أن أعاقب قبل التقدم، فمن أتيت به بعد هذا يقول فيهما سوءاً فإن عليه ما على المفتري. ألا وخير هذه الأمة أبو بكرٍ، ثم عمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ثم نزل.
١١٦٢- ومن ذلك حديث معاوية ﵁ حين خطب لما سلم إليه الحسن رضوان الله عليه الخلافة، فقال في خطبته: إنه ما من أمةٍ اختلفت بعد نبيها إلا غلب باطلها حقها، إلا ما كان من أمر هذه الأمة، فإن حقها غلب باطلها.
ثم قال للحسن ﵁: قم فاعتذر من الفتنة؛ فقام الحسن رضوان الله عليه، فحمد الله، وصلى على نبيه محمدٍ ﷺ ، ثم قال: يا أيها الناس! إن الله هدى بنا أولكم، وحقن بنا دماء
стр. 326
آخركم، وإن هذا الأمر الذي تنازعت أنا ومعاوية فيه، إما أمرٌ لرجلٍ هو أحق به مني فسلمته إليه، وإما أمرٌ هو لي فتركته لحقن دماء المسلمين، ﴿وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين﴾ . وأشار بيده إلى معاوية، ثم نزل.
١١٦٣- ومن حسن ما في هذه الخطب مما يرى الكتاب والمتأدبون حفظها خطبة زيد بن عليٍ ﵄، كتبناها عن علي بن سليمان، قال: هذا الذي أذكره لك خطبةٌ لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن عليٍ رضوان الله عليهم، وهي من الخطب المتناهية الصحاح يتداولها أهل العلم كابراً عن كابرٍ، ولا إسناد عندنا فيها، وهي صحيحةٌ؛ لما خرج زيد بن علي ﵄ واجتمع الناس، خطب، فقال:
الحمد لله الواصل الحمد بالنعم، والنعم بالشكر؛ أحمده على آلائه وبلائه حمد من يعلم أن الحمد فريضةٌ واجبةٌ، وتركه خطيئةٌ محيطةٌ، ونستعينه على هذه النفوس البطاء عما أمرت به، السراع إلى ما نهيت عنه؛ أمر الله نافعٌ، ونهي الله ضارٌ؛ نستغفر الله العظيم مما أحاط به علمه وأحصاه كتابه، علم الله غير مغيبٍ عنه، وكتابه غير مغادرٍ؛ ونؤمن به إيمان من عاين الغيوب، وقف على الموعود؛ إيماناً نفى إخلاصه الشرك، ويقينه الشك، ونتوكل عليه توكل من لا يثق إلا به، ولا يفزع إلا إليه، ثقة أهل الرجاء، ومفزع أهل التوكل؛ وأشهد أن لا إله
стр. 327
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادتين تصعدان القول، وترفعان العمل، لا يخف ميزان توضعان فيه، ولا يثقل ميزان ترفعان منه، يهون بهما الحساب، ويمضي بهما على الصراط؛ جعلنا الله وإياكم من المتقين.
أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي من اكتفى بها كفته, ومن اجتنب بها وقته, كافيةً غير خاذلةٍ, واقيةً غير مخلةٍ؛ هي الزاد, وإليها المعاد, زادٌ مبلغٌ, ومعادٌ منجحٌ, دعا إليها أسمع داعٍ, ووعاها خير واعٍ؛ فأعذر داعيها, وفاز واعيها؛ عباد الله! إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه, وألزمت قلوبهم مخافته؛ حتى أسهرت ليلهم, وأظمأت هواجرهم؛ فأخذوا الراحة بالنصب, والري بالظمإ, وبادروا العمل, وخافوا بغتة الأجل؛ فانكمشوا في مهلٍ, وأسرعوا في طلبٍ حتى أفادوا ذخيرةً, وأطابوا سريرةً؛ ليوم الرحلة, وحين الحاجة؛ عباد الله! إن الدنيا دار فناءٍ وعناءٍ, وغيرٍ وعبرٍ؛ فمن الفناء أن الدهر موترٌ قوسه, لا تخطئ سهامه, ولا تشوي جراحه, يرمي الحي بالموت, والصحيح بالعطب؛ شاربٌ لا ينقع, وآكلٌ لا يشبع؛ ومن العناء أن المرء يبني ما لا يسكن, ويجمع ما لا يأكل؛ ثم يخرج إلى الله لا مالاً حمل, ولا بناءً نقل؛ ومن غيرها أنك تلقى المرحوم مغبوطاً, والمغبوط مرحوماً, وليس ذلك إلا نعيماً رحل, وبؤساً نزل؛ ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله, فيقطعه أجله, فلا أملٌ يدرك, ولا مؤملٌ يترك, سبحان الله ما أغر سرورها, وأظمأ ريها, وأضحى فيئها, فكأن الذي كان من الدنيا لم يكن, وكأن الذي هو فيها كائن قد باد؛ لا جاءٍ يرد
стр. 328
ولا ماضٍ يرتد, وإن الآخرة دار بقاءٍ وقرارٍ, وجنةٍ ونارٍ؛ صار أولياء الله إلى الآخرة بالصبر, فجاوروا الله في داره ملوكاً خالدين, يا أيها الناس إن الله خلقكم ليبلو أخباركم أيكم أحسن عملاً, جعل موتاً بين حياتين, موتاً بعد حياةٍ, وحياةً ليس بعدها موتٌ, وإن أعداء الله نظروا, فلم يجدوا شيئاً بعد الموت إلا والموت أشد منه, فسألوا الله الحياة جزعاً من الموت, وإن أولياء الله نظروا, فلم يجدوا شيئاً بعد الموت إلا والموت أهون منه, فسألوا الله الموت جزعاً من الحياة, ولكل مما فيه مزيدٌ. واعلموا أن ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خيرٌ مما نقص من الآخرة وزاد في الدنيا, وكل شيءٍ من الدنيا سماعه أعظم من عيانه, وكل شيءٍ من الآخرة عيانه أعظم من سماعه, فليكفيكم من العيان السماع, ومن الغيب الخبر, سبحان الله! ما أقرب الحي من الميت في اللحاق به, وأبعد الميت من الحي للانقطاع عنه. إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه, وما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم, فذروا ما قل لما كثر, وما ضاق لما اتسع, فقد تكفل لكم بالرزق, وأمرتم بالعمل, فلا يكن المضمون لكم طلبه أولى من المفروض عليكم عمله, مع أنه قد اعترض الشك, ورحل اليقين, حتى كأن الذي ضمن لكم فرض عليكم, وكأن الذي فرض عليكم وضع عنكم, ولله آباؤكم تنبهوا من سنتكم, وبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل, فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق, ما فات اليوم من الرزق يرجى غداً زيادته, وما فات من العمر أمس لم يرج اليوم رجعته, الرجاء مع الجائي, واليأس مع الماضي, فـ ﴿اتقوا الله حق تقاته
стр. 329
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ .
باب ما يروى عن الصحابة ﵃ من الخطب
١١٦٤- من ذلك خطبةٌ لأبي بكرٍ الصديق ﵁، قال فيها: ألا إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك، الملك إذا ملك زهده الله في ما عنده، ورغبه في ما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فإذا وجب ونضب عمره، وضحا ظله، حاسبه الله، فأشد حسابه، وأقل عفوه، وسترون بعدي ملكاً غصوباً، وأمةً شعاعاً، ودماً مفاحاً، وإن كانت لأهل الباطل نزوةٌ، ولأهل الحق جولةٌ، يعفو لها الأثر، وتموت السنن، فالزموا المساجد واستشيروا القرآن، وليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد التناظر.
قال أبو جعفرٍ: وجب، أي: مات، وأصل الوجوب: السقوط، ومنه قوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ ، وقوله: نضب عمره، أي: نفد، وقوله: ضحا ظله، أي: صار شمساً، أي: ذهب، ومعناه: مات؛ وقوله: وأمةً شعاعاً، أي: متفرقين مختلفين؛ وقوله: دماً مفاحاً أي: مسالاً، وفاح الدم، أي: سال، يريد يقتلون قتلاً ذريعاً فاشياً بكل مكانٍ؛ وقوله: ولأهل الحق جولةٌ،
стр. 330
أي: لا يستقرون على الذي يعرفونه ويطمئنون إليه، أي: هم متحيرون؛ ويعفو الأثر، أي: يدرس.
١١٦٥- ومن ذلك خطبة عمر ﵁ لما ولي، فقال: ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلاً لمجلس أبي بكرٍ ﵁؛ فنزل مرقاةً عن مجلسه، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: اقرؤوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، إنه لم يبلغ حق ذي حقٍ أن يطاع في معصية الله ، ألا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
١١٦٦- وفي رواية خالد بن نزارٍ, عن مالك بن أنسٍ، عن وهب بن كيسان، أنه سمع عبد الله بن الزبير يخطب يقول: إن لأهل التقوى علاماتٍ يعرفون بها، فمن رضي بالقضاء، وشكر عند النعماء، وصبر عند البلاء، وذل لأحكام القرآن، وإنما السلطان سوقٌ من الأسواق، فإن كان من أهل الحق حمل إليه أهل الحق حقهم، وإن كان من أهل الباطل حمل إليه أهل الباطل باطلهم.
стр. 331
بابٌ فيه من خطب عمر بن عبد العزيز ﵀
١١٦٧- قرئ على أبي إسحاق إبراهيم بن حميدٍ، عن العباس بن الفرج الرياشي، قال: حدثني عبد الملك بن قريبٍ الأصمعي قال: قال شعبة بن الحجاج: وفد وافدٌ لأهل البصرة على عمر بن عبد العزيز قال: فلما أتيت بابه، أذن لي، ثم قال: ما بك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! أتيتك مستحفراً، قال: لماذا؟ قلت: لبئرٍ بالعذبة، قال: وأين العذبة؟ قلت: على منزلتين من البصرة، قال: قد أحفرتك على أن أول واردٍ ابن سبيلٍ، قال: ثم أتت الجمعة، فقربت من المنبر، فلما صعد حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس! إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلئن كنتم صدقتم لقد فزتم، ولئن كنتم كذبتم لقد هلكتم، يا أيها الناس! إنه من يكن له بحضيض أرضٍ أو بنيق جبلٍ رزقٌ يأته، فأجملوا في الطلب؛ ثم نزل.
١١٦٨- ويروى أن عمر قال في خطبته: يا أيها الناس! إنما الدنيا أملٌ مخترمٌ، وأجلٌ منتقص، وبلاغٌ إلى دارٍ غيرها، وسيرٌ إلى الرب ليس فيه تعريجٌ، رحم الله من فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه؛ أيها الناس! قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنبٍ واحدٍ، وأن ربكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجلٍ، ومن ربه على أملٍ.
стр. 332
١١٦٩- وحدثني محمد بن أيوب, قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد الميموني, قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر بن حسام بن مصك, قال: حدثنا جعفر بن سليمان, عن مالك بن دينارٍ, قال: سمعت الحجاج بن يوسف وهو يخطب يوم الجمعة، يقول: رحم الله امرءاً اتهم نفسه على نفسه، امرءاً اتخذ نفسه عدواً، امرءاً وازن نفسه، امرءاً أخذ بعنان عمله، فعلم ماذا يراد به، امرءاً نظر إلى حسناته, امرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره, امرءاً نظر إلى ميزانه؛ فلم يزل يقول: امرءاً فعل كذا, امرءاً فعل كذا؛ حتى بكيت.
١١٧٠- وفي غير هذه الخطبة: يا أيها الناس! اقدعوا هذه النفوس, فإنها أسأل شيءٍ إذا أعطيت, وأعطى شيءٍ إذا سئلت, فرحم الله امرءا حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره, وجعل لنفسه خطاماً وزماماً, فقادها بخطامها إلى طاعة الله , وعطفها بزمامها عن معصية الله, فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عقابه.
١١٧١- وقال الشعبي: سمعت الحجاج يتكلم بكلامٍ ما سبقه إليه أحدٌ, سمعته يقول: إن الله كتب على الدنيا الفناء, وعلى
стр. 333
الآخرة البقاء, فلا فناء لما كتب عليه البقاء, ولا بقاء لما كتب عليه الفناء, فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة, قصروا طول الأمل بقصر الأجل.
١١٧٢- ومما يستحسن خطبة المأمون, وهي في يوم جمعةٍ: الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه, ومستوجبه على خلقه, أحمده وأستعينه وأؤمن به, وأتوكل عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله, وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون, أوصيكم عباد الله بتقوى الله, والعمل بطاعته, والتنجز لوعده, والخوف لوعيده, فإنه لا يسلم إلا من أبقاه ورجاه, وعمل له وأرضاه, فاتقوا الله عباد الله, وبادروا آجالكم بأعمالكم, وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم, وترحلوا فقد جد بكم, واستعدوا للموت فقد أظلكم, وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا, وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدارٍ, فاستبدلوا؛ فإن الله لم يخلقكم عبثاً, ولا يترككم سدىً, وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به, وإن غايةً تنقصها اللحظة, وتهدمها الساعة, لحريةٌ بقصر المدة, وإن غائباً يحدوه الجديدان: الليل والنهار لحريٌ بسرعة الأوبة, وإن قادماً يحل بالفوز أو الشقوة لمستحقٌ لأفضل العدة, فاتقى عبدٌ ربه, ونصح لنفسه, وقدم توبته, وغلب شهوته, فإن أجله مستورٌ عنه, وأمله خادعٌ له, والشيطان موكلٌ به يزين له
стр. 334
المعصية ليركبها, ويمنيه التوبة ليسوفها, حتى تهجم عليه منيته أغفل ما كان عنها, فيالها حسرةً على ذي غفلةٍ أن يكون عمره عليه حجةً, أو تؤديه أيامه إلى شقوةٍ, نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمةٌ, ولا تقصر به عن طاعته غفلةٌ, ولا يحل به بعد الموت حسرةٌ, إنه سميع الدعاء, بيده الخير وهو فعالٌ لما يريد.
باب ذكر من أرتج عليه في الخطابة
١١٧٣- صعد رجلٌ المنبر ليخطب, فأرتج عليه, فنظر إلى أخي امرأته فقال: ما لك يا بغيض! أختك طالقٌ البتة.
١١٧٤- وخطب يزيد بن أبي سفيان لما أتى الشام والياً لأبي بكرٍ, فأرتج عليه, فعاد إلى الحمد ثلاثاً, فأرتج عليه, فقال: يا أهل الشام! عسى الله أن يجعل بعد عسرٍ يسراً, وبعد عيٍ بياناً, وأنتم إلى أميرٍ عادلٍ أحوج منك إلى أميرٍ قائلٍ. فبلغ ذلك عمرو بن العاص, فاستحسنه.
١١٧٥- وأرتج على عبد ربه اليشكري, عاملٍ لعيسى بن موسى على المدائن, فسكت, وقال: والله إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمةٍ, فإذا قمت على أعوادكم هذه تنحت كلها من قلبي.
стр. 335
١١٧٦- وقيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك الشيب؛ قال: كيف لا يعجل علي وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعةٍ مرةً أو مرتين!؟.
١١٧٧- ودعي رجلٌ ليخطب في نكاحٍ, فأرتج عليه, فقال: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله؛ فقالت امرأة حضرت: ألهذا دعوناك؟ أماتك الله!
١١٧٨- وخطب عبد الله بن عامرٍ بالبصرة في يوم أضحى, فأرتج عليه, فقال: لا أجمع عليكم لؤماً وعياً, من أخذ من السوق شاةً فهي له, وثمنها علي.
١١٧٩- وأرتج على معن بن زائدة, فقال وضرب برجله المنبر: فتى حروبٍ لا فتى منابر.
стр. 336
ذكر المرتبة التاسعة
١١٨٠- وهي طبقة الكتابة، أذكر فيها فضل الكتابة على سائر الصناعات ثم باب ذكر نبل الكتاب وعلمائهم ورؤسائهم، ثم باب إيجازاتٍ واختصاراتٍ من الكتابة، ثم باب فصولٍ ورسائل بليغةٍ.
باب ذكر فضل الكتابة على سائر الصناعات
١١٨١- وروى ابن عباسٍ، عن النبي ﷺ في قوله : ﴿أو أثارةٍ من علمٍ﴾ قال: ((الخط)) .
١١٨٢- قال عمرو بن بحرٍ الجاحظ: من شرف الكتابة ما ذكره الله في كتابه، وهو قوله: ﴿الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم﴾ وقوله: ﴿بأيدي سفرةٍ. كرامٍ بررةٍ﴾ ، وقوله: ﴿ولا يضار كاتبٌ ولا شهيدٌ﴾ ، وقوله: ﴿ولم تجدوا كاتباً فرهانٌ مقبوضةٌ﴾ فلولا فضل الكتابة لم يجعل الله أهلها بهذا المكان العالي، فمن أبين
стр. 337
فضائلها أنها جعلت مدحاً للملائكة، ولعلية الناس، ومن فضل الكتابة وشرفها أن الكتاب في قديم الدهر وحديثه يدبرون الملك والخلافة دون غيرهم، وأن الكتب تختم بذكرهم، وذلك بينٌ في سجلات النبي ﷺ وفي غيرها إلى يومنا هذا. ومن جلالتها أن أحكامها كأحكام القضاة.
١١٨٣- وقال غيره: قد غلط من زعم أن أحكام الكتابة مباينةٌ لأحكام الشريعة، لأن ذلك مخالفٌ لما يوجد في العقل والدين، لأن الكتابة فرع صناعةٍ لسياسة الملك، والملك لا قوام له إلا بالدين، فقد تبين أن الكتابة فرعٌ من فروع الدين، وما كان فرعاً لشيءٍ لم يباينه، وأحكام الكتابة ملائمةٌ لأحكام الشريعة، ألا ترى أن مسلماً لو استحق أرضاً مواتاً كان حكم الكاتب والفقيه فيها سواءٌ، وكذا فيما تخرج الأرض من الزكاة في العشر ونصف العشر، وكذا الحكم في المعادن والخمس، وكذا الحكم في الفيء والغنائم والصدقات، فجميع أحكام الكتابة إذا وقع الإنصاف داخلٌ في أحكام الفقه أو مشاركٌ له.
١١٨٤- وهذه رسالةٌ كتب بها أبو جعفرٍ الفضل بن حدادٍ إلى أبي معشرٍ المنجم في فضل الكتابة: الكتابة، أعزك الله، نسبٌ وقرابةٌ ورحمٌ ماسةٌ ووسيلةٌ، وهي أس الملك، وعماد المملكة، وأغصانٌ متفرعةٌ من شجرةٍ واحدةٍ، وهي قطب الأدب، وفلك الحكمة، ولسانٌ ناطقٌ، وهي نور العلم، وتزكية العقول، وميدان الفضل والعدل، وهي زينةٌ وحليةٌ، ولبوسٌ وجمالٌ وهيئةٌ وروحٌ جارٍ في أجسامٍ متفرقةٍ، وبها
стр. 338
وسمت التوراة والإنجيل والقرآن والكتب المنزلة، ولو أن فضلاً ونبلاً تصورا جسماً لتصورت الكتابة، ولولا ما نزل به الكتاب في الفرض والمواريث لورثت الكتابة، ولو أن الصناعة مربوبةٌ لكانت الكتابة سيداً لكل صناعةٍ، وبالكتابة توضع الموازين، وتنشر الصحف يوم القيامة، والكتابة أفضل شيءٍ عند الله منزلةً ودرجةً ومن جهل حقها رسم برسم الغواة والجهلة، وبها قامت السياسة والرياسة، وإليها ضوت الملوك بالفاقة والحاجة، وإليهم ألقيت الأعنة والأزمة، وبهم اعتصموا في النازلة والنكبة، وعليهم اتكلوا في الأهل والولد، والذخائر والعقد، وولاة العهد، وتدبير الملك, وقراع الأعداء, وتوفير الفيء, وحياطة الحرم, وحفظ الأسرار, وترتيب المراتب, ونظم الحروب بالميمنة والميسرة والقلب والكمناء والروادف والأجنحة, وعن الكتابة يحاسب خلقه يوم القيامة بما أثبتت الملائكة والحفظة وقد أجمعت العلماء أن أول ما خلق الله القلم, وأنه جل وعز قال له: اكتب! قال: يا رب! وما أكتب؟ قال: اكتب علمي في الخلق إلى أن تقوم الساعة, فكتب القلم بما كان وما هو كائنٌ إلى يوم القيامة. وقال جل وعز: ﴿وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين﴾ , وقال جل وعز: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾
стр. 339
, وقال: ﴿علمها عند ربي في كتابٍ﴾ , وقال جل وعز: ﴿أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى رسلنا لديهم يكتبون﴾ , وقال : ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ , وقال جل وعز: ﴿اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم﴾ , وقال تقدس اسمه: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ وقال جل وعز: ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ , وقال جل وعز: ﴿ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها﴾ , وذلك في مواضع كثيرةٍ من القرآن يطول شرحها وذكرها, وكان القلم أول من آمن, وأول من أسلم وكتب, وأول من كتب بالعبرانية شيث بن آدم ﵉, ثم كتب بعده إدريس, وخلف سبعين كتاباً من كتب الحكمة والنجوم, وقيل: إنه عرج به إلى السماء؛ وأما المنجمون فيزعمون أن البرجيس, وهو المشتري, حدر إليه من الفلك يعلمه الحساب, ثم ترقى, وأنه نظر فرأى بوار ولده يكون باقتران الكواكب في الحمل, وهو برجٌ ناريٌ, فيكون الهلاك بالنار, أو السرطان, وهو برجٌ مائيٌ, وهو بيت حياة العلم, فيكون الهلاك بالماء, فعمد إلى الطين, فصفاه وجففه, وأثبت فيه علم النجوم, وقال: إن كان البوار بالنار تخزف, فوجده من ينجو من العالم, ثم أثبته في الصخر, فقال: إن كان البوار بالماء ثبت فيه العلم, صيانةً وإشفاقاً عليه, فشاء الله أن يكون بوار تلك الأمة بالطوفان واقتران الكواكب في السرطان, فأدرك من أدرك, وعلم من
стр. 340
علم منه القليل من الكثير, فكان أول من كتب بالسريانية يهوذا بن يعقوب, وكان أول من كتب بالعبرانية ثلاثة نفرٍ من طيئٍ, يقال لهم: مرامر بن مرة, وأسلم بن سدرة, وعامر بن جدرة؛ وكان لوطٌ ﵇ يكتب لإبراهيم ﵇ الصحف المنزلة عليه, وكان يوسف ﵇ يكتب للعزيز صاحب الرؤيا, وقال: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليمٌ﴾ أي: حفيظٌ بالكتاب عليمٌ بالحساب, وكان سليمان بن داود ﵉ كاتب أبيه, يكتب عنه المزامير وغيرها, وكان آصف بن عيصا كاتب سليمان بن داود, وهو الذي كان عنده علمٌ من الكتاب, فأتى سليمان بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه, وكان ذو القرنين كاتب بطلميوس, وكان هارون ويوشع بن نونٍ يكتبان بين يدي موسى ﵇ الألواح والتوراة, وكان يحيى بن زكرياء كاتب عيسى ﵇ كتب له الحكمة والإنجيل, وكان علي بن أبي طالبٍ ﵁ يكتب للنبي ﷺ .
وإذا أنعمنا النظر، وألطفنا القياس والفكر، وجدنا الفلكين الدائرين الجامعين الضابطين لأمور الدنيا والآخرة= الفلك الأعلى الدوار المحيط بالأرض والسماء والهواء والماء، وكل ما خلق بين ذلك وفوقه وتحته، من الجنة والنار.
стр. 341
فالكتابة التي تضم كل شيءٍ ولا يضمها شيءٌ. وأنا يا أخي، جعلني الله فداك، عاتبٌ منكرٌ لإعراضك وصدودك وازورارك وتجانفك عن سروري بك إذا رأيتك، وإقبالي عليك إذا لقيتك، وانبساطي وانقباضك إذا خاطبتك، وكيف يا أخي، أسعدك الله، ولم، وعلام، وفيم، وبم، تفعل ذلك، وقد ضمنا التوحيد واليقين والدين، وجرينا في ميدان هذه الصناعة الرئيسة العالية النفيسة الشامخة على كل صناعةٍ، نرضع درتها، ونجتني ثمرتها، ونتفيأ في ظلال أغصانها، ونمرع في رغد عيشها ونضرة رياضها، وهي لنا كالأم اللطيفة بنا، الشفيقة علينا، ونحن لها كالأولاد البررة بها في ما يجب من إجلالها وإعظامها وقضاء حقها بالسمع والطاعة لها، ولم نر من حق تربيتها وتغذيتها إيانا أن نمتطي العقوق فنجعله ظهراً لنا، وهي له منكرةٌ، وأن نتساقى كأس الفرقة وهي عنا ناهيةٌ، ثم هذه الناحية التي تكنفنا وتضمنا، وتؤلف فيما بيننا، هذا الكريم المحامد أبو فلان، أطال الله بقاءه، ووقاه وصانه، وتولاه، وحرسه وكفاه، وصرف غير الليالي عنه، وأبعدها منه ومن محله وداره وقراره، ولا سلبنا إياه، ولا حزننا بفقده، وأمتعنا بسبوغ النعمة عليه، وتكاملها لديه في نفسه وولده وأعزته، وقد وجب أعزك الله وتولاك وحاطك وأعانك أن نقفو في ذلك أثره، ونسلك مسلكه ورسمه، وأن نكون أعواناً لصالح نيته وطويل إرادته في ما ألف بيننا، وجمع من شملنا، وأراد من اتفاق أهوائنا، ثم ما يجب أن يكون قد تأملته، ونظرت بعين فكرك وقلبك إليه من اتفاق أهل الصناعات في السراء والضراء والشدة والرخاء، وما هم عليه من التكاثر والتناصر في ما عرض
стр. 342
لهم وعراهم من هذه الدنيا الدنية الزائلة المنقطعة الفانية، فتعلم أن أهل هذه الصناعة الكاملة الفاضلة الشاملة لكل ما وصفت، وما لم أصف، قصوراً عنه، وخيرةً فيه، أولى وأحق وأحرى بأن يقنعوا من أنفسهم، ولا يرضوا لشرف صناعتهم بالتخاذل والتقاطع والتدابر والتنافر، وأن يكونوا يداً واحدةً في ما نفع وضر، وساء وسر، في كل حالٍ؛ ولما رأيتك قد نأيت بجانبك، وملت عني بشقك، كان الأعز علي والأولى بي ردك إلي واستجرارك نحوي، ولا يخرج مثلك عن يدي إلا بعد أن أعذر وأبلي في قضاء حق نفسي، واستصلاح ما فسد علي بغاية جهدي ووسعي، فجعلت هذه الرقعة سفيري إليك، وأودعتها من حسن عتابك، ولطف استمالتك، ما لعله سيثني من عنانك، ويرد من غرب جماحك، وأنا متوقعٌ الجواب بما يكون منك، والله بالخيار لي ولك فيك.
فرأيك أعزك الله بما أعمل عليه، فإنما سمحت بك على ضنٍ، وادخرتك على علمٍ موفقاً إن شاء الله.
ذكر نبل الكتاب وعلمائهم ورؤسائهم
١١٨٥- روى عبد الله بن الزبير, أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم, وكان يجيب عنه الملوك, فبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك, فيكتب, ويأمره أن يطينه ويختم, وما يقرؤه لأمانته عنده؛ واستكتب أيضاً زيد بن ثابتٍ, وكان يكتب
стр. 343
الوحي, ويكتب إلى الملوك, فكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابتٍ, واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الجند, أو يكتب لإنسانٍ بقطيعةٍ, أمر من حضر أن يكتب, وقد كتب له علي بن أبي طالبٍ ﵁, وعمر وعثمان ﵄, وزيد بن ثابتٍ, والمغيرة بن شعبة, ومعاوية, وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن سمي من العرب.
١١٨٦- وقال عمر ﵁: ﴿فويلٌ للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ الآية: اللهم إني قد كتبت بيدي, وكتب عليٌ بيده, وكتب أبو بكرٍ بيده, وكتب عثمان بيده, وكتب عبد الرحمن بيده, اللهم فلا نفتري عليك باطلاً, ولا نكتب بأيدينا مأثماً.
١١٨٧- وروى بعضهم, وهو يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعدٍ, قال: كان الكتاب بالعربية قليلاً في الأوس والخزرج, وكان يهوديٌ من يهود ماسكة قد علمه, وكان يعلمه الصبيان, فجاء الإسلام ومنهم بضعة عشر يكتبون, منهم: سعيد بن زرارة, والمنذر بن عمروٍ, وأبي بن كعبٍ, وزيد بن ثابتٍ, ورافع بن مالكٍ, وأسيد بن حضيرٍ, ومعن بن عديٍ, وأبو عيسى ابن جبرٍ, وسعيد بن الربيع, وأوس بن خولي, وبشير بن سعدٍ.
١١٨٨- وكان يقال في الجاهلية: الكامل من أحسن الكتاب والرمي والعوم.
١١٨٩- وروى ابن شبة [شيبة؟] , أن عبد الله بن الأرقم كتب لأبي بكرٍ وعمر ﵄, وكان عبد الله بن حنينٍ من كتاب عليٍ
стр. 344
رضي الله عنه.
قال أبو جعفرٍ: هذا من نبل أهل العلم.
١١٩٠- وروى مالكٌ, عن نافعٍ, عن إبراهيم بن عبد الله ابن حنينٍ, عن أبيه, عن عليٍ ﵁: نهي عن التختم بالذهب, وقراءة القرآن في الركوع, وعن لبس السيراء.
١١٩١- وحكى عمرو بن بحرٍ الجاحظ, أن زياداً كان كاتب المغيرة بن شعبة, ثم كتب لأبي موسى الأشعري, ووجهه أبو موسى إلى عمر, فأمر بصرفه, فقال: أمن جنايةٍ؟ قال: لا! ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
١١٩٢- فأما قوله : ﴿النبي الأمي﴾ فالأمية في رسول الله ﷺ فضيلةٌ, لأنها أدل على ما جاء به من عند الله لا من نفسه, و [أنى] يكون من عنده وهو لا يكتب ولا يقول الشعر, وقد قال الله : ﴿فأتوا بسورةٍ من مثله﴾ قيل: من مثل محمدٍ ﷺ ؛ كما أن قريشاً وجهت إلى اليهود: عرفونا
стр. 345
شيئاً نسأله عنه, نستدل به على نبوته؟ فوجهوا إليهم: سلوه عن أنبياء أخذوا أخاهم فرموه في بئرٍ وباعوه؛ فسألوا النبي ﷺ , فنزلت سورة يوسف جملةً واحدةً بما عندهم في التوراة وزيادةٍ, وهذا من أميٍ, وهو ببلدٍ ليس فيه أحدٌ من أهل الكتاب بمنزلة إحياء عيسى الميت الذي أحياه.
١١٩٣- فأما جواب أبي العلاء المنقري للمأمون فجهلٌ عظيمٌ، لأن المأمون قال له: يا حكم! بلغني أنك أميٌ، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن في كلامك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! أما اللحن، فربما سبقني لساني بالشيء منه، وأما الأمية وكسر الشعر، فقد كان رسول الله ﷺ أمياً، وكان لا ينشد الشعر؛ فقال له المأمون: سألتك عن ثلاثةٍ عيوبٍ فيك فزدتني رابعاً، وهو الجهل، يا جاهل! ذلك في النبي فضيلةٌ وفيك وفي أمثالك نقصٌ.
١١٩٤- قال عمرو بن بحر: فهذا الكلام من أوابد ما تكلم به الجهال!
١١٩٥- ومن نبل الكتاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وهو الذي كتب إلى بعض إخوانه: أما بعد؛ فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، لأنك بدأتني بلطفٍ من غير خبرةٍ، ثم أعقبتني جفاءً من غير جريرةٍ، فأطمعني أولك في إخائك وآيسني آخرك من وفائك، فسبحان من لو يشاء لكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن ظلمة الشك فيك، فأقمنا على ائتلافٍ، أو افترقنا على اختلافٍ.
стр. 346
١١٩٦- وممن يوصف بالبلاغة الفضل بن سهلٍ، ويروى أن نعيم بن حازم أتى الحسن بن سهلٍ، وهو في مصلى الجماعة ونعيمٌ حاسرٌ حافٍ، وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الماء، فقال له الحسن: على رسلك؛ تقدمت منك طاعةٌ، وكان آخر أمرك توبةٌ، وليس للذنب بينهما مكانٌ، وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
١١٩٧- وقال المأمون لإبراهيم بن المهدي، وهو يعتذر إليه: إن ذنباً أوله زلةٌ، وآخره توبةٌ= لحقيقٌ أن لا تكون على مثله عقوبةٌ.
١١٩٨- ويقال: إن من الخطباء الشعراء الكتاب الذين قد جمعوا الشعر والخطب والرسائل وعمل الكتب سهل بن هارون الكاتب الذي عارض كتاب ((كليلة ودمنة)) ، وكان فيما روي عتيق الوجه، حسن الإشارة، بعيداً من الفدامة، معتدل القامة، مقبول الصورة، يقضى له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة الذهن ودقة المذهب قبل الإمتحان والكشف. وقد خالف قول بعض الحكماء: لحق بهاء البلاغة أن تكون الشمائل موزونةً، والألفاظ معتدلةً، واللهجة نقيةً، وأن جامع
стр. 347
ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت.
وقال سهل بن هارون: لو أن رجلين اختطبا أو تحدثا أو احتجَّا أو وصفا وكان أحدهما بهياً، ولباساً جميلاً، وذا حسبٍ، شريفاً، وكان الآخر قليلاً قميئاً باذ الهيئة، دميماً، خامل الذكر، مجهولاً، ثم كان كلامهما في مقدارٍ واحدٍ من البلاغة، وفي ميزانٍ واحدٍ من الصواب= لتصدع عنهما الجمع؛ وعامتهم يقضي للذميم القليل على الجسيم النبيل، وللباذ الهيئة على ذي الهيئة، وشغلهم التعجب عن مساواة صاحبه ولصار التعجب على مساواة صاحبه سبباً للتعجب به، ولصار الإكثار في مدحه علةً للإكثار في الثناء عليه، لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حسده أبعد، فلما ظهر منه خلاف ما قدروه تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم، لأن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع، فإنما ذلك كبوادر الصبيان، وملح المجانين؛ فإن ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم منه أكثر؛ والناس موكلون بتعظيم الغريب واستطراف البديع، وليس بهم في الموجود الزاهر، وفي ما تحت قدرتهم من الرأي والهوى مثل الذي معهم في الغريب القليل، وفي النادر الشاذ، ثم قال: وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم إليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم،
стр. 348
ويتركون من هو أعم نفعاً، وأكثر في وجوه العلم تصرفاً، وأخف مؤونةً، وأكثر فائدةً.
١١٩٩- ويقال: إن سهل بن هارون كان شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجهارة والحلاوة والنجابة وجودة اللهجة.
١٢٠٠- فأما الحسن بن سهلٍ فلم يكن يبلغ وصف سهلٍ هذا.
١٢٠١- قال علي بن عبيدة: أتيت الحسن بن سهلٍ، فأقمت ببابه ثلاثة أشهرٍ لا أحلى منه بطائلٍ، فكتبت إليه:
مدحت ابن سهلٍ ذا الأياد وماله ... بذاك يدٌ عندي ولا قدمٌ بعد
وما ذنبه والناس إلا أقلهم ... عيالٌ له أن كان لم يكٌ لي جد
سأمدحه للناس حتى إذا بدا ... له في رأي ٌ عاد لي ذلك الحمد
فكتب إلي: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلالٍ: مالٍ وعقلٍ وصبرٍ, فقلت للواسطة: تؤدي عني؟ فقال: نعم؛ فقلت: تقول له: لو كان لي مالٌ لأغناني من الطلب منك، أو صبرٌ لصبرت عن الذل ببابك، أو عقلٌ لاستدللت به على النزاهة عن رفدك، قال: فأمر لي بثلاثين ألف درهمٍ.
١٢٠٢- ومنهم العباس بن جريرٍ، قال إسحاق الموصلي: من أحب أن يسمع لهواً بلا حرجٍ فليسمع كلام العباس.
١٢٠٣- ومنهم محمد بن عبد الملك الزيات، والحسن بن وهب؛ كتب محمدٌ إلى الحسن كتاباً في فصلٍ منه: ولا زلت، جعلني الله فداك، محسناً، بجدك مواطن الحفلة، ومزيناً بهن لك مواطن البذلة.
стр. 349
١٢٠٤- ويقال: انتهى جودة الخط إلى رجلين من أهل الشام، يقال لهما: الضحاك وإسحاق بن حمادٍ، وكانا يخطان الجليل، فأخذ إبراهيم الخط الجليل عن إسحاق، ثم اخترع منه خطاً، ويقال: إنه كان أخط أهل زمانه بالثلثين، ثم اختراع منه قلماً أخف منه، أي أخف من الثلثين، فسماه الثلث، ثم أخذ الأحول عن إبراهيم الثلثين والثلث، واخترع منه قلماً سماه: النصف، وقلماً آخر أخف من الثلث سماه: الخفيف، وقلماً سماه: المسلسل، لأنه حروفٌ متصلةٌ، لأنه ليس بينها شيءٌ ينفصل، وقلماً سماه: غبار الحلبة، وقلماً سماه: خط المؤامرات، وقلماً سماه: خط القصص، وقلماً مقطوعاً سماه: الحوائجي.
١٢٠٥- وكان محمد بن معدان مقدماً في خط النصف، وكان قلمه مستوي السنين، وكان يشق الطاء والظاء والصاد والضاد بعرض النصف، ويعطف ياء يصلي وكل ياءٍ من يساره إلى يمينه بعرض النصف لا يرى فيها اضطرابٌ.
١٢٠٦- وكان أحمد بن محمد بن حفصٍ المعروف بواقف أجل الكتاب خطاً في الثلث، وكان ابن الزيات يعجبه خطه، ولا يكتب بين يديه غيره.
стр. 350
١٢٠٧- وكان أهل الأنبار يكتبون المشق, وهو خطٌ فيه خفةٌ, تقول العرب: مشقه بالرمح, أي: طعنه طعناً خفيفاً متتابعاً.
١٢٠٨- وأهل الحيرة خطوا الجزم, وهو خط المصاحف, وتعلمه منهم أهل الكوفة.
١٢٠٩- وخط أهل الشام الجليل والسجل.
١٢١٠- وكان الأحول يوصف خطه بالبهجة والحسن من غير إحكامٍ ولا إتقانٍ, إلا أنه كأن رائقاً مبهجاً, وكان عجيباً, وكان يضن بالبري للقلم, وكان يبري القلم في المخرج.
١٢١١- وقال الأنصاري المحرر: كنت أكتب في ديوان الأحول, فقربت منه, فأخذت من خطه, فسرقت من دواته, قلماً من أقلامه, فجاد خطي, فرأى خطي جيداً, وحانت منه نظرةٌ إلى دواتي, فرأى القلم, فعرفه, فأخذه وأبعدني. وكان إذا أراد أن يقوم من مجلسه أو ينصرف قطع رؤوس أقلامه كلها.
١٢١٢- وأما إسحاق بن حمادٍ فقال: للدواة ثلث الخط, وللقلم ثلثٌ, ولليد ثلثٌ.
١٢١٣- ثم انتهى الخط إلى طبطبٍ المحرر جودةً وإحكاماً, وكان رؤساء كتاب مدينة السلام يحسدون أهل مصر على طبطبٍ وابن عبدكان, ويقولون: بمصر كاتبٌ ومحررٌ ليس لأمير المؤمنين بمدينة
стр. 351
السلام مثلهما.
١٢١٤- ولو تقصينا ذكر الكتاب والكتابة لطال الكتاب, فاجتزأنا بما تقدم ذكره [و] شرحه.
ذكر إيجازاتٍ واختصاراتٍ من الكتابة
١٢١٥- من ذلك ما روي أن علي بن أبي طالب ﵁ كتب إلى عبد الله بن عباسٍ: أما بعد؛ فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته, ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه, فما نلت من دنياك فلا تكن به فرحاً, وما فاتك فلا تأس عليه حزناً, وليكن سرورك في ما قدمت, وأسفك على ما أخرت, وهمك لما بعد الموت.
١٢١٦-وقال المأمون يوماً لعمروٍ: اكتب لفلانٍ إلى بعض العمال بالعناية في قضاء حقه, واختصر حتى يكون ما تكتبه له في سطرٍ واحدٍ لا زيادة عليه؛ فكتب عمرو: كتابي إليك كتاب واثقٍ بمن كتبت إليه, معنيٍ بمن كتبت له, ولن يضيع حامله بين العناية والثقة.
١٢١٧- وكتب الحسن بن سهلٍ إلى أخٍ له يعزيه: مد الله في عمرك موفراً غير منتقصٍ, ممنوحاً غير ممتحنٍ, ومعطى غير مستلبٍ.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مما يستحسن, لأن في ترتيب الدعاء ما يدل
стр. 352
على أنه يعزيه.
١٢١٨- سأل الشعبي الحجاج حاجةً, فلم يقضها له, واعتذر إليه, فكتب الشعبي: والله لاعذرتك وأنت أمير العراقين وابن عظيم القريتين. وكانت أم الحجاج ابنة عروة بن مسعودٍ.
١٢١٩- وكتب سالمٌ إلى بعض الولاة: أما أنا فمعترفٌ بالتقصير في شكرك عند ذكرك, ليس ذلك لتركي إياه في مواضعه, ولكن لزيادة حقك على ما يبلغه جهدي.
١٢٢٠- وكتب يحيى بن خالدٍ إلى بعض العمال: قد كثر عندي شاكوك, وقل شاكروك, فإما عدلت وإما اعتزلت.
١٢٢١- وركب إبراهيم بن المهدي يوماً إلى أحمد بن يوسف ليقيم عنده, وكتب أحمد إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: إن عندي من أنا عبده [عنده؟] , وحجتنا عليك إعلامنا إياك؛ والسلام.
١٢٢٢- وأهدى بعضهم ملحاً طيباً؛ وكتب رقعةً: الثقة بك سهلت السبيل إليك, فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم.
١٢٢٣- وبعث إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم جراب ملحٍ وجراب أشنان, كتب إليه: لولا أن القلة قصرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برك, ولكن البضاعة قعدت بالهمة؛ وكرهت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكرٌ, فبعثت المبتدأ به ليمنه وبركته,
стр. 353
والمختوم به لنظافته وطيب رائحته, فأما سوى ذلك فالمعبر عنا كتاب الله, إذ يقول: ﴿ليس على الضعفاء﴾ الآية.
١٢٢٤- وكتب أحمد بن يوسف إلى الحسن بن وهب في يوم نيروز: جعلت فداك! لم يقعدني [يقعد بي؟] عن التأسي بالمهدين إليك في مثل هذا اليوم إلا تقصير الجدة, فجعلت هديتي ما يبقى عليك وهما بيتا شعرٍ:
أبقاك لي الرحمن في غبطةٍ ... وفي سرورٍ دائم المده
أنعم بنوروزك وأبهج به ... بلغت ألفي سنةٍ بعده
١٢٢٥- ومما يدخل في هذا الباب خبر أبي العتاهية حين عزى الفضل بن الربيع بابنه العباس, فقال: الحمد لله الذي جعلنا نعزيك عنه ولا نعزيه عنك؛ فدعا بالطعام وقد كان امتنع منه.
١٢٢٦- وكتب بعضهم: أحي معروفك عندي بإماتة ذكره, وعظمه بالتصغير له.
١٢٢٧- وقال ابن شبرمة: لا خير في المعروف إذا أحصي.
١٢٢٨- وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: بلغني عنك سرفٌ في إعطائك؛ فقال: يا أمير المؤمنين! منع ما يوجد سوء ظن بالله .
стр. 354
١٢٢٩- وقال نافع بن خليفة: يا بني! اتقوا الله بطاعته، واتقوا السلطان بحقه، واتقوا الناس بالمعروف؛ فقال رجلٌ منهم: ما بقي شيءٌ من الدنيا والآخرة إلا أمرنا به.
١٢٣٠- ومن الاختصار ما كتب به العباس بن جرير إلى الفضل بن يحيى: لا أعلم منزلة توحشني من الأمير ولا توحشه مني، لأني في المروءة له كنفسه، وفي الطاعة كيده، وفي الخصوص كأحد أهله، وإنما الظفر من فضله، وقد بعثت إليه ببعض ما ظننت أنه يحتاج إليه في سفره.
١٢٣١- قال أحمد ابن أبي طاهر، وأهدى عاملٌ لمروان غلاماً أسود، فأمر عبد الحميد أن يجيبه، ويذمه، فطول الكتاب، وكثر، فأخذ مروان الكتاب من يده، وكتب: أما إنك لو علمت لوناً شراً من السواد، وعدداً أقل من واحد لأهديته؛ والسلام.
١٢٣٢- وأهدى عبد الله بن طاهرٍ إلى المعتز هدية ًجليلةً، وذلك في حياة المتوكل، وكتب: إلى السيد الجليل من العبد الذليل، أما بعد؛ فإنه لن يتئب العبد أن يهدي إلى سيده من فضل نعمته، ولن يستقل السيد ذلك، إذا كان الكل له؛ والسلام.
١٢٣٣- وأهدى النوشجاني إلى المأمون قارورةً فيها دهن أترجٍ، وكتب إليه: إذا كانت الهدية من الصغير إلى الكبير، فكلما لطفت كان أبلغ وأوصل؛ وإذا كانت من الكبير إلى الصغير، فكلما عظمت كان
стр. 355
أجزل لها وأخطر.
١٢٣٤- وأهدي إلى إبراهيم بن العباس هديةٌ فردها، وكتب معها: قد قبلتها بالموقع، ورددتها بالإبقاء، والسلام.
باب فصولٍ ورسائل بليغةٍ
فمن ذلك:
١٢٣٥- جل فضل الأمير عندي أن يحيط بوصفه اجتهادي، أو يأتي على كنهه تعدادي، فلو كان شيءٌ أكبر من الشكر الذي جعله الله لنعمته كفاءً، وبما يجب له فيها وفاءً، يقابل به مقابل طول سيده، ويؤدي به مصطنع حق مصطنعه، فما كان الأمير يستحقه علي ويستوجبه فقد أصبح المختلفون من الناس مؤتلقين على الاعتراف بفضله، والمتباينون منهم مجتمعين على تقريظه ومدحه، حتى إن العدو ليقول اضطراراً ما يقوله الولي اختياراً، والبعيد يثق من إنعامه عاماً بمثل ما يثق به القريب خاصاً، ففعل الله به وفعل.
١٢٣٦- وكان أبو الحسن يستجيد رسائل أبي علي البصير ويقدمها على ما يكتب به أبو العيناء.
قال: وكان أبو علي هذا إذا كتب تثبت، ويروي فيما يكتب به، فتخرج رسائله على نهاية الجودة؛ هذا معنى كلامه فيما يستحسن.
следующие страницы →