Полный текст (200 стр.). Показаны 176–200 · переход к 181.
стр. 176
جرت النوى بهم فما عنوا ... رفقا بنا ونأوا فما حنوا
أن كَانَ عندهم وقد رحلوا ... أنا نقيم فبئس مَا ظنوا
هيهات نحن عَلَى محبتهم ... نستن فِيهَا مثل مَا استنوا
إن أسهلوا فالسهل منزلنا ... أَوْ أحزنوا فحملنا الحزن
ولنا بحيث تلفتوا شبح ... يبدو وأين تلفظوا أذن
لِي عندهم دين، فواعجبا! ... الدين لِي وفؤادي الرهن
لا غرو أن أبديت سرهم ... فالعاشقون إذا صبوا أنوا
إني ومن حج الحجيج لَهُ البيت ... الحرام وسيقت البدن
لا آب، مَا غاب الخليط، إِلَى قلبي ... السرور، ولا نأى الحزن
стр. 177
الْحَدِيث السادس والثلاثون [مدة رخصة التيمم وكيفيته]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّكِيُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَاكِمِيُّ -، أَخْبَرَنَا وَالِدِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِيُّ -، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذَبَارِيُّ -، أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ -، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ السِّجِسْتَانِيُّ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْصَارِيُّ -، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عن الأَعْمَشُ -، عَنْ شَقِيقٍ -، قَالَ:
كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ - وَأَبِي مُوسَى -، فَقَالَ أَبُو مُوسَى -: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ -، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا - أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لا، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا -، فَقَالَ أَبُو مُوسَى -: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ، فَقَالَ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشْكَوْا إِذَا بَرَدَ - عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى -: فَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
стр. 178
قَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ ﵁: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: " إِنَّما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا "، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَه.
هَذَا حَدِيثٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّيَمُمِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّهَارَةِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، كُلِّهِمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، بِهَذَا.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ المطمئن بالإيقان، والممتلئ من الإيمان، الصابر عَلَى الذل والمحنة، المتثبت فِي الاضطراب والفتنة، أَبُو اليقظان عمار بْن ياسر بْن عامر بْن مَالِك، مولى بني مخزوم، من عنس، وعنس من مدحج، من اليمن، رهط العنسي الكذاب المتنبئ.
سبق إِلَى قتال الطغاة مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، وبقى إِلَى طعان البغاة مَعَ الولي، كَانَ مخصوصا من النَّبِيّ ﷺ بالبشاشة والترحيب، والبشارة
стр. 179
والتطييب، وَهُوَ أحد الأربعة الَّذِينَ تشتاق إليهم الجنة. شهد بدرا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وسكن المدينة.
بعثه عمر ﵄ عَلَى الكوفة أميرا وكتب إليهم: " إني بعثت إليكم عمارا، وَهُوَ من النجباء والرفقاء ". قَالَ علي ﵁: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: " عمار ملئ إيمانا إِلَى مشاشه ".
مر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهِ وبأمه سمية، أول شهيدة استشهدت فِي الإْسِلام، وهما يعذبان بالبطحاء فَقَالَ: " صبرا يَا آل ياسر، فإن مصيركم إِلَى الجنة ". شهد عمار مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب ﵁ صفين، فقتل بها سنة سبع وثلاثين، وَهُوَ ابن ثلاث وتسعين سنة، ودفن هناك، وصلى عَلَيْهِ ولم يغسله.
فِي الْحَدِيث فوائد:
مِنْهَا: جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، وَهُوَ قول عامة أهل العلم وكذلك الحائض والنفساء.
стр. 180
وذهب عمر وابن مسعود ﵄ إِلَى أن الجنب لا يصلي بالتيمم. وَكَأنَ عمر ﵁ قد نسي مَا ذكر لَهُ عمار فلم يقنع بقوله. وروي أن ابن مسعود رجع عَنْ ذَلِكَ وجوز التيمم للجنب.
وفيه: دليل عَلَى أَنَّهُ إذا ضرب بيده عَلَى التراب فعلق بها تراب كثير فلا بأس أن ينفخ فيها حَتَّى يخف جميع مَا عَلَيْهَا من التراب.
فلو أزال بالنفخ مَا عَلَيْهَا من التراب لم يصح تيممه عند جماعة من أهل العلم، وَهُوَ قول الشَّافِعِيّ ﵁.
وذهب قوم إِلَى جوازه، وَهُوَ قول أصحاب الرأي، حَتَّى قالوا: لو ضرب بيده عَلَى صخرة لا غبار عَلَيْهَا فمسح وجهه ويديه جاز. وفيه دلالة عَلَى أن التيمم ضربة واحدة، وَهُوَ قول علي وابن عَبَّاس، وإليه ذهب من التابعين الشعبي وعطاء.
والذي عَلَيْهِ الجمهور أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إِلَى المرفقين، وَهُوَ قول عَبْد اللَّهِ بْن عمر، وجابر، وإليه صار من التابعين سالم بْن عَبْد اللَّهِ بْن عمر والحسن وإبراهيم والنخعي، وبه قَالَ مَالِك وسفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي، وأصحاب الرأي: وَهُوَ أشبه بالأصول.
أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو
стр. 181
ابن أَبِي عُثْمَان الزاهد، أنبأنا أَبُو حَامِد أَحْمَد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن إِسْمَاعِيل الجلودي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن حفص، حدثني أَبِي، حدثني إِبْرَاهِيم بْن طهمان، عَنْ عُبَيْد اللَّهِ بْن عمر، عَنْ سيار أَبِي الحكم، عَنْ شهر بْن حوشب:
عَنْ سَعْد بْن عبادة أَنَّهُ قَالَ لابنه: يَا بني أوصيك بوصية فاحفظها، فإن أنت ضيعتها فأنت لغيرها من الأمر أضيع:
*إذا توضأت فأتم الوضوء، ثُمَّ صل صلاة امرئ مودع ترى أنك لا تعود. *وأظهر اليأس من الناس فإنه غنى. *وإياك وطلب الحوائج إليهم فإنه فقر حاضر. *وإياك وكل شيء يعتذر منه.
أنشدنا فخر الرؤساء أَبُو المظفر مُحَمَّد بْن أَبِي الْعَبَّاس الْمُعَاوِيّ الأَبِيوَرْدِيّ، للرضي الموسوي:
أيها الرائح المجد تحمل ... حاجة للمعذب المشتاق
واقر عني السلام أهل المصلى ... فبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا مَا مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إِلَيْهِ بالأشواق
ضاع قلبي فانشده لِي بين (جمع) ... ومنى عند بعض تلك الحداق
وابك عني فطالما كنت من قبل ... أعير الدموع للعشاق
стр. 182
الْحَدِيث السابع والثلاثون [من صلى الصبح فهو فِي ذمة اللَّه]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُؤَذِّنُ السِنْجِيُّ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَرْوَ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْعَالِمُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبَعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ:
عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَانْظُرْ يََا ابْنَ آدَمَ، لا يَطْلُبَنَّكَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " فَلا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ ".
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَأَنَسِ بْنِ سِيرِينَ،
стр. 183
كِلاهُمَا عَنْ جُنْدُبٍ، وَأَوْرَدَهُ فِي الصَّلاةِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، كَمَا رَوَيْنَاهُ.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحبة جندب الْخَيْر وَهُوَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جندب بْن عَبْد اللَّهِ بْن سُفْيَانَ، ويقال: جندب بْن خالد بْن سُفْيَانَ، وقيل: جندب بْن أم جندب العلقي، وعلق بطن من بجيلة. نزل الكوفة، ثُمَّ انتقل إِلَى البصرة، ثُمَّ خرج مِنْهَا، حديثه عند أهل الكوفة والبصرة.
فِي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضل صلاة الصبح فإنها سبب الحفظ والعصمة ودفع الآفات.
روى عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ حاكيا عَنْ ربه : " يَا ابن آدم صل فِي أول نهارك أربع ركعات أكفك آخره ". والمراد بِذَلِكَ ركعتا سنة الفجر وركعتا الفرض، ويحتمل أن يكون المراد بِهِ صلاة الضحى.
وورد فِي الآثار: أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم.
وفيه دليل عَلَى أن من افتتح يومه بخير، من صلاة أَوْ ذكر اللَّه أَوْ صدقة، فقد اعتصم يومه ذَلِكَ عَنِ الآفات، وصار فِي أمان من البليات، قَالَ ﵇: " باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة ".
стр. 184
وفي الْحَدِيث: تحذير من إيذاء المؤمن وقصده، وأمر باحترام ذمة اللَّه وعهده، وبيان أن اللَّه تَعَالَى مطالب بذمامه، ومعاقب بانتقامه.
وقوله: " فِي ذمة اللَّه تَعَالَى ": يريد: ضمان اللَّه وأمانه. و " الذمة " بمعني العهد والأمان وَقَالَ أَبُو عبيدة: الذمة مَا يتذمم منه، أي يحترز من الذم بنقضه، ويقال: " ذمة " و " ذم " و " ذمام " و " مذمة " بكسر الذال، والكل بمعنى واحد والمذمة، بفتح الذال، من الذم.
وقوله: " فلا تخفروا اللَّه تَعَالَى فِي ذمته " أي: لا تنقضوا عهده، يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، وخفرت الرجل وخفرت بِهِ: إذا كنت لَهُ خفيرا، أي ضمينا.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصائن أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أميرجه الصوفي، أَخْبَرَنَا أَبُو عطاء المليحي، حَدَّثَنَا أَبُو الفضل الجارودي، حَدَّثَنَا أَبُو نعيم مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عبدان، يعني: مُحَمَّد بْن عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيدَ المستملي، حَدَّثَنَا ابن عَبْد الصمد، حَدَّثَنَا سهل بْن أَبِي حزم، قَالَ:
رأيت مَالِك بْن دينار فِي المنام بعد موته، فقلت: يَا أبا يَحْيَى، ليت شعري ماذا قدمت بِهِ عَلَى اللَّه ؟ قَالَ: قدمت بذنوب كثيرة، محاها عني حسن الظن بالله .
وأخبرنا الشَّيْخ أَبُو الفتوح مسعود بْن أفضل العامري الميهني حافد الشَّيْخ أَبِي سَعِيد ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخ الأجل صدر الطريقة أَبُو سَعِيد فضل اللَّه بْن أَبِي الْخَيْر قَالَ:
стр. 185
دخلت عَلَى الشَّيْخ أَبِي عَبْد الرَّحْمَنِ السلمي أول لقية لقيته، فَقَالَ لِي: أكتب لك تذكرة بخطي؟ قلت: نعم، فكتب سمعت جدي أبا عَمْرو إِسْمَاعِيل بْن نجيد السلمي يَقُول: سمعت أبا الْقَاسِم الجنيد بْن مُحَمَّد البغدادي يَقُول:
التصوف هُوَ الخلق، من زاد عليك بالخلق زاد عليك بالتصوف وكتب بعده " وأحسن مَا قيل فِي تفسير الخلق مَا قاله الشَّيْخ الإْمَام أَبُو سهل مُحَمَّد بْن سليمان الصعلوكي ﵀: الخلق هُوَ الإعراض عَنِ الأعراض.
أنشدنا أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْن الضرير الأزجاهي، قرية من قرى خاوران، بْن خادم الشَّيْخ أَبِي سَعِيد ﵀:
قصة تقصيري فِيهَا قصر ... فأذن بوصف مشبع مختصر
حالان عذري فيهما بين: ... سواد حالي وبياض البصر
وأنشدنا شَيْخ القضاة أَبُو علي إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، ﵀، أنشدنا والدي الْحَافِظ أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن الْحُسَيْن البيهقي، لبعضهم:
من اعتز بالمولى فذاك جليل ... ومن رام عزا من سواه ذليل
ولو أن نفسي مذ براها مليكها ... مضى عمرها فِي سجدة لقليل
أحب مناجاة الحَبِيب بأوجه ... ولكن لسان المذنبين كليل
стр. 186
الْحَدِيث الثامن والثلاثون [كيفية الصلاة عَلَى النَّبِيّ ﷺ ]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودٍ النَّصْرَابَاذِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الأَوْحَدُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ، أَخْبَرَنَا الإْمَامُ أَبُو طَاهِرُ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ -، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى:
عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْنَا التَّسْلِيمَ عَلَيْكَ فَكَيْفَ الصَّلاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمِ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا.
هَذَا حَدِيثٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
стр. 187
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ، وَمُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَفِي (التَّفْسِيرِ) عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنِ الْحَكَمِ، وَفِي (الدَّعَوَاتِ) : عَنْ آدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي (الصَّلاةِ) ، عَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ البار فِي يمينه، المحتاط فِي دينه: أَبُو مُحَمَّد كعب بْن عجرة المدني الأنصاري السلمي. توفي سنة اثنتين وخمسين، وَهُوَ ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: ابن تسع [وخمسين] .
سئل عَنْ قوله تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ، قَالَ: فِي نزلت: كَانَ بي أذى، فحملت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقمل يتناثر عَلَى وجهي، فَقَالَ ﵇: " أيؤذيك هوام رأسك؟ " مَا كنت أرى الجهد بلغ بك مَا أرى، أتجد شاة " قلت: لا، فنزلت هَذِهِ الآية، قَالَ: فحلقت رأسي، وأمرني رَسُول اللَّهِ ﷺ بالفدية.
وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى كيفية الصلاة عَلَى النَّبِيّ ﷺ . وأن أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى، وأسماء رَسُول اللَّهِ ﷺ إنما تتلقى من الشرع والسمع، ولو لم يكن ذَلِكَ كذلك لما وقف الخلق عَلَيْهِ، ولم يهتدوا إِلَيْهِ.
стр. 188
وقد علم اللَّه تَعَالَى عباده مخاطبة النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ، وأمرهم بالصلاة والسلام عَلَيْهِ كما نطق بِهِ الكتاب ووردت بِهِ السنة.
وأعلم أن عامة العلماء أجمعوا عَلَى أن التشهد الأول ليس محلا للصلاة عَلَى آل النَّبِيّ ﷺ ، وهي سنة مستحبة فِي التشهد الأخير غير واجبة. وذهب الشَّافِعِيّ وحده إِلَى أنها واجبة فِي التشهد الأخير فإن لم يصل لم تصح صلاته.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الخطيب الزاهد الورع أَبُو بَكْر عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّد بْن وكيع الطوسي الفازي، بفاز قرية من سواد طوس، أَخْبَرَنَا الأستاذ الإْمَام أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الْكَرِيمِ بْن هوازن الْقُشَيْرِيّ،
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن بْن بشران، ببغداد، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن صفوان، حَدَّثَنَا ابن أَبِي الدنيا، حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَبِي الربيع، أَخْبَرَنَا عَبْد الرزاق، أَخْبَرَنَا معمر، عَنْ غير واحد، عَنِ الحسن، قَالَ:
إذا كَانَ يوم القيامة نادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرام، أين الَّذِينَ كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عَنْ ذكر اللَّه، فيقومون فيتخطون رقاب الناس.
قَالَ: ثُمَّ ينادى أيضا فيقول: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الحمادون اللَّه عَلَى كل حال؟ فيقومون وهم كثير.
стр. 189
ثُمَّ ينادي مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، أين الَّذِينَ كانوا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بلغ قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، فيقومون ويتخطون رقاب الناس. ثُمَّ تكون التبعة والحساب فيمن بقي.
أنشدنا الشَّيْخ الإْمَام شرف الأئمة أَبُو حفص، أنشدنا الرضي الموسوي:
تأبي الليالي أن تديما ... بؤسا بخلق أَوْ نعيما
فالمرء بالإقبال يبلغ ... وادعا حظوا عظيما
فإذا انقضت أيامه ... رجع الشفيع لَهُ خصيما
وَهُوَ الزمان إذا نبا ... سلب الَّذِي أعطى قديما
كالريح ترجع عاصفا ... من بعد مَا بدأت نسيما
أنشدنا الشيخ الإْمَام إِسْمَاعِيل بْن الْحُسَيْن الخوزي، لبعضهم:
وحرمة مَا حملت من ثقل حبكم، ... وأشرف محلوف بِهِ حرمة الحب
لأنتم وإن ضن الزمان بقربكم ... ألذ إِلَى قلبي من البارد العذب
فلا تحسبوا أن الحَبِيب إذا نأى ... وغاب عن العينين غاب عَنِ القلب
стр. 190
الْحَدِيث التاسع والثلاثون [بعض المحرمات والمكروهات]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ السَّدِيدُ أَبُو عَلِيٍّ نَاصِرُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمشطبِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَتٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (الْبُخَارِيُّ) ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لكم قِيَلَ وَقَالَ: وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ".
هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي (الزَّكَاةِ) عَنْ يَعْقُوبَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَفِي (الاسْتِقْرَاضِ) ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ
стр. 191
مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَفِي الأَدَبِ عَنْ سَعْدِ بْنِ حَفْصٍ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي (كِتَابِ مَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، يقال: أَبُو عِيسَى، المغيرة بْن شعبة، صاحب النَّبِيّ ﷺ ، وَهُوَ من ثقيف. صاحب المغيرة قوما من المشركين إِلَى مصر فقتلهم غيلة،
وأخذ مَا معهم، فأتى النَّبِيّ اللَّه عَلَيْهِ وسلم، فأسلم.
وشهد بيعة الرضوان واليمامة وفتوح الشام واليرموك والقادسية، وولاه عمر ﵁ البصرة فافتتح ميسان. وتوفي سنة خمسين بالكوفة وَهُوَ أميرها.
وعمه: عروة بْن مسعود الثقفي أسلم عَلَى عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ ودعا قومه إِلَى الإْسِلام فقتلوه، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " هُوَ شبيه مؤمن آل ياسين ". شهد المغيرة نهاوند، وَكَانَ عَلَى ميسرة النعمان بْن مقرن، وَهُوَ أول من وضع ديوان البصرة.
ويقال: إنه أحصن ثمانين امرأة، وقيل لبعض نسائه: إنه لأعور ذميم، فقالت: هُوَ والله عسلة يمانية من ظرف سوء.
стр. 192
قَالَ المغيرة يوم القادسية: كنا نعَبْد الحجارة والأوثان، إذا رأينا حجرا أحسن من حجر ألقيناه وأخذنا غيره، لا نعرف ربا، حَتَّى بعث اللَّه إلينا نبيا من أنفسنا، فدعانا إِلَى الإيمان فأجبناه، وأخبرنا أَنَّهُ من قبل منا دخل الجنة، فنحن نقاتل مقاتلتكم، ونسبي ذراريكم.
وَقَالَ لما حضرته الوفاة، اللَّهُمَّ هَذِهِ يميني بايعت بها نبيك، وجاهدت بها فِي سبيلك، وأنت أعلم بِذَلِكَ مني.
وفي الْحَدِيث فوائد:
مِنْهَا النهي عَنْ عقوق الوالدين، وأنه من الكبائر، وإنما اقتصر عَلَى الأم اكتفاء بذكر أحدهما، كقوله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ، ولأن حقها أكثر وحرمتها أوفر.
وفيه: نهي عَنْ وأد البنات، وَهُوَ فعل أهل الجاهلية، كَانَ الواحد منهم إذا ولد لَهُ ابن تركه، وإذا ولدت لَهُ ابنة دفنها حية. وقيل: كانت المرأة إذا أخذها المخاض حفرت حفيرة وجلست عَلَيْهَا، فإن ولدت ابنا حبسته، وإن ولدت بنتا ألقتها فِي الحفيرة. وإنما حملهم عَلَى ذَلِكَ خشية الإملاق، ودفع العار، والأنفة عَلَى أنفسهم.
وأراد بـ " المنع " الامتناع عَنْ أداء مَا يجب ويستحب، وب " هات " الإقدام عَلَى أخذ مَا يحرم ويكره. وفيه نهي عَنْ شروع المسلم فيما لا يعنيه، وتكلفه لما كفي الخوض فِيهِ.
стр. 193
وفيه نهي عَنْ إضاعة المال، وَهُوَ إنفاقه فِي معصية اللَّه : وقيل: أن يصرفه فِي وجه لا يكون فِيهِ مشكورا ولا مأجورا.
أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو عمر أَحْمَد بْن أَبِي الفرات، أَخْبَرَنَا عمران بْن مُوسَى، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن يُوسُفَ السلمي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو أَحْمَد بْن نصر، حَدَّثَنَا عَبْد الرحيم بْن سليمان، حدثنا سلام الطويل، عَنْ زيد العمي، عَنْ أَبِي الصِّدِّيق الناجي، قَالَ:
بينا رجل وامرأة فِي بني إسرائيل يتعشيان، فحضرهما سائل فَقَالَ: تصدقوا عَلَى المسكين رحمكم اللَّه، وقد رفعت المرأة اللقمة لتضعها فِي فِيهَا، فردت اللقمة من فِيهَا وقامت حَتَّى وضعتها فِي فم السائل. فلما كَانَ من الغد غدا زوجها إِلَى مزرعة لَهُ، وَكَانَ زراعا، فلما تَعَالَى النهار قامت فحملت طعام زوجها وبنيها معها، فمرت ببقول فِي الجبال، فوضعت بنيها وجعلت تتخير من البقول، فجاء ذئب وأخذ بنيها، فرفعت يدها إِلَى السماء، وقالت: اللَّهُمَّ كما رددت اللقمة من فمي ووضعتها فِي فم السائل اردد علي ابني، قَالَ: فانعطف الذئب حَتَّى وضع الصبي، وَقَالَ لها: هَذِهِ اللقمة بتلك اللقمة.
أنشدنا العالم مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر بْن مَنْصُور، لبعضهم:
دع الدهر يجري بأقداره ... ويقضي عجائب أوطاره
ونم نومة عَنْ ولاة الأمور ... وثق بالزمان وأدواره
فإنك ترحم من قد حسدت ... وتعجب من قبح آثاره
стр. 194
أنشدنا الفقيه عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الرحيم الحلواني لأبي الفتح بْن العميد:
أصبحت عندك مطروحا عَلَى الطرق ... وعند غيرك محمولا عَلَى الحدق
أدرك بقية روح فيك قد تلفت ... قبل الممات فهذا آخر الرمق
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبا ... وإنما عجبي للبعض كيف بقي؟
стр. 195
الْحَدِيث الأربعون [من آداب الأكل]
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الصَّائِنُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْبَصْرِيُّ الْمُلَقَّبُ بِسَعِيدٍ، وَوَالِدُهُ يُعَرْفُ بِبُجَيْرٍ الْبَصْرِيِّ ﵏، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ -، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ الْمَرْزُبَانِ الأَبْهَرِيُّ -، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ - الْحَزَوَّرِيُّ، سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاثِ مِائَةٍ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ الْمِصِّيصِيُّ، وَلَقَبُهُ لُوَيْنٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ:
عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: كُنْتُ غُلامًا فِي حِجْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " يَا غُلامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ " فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طُعْمَتِي بَعْدُ.
стр. 196
هَذَا حَدِيثٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الأَطْعِمَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الأُوَيْسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ وَهْبٍ.
وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ ربيبة، عمر بْن أَبِي سلمة عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الأسد القرشي المخزومي ﵁.
فِي الْحَدِيث: دلالة عَلَى استحباب ذكر اسم اللَّه تَعَالَى عَلَى الأكل والشرب، وأنه يبارك فِيهِ بالتسمية.
روى أَبُو أيوب الأنصاري ﵁ قَالَ: كنا عند النَّبِيّ ﷺ فقرب طعام، فلم أر طعاما كَانَ أعظم بركة منه أول مَا أكلنا، ولا أقل بركة فِي آخره، فقلنا لَهُ، فَقَالَ ﵇: " إنا ذكرنا اسم اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ قعد من أكل ولم يسم اللَّه تَعَالَى فأكل معه الشيطان ".
وعن عائشة ﵂ قالت: إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم اللَّه تَعَالَى عَلَى طعامه فليقل: بسم اللَّه عَلَى أوله وآخره.
стр. 197
وأعلم أن التسمية شرط عَلَى الذبيحة حالة مَا يذبح، وعلى الصيد حالة مَا ترسل الجارحة أَوِ السهم فلو تركه هناك هل يحل؟
قَالَ بعض العلماء: هُوَ حلال، وبه قَالَ مَالِك والشافعي وأحمد ﵃، لأن المؤمن يذبح عَلَى اسم اللَّه تَعَالَى سمى أَوْ لم يسم، فيكون المراد منه ذكر القلب.
وَقَالَ آخرون: لا تحل سواء ترك التسمية عامدا أَوْ ناسيا، وَهُوَ الأشبه بظاهر الكتاب والسنة. وَقَالَ داود وأصحاب الظاهر: إن تركها عامدا لا تحل، وإن تركها ناسيا تحل.
واحتج من شرط التسمية بقوله تَعَالَى: " ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ ، وتأوله من لم يرها شرطا، عَلَى أن المراد منه مَا ذكر عَلَيْهِ اسم غير اللَّه، بدليل أَنَّهُ سماه فسقا.
وفيه دليل عَلَى أن الأكل والشرب باليمين سنة، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وَكَانَ ﷺ يحب التيامن فِي كل شيء، حَتَّى فِي تنعله إذا تنعل، وفي ترجله إذا ترجل.
وأما الأكل مما يليه ففيه نوع أدب واحترام لمؤاكله.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد مَكِّيُّ بْن بُجَيْرِ بْن عَبْد اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحسن كلثوم بْن أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الإْمَام أَبُو بَكْر بْن لال، حَدَّثَنَا
стр. 198
جَعْفَر بْن مُحَمَّدِ بْنِ نصير الخلدي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يونس، حَدَّثَنَا ابن مسروق، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الحسن، حَدَّثَنَا عَبْد الصمد بْن عَبْد الوارث، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي الجنوب، يَقُول:
سمعت ميمون بْن سياه يَقُول: إذا أراد اللَّه بعبد خيرا حبب إِلَيْهِ ذكره.
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو علي الحداد إجازة، أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو نعيم، قَالَ: أخبرني مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ البغدادي أَبُو بَكْر، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن سهل الرَّازِيّ، قَالَ:
سمعت يَحْيَى بْن معاذ يَقُول: أيها المريدون طريق الآخرة والصدق، والطالبون أسباب العبادة والزهد، اعلموا أن من لم يحسن عقله لم يحسن يعبد ربه، ومن لم يعرف آفة العمل لم يمكنه أن يحترز مِنْهَا، وإنما خلقتم لأمر عظيم وخطب جسيم، وإن العلم لا يراد ليعلم ولكن ليعمل بِهِ، فاتقوا اللَّه تَعَالَى الَّذِي إِلَيْهِ معادكم.
وَكَانَ يَقُول: إلهي إن عظمت ذنوبي فِي جنب نهيك فقد صغرت فِي جنب عفوك.
وَكَانَ يَقُول: الكيس من بادر بعمله، ولم يسوف بأمله، واستعد لأجله، ولا يكون ممن يفضحه يوم موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه.
стр. 199
أنشدنا الإْمَام زين الإْسِلام أَبُو نصر عَبْد الرحيم، أنشدنا الإْمَام والدي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الكريم بْن هوازن الْقُشَيْرِيّ، يَقُول: سمعت عُبَيْد اللَّهِ بْن مُوسَى السيلامي يَقُول: سمعت الشبلي ﵀ ينشد فِي مجلسه:
ذكرتك لا أني نسيتك لمحة، ... وأيسر مَا فِي الذكر ذكر لسان
وكنت بلا وجد أموت في الهوى ... فهام علي القلب بالخفقان
فلما أراني الوجد أنك حاضري ... شهدتك موجودًا بكل مكان
فخاطبت موجودًا بغير تكلم ... ولا حظت معلومًا بغير عيان
وأنشدنا شَيْخ القضاة أَبُو علي، أنشدنا شَيْخ الإسلام أَبُو عُثْمَان، أنشدني أبو الفتح علي بن محمد البستي، لمجنون بني عامر:
وكنت وليلى في صعود من الهوى ... فلما ترقينا ثبت وزلت
وكنا عقدنا عصمة الوصل بيننا ... فلما تواقفنا شددت وحلت
فإن سأل الواشون: فيم سلوتم؟ ... فقل: نفس حر سليت فتسلت
стр. 200
آخر كتاب الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين.
والحمد لله رب العالمين، وصلواته على محمد نبيه وآله وسلم تسليماً كثيراً.
وحسبنا الله ونعم والوكيل