← Книги сунны

Книги сунны · id 26842

كتاب الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين أو الأربعين الطائية

أبو الفتوح الطائي

Полный текст (200 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فَقَالَ: فما أنت صانع اليوم؟ قَالَ: أجوع يومي هَذَا لله تَعَالَى. قَالَ عَبْد اللَّهِ: ألام عَلَى السخاء! إن هَذَا لأسخى مني! فاشترى الحائط والغلام وما فِيهِ من الأشجار والنخيل، فأعتق الغلام ووهبها منه. وَقَالَ بعض المشايخ: مَا أحسن تعطف الأغنياء عَلَى الفقراء، رغبة فِي ثواب اللَّه تَعَالَى! وأحسن من ذَلِكَ: تيه الفقراء عَلَى الأغنياء، ثقة بالله تَعَالَى! وَكَانَ بشر بْن الحارث يَقُول: النظر إِلَى النخيل يقسي القلب. أنشدنا الشَّيْخ الإْمَام شرف الأئمة عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ ﵀، لبعضهم، وَهُوَ أَبُو الطيب مُحَمَّد بْن حاتم المصعبي: اختلس حظك فِي دهرك ... من أيدي الدهور واغتنم يوما ترجيه ... بلهو وسرور واصنع العرف إِلَى كل ... كفور وشكور لك مَا تصنع والكفران ... يزري بالكفور

стр. 142

الْحَدِيث الثامن والعشرون [قبض العلم بقبض العلماء] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الْحَافِظُ قِوَامُ السُّنَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيُّ بْنُ بُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالشَّعَّارِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهُ الْمُفْتِي الْمَعْرُوفُ بِالصَّفَّارِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَضِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْخَشَّابُ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعَالِمَ بِعِلْمِهِ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ فِي الأَرْضِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ".

стр. 143

هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُنْذِرِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْقُرَشِيِّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ نَصْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ شُعْبَةَ، كِلاهُمَا عَنْهُ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحب الصيام والقيام، ومفشي السلام، ومطعم الطعام، التقي الخاشع، والنقي المتواضع، أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن العاص القرشي ﵁. أسلم قبل إسلام أَبِيهِ وشهد مَعَ أَبِيهِ صفين، وَكَانَ يضرب بسيفين. سكن مكة حماها اللَّه تَعَالَى، ثُمَّ رحل إِلَى الشام فأقام بها حَتَّى توفي يَزِيد بْن معاوية ثُمَّ عاد إِلَى مكة ومات بها سنة خمس وستين وَهُوَ ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: توفي بمصر ودفن فِي داره الصغيرة. وَكَانَ بين عَبْد اللَّهِ وبين أَبِيهِ في السن اثنتنا عشرة سنة، وقيل: عشرون سنة. قَالَ عَبْد اللَّهِ: رأيت فيما يرى النائم كأن فِي إحدى إصبعي سمنا والآخر عسلا وأنا ألعقهما، فلما أصبحت ذكرت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " تقرأ الكتابين: التوراة والقرآن "، فكان يقرؤها.

стр. 144

وفي الْحَدِيث حث عَلَى طلب العلم وتحريض على الاشتغال بِهِ. قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁ من سوده قومه عَلَى الفقه كَانَ حياة لَهُ ولهم، ومن سوده قومه عَلَى غير فقه كَانَ هلاكا لَهُ ولهم. وَقَالَ لزياد بْن جبير: هل تدري مَا يهدم الإْسِلام؟ قَالَ: لا، قَالَ: زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين. وَقَالَ أَبُو قلابة: مثل العلماء، مثل النجوم الَّتِي يهتدى بها، والأعلام الَّتِي يقتدي بها، فإذا تغيبت تحيروا، وإذا تركوها ضلوا. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو نصر مُحَمَّد بْن هبة اللَّه بْن يَحْيَى الفارسي، بمكة، حرسها اللَّه، وأخبرنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ الخطيب، أَخْبَرَنَا أَبُو حفص عمر بْن إِبْرَاهِيمَ المقري، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن الفضل، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أيوب المقري، حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الأموي، حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مَالِك، قَالَ: جاء رجل إِلَى أَبِي حنيفة ﵀ فَقَالَ: يَا أبا عَبْد اللَّهِ شربت البارحة نبيذا ولا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ فَقَالَ لَهُ: المرأة امرأتك حَتَّى تستيقن أنك قد طلقتها. قَالَ: فتركه ثُمَّ جاء إِلَى سُفْيَان الثوري ﵀ فَقَالَ: يَا أبا عَبْد اللَّهِ شربت البارحة نبيذا فلا أدري أطلقت امرأتي أم لا؟ قَالَ: اذهب فراجعها، فإن كنت طلقتها فقد راجعتها وإن لم تكن طلقتها فلا يضرك من المراجعة شيء.

стр. 145

فتركه وجاء إِلَى شريك بْن عَبْد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِكَ، قَالَ: اذهب فطلقها ثُمَّ راجعها. قَالَ: فتركه ثُمَّ جاء إِلَى زفر بْن الهذيل فسأله، فَقَالَ: سألت أحد قبلي؟ قَالَ: نعم، وقص عَلَيْهِ القصة فَقَالَ فِي جواب أَبِي حنيفة: الصواب قَالَ لك وَقَالَ فِي جواب سُفْيَان: مَا أحسن مَا قَالَ لك فلما بلغ إِلَى قول شريك ضحك زفر بْن الهذيل مليا، ثُمَّ قَالَ: لأضربن لهم مثلا: رجل مر بمثعب يسيل، فشك فِي ثوبه، هل أصابته نجاسة أم لا؟ قَالَ لك أَبُو حنيفة: ثوبك طاهر وصلاتك تامة حَتَّى تستيقن النجاسة، وَقَالَ لك سُفْيَان: اغسله: فإن يك نجسا فقد طهرته، وإن يك طاهرا فقد زدته طهارة، وَقَالَ لك شريك: بل عَلَيْهِ ثُمَّ اغسله!! أنشدنا الْقَاضِي بندار بْن أَبِي ليلى البصري بآمل طبرستان، لبعضهم: إذا شئت أن تلقى عدوك رغما ... وتقتله حزنا وتحرقه غما فسام العلى وازدد من الفضل، إنه ... من ازداد علما زاد حاسده هما

стр. 146

الْحَدِيث التاسع والعشرون [استمرار القيام بأمر الدين] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الرُّكْنُ أَحْمَدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ -، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ -، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ -، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ -، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِي: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : " لا تَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ "، قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَامَ مَالِكُ بْنُ يَخَامِرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَطَائِفَةٍ أُخْرَى، كُلِّهِمْ عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه. وَابْنِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ.

стр. 147

رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ خال المؤمنين، وكاتب وحي رَسُول رب العالمين، ومعدن الحلم والحكم، والمشار إِلَيْهِ بالفضل والكرم، أعلم أقرانه، وأسخى أهل زمانه: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ معاوية بْن أَبِي سُفْيَان صخر بْن حرب بْن أمية بْن عبد شمس القرشي ﵁. أسلم عام الفتح وولي الشام لعمر وعثمان عشرين سنة، وولي الخلافة عشرين سنة إِلا أشهرا. توفي بدمشق سنة ستين وَهُوَ ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل: ثمان وسبعين سنة. بلغ معاوية أن أهل الكوفة بايعوا الْحَسَن بْن علي، فسار يريد الكوفة، وسار الحسن يريده، فالتقوا بموضع من الكوفة، فصالح الْحَسَن بْن علي معاوية ﵃، وبايع لَهُ، ودخل معه الكوفة، ثُمَّ انصرف معاوية إِلَى الشام واستعمل عَلَى الكوفة المغيرة بْن شعبة. وقد صوب رَسُول اللَّهِ ﷺ فعل الحسن حيث قَالَ: إن ابني هَذَا سيد، وسيصلح اللَّه بِهِ بين فئتين عظيمتين من المسلمين ". وأبوه: أَبُو سُفْيَان، أسلم قبيل فتح مكة، ولاه رَسُول اللَّهِ ﷺ صدقات الطائف ذهبت إحدى عينيه يوم تبوك مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، والأخرى، يوم اليرموك مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁. وأم معاوية: هند بنت عتبة بْن ربيعة. وأخته: أم حَبِيبة زوج النَّبِيّ ﷺ .

стр. 148

نقل عَنِ الجم الغفير والعدد الكبير من علماء الأمة، وأعيان الأئمة، مثل: عَبْد اللَّهِ بْن المبارك، وأحمد بْن حنبل، ويزيد بْن هارون، وإبراهيم بْن الْحُسَيْن، ونزيل الهمداني: أن المراد بالطائفة المذكورة فِي الخبر هم أصحاب الْحَدِيث وأهل الآثار، الَّذِي نهجوا الدين القويم، وسلكوا الطريق المستقيم، فتمسكوا بالسبيل الأقوم والمِنْهَاج الأرشد، فشيدوا أعلامها، ونشروا أحكامها، ولم يخافوا فِي اللَّه لومة لائم، وجعلوا المعقول تبعا للمنقول، فِي الشرائع والأحكام، والحلال والحرام. أعلم أن مذهب أهل السنة أن العقل لا يوجب شيئا عَلَى أحد، ولا يرفع شيئا عَنْهُ، وليس إِلَيْهِ التحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح، ولو لم يرد السمع مَا وجب عَلَى أحد شيء، ولو كانت الحجة لازمة بنفس العقل لم يكن لبعث الرسل وإنزال الكتب فائدة. فتميز بما ذكرناه الفرقة النبوية من الفرق النظرية، وطائفة الاتباع من طائفة الابتداع. أَخْبَرَنَا جمال الأئمة أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا والدي شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو المظفر مَنْصُورِ بْن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ، قَالَ: حكي عَنْ إِسْحَاق بْن راهويه أَنَّهُ قَالَ: إن اللَّه تَعَالَى لم يكن ليجمع أمة مُحَمَّد ﷺ عَلَى ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم.

стр. 149

فقيل لَهُ: يَا أبا يعقوب من السواد الأعظم؟ قَالَ: مُحَمَّد بْن أسلم ومن تبعه. ثُمَّ قَالَ إِسْحَاق: لو سألت الجهال عَنْ ذَلِكَ لقالوا: جماعة الناس، ولا يعلمون أن الجماعة عالم متمسك بالكتاب والسنة. ثُمَّ قَالَ إِسْحَاق: لم أسمع عالما منذ خمسين سنة أشد تمسكا بأثر النَّبِيّ ﷺ من مُحَمَّد بْن أسلم الطوسي. أنشدنا الشَّيْخ الإْمَام جمال الإْسِلام أَبُو الحسن فيد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن شاذي الشعراني، لبعضهم: كل العلوم سوى القرآن زندقة ... إِلا الْحَدِيث وإلا الفقه فِي الدين والعلم متبع مَا قَالَ حَدَّثَنَا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين

стр. 150

الْحَدِيث الثلاثون [فضل التصدق ولو بالقليل] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الأَجَلُّ أَفْضَلُ الدَّوْلَةِ فَخْرُ الرُّؤَسَاءِ أَدِيبُ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ إِسْحَاقَ الأَبِيوَرْدِيُّ الْمُعَاوِيُّ -، ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مكْرَانَ - الشِّيرَازِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ فِي الرَّبَاطِ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ بِالرِّيِّ مِنْ لَفْظِهِ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَرَابِيسِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَعْبٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ: عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَفِي صِفَةِ النَّارِ،

стр. 151

عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ بِهَذَا وَفِي التَّوْحِيدِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ وَزَادَ فِيهِ: " فَمَنْ لَمْ يَجَدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ ". وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ وَابْنِ رَاهَوَيْهِ وَعَلِيِّ بْنِ خَشْرَمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، وَذَكَرَ الزِّيَادَةَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيٍّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ خَيْثَمَةَ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ التقي الوفي: أَبُو ظريف عدي بْن حاتم الطائي ﵁، أكرمه رَسُول اللَّهِ ﷺ حين قدم عَلَيْهِ، وفرح بإسلامه، وأجلسه عَلَى الوسادة. وسبيت أخته مع نفر كثير، فلما خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ من المسجد قامت فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذهب الوالد وغاب الفاقد، فلا تشمت بنا أحياء العرب، فإني ابنة من كَانَ يقري الضيف، ويفك العاني، ويطلق الأسير، ويعطي السائل، فَقَالَ ﵇: " من كَانَ أبوك؟ "، قالت: حاتم الطائي، فَقَالَ: خلوا عَنْهَا، فإن أباها كَانَ يحب مكارم الأخلاق " فقالت: ومن معي فَقَالَ: " ومن معها "، وكانوا سبعمائة. نزل عدي الكوفة فِي طيء، ومات بها زمن المختار، وله مائة

стр. 152

وعشرون سنة، وأوصى أن لا يصلى عَلَيْهِ المختار، ويقال: توفي بقرقيسيا سنة سبع وستين، ولم يبق لَهُ عقب إلا من قبل ابنتيه أسدة وعمرة. دخل يوما عَلَى عُمَر بْن الْخَطَّابِ ﵁ فكأنه رأى منه جفاء، فَقَالَ: أما تعرفني؟ فَقَالَ: بلى والله أعرفك، أكرمك اللَّه تَعَالَى بأحسن المعرفة، أسلمت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، فَقَالَ: حسبي يَا أمير المؤمنين، حسبي. وشهد مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب يوم الجمل وفقئت عينه، وقتل ابنه مُحَمَّد يومئذ. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى استحباب الصدقة، وإن قلت، وبشارة بأن اللَّه تَعَالَى يقبل القليل، ويعطي الجزيل، ويربي النزر اليسير من القربات، ويجازي عَلَيْهِ الكثير من المثوبات، فكل يعمل عَلَى شاكلته، ولولا أن العفو من صفته مَا عصاه أهل معرفته، ولكن ألقاهم فِي الذنب يعرفهم بِذَلِكَ فاقتهم إِلَيْهِ، ثُمَّ غفر لهم ليعلمهم بالغفران كرامتهم عَلَيْهِ. كَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بْن أَبِي طالب ﵁ يَقُول حبذا نوم الأكياس وفطرهم يغبنون سهر الحمقي والجهال، ولمثقال ذرة من اليقين خير من مِلء الأرض من المغرورين. وينبغي أن تكون الصدقة من المال الحلال، فإن اللَّه تَعَالَى طيب

стр. 153

لا يقبل إِلا الطيب، ولولا عناية الجبار ﷻ لم يدفع شق التمرة جمرة النار. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيمَ بْن نصر الرَّازِيّ، قدم علينا، حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُور بكر بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيّ بْن مُحَمَّدِ بْنِ جند النيسابوري، حَدَّثَنَا السيد الأجل أَبُو الحسن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن داود الحسني، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد الشعبي، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن جَعْفَر، قَالَ: حدثني أَبِي، قَالَ: حدثني إِبْرَاهِيم بْن طهمان، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد، عَنْ عمر بْن عَبْد العزيز ﵁، أَنَّهُ خطب الناس يوم عرفة فَقَالَ: يَا أيها الناس قد جئتم من البعيد والقريب، وأنصبتم الظهر، وأخلقتم الثياب، وأنتم وفد عين واحد، وليس السابق من سبقت راحلته ولكن السابق اليوم من غفر اللَّه لَهُ ذنوبه أنشدنا فخر الرؤساء أَبُو المظفر مُحَمَّد بْن أَبِي الْعَبَّاس الأَبِيوَرْدِيّ الْمُعَاوِيّ ﵀، لنفسه: شفافة من غنى فِي الأمن مجزية ... والحرص ليس عَلَى نفس بمأمون وقد قنعت فجأشي لا يقلقه ... صفراء كسرى ولا بيضاء قارون

стр. 154

الْحَدِيث الحادي والثلاثون [مقدار العقوبة التعزيرية] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الْمُؤْتَمَنُ نَاصِحُ الأَئِمَّةِ أَبُو الْحَسَنِ مَكِّيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُرُوجِرْدِيُّ، أَخْبَرَنَا الأَدِيبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُهَلَّبِيُّ الصَّيْدَلانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ دِلُّوَيْهِ الدَّقَّاقُ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: " لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلْدَاتٍ إِلا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي (الْحُدُودِ) ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى، عَنْ أَبِي وَهْبٍ، بِهَذَا.

стр. 155

رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحبه: أَبُو بردة هانئ بْن نيار بْن عمر بْن عبيد بْن كلاب بْن عُثْمَان بْن ذهل بْن هانئ بْن نيار الأنصاري ﵁، من قضاعة، وله عقب، وَهُوَ خال البراء بْن عازب. شهد بدرا والمشاهد كلها مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ . وَهُوَ حليف لبني حارثة بْن الخزرج. فِي الْحَدِيث: دليل عَلَى أن التعزير غير مقدر فِي الشرع، بل هُوَ مفوض إِلَى اجتهاد الإْمَام، ولهذا اختلف فِيهِ أهل العلم: فكان أَحْمَد بْن حنبل ﵁ يَقُول: للرجل أن يضرب عبده عَلَى المعصية وترك الصلاة، ولا يضرب فوق عشر جلدات وبه قَالَ إِسْحَاق بْن راهويه. وَقَالَ الشَِّعبي: التعزير من سوط إِلَى ثلاثين. وَقَالَ الشَّافِعِيّ ﵁: لا يبلغ بعقوبته أربعين، تقصيرا عَنْ مساواة عقوبات اللَّه فِي حدوده. وتأول بعض أصحاب الشَّافِعِيّ قوله فِي جواز الزيادة عَلَى الجلدات العشر إِلَى مَا دون الأربعين. إنها لا يزاد عَلَى العشر بالأسواط، ولكن

стр. 156

بالأيدي والنعال والثياب ونحوها على مَا يراه الإْمَام. وَقَالَ بعضهم: لا يبلغ عشرين، لأنها أقل الحدود، لأن حد العبيد فِي الخمر عشرون. وَقَالَ ابن أَبِي ليلى وَأَبُو يُوسُف: ينقص عَنْ ثمانين. وَقَالَ مَالِك: التعزير عَلَى قدر الجرم، فإن كَانَ جرمه أعظم من القذف ضرب مائة وأكثر. وكذلك قَالَ أَبُو ثور: إنه عَلَى قدر الجناية وتسارع الفاعل فِي الشر وإن جاوز الحد. والأكثرون عَلَى أَنَّهُ ينقص عَنْ أقل الحدود. أَخْبَرَنَا فخر الإْسِلام أَبُو المحاسن الرُّويَانِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل مُحَمَّد بْن علي السهلكي، يَقُول: سمعت أبا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن أَحْمَدَ الطبرسيي، حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيب، حَدَّثَنَا أَبُو زكريا يَحْيَى بْن مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْد اللَّهِ العنبري وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بْن يَحْيَى، واللفظ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المسيب بْن إِسْحَاق الأرغياني، حَدَّثَنَا يونس بْن عَبْد الأعلى الصدفي، قَالَ: كتب الخليفة إِلَى عَبْد اللَّهِ بْن وهب في قضاء مصر، فجنن نفسه ولزم بيته، فاطلع عَلَيْهِ رشدين بْن سَعْد وَهُوَ يتوضأ فِي صحن داره، فَقَالَ: يَا أبا مُحَمَّد ألا تخرج إِلَى الناس فتقضي بينهم بكتاب اللَّه تَعَالَى وسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ ؟ فرفع رأسه إِلَيْهِ وَقَالَ: إِلَى هاهنا انتهى عقلك؟ أما علمت أن العلماء يحشرون مَعَ الأنبياء، والقضاة يحشرون مَعَ السلاطين.

стр. 157

أنشدنا أفضل الدولة أديب الشرق وَالْغَرْبِ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّد بْن أَبِي الْعَبَّاس الْمُعَاوِيّ الأَبِيوَرْدِيّ ﵀، لنفسه: جمعت علوما قلت للنفس إذ طغت ... إذا أنت لم تحيي بهن فموتي فمن كَانَ يبغيهن للملك وصلة ... فذو اللب يحويهن للملكوت أنشدنا شرف الأئمة أبَوْ حفص عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ السَّرَخْسِيّ ﵀، أنشدنا الْقَاضِي أَبُو علي الْوَخْشِيّ، لبعضهم: النصح من رخصه فِي الناس مجان ... والغل غال، لَهُ - إن بيع - أثمان والعدل نزر، وأهل الجود قد كثروا ... وللظلوم عَلَى المظلوم أعوان تفاسد الناس، والبغضاء ظاهرة ... والناس فِي غير ذات اللَّه إخوان

стр. 158

الْحَدِيث الثاني والثلاثون [فضل الجهاد فِي سبيل اللَّه، والعزلة عند الفتن] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ فَخرُ الإْسِلامِ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ الرُّويَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السّهلكِيُّ، أَخْبَرَنَا أحمد بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيُّ الشَّاوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو شُعَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: " مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ لِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: " رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شَعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ.

стр. 159

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ شُعَيْبٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ حليف الصبر، ومؤثر الفقر: أَبُو سَعِيد سَعْد بْن مَالِك بْن سنان بْن عبيد بْن ثعلبة بْن عباد الأنصاري الخزرجي الخدري المدني، وَهُوَ مذكور فِي أهل الصفة، منسوب إِلَى الخدرة وهم من اليمن. وأمه: أنيسة بنت أَبِي الحارث، من بني عدي بْن النجار. وأخوه لأمه: قتادة بْن النعمان، كَانَ من الرماة المذكورين فِي صحابة رَسُول اللَّهِ ﷺ . سكن أَبُو سَعِيد المدينة وتوفي بها سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع وله أربع وتسعون سنة، وقد أعقب. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضل الجهاد فِي سبيل اللَّه ، وقد جعله رَسُول اللَّهِ ﷺ تلو الإيمان فِي الفضيلة فِي حَدِيث آخر، حيث سئل، أي الأعمال أفضل؟ قَالَ: " إيمان بالله ورسوله " قيل: ثُمَّ أي؟ قَالَ: " ثُمَّ جهاد فِي سبيل اللَّه تَعَالَى " قيل: ثُمَّ أي؟ قَالَ: " حج مبرور ".

стр. 160

ويحتمل أن النَّبِيّ ﷺ إنما قدم الجهاد والحج فِي هَذَا الْحَدِيث لأن فيهما إتعاب البدن وإنفاق المال، وغيرهما من العبادات إما أن يكون بالبدن أَوْ بالمال. وفيه: دليل عَلَى فضل العزلة، وهي مستحبة عند فساد الزمان، وتغير الإخوان، ووقوع الفتن، وتراكم المحن، كما فعله جماعة من الصحابة ﵃. وقد كَانَ النَّبِيّ ﷺ أوصاهم، عند تقلب الأحوال واختلاف الرجال وكثرة القيل والقال، بالاعتزال وملازمة البيوت وكسر السيوف واتخاذها من العراجين والخشب. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو غالب مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الملك بْن مُحَمَّدِ بْنِ بشران، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْن الأجري، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد العطشي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن، قَالَ: حدثني ابن سلمة الوراق، قَالَ: حدثني قثم العابد، قَالَ: حدثني عَبْد الواحد بْن يَزِيدَ ﵀، قَالَ: هبطت مرة واديا فإذا أنا براهب قد حبس نفسه فِي بعض غيرانه، فراعني ذَلِكَ. فقلت: أجني أم إنسي.

стр. 161

قَالَ: وفيم الخوف من غير اللَّه ؟ لست بجني، ولكن إنسي مغرور. قَالَ قلت: منذ كم أنت هاهنا؟ قَالَ: منذ أربع وعشرين سنة. قَالَ: فقلت: فمن أنيسك؟ قَالَ: الوحوش. قَالَ: فما طعامك؟ قَالَ: الثمار ونبات الأرض. قَالَ قلت: فما تشتاق إِلَى الناس؟ قَالَ: منهم هربت. قلت: أفعلى الإْسِلام أنت؟ قَالَ: مَا أعرف غيره، إِلا أن المسيح أمرنا فِي الكتب بالعزلة والانفراد عند فساد الناس. أنشدنا شرف الأئمة أَبُو حفص عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ السَّرَخْسِيّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أبو علي الْوَخْشِيّ ﵀ قَالَ: دخل رجل عَلَى أَبِي الْعَبَّاس ثعلب وَهُوَ ينظر فِي الكتب، فَقَالَ: إِلَى متى هَذَا؟ وأنشده: وإن صحبنا الملوك تاهوا وعقوا ... واستخفوا جهلا بحق الجليس أَوْ صحبنا التجار صرنا إِلَى البؤس ... وصرنا إِلَى عداد الفلوس فلزمنا البيوت نستكثر الْخَيْر ... ونملأ بِهِ بطون الطروس لو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس غير أن الزمان - أعني بنيه - ... حشدونا عَلَى حياة النفوس

стр. 162

أنشدنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أميرجه، أنشدني شَيْخ الإْسِلامِ عَبْد اللَّهِ الأنصاري، أنشدنا أَبُو زكريا يَحْيَى بْن عمار، إملاء، أنشدنا أَبُو بَكْر هبة اللَّه بْن الْحُسَيْن يَقُول: أنشدنا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دريد، أنشدنا: أَبُو عُثْمَان سَعِيد بْن هارون، أنشدنا هلال بْن العلاء ﵀، لنفسه: لما عفوت ولم أحقد عَلَى أحد ... أرحت نفسي من غم العداوات إني أحيي عدوي عند طلعته ... لأدفع الشر عني بالتحيات وأحسن البشر للإنسان أبغضه ... كأنه قد حشا قلبي محبات ولست أسلم من خل يخالصني ... فكيف أسلم من أهل المعاداة؟

стр. 163

الْحَدِيث الثالث والثلاثون [فضل سَعْد بْن معاذ ﵁] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلاءِ حَمْدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُسْلِمٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَرَفَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ النُّهَاوَنْدِيُّ إِمَامُ جَامِعِهَا، قَدِمَ عَلَيْنَا، حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فِرَاسٍ الْمَكِّيُّ، بِمَكَّةَ، حَرَسَهَا اللَّهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْبُلِيُّ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ -، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: أَهْدَيْتُ لرَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَلْمِسُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ، أَوْ خَيْرٌ، مِمَّا تَرَوْنَ ".

стр. 164

هَذَا حَدِيثٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ [الْبُخَارِيُّ] فِي (صِفَةِ الْجَنَّةِ) ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، وَفِي (مَنَاقِبِ سَعْدٍ) عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، وَفِي (اللِّبَاسِ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، وَفِي (النُّذُورِ) : عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي (الْفَضَائِلِ) ، عَنْ أَبِي مُوسَى وَبُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالَدٍ، كُلِّهِمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْهُ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُو عمارة البراء بْن عازب بْن الحارث بْن عدي بْن جشم بْن مجدعة بْن حارثة، نزل الكوفة. توفي أيام مصعب بْن الزبير. تخلف عَنْ بدر الصغرى، وَكَانَ أول مشهد شهده الخندق قَالَ البراء: استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر. فِي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضائل سَعْد بْن معاذ ﵁، وشهادة بأنه من أهل الجنة، وأنه يكسى من حللها، وفي ذَلِكَ معجزة ظاهرة لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حيث أَخْبَرَنَا عما لم يكن بعد. وفيه دليل عَلَى أن مَا فِي الجنة من الأشياء أفضل وأحسن مما فِي

стр. 165

الدنيا، وإن كَانَ بينهما مشاركة من حيث الاسم والصورة، فإن ثياب الجنة لا تبلى، ونعيمها لا ينفد. وقد قَالَ ﵇ حين سمع قول لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قَالَ: " كذب، فإن نعيم الجنة لا يزول ". وفيه دليل عَلَى جواز قبول الهدية للنبي ﷺ ، مَعَ تحريم الصدقة عَلَيْهِ. قَالَ ﷺ : " لو دعيت إِلَى كراع لأجبت، ولو أهدى إِلي ذراع لقبلت ". والهدية مندوب إليها: لقوله ﷺ : " تهادوا تحابوا ". أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو علي الْحَسَن بْن أَحْمَدَ الحداد، إجازة، أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو نعيم أَحْمَد، أَخْبَرَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن يعقوب بْن عمر الْجُعْفِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو حاتم مُحَمَّد بْن إِدْرِيس، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الواسطي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بشر، حَدَّثَنَا حفص بْن عمر الْجُعْفِيّ، يَقُول: اشتكى داود الطائي أياما، وَكَانَ سبب علته أَنَّهُ مر بآية فِيهَا ذكر النار، فكررها مرارا فِي ليلته، فأصبح مريضا، فدخل عَلَيْهِ ناس من إخوانه وجيرانه، ومعهم ابن السماك، وَهُوَ فِي بيت عَلَى التراب وتحت رأسه لبنة، فلما توفي خرج فِي جنازته خلق كثير، حَتَّى ذوات الخدور. فَقَالَ ابن السماك: يَا داود سجنت نفسك قبل أن تسجن، وحاسبت نفسك قبل أن تحاسب، وعذبتها قبل أن تعذب، فاليوم ترى ثواب مَا كنت ترجو وله كنت تنصب وتعمل.

стр. 166

فَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عياش، وَهُوَ عَلَى شفير القبر: اللَّهم لا تكل داود إِلَى عمله، فاستحسن الناس كلامه. مَا لبس داود مدة حياته لينا، وما أكل طيبا. وَكَانَ يَقُول: العلم آلة العمل، فإذا أفنيت عمرك فِي جمع الآلة فمتى تعمل؟ مسكين ابن آدم، قلع الأحجار أهون عَلَيْهِ من ترك الأوزار. أنشدنا الإْمَام شرف الأئمة، لأبي الحسن الكاتب ﵀: وفي مر الشهور لنا فناء ... ونحن نحب أن تفني الشهور ويعجبنا زوال اليوم عنا ... وفي غده تسد بنا القبور نسير إِلَى المنايا، والمنايا ... إلينا غير وانية تسير فلا المغتر تتركه المنايا ... لغرته، ولا الحذر النفور

стр. 167

الْحَدِيث الرابع والثلاثون [أحكام وآداب الاستنجاء] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْجَلِيلُ الإْمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَاكِمِيُّ ﵀، أَخْبَرَنَا عَمِّي الزَّكِيُّ الْحَاكِمُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِيُّ، وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرُّوذَبَاريُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ التَّمَّارُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ دَاسَةَ الْبَصْرِيِّ -، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁، قَالَ: قِيلَ لَهُ: لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ: أَجَلْ، " لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلا بول وأن لا نستنجي باليمين وأن لا يَسْتَنْجِي أَحَدُنَا بِأَقَلِّ مِنْ ثَلاثِة أَحْجَارٍ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ "، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " بِرَوْثٍ أَوْ رِمَّةٍ ".

стр. 168

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، صَحِيحٌ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٍ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، بِهَذَا. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ الحاكم الحكيم، والعالم والعابد العظيم، سابق الفرس: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلمان بْن الإْسِلام، رافع الألوية والأعلام، مولى المصطفي ﵇، أحد النجباء، ومن تشتاق الجنة إِلَيْهِ من الأولياء. قيل: إنه من أصفهان، وَقَالَ بعضهم: من فارس من رامهرمز. لم يشهد بدرا ولا أحدا، لأنه كَانَ فِي أوقاتهما عبدا، فأول غزوة غزاها، الخندق سنة خمس من الهجرة. عمر عمرا طويلا، ومات فِي أول خلافة عُثْمَان ﵄ بالمدائن، وفي بعض الروايات أَنَّهُ مات فِي أول خلافة عَلَى ﵄ عاش مائتين وخمسين سنة، ويقال: أكثر، ويقال: إنه أدرك وحي عِيسَى بْن مريم ﵇. دخل عَلَى عمر ﵁ وهي متكئ عَلَى وسادة فألقاها لَهُ إكراما لَهُ. فِي الْحَدِيث: نهى عَنِ استقبال القبلة واستدبارها عَلَى قضاء الحاجة.

стр. 169

واختلف فِيهِ أهل العلم: فذهب جماعة إِلَى تعميم النهي، والتسوية بين الصحراء والبنيان، روي ذَلِكَ عَنْ أَبِي أيوب الأنصاري، وَهُوَ قول إِبْرَاهِيم النخعي وسفيان الثوري وأبي حنيفة. وذهب جماعة إِلَى أن النهي عَنِ الاستقبال والاستدبار يختص بالصحراء، فأما الأبنية فلا بأس فِيهَا بالاستقبال والاستدبار، وَهُوَ قول عَبْد اللَّهِ بْن عمر وبه قَالَ الشعبي ومالك والشافعي، واحتجوا بحديث متفق عَلَى صحته برواية ابْن عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت النَّبِيّ ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. والاستنجاء معناه: إزالة النجو، وَهُوَ كناية عَنِ الحدث، مشتق من النجوة وَهُوَ مَا ارتفع من الأرض، كانوا يستترون بها إذا مضوا إِلَى قضاء الحاجة. والرجيع: النجاسة. والرمة: العظام البالية سميت رمة لأن الإبل ترمها أي تأكلها. وفيه دليل عَلَى أن الاقتصار عَلَى أقل من ثلاثة أحجار فِي الاستنجاء لا يجوز وإن حصل الإنقاء بما دونها. وفي النهي عَنِ الاستنجاء بالرمة: دليل عَلَى أَنَّهُ لا يختص بالحجر، بل يجوز بما يقوم مقام الحجر فِي الإنقاء إذا لم يكن مأكولا ولا محترما ولا نجسا. والنهي عَنِ الاستنجاء باليمين نهي أدب.

стр. 170

أَخْبَرَنَا شَّيْخُ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بْن مُوسَى الصيرفي يَقُول: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يعقوب، يَقُول: سمعت بعض أصحاب الْحَدِيث يَقُول: قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن حَبِيب الأنطاكي: كتب يُوسُف بْن أسباط إِلَى حذيفة المرعشي " أما بعد، فإني أوصيك بتقوى اللَّه ، والعمل بما علمك اللَّه تَعَالَى، والمراقبة حيث يراك اللَّه ، والاستعداد لما ليس لأحد فِيهِ حيلة، ولا ينتفع بالندم عند نزوله، فاحسر عَنْ رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسؤال غدا. وأعلم أَنَّهُ لابد لِي ولك من الوقوف بين يدي اللَّه ليسألني وإياك عَنِ الدقيق والجليل، ولست آمن أن يسألني وإياك عَنْ وساوس الصدور ولحظات العيون. وأعلم يَا أخي، أَنَّهُ لا يجزئ من العمل القول، ولا من البذل العدة، ولا من التوقي التلاوم. وقد صرنا فِي زمن هَذِهِ صفة أهله، فمن كَانَ كذلك فقد تعرض للمهالك، وصد عَنْ سواء السبيل، وفقنا اللَّه وإياك.

стр. 171

أنشدنا الأديب أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مسعود الإسفرايني، أنشدنا الإْمَام السيد مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن طلحة، لأبي تمام: ذو الود مني وذو القربي بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني عصابة جاورت آدابهم أذني ... فهم إن فرقوا فِي الأرض جيراني أرواحنا فِي مكان واحد وغدت ... أجسامنا بشآم أَوْ خراسان ورب نائي المغاني روحه أبدا ... لصيق روحي ودان ليس بالداني وأنشدنا، لحمدان الرفاء رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قل لبني اللَّيْث يستعدوا ... جاء من الأمر مَا يهد دولتكم فصمت عراها ... فخانها ركنها الأسد أعطاكم الدهر ثوب مجد ... والدهر يعطي ويسترد

стр. 172

الْحَدِيث الخامس والثلاثون [جمع المغرب والعشاء فِي مزدلفة] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ ظَرِيفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحِيرِيُّ ﵀، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ -، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَارِسِيُّ -، بِهَرَاةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَخْلَدٍ -، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصَعْبٍ، إِمْلاءً، حَدَّثَنَا (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: " دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ "، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: " الصَّلاةُ أَمَامَكَ "، " فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ وَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ "، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ: " ثُمَّ أُقِيمَتْ صَلاةُ الْعِشَاءِ الآخِرَةَ، فَصَلاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ".

стр. 173

هَذَا حَدِيث صَحِيح مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ الإْمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ الأَصْبَحِيِّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي رِشْدِينٍ كُرَيْبِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ مَوْلاهُمْ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ. وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْهُ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ حبه ومولاه، أسامة بْن زيد بْن حارثة بْن شراحيل، ويقال: ابن شرحبيل، بْن كعب بْن عَبْد العزى الكلبي من قضاعة، ويكنى أبا زيد، ويقال: أَبُو يَزِيد، وقيل: أَبُو مُحَمَّد، وَأَبُو خارجة وأمه أم أيمن، واسمها بركة، كانت لعَبْد اللَّه بْن عَبْد المطلب، وهي حاضنة النَّبِيّ ﷺ . استعمله ﷺ وَهُوَ ابن ثماني عشرة سنة، وتوفي بعد قتل عُثْمَان، بوادي القرى، ويقال: مات بالجرف، وحمل إِلَى المدينة، وَكَانَ ابْن عُمَرَ يَقُول: عجلوا بحب رَسُول اللَّهِ ﷺ قبل أن تطلع الشمس فِي الْحَدِيث: دلالة عَلَى أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، ومن فاته فِي وقته فقد فاته الحج، ووقته إذا زالت الشمس من يوم عرفة إِلَى أن يطلع الفجر من يوم النحر.

стр. 174

وكانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، وَكَانَ سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإْسِلام أمر اللَّه نبيه ﵇ أن يأتي عرفات فيقف بها ثُمَّ يفيض مِنْهَا. والجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة متفق عَلَيْهِ بين العلماء مَعَ إمام الحاج. سئل أسامة بْن زيد: كيف كَانَ سير النَّبِيّ ﷺ فِي حجة الوداع حين دفع؟ قَالَ: يسير العنق، فإذا وجد فرجة نص. قَالَ هشام: "والنص" فوق "العنق"، قَالَ الخطابي: العنق: السير الواسع، والنص: أرفع السير، ومنه قولهم: نصصت الْحَدِيث، إذا رفعته إِلَى قائله. وأجمعت الأئمة عَلَى أَنَّهُ إذا جمع بين الظهر والعصر فِي وقت الظهر يؤذن ويقيم للظهر ولا يؤذن للعصر. والأكثرون عَلَى أَنَّهُ يقيم لها. وقال أصحاب الرأي: لا يقيم. أما إذا جمع المغرب والعشاء فِي وقت العشاء، فذهب جماعة إِلَى أَنَّهُ يجمع بينهما بإقامتين، لحديث أسامة، وإليه ذهب الشَّافِعِيّ. وصار صائرون إِلَى أَنَّهُ يجمع بينهما بأذان وإقامتين يؤذن ويقيم للأولى، ويقيم للثانية، وَهُوَ قول أصحاب الرأي: وَقَالَ مَالِك: بأذانين وإقامتين. وَقَالَ الثوري: بإقامة واحدة.

стр. 175

أَخْبَرَنَا أَبُو سهل غانم بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد الواحد، حَدَّثَنَا الْحَافِظ أَبُو نعيم، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْد اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِيسَى، حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الحكم قَالَ: سمعت ذا النون يَقُول: بينا أنا أسير فِي بعض سياحتي وإذا بصوت حزين كئيب موجع القلب، أسمع الصوت ولا أرى الشخص، وَهُوَ يَقُول: " سبحان مفني الدهور، سبحان مخرب الدور، سبحان باعث من فِي القبور، سبحان مميت القلوب ". فاتبعت الصوت فإذا أنا بإنسان يَقُول: سبحان من لا يسع الخلق إِلا ستره، سبحانك مَا ألطفك بمن خالفك، وأوفاك بعهدك، سبحانك مَا أحلمك عمن عصاك وخالف أمرك. ثُمَّ قَالَ: سيدي بحكمك نطقت، وبفضلك تكلمت، فيا إله من مضى قبلي، ويا إله مَن يكون بعدي، بالصالحين فألحقني، ولأعمالهم فوفقني. ثُمَّ قَالَ: أين الزهاد والعباد؟ نزل بهم الزمان فأبلاهم، وحل بهم البلاء فأفناهم، فهل تنتظر إِلا مثل الَّذِي أصابهم؟ فانصرفت وتركته باكيا. وأنشدنا الفقيه ذو المحاسن أَبُو الْخَيْر سعيد بْن الْحُسَيْن، أنشدنا نجم الزمان حمزة الصَّفَّار، لأبي سَعْد بْن خلف:

стр. 176

جرت النوى بهم فما عنوا ... رفقا بنا ونأوا فما حنوا أن كَانَ عندهم وقد رحلوا ... أنا نقيم فبئس مَا ظنوا هيهات نحن عَلَى محبتهم ... نستن فِيهَا مثل مَا استنوا إن أسهلوا فالسهل منزلنا ... أَوْ أحزنوا فحملنا الحزن ولنا بحيث تلفتوا شبح ... يبدو وأين تلفظوا أذن لِي عندهم دين، فواعجبا! ... الدين لِي وفؤادي الرهن لا غرو أن أبديت سرهم ... فالعاشقون إذا صبوا أنوا إني ومن حج الحجيج لَهُ البيت ... الحرام وسيقت البدن لا آب، مَا غاب الخليط، إِلَى قلبي ... السرور، ولا نأى الحزن

стр. 177

الْحَدِيث السادس والثلاثون [مدة رخصة التيمم وكيفيته] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّكِيُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَاكِمِيُّ -، أَخْبَرَنَا وَالِدِي الشَّيْخُ الْجَلِيلُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحَاكِمِيُّ -، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرُّوذَبَارِيُّ -، أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ -، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ السِّجِسْتَانِيُّ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأَنْصَارِيُّ -، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، عن الأَعْمَشُ -، عَنْ شَقِيقٍ -، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ - وَأَبِي مُوسَى -، فَقَالَ أَبُو مُوسَى -: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ -، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا - أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لا، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا -، فَقَالَ أَبُو مُوسَى -: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ، فَقَالَ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشْكَوْا إِذَا بَرَدَ - عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى -: فَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 178

قَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ ﵁: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: " إِنَّما كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا "، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الأَرْضِ فَنَفَضَهَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَه. هَذَا حَدِيثٌ، حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّيَمُمِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّهَارَةِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، كُلِّهِمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، بِهَذَا. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ المطمئن بالإيقان، والممتلئ من الإيمان، الصابر عَلَى الذل والمحنة، المتثبت فِي الاضطراب والفتنة، أَبُو اليقظان عمار بْن ياسر بْن عامر بْن مَالِك، مولى بني مخزوم، من عنس، وعنس من مدحج، من اليمن، رهط العنسي الكذاب المتنبئ. سبق إِلَى قتال الطغاة مَعَ النَّبِيّ ﷺ ، وبقى إِلَى طعان البغاة مَعَ الولي، كَانَ مخصوصا من النَّبِيّ ﷺ بالبشاشة والترحيب، والبشارة

стр. 179

والتطييب، وَهُوَ أحد الأربعة الَّذِينَ تشتاق إليهم الجنة. شهد بدرا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وسكن المدينة. بعثه عمر ﵄ عَلَى الكوفة أميرا وكتب إليهم: " إني بعثت إليكم عمارا، وَهُوَ من النجباء والرفقاء ". قَالَ علي ﵁: سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: " عمار ملئ إيمانا إِلَى مشاشه ". مر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهِ وبأمه سمية، أول شهيدة استشهدت فِي الإْسِلام، وهما يعذبان بالبطحاء فَقَالَ: " صبرا يَا آل ياسر، فإن مصيركم إِلَى الجنة ". شهد عمار مَعَ عَلِيّ بْن أَبِي طالب ﵁ صفين، فقتل بها سنة سبع وثلاثين، وَهُوَ ابن ثلاث وتسعين سنة، ودفن هناك، وصلى عَلَيْهِ ولم يغسله. فِي الْحَدِيث فوائد: مِنْهَا: جواز التيمم للجنب إذا لم يجد الماء، وَهُوَ قول عامة أهل العلم وكذلك الحائض والنفساء.

стр. 180

وذهب عمر وابن مسعود ﵄ إِلَى أن الجنب لا يصلي بالتيمم. وَكَأنَ عمر ﵁ قد نسي مَا ذكر لَهُ عمار فلم يقنع بقوله. وروي أن ابن مسعود رجع عَنْ ذَلِكَ وجوز التيمم للجنب. وفيه: دليل عَلَى أَنَّهُ إذا ضرب بيده عَلَى التراب فعلق بها تراب كثير فلا بأس أن ينفخ فيها حَتَّى يخف جميع مَا عَلَيْهَا من التراب. فلو أزال بالنفخ مَا عَلَيْهَا من التراب لم يصح تيممه عند جماعة من أهل العلم، وَهُوَ قول الشَّافِعِيّ ﵁. وذهب قوم إِلَى جوازه، وَهُوَ قول أصحاب الرأي، حَتَّى قالوا: لو ضرب بيده عَلَى صخرة لا غبار عَلَيْهَا فمسح وجهه ويديه جاز. وفيه دلالة عَلَى أن التيمم ضربة واحدة، وَهُوَ قول علي وابن عَبَّاس، وإليه ذهب من التابعين الشعبي وعطاء. والذي عَلَيْهِ الجمهور أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إِلَى المرفقين، وَهُوَ قول عَبْد اللَّهِ بْن عمر، وجابر، وإليه صار من التابعين سالم بْن عَبْد اللَّهِ بْن عمر والحسن وإبراهيم والنخعي، وبه قَالَ مَالِك وسفيان الثوري، وابن المبارك والشافعي، وأصحاب الرأي: وَهُوَ أشبه بالأصول. أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرو
следующие страницы →