راض، وأحد السبعة المسمين فِي الشورى.
سماه رَسُول اللَّهِ ﷺ طلحة الْخَيْر، وطلحة الجود، وطلحة الفياض، ودعاه الصبيح المليح الفصيح، وَهُوَ من المهاجرين الأولين.
قَالَ ابن شهاب: قدم طلحة بْن عُبَيْد اللَّهِ من الشام بعدما رجع النَّبِيّ ﷺ مِنْ بدر، فكلم رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سهمه، فَقَالَ: " لك سهمك "، فَقَالَ: وأجري، قَالَ: " وأجرك ".
ثبت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يوم أحد حين تفرق عند أصحابه، ووقاه بيده من ضربة قصد بها فشلت يده، فَقَالَ ﵇: " أوجب طلحة ".
قالت عائشة ﵂: كَانَ أَبُو بَكْر ﵁ إذا ذكر يوم أحد قَالَ: ذاك يوم كله لطلحة، أتيناه فِي بعض الحفار فإذا بِهِ بضع وتسعون أَوْ أقل أَوْ أكثر من طعنة برمح، أَوْ ضربة بسيف، أَوْ رمية بسهم.
آخي سول اللَّه بينه وبين سَعْد بْن أَبِي وقاص.
قتل طلحة يوم الجمل فِي رجب سنة ست وثلاثين، أتاه سهم غرب فوقع فِي حلقه، فَقَالَ: بسم اللَّه ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ،
стр. 37
وَكَانَ ابن أربع وستين، وقيل ابن أربع وخمسين سنة، ودفن بالبصرة، وقبره معروف ويقال: إن مروان بْن الحكم رماه
وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن اسم الإْسِلام يشتمل عَلَى الأعمال، لأن الرجل سأل النَّبِيّ ﷺ عَنِ الإْسِلام فأجابه الأعمال، وَهُوَ مذهب أهل السنة والجماعة: أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
فإن قيل: لم لم يذكر النَّبِيّ ﷺ الحج فِي هَذَا الْحَدِيث؟
قلنا: يحتمل أن هَذَا السؤال وقع من السائل قبل وجوب الحج، ويحتمل أن النَّبِيّ ﷺ بين لَهُ الشرائع الَّتِي لم تكن تعرفها العرب ولم تعتقد وجوبها وفعلها، فأما الحج فكانوا يتعارفونه فيما بينهم، ويدينون بِهِ توارثوه من إِبْرَاهِيم ﵇.
وفي الْحَدِيث دلالة أيضا عَلَى أن قدر الواجب فِي هَذِهِ الأنواع المذكورة مَا نص عَلَيْهِ الشرع، وليس عَلَى العبد فِيهِ زيادة، إِلا أن يجعله عَلَى نفسه بنذر أَوِ التزام، وقد ذكر النَّبِيّ ﷺ النذر، وسمى الناذر بخيلا.
وفيه دليل عَلَى أن الوتر ليس بواجب.
стр. 38
وفيه دليل عَلَى أن الفرض والواجب شيء واحد، لأن النَّبِيّ ﷺ لم يجعل بين الفرض والتطوع واسطة ومنزلة، بل مَا أخرجه من الفرائض أدخله فِي التطوعات.
وفيه دليل عَلَى أن من داوم عَلَى أداء الفرائض بشرطها ولم يزد عَلَيْهَا ترجى لَهُ النجاة وأما النوافل فشرعت لاكتساب المحبة، وزيادة الدرجة، وجبر مَا يقع فِي الفرائض من الخلل.
وقد قيل: من شغله الفرض عَنِ النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عَنِ الفرض فهو مغرور.
وقوله: " نسمع دوي صوته " فالدوي: الصوت الَّذِي لا تعرف حقيقته كدوي النحل.
وقوله: " أفلح " أي نجا، والفلاح: النجاة والبقاء.
وقوله: " إِلا أن تطوع " يعني: إِلا أن تفعل بطواعيتك من غير أمر وتكليف، ويقال: تطوع واطوع بمعني واحد.
стр. 39
أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو الحسن فيد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن شاذي الشعراني، أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل عمر بْن إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَر البختري، قَالَ: سمعت أبا الْعَبَّاس السراج، يَقُول:
سمعت أبا إِسْحَاق القرشي، يَقُول كتب إِلي أخ من مكة:
يَا أخي، إن كنت تصدقت بما مضى من عمرك عَلَى الدنيا، وَهُوَ الأكثر، فتصدق بما بقي عَلَى الأخرى، وَهُوَ الأقل.
أنشدنا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أنشدنا الشَّيْخ أَبُو البركات مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن يَحْيَى، أنشدنا الشَّيْخ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ علي الصوري الْحَافِظ، عَنْ بعض شيوخه:
ولا خلاف بأن الناس قد خلقوا ... فيما يرمون معكوسي القوانين
إذ ينفق العمر فِي الدنيا مجازفة ... والمال ينفق فِيهَا بالموازين
أصحاب الشورى.
وأمه صفية بنت عَبْد المطلب عمة النَّبِيّ ﷺ .
أسلم الزبير وَهُوَ ابن ثماني سنين، وهاجر وَهُوَ ابن ثماني عشرة، وقيل: اسلم وَهُوَ ابن ست عشرة.
ولم يتخلف عَنْ غزوة غزاها رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وفيه يَقُول حَسَّان بْن ثابت ﵁ شعرا:
فكم كربة ذب الزبير بسيفه ... عَنِ المصطفى، والله يعطي ويجزل
فما مثله فيكم، ولا كَانَ قبله ... وليس يكون الدهر مَا دام يذبل
ثناؤك خير من فعال معاشر ... وفعلك يَا ابن الهاشمية أفضل
قَالَ سَعِيد بْن عَبْد العزيز: كَانَ للزبير ألف مملوك يؤدون إِلَيْهِ الخراج، وَكَانَ يقسمه كل ليل ثُمَّ يقوم إِلَى منزله ليس معه شيء.
قتل يوم الجمل فِي جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وَهُوَ يومئذ ابن أربع وستين سنة، وقيل ابن ستين سنة قتله عَمْرو بْن جرموز، بوادي السباع. وقبره هنالك.
وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن حكم مياه الأودية والسيول الَّتِي لا تملك منابعها ومجاريها: الإباحة، والناس فِي الارتفاق بها شرع سواء، ومن
стр. 43
سبق إِلَى شيء مِنْهَا كَانَ أحق بِذَلِكَ من غيره ومن كَانَ أعلى فهو أولى ممن هُوَ أسفل منه، وله أن يسقى زرعه حَتَّى يبلغ الماء إِلَى الكعبين، ثُمَّ لا حق لَهُ فِيهِ بعد مَا أخذ منه حاجته، بل هُوَ لمن كَانَ أسفل منه.
وأما إذا كَانَ المنبع ملكاً لواحد فليس لأحد أن ينازعه فلي ذَلِكَ، إِلا أَنَّهُ لا يجوز منع الفضل من حاجته عَنْ ماشية الغير، لقوله ﵇: "لا تمنع فضل الماء لتمنع بِهِ الكلأ" وَهَذَا فيما نبع فِي بئر لإنسان هي ملكة وبقربة مواتٌ فِيهِ كلأ لعامة المسلمين، فإن بذل صاحب البئر فضل مائه أمكن الناس رعيه، وإن منع لم يمكنهم، فيكون فِي منعه فضل الماء منع الكلأ، وإلى هَذَا ذهب جماعة من العلماء.
وَقَالَ بعضهم: ليس هَذَا نهي تحريم، إنما هُوَ من باب المعروف إن شاء فعل، وإن شاء ترك.
وَقَالَ آخرون: لايجوز منعه، وله طلب القيمة، كإطعام المضطر يجب عَلَيْهِ وله أن يأخذ قيمته.
والأصح أَنَّهُ يجب بذله مجانا، لما روي أَنَّهُ ﷺ نهى عَنْ بيع فضل الماء، وَهَذَا بخلاف الطعام فإنه منقطع المادة وغير مستخلف، والماء مستخلف مادام في منبعه، حتى لوجمعه فِي حوض أَوْ إناء فله منعه من غيره، كالطعام.
وفي الْحَدِيث دليل عَلَى أن مَا أشار إِلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ فِي الابتداء كَانَ مصلحة ورعاية للجانبين، فلما أحفظه - أي أغضبه الأنصاري – استوفي حق الزبير بصريح الحكم.
والآية الَّتِي نزلت فِي تلك الحادثة تدل عَلَى أن الاستسلام والانقياد لحكم رَسُول اللَّهِ ﷺ سرا وعلنا من شرط الإيمان.
أسلم وَهُوَ سابع سبعة من المسلمين وله يومئذ تسع عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة جمع لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أبويه يوم أحد، فَقَالَ: " ارم فداك أَبِي وأمي، اللَّه سدد رميته، وأجب دعوته "، ثُمَّ قَالَ: " هَذَا خالي، فليأت كل رجل بخاله " توفي سَعْد بالعقيق فِي قصره عَلَى سبعة أميال من المدينة، وحمل عَلَى رقاب الناس إِلَى المدينة، سنة خمس وخمسين، ويقال سنة ثمان وخمسين وبلغ من السن بضعا وثمانين، سنة، أَوْ بضعا وسبعين سنة صلى عَلَيْهِ مروان بْن الحكم وَهُوَ والي المدينة، فِي المسجد رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وصلت عَلَيْهِ نساء النَّبِيّ ﷺ فِي حجرهن، ودفن بالبقيع وَهُوَ آخر العشرةوآخر المهاجرين وفاة
وَكَانَ سَعْد أول من رمي سهم فِي سبيل اللَّه من العرب بكى ابنه مصعب عند موته، فَقَالَ: مَا يبكيك يَا بني؟ إني أقسم عَلَى ربي أن لا يعذبني
فِي الْحَدِيث دلالة عَلَى فضل التسبيح والتكبير والتحميد، وقد جاء فِي تفسير التسبيح أَنَّهُ تنزيه اللَّه عَنْ كل سوء.
стр. 49
وفيه دليل عَلَى استحباب هَذَا الأذكار عقيب الصلوات والحكمة فِي ذَلِكَ أن وقت الفرائض وقت تفتح فِيهِ أبواب السماء، وترفع فِيهِ الأعمال، فكان الذكر حينئذ أرجى ثوابا وأعظم أجرا
وقد سمى النَّبِيّ ﷺ هَذَا الأذكار خلف الصلوات معقبات لا يخيب قائلهن، أَوْ فاعلهن، ومعني المعقبات: أنها أذكار يأتي بعضها عقيب بعض، وَقَالَ أَبُو عبيد: لأنها عادت مرة بعد مرة.
وفيه دليل على استحباب هذه الأذكار عند الأوي إلى الفراش، ليكون نومه على ذكر، ويختم يقظته بعبادة وخير.
وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى جواز العد والإحصاء للذكر والتسبيح، خلاف قول من كره ذَلِكَ وَكَانَ ﵇ يعقد التسبيح، وأمر النساء أن يعقدن التسبيح بأناملهن
وفيه دليل عَلَى كون الميزان حقا، توزن بِهِ أعمال العباد يوم القيامة، بخلاف زعم المعتزلة، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾
أَخْبَرَنَا شَيْخ القضاء أَبُو علي إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ بْن الْحُسَيْن البيهقي، أَخْبَرَنَا الإْمَام حقا وشيخ الإْسِلام صدقا أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن
стр. 50
عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْد الصمد بْن عَبْد اللَّهِ المعمري، أَخْبَرَنَا أَبُو يَزِيد حاتم بْن محبوب الشامي، حَدَّثَنَا سلمة بْن شبيب، قَالَ: قَالَ مَنْصُور بْن عمار حدثني أَبُو زكريا بْن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ:
بينا مسلمة بْن عَبْد الملك فِي المسجد الحرام إذ أتي بحجر أسود مكتوب فِيهِ بالحميرية فَقَالَ: هل هنا من يقرؤه لنا؟ فأتي بوهب بْن منبه فقيل لَهُ: يَا أبا عَبْد اللَّهِ اقرأ مَا عَلَى الحجر، فإذا عَلَيْهِ مكتوب:
يَا ابن آدم، لو رأيت يسير مَا بقي من أجلك، لزهدت فِي طول مَا ترجو من أملك، وقصرت من حرصك وحيلك، وابتغيت الزيادة فِي عملك، وإنما تلقى الندم، لو قد زلت بك القدم، وأسلمك الأهل والحشم، وانصرف عنك الحَبِيب، وأسلمك القريب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فأعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة!
أنشدنا الإْمَام ناصح الأئمة أَبُو الفتح عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ السعيدي، أنشدنا الفقيه الصائن أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بْن عَبْد الملك المظفري الملقب برافوكه السَّرَخْسِيّ، أنشدنا أَبُو سهل عَبْد الصمد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنشدنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن بْن الحسن البصري، أنشدنا أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدنيا، أنشدنا أَبُو بَكْر السعيدي الزُّهْرِيّ:
стр. 51
أيا فرقة الأحباب لا بد لِي منك ... ويا دار دنيا إنني راحل عنك
ويا قصر الأيام مَا لِي وللمني ... ويا سكرات الموت ما لي وللضحك
وما لِي لا أبكي لنفسي بعبرة ... إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي؟
ألا أي حيّ ليس بالموت موقنا؟ وأي يقين منه أشبه بالشك؟
أَوْرَدَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِهِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَرِوَايَاتٍ جَمَّةٍ، وَأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ.
رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أَبُو الأعور سَعِيد بْن زيد بْن عَمْرو بْن نفيل بْن عَبْد العزى العدوي القرشي ﵁.
وأمه فاطمة بنت بعجة بْن أمية بْن خويلد من خزاعة وَهُوَ أحد العشرة الَّذِينَ سموا للجنة، وَكَانَ من المهاجرين الأولين، أسلم قبل عمر ﵁، وبقي إِلَى زمان معاوية ﵁، وعقبه بالكوفة كثير، وكانت لَهُ بنت عند الْحَسَن بْن الْحَسَن [بْن] (١) عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ ﵃
وتوفي بالعقيق، وحمل عَلَى أعناق الرجال إِلَى المدينة، ودفن بها سنة إحدى وخمسين، وَهُوَ يومئذ ابن بضع وسبعين سنة
وَقَالَ الهيثم بْن عدي: توفي سَعِيد بالكوفة، وصلى عَلَيْهِ المغيرة، وَهُوَ يومئذ واليها، ونزل فِي قبره سَعْد بْن أَبِي وقاص وابن عمر ﵄
وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن الرجل إذا أريد ماله أَوْ دمه أَوْ أهله،
стр. 54
كَانَ لَهُ دفع القاصد، ويدفعه بالأحسن فالأحسن، فإن لم يسع إِلا بالمقاتلة فله أن يقاتله، فإن أتى القتل عَلَى نفس القاصد فدمه هدر، لا شيء عَلَى الدافع
وهل يجوز لَهُ الاستسلام؟ نظر:
إن أريد ماله؟ فله ذَلِكَ وأن أريد دمه ولم يمكنه دفعه إِلا بالقتل
فقد ذهب قوم إِلَى جواز الاستسلام إِلا أن يكون القاصد كافرا أَوْ بهيمة.
وذهب قوم إلي أَنَّهُ إن استسلم يكون فِي سعة.
وَقَالَ جماعة من العلماء: يجب عَلَيْهِ الاستسلام، وكرهوا لَهُ أن يقاتل وتمسكوا بأحاديث وردت فِي ترك القتال فِي الفتن وليس هَذَا من ذَلِكَ القبيل، بل هُوَ فِي القتال اللصوص والساعين فِي الأرض بالفساد، ففي الانقياد لهم ظهور الفساد فِي الأرض واجتراء أهل الطغيان عَلَى العدوان، ولهذا قَالَ بعض أهل العلم: من عض رجلا فلم يكن لَهُ سبيل إِلَى الخلاص منه إِلا بقلع سنة فقلعها يكون هدرا، وكذلك لو قصد رجل الفجور بامرأة فدفعته عَنْ نفسها فقتلته كَانَ دمه هدرا.
وروى عَنْ يعلى بْن أمية ﵁ أَنَّهُ قَالَ: غزوت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، وكانت تلك الغزوة أوثق عملي فِي نفسي، وَكَانَ لِي أجير فقاتل إنسانا فعض أحدهما يد صاحبه فانتزع المعضوض يده من العاض
стр. 55
فذهبت إحدى ثنيتيه، فأتى النَّبِيّ ﷺ فاهدر ثنيته، وَقَالَ: " أيدع يده فِي فيك تقضمها كأنها فِي فِي فحل "
ورفع إِلَى عمر ﵁ أن جارية كانت تحتطب، فقصدها رجل فراودها عَنْ نفسها، فرمته بفهر أَوْ حجر فقتلته، فَقَالَ عمر: هَذَا قتيل اللَّه، والله لا يودي أبدا
وعلى هَذَا لو قصدت بهيمة إنسان رجالا، فقتلها بالدفع، لا ضمان عَلَى الدافع عندنا، وَهُوَ قول أكثر أهل العلم، وَقَالَ جماعة: يجب وأجمعوا عَلَى إباحة الدفع والقتل.
أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور بْن عَبْد الجبار السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو علي إِسْمَاعِيل بْن علي الجاجرمي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن باكويه، حَدَّثَنَا عَبْد الواحد بْن بكر، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ البلخي، قَالَ سمعت حاتما الأصم، يَقُول:
سمعت شقيق بْن إِبْرَاهِيمَ، يَقُول:
أغلق باب التوفيق عَلَى الخلق من ستة أشياء:
أولاها: بأخذهم بالنعم، وتركهم الشكر.
والثاني: بتعلمهم العلم للدنيا، وتركهم العمل لراحة النفس.
стр. 56
والثالث: بمسارعتهم إِلَى الذنوب، وتسويفهم التوبة إِلَى الغد.
والرابع: بطول صحبتهم مَعَ الصالحين، وترك الاقتداء بأفعالهم.
والخامس: دفنوا أمواتهم فلم يعتبروا، وقسموا أموالهم فلم يتزودوا لأنفسهم.
والسادس: الدنيا مدبرة عنهم وهم يتبعونها، والآخرة مقبلة نحوهم وهم غافلون عَنْهَا.
أنشدنا شَيْخ القضاء أَبُو علي إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ بْن الْحُسَيْن البيهقي، أنشدنا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أنشدني أَبُو الْقَاسِمِ بْن حَبِيب المفسر، أنشدني أَبُو مُحَمَّد أحمد بْن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيم الطوسي البلاذري، أنشدنا بكر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لذي النون المصري رحمة اللَّه عَلَيْهِ:
أنت فِي غفلة وقلبك ساهي ... نفد العمر والذنوب كما هي
جمة حصلت عليك جميعا ... فِي كتاب، وأنت عن ذاك لاهي
لم تبادر بتوبة منك حَتَّى ... صرت شيخا فحبلك اليوم واهي
فاجتهد فِي فكاك نفسك، واحذر ... يوم تبدو السمات فوق الجباه
ولد عَبْد الرَّحْمَنِ بعد عام الفيل بعشر سنين
ومات سنة اثنتين وثلاثين، وَهُوَ يومئذ ابن خمس وسبعين سنة فِي خلافة عُثْمَان ﵁، أوصى أن يصلي عَلَيْهِ عُثْمَان ﵁، ودفن بالبقيع وقسم ميراثه ستة عشرة سهما، فبلغ نصيب كل امرأة ثمانين ألف درهم
وأعتق فِي يوم واحدا وثلاثين عبدا وَهُوَ أحد العشرة المسمَّين للجنة، وأحد الستة الَّذِينَ ذكروا للشورى
روى عَنْهُ عُمَر بْن الْخَطَّابِ وعَبْد اللَّه بْن عَبَّاس ﵄
قَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : " إنك يَا ابن عوف من الأغنياء، ولن تدخل الجنة إِلا زحفا وفي رواية: حبوا، فأقرض اللَّه يطلق لك قدميك، قَالَ: وما الَّذِي أقرض اللَّه ؟ قَالَ: تبرأ مما أمسيت فِيهِ، قَالَ: من كله أجمع يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نعم فخرج وَهُوَ يهم بِذَلِكَ، فأتاه جبريل ﵇ فَقَالَ: مر ابن عوف فليضف الضيف، وليطعم المسكين، وليعط السائل، فإذا فعل ذَلِكَ كَانَ كفارة لما هُوَ فِيهِ "
فباع أرضا من عُثْمَان ﵁ بأربعين ألف دينار، وقسم ذَلِكَ المال فِي بني زهرة وفقراء المسلمين، وأمهات المؤمنين، وَكَانَ عامة ماله من التجارة
стр. 60
وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضل الصلاة والسلام عَلَى النَّبِيّ ﷺ ، وأنه أفضل الأعمال وأجل الأذكار، إذ فِيهِ موافقة الجبار عَلَى مَا قَالَ جل وعز: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ .
وقد قَالَ ﵇: " من صلى علي مرة صلى اللَّه عَلَيْهِ عشرا "، وَقَالَ فِي رواية أخرى: " من صلى علي بقربي سمعته، ومن صلى علي نائيا بلغته ".
وفي الخبر: أن الدعاء يكون موقوفا بين السماء والأرض لا يرفع إِلا إذا صلى عَلَى النَّبِيّ ﷺ .
قَالَ النَّبِيّ ﵇: " أربع من الجفاء: أن يبول الرجل وَهُوَ قائم، وأن يمسح جبهته قبل الفراغ من الصلاة، وأن يسمع النداء فلا يشهد مثل مَا يشهد المؤذن، وأن أذكر عنده فلا يصلي علي "
ولو لم يكن للصلاة عَلَيْهِ ثواب سوى أن يرجى لَهُ بِذَلِكَ شفاعته لكان يجب عَلَى العاقل أن لا يغفل عَنْهُ، فكيف وفيه مغفرة لذنوبه، وزيادة لدرجته.
والصلاة من اللَّه : الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس: الدعاء.
أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، ﵀، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن الْحَسَن بْن عَلِيّ بْن ثبنة الأنصاري،
стр. 61
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْن بْن عَبْد الكريم الجزري، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الكرجي علان، حدثني إِبْرَاهِيم بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحراني، حَدَّثَنَا مسعدة بْن بكر بْن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن أَحْمَدَ بْن يَحْيَى، يَقُول: سمعت قُتَيْبَة بْن سَعْد يَقُول:
حجنا فلما رجعنا من الحج كنت مَعَ مَالِك بْن أَنَسٍ ﵁، وبين أيدينا جماعة من العلماء، فنادى مَالِك رجلا منهم: الشجرة المباركة فِي أي موضع نبتت؟ قَالَ: لا أدري قَالَ مَالِك: نبتت بمكة، وَهُوَ مُحَمَّد ﷺ ، وأغصانها بالمدينة، وهم الصحابة، وورقها بالعراق، وهم التابعون، وثمرها بخراسان، وهم زهاد خراسان.
أنشدنا الإْمَام جمال الأئمة أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أنشدنا والدي شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو المظفر مَنْصُور بْن عَبْد الجبار السَّمْعَانِيّ، لبعضهم:
يَا طالب العلم، صارم كل بطال ... وكل غاو إِلَى الأهواء ميال
وأعمل بعلمك سرا أَوْ علانية ... ينفعك يوما عَلَى حال من الحال
خذ مَا أتاك من الأخبار من أثر ... شبها بشبه وأمثالا بأمثال
ولا تميلن يَا هَذَا إِلَى بدع ... تضل أصحابها بالقيل والقال
ألا فكن أثريا خالصا فهما ... تعش حميدا، ودع آراء ضلال
وأمه من بني الحارث بْن فهر، وقد أسلمت، وزوجها أَبُو عبيدة فِي الإْسِلام وَكَانَ أَبُو عبيدة ﵁ من عظماء أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، شهد بدار وَهُوَ ابن إحدى وأربعين سنة، ومات فِي طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة، وَهُوَ ابن ثمان وخمسين سنة، ولا عقب لَهُ.
كَانَ للأجانب من المسلمين وديدا، وعلى الأقارب من المشركين شديدا، نزل فِيهِ قوله تَعَالَى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .
أتى رَسُول اللَّهِ بطعام فَقَالَ: " يستحب أن يبدأ رجل صالح، خذ يَا أبا عبيدة ".
وَقَالَ الصِّدِّيق ﵁ يوم سقيفة بني ساعدة، قد رضيت لكم أحد صاحبي: أبا عبيدة، أو عمر ﵄، أما أَبُو عبيدة، فإني سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: " لكل أمة أمين، وأمين هَذِهِ الأمة أبو عبيدة "، وأما عمر فسمعته يَقُول: " اللَّهُمَّ أيد الدين بعمر أَوْ بأبي جهل "
وَكَانَ ﵁ أثرم الثنيتين، وسبب ذَلِكَ أَنَّهُ انتزع نصلا من جبهة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد بثنيته وسقطتا فما رئي أهتم كَانَ أحسن من أَبِي عبيدة.
وَكَانَ ﵁ يسير فِي العسكر فيقول: ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه، ألا رب مكرم لنفسه وَهُوَ لها مهين، بادروا السيئات
стр. 65
القديمات بالحسنات الحديثات، ولو أن أحدكم عمل من السيئات مَا بينه وبين السماء ثُمَّ عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حَتَّى تقهرهن.
وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى أن الأمر بالمعروف والنهي عَنِ المنكر من شعائر الإْسِلام.
وأن القتل بغير الحق من أعظم الكبائر والآثام، إذا صادف مخصوصا بالنبوة والفضل أَوْ متكلما بالحق والعدل، أَوْ آمرا بالخير أَوْ ناهيا عَنِ الشر كَانَ أغلظ.
ثُمَّ القاتل إن كَانَ مستحلا لَهُ كَانَ كافرا، وإن كَانَ يعتقد تحريمه ويباشره، كَانَ فاجرا، قَالَ اللَّه سبحانه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ وَكَانَ ﵇ يَقُول: " لا يحل دم امرئ مسلم إِلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزني بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق "
وفيه حث بالأمر المعروف والنهي عَنِ المنكر، وأنه من أفضل الأعمال قَالَ ﵇: " مَا من قوم يكون فيهم رجل يعمل بالمعاصي ويقدرون عَلَى تغييره ولا يغيرون إِلا عمهم اللَّه بعذاب قبل أن يتوبوا " وقد ذم اللَّه تَعَالَى قوما تركوا ذلك فَقَالَ: " ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ، يعني: لا ينهي بعضهم بعضا وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " إذا رأي أحدكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
стр. 66
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وقيل: التغيير باليد للأمراء، وباللسان للعلماء، وبالقلب للعامة.
وينبغي للآمر بالمعروف أن يقصد بِذَلِكَ وجه اللَّه تَعَالَى وإعزاز الدين لينصره اللَّه تَعَالَى.
أَخْبَرَنَا الإْمَام أَبُو مَنْصُور أَحْمَد بْن مُحَمَّد الحارثي، أَخْبَرَنَا الإْمَام أَبُو الْحُسَيْنِ اللَّيْث بْن الحسن الليثي، أَخْبَرَنَا أَبُو علي زاهر بْن أَحْمَدَ الفقيه، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن المسيب، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن حبيق، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر البغدادي قَالَ:
ست خصال لا تحسن بستة رجال
١- لا يحسن الطمع فِي العلماء.
٢- ولا العجلة فِي الأمراء.
٣- ولا الشح فِي الأغنياء.
٤- ولا الكبر فِي الفقراء.
٥- ولا السفه فِي المشايخ.
٦- ولا اللؤم فِي ذوي الأحساب.
أنشدنا شرف الأئمة أَبو حفص عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ، قَالَ: أنشدنا الْقَاضِي أَبُو علي الْحَسَن بْن علي الْوَخْشِيّ، قَالَ: أنشدني أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّد الإيلافي، قَالَ: أنشدنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْد الواحد بْن برهان الأديب ببغداد:
стр. 67
ويل لمن عدله الْقَاضِي ... والله عَنْهُ ليس بالراضي
تمضي القضايا بشهادته ... وَهُوَ إِلَى النار غدا ماضي
يَا مؤثر الدنيا عَلَى دينه ... لست من الدين بمعتاض
خفت من الْقَاضِي فارضيته ... ولم تخف من خالق الْقَاضِي؟
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ.
رواه حبر الأمة مفسر التنزيل، ومبين التأويل، ابن عم الرَسُول ﷺ : أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْد اللَّهِ بْن الْعَبَّاس بْن عَبْد المطلب بْن هاشم بْن عبد مناف الهاشمي وأمه: لبابة بنت الحارث بْن حزن بْن بجير الهلالية، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النَّبِيّ ﷺ .
حنكه رَسُول اللَّهِ ﷺ بريقه، ودعا لَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ بارك فِيهِ، وانشر منه، وعلمه الحكمة " وسماه " ترجمان القرآن " وَكَانَ يسمى: البحر من كثرة علمه.
روى عَنْ أَبِي هريرة ﵁ قَالَ: خرج رَسُول اللَّهِ ﷺ فتلقاه الْعَبَّاس فَقَالَ لَهُ: " ألا أبشرك يَا أبا فضل؟ قَالَ ": بلى، قَالَ: " فإن اللَّه افتتح بي هَذَا الآمر، وبذريتك يختمه " وأراد بِذَلِكَ، بقاء الخلافة فِي أولاده إِلَى قيام الساعة.
ولد عَبْد اللَّهِ عام الشعب، قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابن عشر سنين مختونا، وقيل: ابن ثلاثة عشرة سنة قد ناهز الاحتلام، وكانوا يختنون للبلوغ.
وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين، وقيل: سنة سبعين.
قَالَ ميمون بْن مهران: شهدت جنازة عَبْد اللَّهِ بْن عَبَّاس، فلما وضع
стр. 70
ليصلى عَلَيْهِ جاء طائر أبيض حَتَّى وقع عَلَى أكفانه ثُمَّ دخل فِيهَا، فالتمس فلم يوجد، فلما سوي عَلَيْهِ التراب سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه: ﴿يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
فِي الْحَدِيث دلالة ظاهرة عَلَى أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ أسخى الناس، وأشجع الناس، وهما خصلتان تعرف إحداهما من الأخرى، من حيث المعني، لأنهما يدلان عَلَى قوة النفس وعلو الهمة وعظم الثقة بالله تَعَالَى.
والجود خصلة حميدة، والله تَعَالَى جبل نبيه ﷺ عَلَى أحسن الأخلاق، وأكرم الطباع، وأطهر الخصال. روي أَنَّهُ ﵇ مَا سئل شيئا قط فَقَالَ: لا، سأله رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فعاد الرجل إِلَى قومه فَقَالَ: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة.
وفيه دلالة عَلَى استجاب زيادة البذل وتوسيع النفقة فِي رمضان، لما يرجي من القبول والثواب ومضاعفة الأجر، ويسمي رمضان: " شهر الجود " وفيه دليل عَلَى أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ عند لقاء جبريل ﵇ أجمع هما وأصفي وقتا، وأقوى حالا، وفي ذَلِكَ أمارة عَلَى أن صحبة الصالحين مؤثرة فِي دين الرجل وعمله، وقد قيل: " لقاء أهل الْخَيْر عمارة القلوب ".
وفيه دلالة عَلَى استحباب مدارسة العلم بالليل لقلة الشغل وحضور القلب وفراغ النفس.
стр. 71
وفيه دلالة عَلَى استحباب قراءة القرآن فِي رمضان، وكثرة درسه وعرضه عَلَى القراء والمعلمين.
أَخْبَرَنَا الإْمَامُ أَبُو سَهْلٍ غَانِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ -، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ.
أَخْبَرَنَا الخطيب أَبُو زكريا يَحْيَى بْن علي التبريزي، إجازة، ﵀، قَالَ أنشدنا أَبُو العلاء المعري، لنفسه:
استغفر اللَّه قلبي خائف فرق ... وطرق أجدادي الماضين أطرق
والنسك أفضل مَا قدمت من ذخر ... إذا أجنك من هَذَا الثرى طبق
أهل التدين فِي الدنيا ذوو تعب ... عبيد ربك مَا فكوا وما أبقوا
وما عرفت لعمري منهم أحدا ... لكن جهلت فماء الجفن يستبق