← Книги сунны

Книги сунны · id 26842

كتاب الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين أو الأربعين الطائية

أبو الفتوح الطائي

Полный текст (200 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وفيه دلالة عَلَى استحباب قراءة القرآن فِي رمضان، وكثرة درسه وعرضه عَلَى القراء والمعلمين. أَخْبَرَنَا الإْمَامُ أَبُو سَهْلٍ غَانِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ -، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ. أَخْبَرَنَا الخطيب أَبُو زكريا يَحْيَى بْن علي التبريزي، إجازة، ﵀، قَالَ أنشدنا أَبُو العلاء المعري، لنفسه: استغفر اللَّه قلبي خائف فرق ... وطرق أجدادي الماضين أطرق والنسك أفضل مَا قدمت من ذخر ... إذا أجنك من هَذَا الثرى طبق أهل التدين فِي الدنيا ذوو تعب ... عبيد ربك مَا فكوا وما أبقوا وما عرفت لعمري منهم أحدا ... لكن جهلت فماء الجفن يستبق

стр. 72

الْحَدِيث الثاني عشر [أحب الأعمال إِلَى اللَّه] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ جَمَالُ الأَئِمَّةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الأَدِيبُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الشِّيرَازِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ دِلُّوَيْهِ الدَّقَّاقُ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ، إلى دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ: " الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا "، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " بِرُّ الْوَالِدَيْنِ "، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

стр. 73

هَذَا حَدِيث عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مُخَرِّجُهُ مِنَ الْكُوفَةِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْ طُرُقٍ، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحب السواد والوساد والسرار، والسواك والسباق والبدار، أقرب المهاجرين وسيلة، وأرجحهم فضيلة، لَهُ المناقب المأثورة، والفضائل المشهورة: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ عَبْد اللَّهِ بْن مسعود بْن غافل بْن حَبِيب بْن شخص بْن قار بْن مخزوم، من هذيل، ورهطه منهم: عامر بْن الحارث بْن تميم بْن سَعْد، وَكَانَ من حلفاء بني زهرة. وشهد مَعَ النَّبِيّ ﷺ بدرا وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد، وَهُوَ من كبار أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، أسلم وَهُوَ سادس ستة، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يقربه ويكرمه، ولا يحجبه. وَكَانَ رجلا نحيفا، قصيرا، يكاد الجالس يوازيه من قصره، أمره

стр. 74

النَّبِيّ ﷺ أن يصعد الشجرة فيأتيه مِنْهَا بشيء، فنظر أصحابه إِلَى ساق عَبْد اللَّهِ بْن مسعود فضحكوا من خموشة ساقيه، فَقَالَ ﵇: " مَا تضحكون؟ لرجل عَبْد اللَّهِ فِي الميزان يوم القيامة أثقل من أحد ". كَانَ عَلَى قضاء الكوفة زمن عمر ﵁ وصدرا من خلافة عُثْمَان ﵁، ثُمَّ رجع إِلَى المدينة وتوفي بها سنة اثنتين وثلاثين وَهُوَ ابن بضع وستين سنة، صلى عَلَيْهِ الزبير بْن العوام ودفن بالبقيع. وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى فضل المحافظة عَلَى الصلوات فِي أوقاتها، والمراد منه أداؤها فِي أول أوقاتها، وقد روى عَنِ الصِّدِّيق ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أول الوقت رضوان اللَّه، وآخره عفو اللَّه قَالَ الشَّافِعِيّ، يشبه أن يكون الرضا للموفقين، والعفو عَنِ المقصرين. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد العلاف المقرئ ببغداد، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْن عمر الحمامي، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّدِ بْنِ نصر الخلدي قَالَ: حدثني إِبْرَاهِيم بْن بشار يَقُول: سمعت إِبْرَاهِيم بْن أدهم يَقُول: مرض بعض العباد، فدخلنا عَلَيْهِ نعوده، فجعل يتنفس ويتأسف، فقلت لَهُ: علام تتأسف رحمك اللَّه؟ فَقَالَ: مَا تأسفي عَلَى البقاء فِي دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب، وإنما أسفي عَلَى ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فِيهَا عَنْ ذكر اللَّه تَعَالَى.

стр. 75

أنشدنا الإْمَام أَبُو سهل غانم مُحَمَّد بْن عَبْد الواحد، أنشدنا الْحَافِظ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ، قَالَ: أنشدنا عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر، قَالَ: أنشدنا عَبْد اللَّهِ بْن المعتز، لنفسه: ألم تر أن الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إِلَى سبت فقل لجديد العيش لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل لا بد من شت

стр. 76

الْحَدِيث الثالث عشر [استحباب التيامن] أَخْبَرَنَا شَيْخُ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا الإْمَامُ حَقًّا وَشَيْخُ الإْسِلامِ صِدْقًا أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَمَاتَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحْثُثْنَنِي عَلَى خِدْمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ دَارَنَا، فَحَلَبْنَا لَهُ مِنْ شَاةٍ لَنَا دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِنْ مَاءِ بِئْرٍ فِي الدَّارِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ شِمَالِهِ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعُمَرُ نَاحِية، فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ، فَنَاوَلَ الأَعْرَابِيَّ وَقَالَ: " الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ "

стр. 77

هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ خادمه: أَبُو حمزة أنس بْن مَالِك بْن النضر بْن ضمضم بْن زيد بْن حرام بْن جندب بْن عامر الأنصاري الخزرجي. وأمه أم سليم بنت ملحان بْن خالد، واسمها مليكة، ولقبها الرميصاء. غزا أنس مَعَ رَسُول اللَّهِ ثماني غزوات، وخدمه عشر سنين، أهدته أمه أم سليم إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقبله، قَالَ أنس: خدمته تسع سنين فما قَالَ لِي لشيء فعلته قط: يَا أنس لم فعلت؟. دعا لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بكثرة المال والولد بعد استدعاء، أمه، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ أكثر ماله وولده، وبارك لَهُ " فاستجيب فِيهِ دعاء رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ أنس: فلقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة، وإن أرضي لتثمر فِي السنة مرتين. وَكَانَ أنس ﵁ آخر الصحابة موتا بالبصرة، عاش مائة وسنتين، وتوفي سنة تسعين، وقيل سنة إحدى وتسعين، وقيل سنة ثلاث [وتسعين] ، وقبره معروف بالبصرة.

стр. 78

وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى أن التيامن مستحب فِي كل شيء، وأن الأكل والشرب بين ظهراني الجلساء جائز. وفيه دلالة عَلَى أن الجلوس عَلَى يمين الإْمَام والعالم أفضل. وفيه دليل عَلَى تفضيل اليمين عَلَى الشمال، وأن مَا يتداول من الطعام والشراب، فالسنة فِيهِ الإدارة من جانب اليمين. وفيه دليل عَلَى أن من أكل وشرب فِي مجلس فيستحب لَهُ أن يشرك أهل المجلس فِي ذَلِكَ. وفيه دليل عَلَى أن من جلس مجلسا مشتركا فهو أولى بمجلسه ولا يقام عَنْهُ وإن كَانَ ثُمَّ أفضل منه، لأن أبا بكر وعمر ﵄ كانا أحق باليمين من الأعرابي. و" الداجن " المذكور فِي الْحَدِيث: مَا ألف البيت من الطيور والشاء، ويقال: دجن فِي البيت، إذا لزمه، والمداجنة، المخالطة. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الذكي أَبُو بَكْر عَبْد الغفار بْن مُحَمَّد الشِّيرُوِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيد مُحَمَّد بْن مُوسَى بْن الْفَضْلِ بْن شَاذَانَ الصيرفي، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّد بْن يعقوب الأصم، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ بْن مُحَمَّدِ بْنِ المستورد الأشجعي الكوفي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن هارون البلخي، حدثتني أم يونس بنت القطان، قالت:

стр. 79

رأيت الحسن البصري فِي جنازة نوار امرأة الفرزدق، وقد اعتم بعمامة سوداء وقد أسدلها بين كتفيه، واجتمع الناس عَلَيْهِ ينظرون إِلَيْهِ. فجاء الفرزدق يمشي حَتَّى قام بين يديه فَقَالَ: يَا أبا سَعِيد، يزعم الناس أنه قد اجتمع فِي هَذِهِ الجنازة خير الناس، وشر الناس قَالَ: من خير الناس؟ ومن شر الناس؟ قَالَ: يزعمون أنك خيرهم، وأني شرهم فَقَالَ: مَا أنا بخير الناس، وما أنت بشرهم، ولكن مَا أعددت لهذا اليوم؟ فَقَالَ: شهادة أن لا إله إِلا اللَّه منذ سبعين سنة. فَقَالَ الحسن: نعم، والله العدة قَالَ: ثُمَّ قَالَ الفرزدق: أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا إذ جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إِلَى النار مشدود القلادة أزرقا إذا شربوا فِيهَا الصديد رأيتهم ... يذوبون من حر الجحيم تمزقا

стр. 80

الْحَدِيث الرابع عشر [تقديم الوصية فِي حال الصحة] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ أَبُو عَمْرٍو الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَتُّوَيْهِ الْمَعْرُوفُ بِكَاكوَيْهِ، حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْحَافِظُ أَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبجليُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، بِسَرَخْسَ بِهَا، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ الطُّوسِيُّ الْفَازِيُّ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى طُوسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ سَالِمٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِعٍ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكِ عن نَافِعٍ.

стр. 81

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ، وَبِطُرُقٍ سِوَى ذَلِكَ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ الزاهد فِي الدنيا، الراغب فِي الأخرى، الَّذِي عد نفسه فِي الدنيا غريبا ورأى كل مَا هُوَ آت قريبا، صاحب رَسُول اللَّهِ لله ﷺ وابن صاحبه: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ عَبْد اللَّهِ بْن عُمَر بْن الْخَطَّابِ بْن نفيل بْن عَبْد العزى القرشي العدوي ﵁. يعد مَعَ المهاجرين، هاجر مَعَ أَبِيهِ، واستصغره رَسُول اللَّهِ ﷺ يوم بدر فلم يجزه، ثُمَّ أجازه فِي السنة الأخرى يوم أحد، وقيل: بل أجازه يوم الخندق وَهُوَ ابن خمس عشرة سنة، وَهُوَ أول مشهد شهده، وَهَذَا أصح. كَانَ عالما، مجتهدا، عابدا، لزوما للسنة، نفورا عَنِ الفتنة، ناصحا للأمة، رؤى فِي الكعبة ساجدا يَقُول فِي سجوده: يَا رب، تعلم مَا يمنعني من مزاحمة قريش عَلَى هَذِهِ الدنيا إِلا خوفك. أمه وأم أخته حفصة: زينب بنت مظعون بْن حَبِيب بْن وهب بْن حذافة. أثنى عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إن عَبْد اللَّهِ بْن عمر رجل صالح. يقال: إنه مَا خرج من الدنيا حَتَّى صار مثل أَبِيهِ. قَالَ سالم بْن أَبِي الجعد: مَا أدركت أحدا إِلا مالت بِهِ الدنيا ومال بها إِلا عَبْد اللَّهِ بْن عمر.

стр. 82

قَالَ سُفْيَان الثوري: كَانَ من عادة عَبْد اللَّهِ بْن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق بِهِ، وَكَانَ رقيقه عرفوا ذَلِكَ، فربما شمر أحدهم ولزم المسجد والإقبال عَلَى الطاعة، فإذا رآه ابْن عُمَرَ عَلَى تلك الحالة الحسنة أعتقه، فقيل لَهُ: إنهم يخدعونك، فيقول ابْن عُمَرَ: من خدعنا بالله انخدعنا لَهُ. قَالَ نافع: مَا مات ابْن عُمَرَ حَتَّى أعتق ألف إنسان أَوْ زاد عاش عَبْد اللَّهِ بْن عمر بعد النَّبِيّ ﷺ عَلَى سجية واحدة من ملازمة النسك، والاجتهاد فِي العبادة، واتباع السنة واجتناب الدنيا، والإكثار من الصدقة. وتوفي بمكة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سنة ثلاث وسبعين، وَكَانَ أصاب رجله زج رمح رجل من جند الحجاج، فيحكى أن الحجاج دخل عَلَيْهِ فَقَالَ: لو أعلم الَّذِي أصابك لقتلته، فَقَالَ: أنت أصبتني، قَالَ كيف؟ قَالَ: حين أدخلت حرم اللَّه السلاح. وفي الْحَدِيث دلالة عَلَى استحباب تقديم الوصية فِي حالة الصحة إن كَانَ لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ، مَا يوصي فِيهِ، قَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عمر: مَا مرت علي ليلة واحدة منذ سمعت رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول ذَلِكَ إِلا وعندي وصيتي. وقد روي عَنِ النَّبِيّ ﷺ حين سئل عَنْ أفضل الصدقة أَنَّهُ قَالَ: " أن تصدق وأنت صَحِيح شحيح، تأمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تمهل حَتَّى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كَانَ لفلان ".

стр. 83

أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أَخْبَرَنَا الإْمَام شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النصروي، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن المعدل، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن معاذ الفرياناني، حَدَّثَنَا عَبْد المنعم بْن إِدْرِيس، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جده وهب، قَالَ: قيل لوهب: بم زهدت فِي الدنيا؟ قَالَ: بحرفين قرأتهما فِي التوراة: يَا من لا يستتم سرور يوم يَا من لا يأمن عَلَى روحة طرفه عين الحذر الحذر!! وكتب الربيع بْن خيثم إِلَى بعض إخوانه أن رص من جهازك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل أوصياءك الرجال. أنشدنا الإْمَام شرف الأئمة أَبُو حفص عمر بْن مُحَمَّد الشِّيرَزِيّ السَّرَخْسِيّ، أنشدنا الْقَاضِي أَبُو علي الْحَسَن بْن علي الْوَخْشِيّ، قَالَ: أنشدني الأمير أَبُو الفضل عُبَيْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ الميكالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَالِك للحادثات نهب ... أَوْ للذي حازه وراثة أَوْ لك تتخذه ذخرا ... فلا تكن أعجز الثلاثة

стр. 84

والحديث الخامس عشر [طاعة أولي الأمر، ولزوم السنة] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ جَمَالُ الأَئِمَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّمْعَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شَيْخُ الإْسِلامِ وَالِدِي أَبُو الْمُظَفَّرِ مَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ السَّمْعَانِيُّ، بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ: عَنِ الْعَرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ ﵁ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ،

стр. 85

فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَالٍ، مِنْ حَدِيث خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، رُوَاتُهُ شَامِيُّونَ، أَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ ، العرباض بْن سارية السلمي من بني سليم بْن مَنْصُور بْن عكرمة بْن خصفة بْن قيس بْن غيلان يكنى أبا نجيح مات فِي فتنة ابن الزبير سنة خمس وسبعين. وَكَانَ من المعدودين فِي أصحاب الصفة، وَهُوَ من البكائين الَّذِينَ نزل فيهم قوله تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ . وَكَانَ من المشتاقين إِلَى اللَّه تَعَالَى يحب أن يقبض إِلَيْهِ، يقول فِي دعائه: إلهي كبرت سني، ووهن عظمي، فاقبضني إليك.

стр. 86

وفي الْحَدِيث علوم كثيرة لا يسع الناس جهلها مِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ أمرهم بتقوى اللَّه ، ولا يعلمون تقواه إِلا بالعلم. ومِنْهَا: أَنَّهُ أمرهم بالسمع والطاعة لكل من ولي عليهم من عبد أسود وغيره، ولا تكون الطاعة إِلا فِي معروف. ومِنْهَا: أَنَّهُ أعلمهم أَنَّهُ سيكون اختلاف كثير بين الناس، فأمرهم بلزوم سننه وسنة أصحابه، وحثهم عَلَى أن يتمسكوا بها التمسك الشديد مثلما يعض الإنسان بأضراسه عَلَى الشيء يريد أن لا يفلت منه. و" النواجذ ": آخر الأضراس، واحدها: ناجذ وقد يكون معناه أيضا الأمر بالصبر عَلَى مَا يصيبه من المضض فِي ذات اللَّه كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه. ومِنْهَا: أَنَّهُ حذرهم البدع، وصرح بأنها ضلالة، وكل من عمل عملا أَوْ تكلم بكلام لا يوافق كتاب اللَّه وسنه رَسُول ﷺ وسنن الخلفاء الراشدين فهو بدعة مردودة عَلَى قائله أَوْ فاعله. ومِنْهَا: أن عرباضا قَالَ: وعظنا رَسُول اللَّهِ ﷺ موعظة بليغة ذرفت مِنْهَا العيون ووجلت مِنْهَا القلوب، ولم يقل: صرخنا من موعظته ولا زعقنا ولا طرقنا عَلَى رءوسنا، ولا ضربنا عَلَى صدورنا، ولا زفنا ولا رقصنا، كما يفعل فِي زماننا كثير من الجهلة، فإن ذَلِكَ من الشيطان، بدليل أن النَّبِيّ ﷺ أصدق الناس كلاما وأنصح لأمته، وأصحابه أرق

стр. 87

الخلق قلوبا، فلو كَانَ هَذَا جائزا صحيحا مشروعا لكانوا أحق بِذَلِكَ أن يفعلوا بين يدي رَسُول اللَّهِ ﷺ ، ولكنه منكر وباطل. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى معجزة النَّبِيّ ﷺ ، وهي معرفته بما يكون بعده من الاختلاف فِي أمته. وفيه: دليل عَلَى فضيلة كاملة للخلفاء الأربعة، رضوان اللَّه عليهم، حيث شهد النَّبِيّ ﷺ أنهم مهديون راشدون. أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد أسد بْن رستم الْهَرَوِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو نصر مَنْصُور بْن مُحَمَّد المطرقي، حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُوسَى السمسار، حَدَّثَنَا جَعْفَر الصائغ، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِسْمَاعِيلَ، حدثني جرير، قَالَ: أوصى اللَّه إِلَى مُوسَى ﵇: إني أعلمك خمس كلمات، هن عماد الدين: ١- مَا لم تعلم أن قد زال ملكي فلا تترك طاعتي. ٢- وما لم تعلم أن خزائني نفدت فلا تهتم لرزقك. ٣- وما لم تعلم أن عدوك قد مات يعني إبليس فلا تأمن ناحيته، ولا تدع محاربته. ٤- وما لم تعلم أن قد غفرت لك فلا تعب المذنبين. ٥- وما لم تدخل جنتي فلا تأمن من مكري. وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عياش: السنة فِي الإْسِلام كالإسلام فِي الشرك.

стр. 88

أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيل بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد الزاهري، أَخْبَرَنَا أَبِي، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ السبيعي، أنشدنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّد بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدغولي، أنشدنا أَبُو زرعة الرَّازِيّ ﵀، قوله: دين النبي مُحَمَّد آثار ... نعم المطية للورى الأخبار لا تغفلن عَنِ الْحَدِيث وأهله ... فالرأي ليل، والحديث نهار ولربما غلط الفتى سبل الهدى ... والشمس واضحة لها أنوار

стр. 89

الْحَدِيث السادس عشر [أداء الواجبات واجتناب المحرمات] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الزَّكِيُّ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ [بْنِ] (١) جَعْفَرٍ التُّوَيِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبَزَّارِ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، حَدَّثَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إَنَّ اللَّهَ ﵎ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْهَا "

стр. 90

هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ، حَسَنٌ، عَالٍ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، تَفَرَّدَ بِهِ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَبُو ثعلبة الْخُشَنِيّ ﵁، وخشينة بطن من قضاعة واختلف فِي اسمه فقيل: هُوَ جرثوم بْن ناشب، وقيل: ابن ناشر، وقيل: جرهم بْن ناشم، وقيل: عَمْرو نزل الشام توفي سنة خمس وسبعين. روى عَنْ أَبِي الزاهرية، قَالَ: سمعت أبا ثعلبة الْخُشَنِيّ ﵁ يَقُول: إني لأرجو أن لا يخنقني اللَّه كما أراكم تخنقون عند الموت، قَالَ: فبينما هُوَ يصلي فِي جوف الليل قبض وَهُوَ ساجد، فرأت ابنته فِي المنام أن أباها قد توفي، فاستيقظت فزعة فنادت أمها: أين أَبِي؟ قالت: فِي مصلاه، فنادته فلم يجبها، فأنبهته فوجدته ساجدا، فحركته فوقع لجنبه ميتا. هَذَا الْحَدِيث أصل كبير من أصول الدين، قَالَ بعض العلماء: ليس فِي أحاديث رَسُول اللَّهِ ﷺ حَدِيث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من حَدِيث أَبِي ثعلبة الْخُشَنِيّ ﵁.

стр. 91

ومن عمل بهذا الْحَدِيث وامتثل وصية رَسُول اللَّهِ ﷺ فِيهِ فقد حاز الثواب وأمن العقاب، لأن من أدى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عما غاب عَنْهُ، فقد استوفى أقسام الفضل وأوفى حقوق الدين، لأن الشرائع لا تخرج عَنْ هَذِهِ الأنواع المذكورة فِي الْحَدِيث. أما "الفرائض" فهي الواجبات، من الصوم والصلاة والزكاة والجهاد وغير ذَلِكَ وأما "المحرمات" فهي المنهيات من الزنى والسرقة وشرب الخمر والظلم والبغي وغير ذَلِكَ. "والحدود" هي المواقف الَّتِي حدها اللَّه تَعَالَى لعباده في المباحات، والمقادير الَّتِي بينها اللَّه فِي الطاعات لحفظ العبادات بأسبابها وشروطها وأوقاتها، وامتثال العقود المشروعة لأحكامها مَعَ الشرائط المرعية فِي محالها وذواتها، واتباع المأذونات مَعَ الوقوف عَلَى نهاياتها من حدود اللَّه. وقد مدح اللَّه تَعَالَى الحافظين لحدوده، وذم المتعدين لها، فَقَالَ: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ . وأما "مَا سكت عَنْهُ" فيحتمل أن يكون ذَلِكَ مما لم ينطق فِيهِ الشارع بأمر ولا نهي ولا تحريم ولا تحليل، فيرد حكمه إِلَى أصل من أصول الشرع.

стр. 92

والأصح أن مَا سكت عَنْهُ هُوَ الَّذِي عفا عَنْهُ ووسع الأمر فِيهِ عَلَى العباد. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو سَعْد مُحَمَّد بْن الحارث بْن مُحَمَّدِ بْنِ الحارث، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حازم، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْن يعقوب الكسائي، حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ التاجر، أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن حماد: حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن الْمُبَارَكِ، قَالَ: قدمت مكة، حماها اللَّه تَعَالَى، فأتيت سُفْيَان الثوري ﵀ عَلَيْهِ، فقلت: إني أريد أن أسألك عَنْ شيء فَقَالَ: سل مَا شئت. قلت: أخبرني، رحمك اللَّه، من الناس؟ قَالَ: الفقهاء قلت: فمن الملوك؟ قَالَ: الزهاد قلت: فمن الأشراف؟ قَالَ: الأتقياء قلت: فمن الغوغاء؟ قَالَ: الَّذِينَ يكتبون الْحَدِيث ليستأكلوا بِهِ أموال الناس قلت: فمن السفلة؟ قَالَ: الظلمة.

стр. 93

وسمعت أنا فِي غير هَذِهِ الحكاية أن السفلة: من نام الليل كله. أنشدنا شَيْخ القضاة أَبُو علي إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أنشدنا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني ﵀: توكل عَلَى الرحمن فِي كل حاجة ... أردت فإن اللَّه يقضي ويقدر متى مَا يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه، وما للعبد مَا يتخير وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر

стр. 94

الْحَدِيث السابع عشر [فضل صيام رمضان] أَخْبَرَنَا الكيا الإْمَامُ الْحَافِظُ أَبُو شُجَاعٍ شِيرَوَيْهِ بْنُ شَهْرَدَارَ بْن شِيرَوَيْهِ بْنِ فناخسره بْنِ خسركان بْنِ استنب الدَّيْلَمِيُّ ﵀، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَفَّالُ، بِأَصْبَهَانَ فِي دَارِهِ -، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُورْشِيدَ -، قَوْلَهُ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيادِ بْنِ بِشْرٍ الأَعْرَابِيُّ -، بِمَكَّةَ، حَمَاهَا اللَّهُ - تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْمُنْذِرِ الْحَجَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي يَحْيَى بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُطُوفِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَه: ُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " هَذَا حَدِيثٌ حَسَن عَالٍ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ

стр. 95

بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ سَلامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ أحفظ أصحابه للحديث وأحرصهم عَلَيْهِ: أَبُو هريرة عَبْد الرَّحْمَنِ بْن صخر الدوسي، وقيل: عامر بْن عبدشمس، وقيل: أسعد بْن الحارث، وقيل: سكين بْن مل، وقيل: عَبْد اللَّهِ بْن عائذ. كَانَ من أصحاب الصفة، ملازما للنبي ﷺ آناء الليل والنهار، لا يشغله عَنْه أهل ولا مال، بر عَلَى الفقر الشديد، حَتَّى أفضي بِهِ إِلَى الظل المديد. قَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يوما: " ألا تسألني من هَذِهِ الغنائم الَّتِي سألني أصحابك " فَقَالَ: أسألك أن تعلمني مما علمك اللَّه قَالَ: " فنزع نمرة كانت عَلَى ظهري فبسطها بنى وبينه، حَتَّى كأني أنظر إِلَى القمل يدب عَلَيْهَا، فحدثني حَتَّى استوعبت حديثه، قَالَ: أجمعها "، فجمعتها إِلَى صدري، فما نسيت من مقالة رَسُول اللَّهِ ﷺ شيئا. و"النمرة": شملة مخططة وهي من ميازر الأعراب، والنمرة: خطوط فِي السحاب يستدل بها عَلَى المطر. أثنى عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ حين سأله عَنِ الشفاعة.

стр. 96

وَكَانَ مَعَ كثرة روايته للحديث ربما لا يحدث ببعض مَا لا يبلغه فهم الناس مخافة الفتنة عليهم. وحكى عَنْ أَحْمَد بْن حنبل ﵁ قَالَ: رأيت النَّبِيّ ﷺ فِي المنام، فقلت لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا روى عنك أَبُو هريرة حق؟ قَالَ: نعم. كَانَ فِي الابتداء رقيق الحال ثُمَّ صلح شأنه، فكان يذكر مَا أصابه فِي البداية من البلوى، ويشكر اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا ناله من النعم فِي الدين والدنيا قَالَ أَبُو يَزِيد المديني: قام أَبُو هريرة عَلَى منبر رَسُول اللَّهِ ﷺ بالمدينة فَقَالَ: الحمد لله الَّذِي هدى أبا هريرة للإسلام، وعلمه القرآن، ومن عَلَيْهِ بمحمد ﵇ الحمد لله الَّذِي أطعمني الخمير وألبسني الحبير، الحمد لله الَّذِي زوجني بنت غزوان بعدما كنت أجيرا لها بطعام بطني. توفي أَبِي هريرة ﵁ بالعقيق، وقيل: بالمدينة، سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى فضل رمضان وصيامه، وأنه ينال بِهِ مغفرة مَا تقدم من الذنوب وقد ورد فِي الْحَدِيث أن اللَّه تَعَالَى يغفر لعباده فِي آخر ليلة من رمضان وروى أَنَّهُ يأمر الملائكة بالاستغفار لأمة مُحَمَّد ﷺ . وقد قَالَ ﷺ حاكيا عَنْ ربه : " الصوم لِي وأنا أجزي بِهِ " وفي هَذَا دليل عَلَى أن ثوابه موكول إِلَى علم اللَّه تَعَالَى، وأنه لا يدخل تحت إحاطة البشر. وفيه دليل عَلَى أن الإيمان هُوَ التصديق والاحتساب، وَهُوَ الطواعية، وشرط لنيل الثواب فِي صوم رمضان فينبغي أن يأتي بِهِ عَلَى نية خالصة وطوية صافية امتثالا لأمر اللَّه ، واتكالا عَلَى وعده، من غير

стр. 97

كراهية وملالة لما يصيبه من أذى الجوع والعطش وكلفة الكف عَنْ قضاء الوطر، بل يحتسب النصب والتعب فِي طول أيام، ولا يتمنى سرعة انصرافه، ويستلذ مضاضته، فإذا لم يفعل ذَلِكَ فقد جاء فِي الْحَدِيث: " رب صائم ليس له من صيامه إِلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس لَهُ من قيامه إِلا السهر ". أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السلمي، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْن مَنْصُور، حَدَّثَنَا زكريا بْن داود الخفاف، حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ بْن سَعِيد، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الفضيل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ معاذة العدوية أنها كانت إذا جاء الليل، قالت: هَذِهِ ليلتي الَّتِي أموت فيها، فما تنام حَتَّى تصبح، فإذا جاء النهار، قالت: هَذَا يومي الَّذِي أموت فِيهِ فما تنام حَتَّى تمسي فإذا جاء الشتاء لبست الرقاق حَتَّى يمنعها البرد من النوم وَقَالَ ابن شبرمة عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار؟ أنشدنا الْقَاضِي عَبْد الملك بْن أَحْمَدَ بْن معافي القزويني، لبعض الأدباء: سررت بهجرك لما علمت ... أن لقلبك فِيهِ سرورا ولولا سرورك مَا سرني ... ولا كَانَ قلبي عَلَيْهِ صبورا ولكن أرى كل مَا ساءني ... إذا كَانَ يرضيك سهلا يسيرا

стр. 98

الْحَدِيث الثامن عشر [رؤية اللَّه تَعَالَى فِي الجنة، وتفضيل صلاتي الصبح والعصر] : أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْحُلْوَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الرَّبَعِيُّ، بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ: عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵁، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، كَمَا تَنْظُرُونَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لا يُغْلَبَ عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلا غُرُوبِهَا فَلْيَفْعَلْ ". هَذَا حَدِيثٌ كَبِيرٌ، عَالٍ، مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، كِلاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَبِطُرُقٍ أُخَرَ.

стр. 99

وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسُامَةَ، وَوَكِيعٍ، كُلِّهِمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ. وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ اجْتَمَعَتْ الأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى قَبُولِهِ، وَضَلَّلُوا مَنْ أَنْكَرَهُ وَرَدَّهُ، حَتَّى قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: مَنْ كَذَّبَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَد بَرِئَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ مِنْهُ بَرِيءٌ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ سيد بجيلة: أَبُو عَمْرو، ويقال: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، جرير بْن عَبْد اللَّهِ بْن [جابر] الشليل بْن مَالِك الْبَجَلِيّ الأحمسي من كرام أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فاق الناس جمالا، قَالَ فِيهِ النَّبِيّ ﷺ : " عَلَى وجهه مسحة ملك "، وَكَانَ عمر ﵁ يسميه: يُوسُف هَذِهِ الأمة. قدم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ سنة عشر فِي رمضان وأسلم سكن الكوفة إِلَى خلافة علي ﵁، ثُمَّ تحول إِلَى قرقيسيا، ومات بها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة أربع [وخمسين] ، وقيل: سنة ست [وخمسين] . وَكَانَ طويلا، يتفل فِي ذروة البعير من طوله، وَكَانَ نعله ذراعا. كَانَ يخضب لحيته بالزعفران بالليل ويغسلها إذا أصبح فتخرج مثل لون التبر.

стр. 100

وفي الْحَدِيث: دلالة واضحة عَلَى أن المؤمنين يرون ربهم فِي الجنة بأبصارهم، وأنه يراهم جميعهم لا يضامون، بالتشديد، والتخفيف، يدل عَلَى دفع المضامة، ورفع الضيم إنما يكون فِي استواء الكل فِي الرؤية. وفيه دليل عَلَى أن الرؤية بالعين، خلاف قول المعتزلة فإنهم قالوا: معناه المعرفة بالقلب، لأن خوف المضامة لا يتصور فِي معرفة القلب، وقد روي فِي بعض الروايات، عيانا فهذا يقطع كل تأويل. ومعنى قوله: " كما ترون القمر " أي: لا يقع لكم شك ولا يخالجكم ريبة فِي رؤيته، كما لا يقع لكم فِي الدنيا رؤية القمر ليلة البدر وقيل: أراد بِهِ استواءهم فِي النظر إِلَيْهِ، فالتشبيه فِي الْحَدِيث للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي. وفي الْحَدِيث: دليل عَلَى تفضيل صلاة الصبح والعصر، لتخصيصهما بالذكر وقوله: " لا تضامون " روي بثلاث روايات: ١- بضم التاء وتشديد الميم " تضامون ". ٢- وبفتح التاء وتشديد الميم " تضامون ". ٣- وبضم التاء وتخفيف الميم " تضامون " فالأول معناه: لا تزاحمون. والثاني: لا تتزاحمون أي: لا ينضم بعضكم إِلَى بعض فِي وقت النظر.

стр. 101

والثالث: لا يلحقكم ضيم فِي رؤيته، أي مشقة وبخس. ويروى: " لا تضارون فِي رؤيته " بروايتين: تشديد الراء، وتخفيفها. فإذا شددت الراء فمعناه: لا تخافون، أي: لا يخالف بعضكم بعضا فيقول واحد: هُوَ ذاك، ويقول الآخر: ليس بذاك، كما فِي رؤية الأهلة، ويقال: " ضاررته مضارة: إذا خالفته، ومنه سميت الضرة قَالَ بعضهم: معناه لا تضايقون، والمضارة: المضايقة، والضرار، الضيق، فأضر بي، أي: لزق بي. وأما بتخفيف الراء فهو من الضير والضير: الضر، يقال ضاره يضيره ويضوره: إذا ضره. أَخْبَرَنَا تاج الإْسِلام أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا الْحَافِظ أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَد بْن مُوسَى بْن مردويه، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر عَبْد الواحد بْن أَحْمَدَ بْن الْعَبَّاس الباطرقاني، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّد بْن حيان، إملاء، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَدَ بْن زيدك، يَقُول: سمعت ابن خزيمة يَقُول: سمعت سَعْد بْن عَبْد اللَّهِ بْن عَبْد الحكم يَقُول: سمعت الشَّافِعِيّ يَقُول: كلما رأيت رجلا من أصحاب الْحَدِيث كأنما رأيت رجلا من أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ .

стр. 102

وَقَالَ أيوب السختياني، إن الرجل من أهل السنة ليموت فكأنما مات بعض أعضائي، أبشروا يَا أهل السنة برحمة اللَّه ورضوانه اليوم عَلَى السنة، وغداً في الجنة. وأنشدنا تاج الإْسِلام، أنشدنا أَبُو مُحَمَّد عَبْد الملك بْن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ اليماني النحوي، بمكة، حماها اللَّه، أنشدنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللَّهِ بْن أَحْمَدَ اللخمي، لابن الأنباري ﵀: أهلا وسهلا بالذين أودهم ... وأحبهم فِي اللَّه ذي الآلاء أهلا بقوم صالحين ذوي تقى ... خير الرجال وزين كل ملاء يسعون فِي طلب الْحَدِيث بعفة ... وتوقر وسكينة وحياء لهم المهابة والجلالة والتقى ... وفضائل جلت عَنِ الإحصاء ومداد مَا تجري بِهِ أقلامهم ... أزكى وأفضل من دم الشهداء يَا طالبي علم النَّبِيّ مُحَمَّد ... مَا أنتم وسواكم بسواء

стр. 103

الْحَدِيث التاسع عشر [اقتداء المؤمنين من النار بأهل الملل الكافرة] أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادُ، إِجَازَةً، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عبد الله بن أحمد الحافظ، حدثنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ الثَّقَفِيُّ أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى: عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دُفِعَ إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَقِيلَ: هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ "

стр. 104

هَذَا حَدِيثٌ حَسَن، صَحِيح، عَالٍ، مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، ﵁. تَفَرَّدَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بِإِخْرَاجِهِ فِي صَحِيحِهِ، رَوَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. رواه عَنْ النَّبِيّ ﷺ أحسن أصحابه صوتاً بالقرآن، وأفصح أقرانه فِي الفقه والبيان: أَبُو مُوسَى عَبْد اللَّهِ بْن قيس بْن سليم الأشعري ﵁. من كبار أصحاب رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي العلم والدين سمع رَسُول اللَّهِ ﷺ صوته وَهُوَ يقرأ القرآن فَقَالَ: " لقد أوتي هَذَا مزمارا من مزامير آل داود ". قدم عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الأشعريين فأسلم وأسلموا بمكة، وهاجر الهجرتين إِلَى الحبشة والمدينة، ثُمَّ جاء مَعَ جَعْفَر بْن أَبِي طالب ﵁ حين افتتح ﷺ خيبر، فقسم لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو مُوسَى: بلغنا خروج رَسُول اللَّهِ ﷺ فخرجنا مهاجرين أنا وأخوان لِي أنا أصغرهم، أحدهما أَبُو بردة والآخر أَبُو أدهم، فركبنا سفينة فوقعنا إِلَى الحبشة فوافقنا جَعْفَر بْن أَبِي طالب، فأقمنا معه حَتَّى قدمنا جميعا حين افتتح رَسُول اللَّهِ ﷺ خيبر فأسهم لنا، أَوْ قَالَ: أعطانا، وما قسم لأحد غاب عَنْ فتح خيبر إِلا لأصحاب سفينتنا، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " لكم يَا أهل السفينة هجرتان ".

стр. 105

وأم أَبِي مُوسَى: طفية، من عك، أسلمت وماتت بالمدينة. توفي أَبُو مُوسَى سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين بالكوفة، وقيل بمكة حماها اللَّه. وفي الْحَدِيث رجاء عظيم لأهل الإيمان بالله تَعَالَى، قَالَ أَبُو أسامة: هَذَا الْحَدِيث خير للمؤمن من الدنيا وما فِيهَا، وعده أئمة الدين من كنوز الْحَدِيث اعتمادا عَلَى فضل اللَّه تَعَالَى فِيهِ واعتدادا بِهِ. وفيه: دليل عَلَى كمال لطف اللَّه تَعَالَى بعباده المؤمنين وكرامتهم عَلَيْهِ، حيث فدى أولياءه بأعدائه. ويحتمل أن يكون معنى الفداء أن اللَّه تَعَالَى وعد النار ليملأها من الجنة والناس، وهي تستنجز اللَّه تَعَالَى موعده يوم القيامة فِي المشركين وعصاة المؤمنين، فيرضيها اللَّه تَعَالَى بما يقدم إليها من الكفار، فيكون ذَلِكَ كالمفاداة عَنِ المؤمنين. وَقَالَ بعضهم: معناه أن المؤمنين يتوقون بالكفار من لفح النار إذا مروا عَلَى الصراط، فيكون وقاء وفداء لأهل الإْسِلام. وأنكر المعتزلة هَذَا الخبر، واستدلوا بقوله تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، والذي صاروا إِلَيْهِ خلاف الكتاب والسنة، قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ، وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : " يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللَّه تَعَالَى لهم ويضعها عَلَى اليهود والنصارى "

стр. 106

ولا يستبعد من فضل اللَّه تعالى مَعَ أهل الإْسِلام والإيمان أن يفديهم بأهل الكفر والطغيان، وذلك عدل من اللَّه تَعَالَى مَعَ أهل معصيته، وفضل عَلَى أهل طاعته، فإذا كَانَ الفداء محمولا عَلَى مَا تقدم ذكره فلا يصح استدلالهم بالآية، لأن كل كافر معاقب بوزره عَلَى مَا بيناه. أَخْبَرَنَا جمال الأئمة أَبُو مُحَمَّد الْحَسَن بْن مَنْصُور السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا والدي شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو المظفر مَنْصُور بْن مُحَمَّد السَّمْعَانِيّ، قَالَ: قَالَ الفضيل بْن عياض: من أحب صاحب بدعة أحبط اللَّه عمله، وأخرج نور الإْسِلام من قلبه، ومن زوج كريمته، من مبتدع فقد قطع رحمها. وَكَانَ يَقُول: نظر المؤمن إِلَى المؤمن جلاء القلب، ونظر الرجل إِلَى صاحب بدعة يورث العمي. وحكينا عَنِ الحاكم أَبِي عَبْد اللَّهِ الْحَافِظ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: توفي أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن مهران المقرئ يوم الأربعاء السابع والعشرين من شوال سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وتوفي فِي ذَلِكَ اليوم أَبُو الحسن العامري صاحب الفلسفة، قَالَ الحاكم: فحدثني عمر بْن أَحْمَدَ الزاهد قَالَ: سمعت الثقة من أصحابنا يذكر أَنَّهُ رأى أبا بكر بْن الْحُسَيْن المقرئ فِي المنام فِي تلك الليلة الَّتِي دفن فِيهَا، قَالَ: قلت لَهُ: أيها الأستاذ، مَا فعل اللَّه بك؟ قَالَ: إن اللَّه تَعَالَى أقام أبا الحسن العامري حذائي، وَقَالَ: هَذَا فداؤك من النار.

стр. 107

أنشدنا الزاهد أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أميرجه بْن أشعث الْهَرَوِيّ، أنشدنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الحسين بْن حمزة، أنشدنا السيد أَبُو الحسن الْمَغْرِبِيّ، لنفسه: أفق واطلب لنفسك مستواها ... ودع عصبا قد اتبعت هواها وسنة أَحْمَد المختار فالزم ... وعظمها وعظم من رواها وإن رغمت أنوف من أناس ... فقل يَا رب لا ترغم سواها

стр. 108

الْحَدِيث العشرون [فضل صيام يوم عرفة] أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الزَّاهِدُ الصَّائِنُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ أميرجه بْنِ الأَشْعَثِ الصُّوفِيُّ الْهَرَوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفُقَّاعِيِّ، حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ شَيْخُ الإْسِلامِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الإْمَامُ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ، إِمْلاءً، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمةَ، حَدَّثَنَا جَدِّي -، حَدَّثَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمُ إِسْمَاعِيلُ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ -، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سَابُورَ -، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، وَأَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، السَّنَةُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالسَّنَةُ الَّتِي تَلِيهَا ". هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، صَحِيحٌ، عَالٍ. أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ بِلَفْظٍ آخَرَ. رواه عَنِ النَّبِيّ ﷺ صاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ وفارسه الشجاع المقدام، المخصوص بدعاء رَسُول اللَّهِ ﷺ : أَبُو قتادة الحارث بْن ربعي، ويقال:

стр. 109

النعمان بْن ربعي بْن بلدمة بْن خناس بْن شيبان بْن عبيد بْن عدي الأنصاري السلمي الخزرجي ﵁. روي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كنت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي بعض أسفاره، إذ مال عَنِ الراحلة فدعمته بيدي حَتَّى استيقظ، ثُمَّ مال فدعمته بيدي حَتَّى استيقظ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ احفظ أبا قتادة كما حفظني منذ الليلة، مَا أرانا إِلا شققنا عليك. وَكَانَ ﷺ يَقُول: " خير فرساننا أَبُو قتادة ". وتوفي أَبُو قتادة بالمدينة سنة أربع وخمسين، وله سبعون سنة. وفي الْحَدِيث: دلالة عَلَى استحباب صيام يوم عرفة فِي حق من لم يشهد عرفات، فأما من شهد الموقف فالأولي أن لا يصومه لأن النَّبِيّ ﷺ لم يصم بعرفة، ولأن الحاج يحتاج إِلَى قوة واستظهار للوقوف والدعاء، فإذا صام ضعف عَنْ ذَلِكَ، فكان المستحب لَهُ الإفطار. وفيه: دليل عَلَى أن صوم يوم عرفة يكفر سنة قبلها وسنة بعدها. وفيه: دلالة عَلَى أن السيئة اللاحقة يجوز أن تكفرها الحسنة السابقة، وذلك من فضل اللَّه تَعَالَى ولطفه بعباده. وفيه: دليل عَلَى فضل يوم عرفة، وأنه يوم عظيم حرمته، مرجوة بركته، وَهُوَ يوم الحج الأكبر، ويوم المباهاة، ويوم الدنو، ويوم العتق، وكل ذَلِكَ مروي عَنِ النَّبِيّ ﷺ . وقد استجاب اللَّه تَعَالَى فِي هَذَا اليوم دعاء النَّبِيّ ﷺ فِي أمته بالمغفرة.

стр. 110

وَقَالَ ﵇: يَقُول اللَّه لملائكته: عبادي جاءوني شعثا غبرا، آمنوا بي ولم يروني، وعزتي لأغفرن لهم. وأما الدعاء الَّذِي يستحب ذكره يوم عرفة فكثير، منه مَا روي عَنِ ابن عَبَّاس ﵁ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ دعا فِي حجة الوداع يوم عرفة فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، المشفق الوجل المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المساكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خشعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسمه، ورغم أنفه لك، اللَّهُمَّ لا تجعلني بدعائك شقيا، وكن بي رءوفا رحيما، يَا خير المسئولين ويا خير المعطين ". وقد ثبت عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أفضل مَا دعوت بِهِ، أنا والنبيون قبلي، عشية عرفة: لا إله إِلا اللَّه وحده لا شريك لَهُ، لَهُ الملك، وله الحمد، بيده الْخَيْر، وَهُوَ عَلَى كل شيء قدير. وَكَانَ أكثر دعائه هَذَا. وَهَذَا أصح، لما روي عَنِ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ حاكيا عَنْ ربه : " من شغله ذكري عَنْ مسألتي أعطيته أفضل مَا أعطي السائلين ". أَخْبَرَنَا شَيْخ الْقُضَاةِ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيل بْن أَحْمَدَ البيهقي، أَخْبَرَنَا شَيْخ الإْسِلامِ أَبُو عُثْمَان إِسْمَاعِيل بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصابوني، أخبرني أَبُو مُحَمَّد عَبْد اللَّهِ بْن حَامِد الإصبهاني، حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّهِ بْن جَعْفَر، حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا أَبُو الحسن الكوفي، عَنْ يَحْيَى بْن بسطام:
следующие страницы →