← Книги сунны

Книги сунны · id 26863

التعازي لأبي الحسن المدائني

أبو الحسن المدائني

Полный текст (175 стр.). Показаны 141–175 · переход к 146.

стр. 141

١٣٨- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن علي بن عبد الله بن أبي عياش التميمي، قال: قال عبد الله بن مسعودٍ، ما أبالي بالغنى بليت، أو بالفقر؛ إن حق الله فيهما لواجبٌ؛ في الغنى البر والعطف، وفي الفقر الصبر.

стр. 142

١٣٩- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن ⦗٩٠⦘ المدائني، عن علي بن سليمان، عن الحسن، قال: الخير الذي لا شر فيه، الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة؛ فكم من منعمٍ عليه غير شاكرٍ، ومبتلى غير صابرٍ!

стр. 143

١٤٠- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: قال حارثة بن بدرٍ يرثي زياداً: الصبر أجمل والدنيا مفجعةٌ ... من ذا الذي لم يجرع مرةً حزنا

стр. 144

١٤١- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: [كانت العرب في الجاهلية -وهم لا يرجون ثواباً، ولا يخشون عقاباً- يتحاضون على الصبر، ويعرفون فضله، ويعيرون بالجزع أهله، إيثاراً للحزم، وتزيناً بالحلم، وطلباً للمروءة، وفراراً من الاستكانة إلى حسن العزاء؛ حتى إن الرجل منهم ليفقد حميمه فلا يعرف ذلك فيه. يصدق ذلك ما جاء في أشعارهم، ونثي من أخبارهم] . قال دريد بن الصمة [في مرثيته أخاه عبد الله] : ⦗٩١⦘ قليل التشكي للمصيبات، حافظٌ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد [صبا ما صبا حتى إذا شاب رأسه ... وأحدث حلماً قال للباطل: ابعد] وقال أبو خراش الهذلي: تقول أراه بعد عروة لاهياً ... وذلك رزءٌ لو علمت جليل فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري يا أميم جميل وقال أبو ذؤيبٍ: وإني صبرت النفس بعد ابن عنبسٍ ... وقد لج من ماء الشؤون لجوج لأحسب جلداً أو لينبأ شامتٌ ... وللشر بعد القارعات فروج وقال عمير الحنفي: ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجةٌ كحل العقال وقال أوس بن حجر: أيتها النفس أجملي جزعاً ... إن الذي تحذرين قد وقعا وقال عمرو بن معدي كرب: كم من أخٍ لي صالحٍ ... بوأته بيدي لحدا وقالت أخت ربيعة بن مكدمٍ ترثي أخاها: ⦗٩٢⦘ ما بال عينك منها الدمع مهراق ... سحاً فلا عازبٌ منها ولا راقي فاذهب، فلا يبعدنك الله من رجلٍ ... لاقى الذي كل حي بعده لاقي لو كان يبقي سليماً وجد ذي رحمٍ ... أبقى سليماً له وجدي وإشفاقي أو كان يفدى لكان الأهل كلهم ... وما أثمر من مالٍ له واقي لكن سهام المنايا من قصدن له ... لم يشفه طب ذي طب ولا راقي لأبكينك ما ناحت مطوقةٌ ... وما سريت مع الساري على ساقي وقال حارثة بن بدرٍ، يرثي أخاه درعاً: أمست ديار بني بدرٍ معطلةً ... من طامعٍ كان يغشاها وزوار يا أيها الشامت المبدي عداوته ... ما بالمنايا التي عيرت من عار اربع عليك فإنا معشرٌ صبرٌ ... على المصيبات قدماً غير أغمار

стр. 145

١٤٢- قال المدائني: ورثت أخت مسعود بن شدادٍ أخاها، فقال لها رجلٌ: رثيت أخاك بما ليس فيه. فقالت: إن كنت كاذباً، فأسأل الله عسرك، ودوام فقرك؛ كان -والله- أخي يابس الجنبين، ندي الكفين، لا يكثر إذا وجد، ولا يلوم إذا فقد.

стр. 146

١٤٣- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن عامر بن الأسود، قال: نعي إلى أبي قحافة ابنه أبو بكرٍ ﵁، فقال: رزءٌ جليلٌ.

стр. 147

١٤٤- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: [قال] أبو الحسن: ومات أخٌ لأعرابي، فقي له: صف لنا أخاك؛ فقال: كان -والله- شديد العقدة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.

стр. 148

١٤٥- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن عمر بن غياث، عن محمد بن حرب قال: كتب إبراهيم بن أبي يحيى إلى بعض الخلفاء: إن أحق من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه: من عظم حق الله عنده فيما أبقى له. فاعلم أن الماضي قبلك الباقي لك، والباقي بعدك المأجور فيك؛ وإن أجر الصابرين فيما يصابون به، أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه.

стр. 149

١٤٦- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن محمد بن أبي علي، قال: قال زياد لرجلٍ: أين منزلك؟ قال: أوسط منازل البصرة. قال: مالك من الولد؟ قال: تسعةٌ. فقيل لزيادٍ: ما له من الولد غير ابن واحدٍ، وداره أقصى دارٍ بالبصرة. فقال له زيادٌ: ألم تخبرني أن دارك أوسط منازل البصرة؟ قال: بلى. قال: لقد أنبئت أنها أقصى دور البصرة. قال: هي بين الدنيا والآخرة. قال: وقلت: لي تسع بنين؟، قال: نعم، كانوا عشرةً، قدمت تسعةً، وبقي لي واحدٌ، فلا أدري أنا له، أم هو لي.

стр. 150

١٤٧- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، ⦗٩٤⦘ عن مسلمة بن محارب، قال: دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه، فقال: يا أمير المؤمنين، ألا توصي؟ قال: وهل من مالٍ أوصي به؟ فقال مسلمةٌ: هذه مئة ألفٍ، أبعث بها إليك، فهي لك، فأوص فيها. قال: فهلا غير ذلك يا مسلمة؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: تردها من حيث أخذتها. قال: فبكى مسلمة، وقال: رحمك الله، لقد ألنت منا قلوباً كانت قاسيةً، وزرعت في قلوب الناس لنا مودةً، وأبقيت لنا في الصالحين ذكراً.

стр. 151

١٤٨- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن الضحاك بن زمل، قال: كنا عند خالد بن عبد الله، حين أتاه نعي أسدٍ، فبكى، حتى اخضلت لحيته، ثم قال: رحم الله أخي، كان والله براً، واصلاً؛ والله ما مشيت ليلة قط، إلا مشى أمامي، ولا مشيت نهاراً قط، إلا مشى ⦗٩٥⦘ خلفي، ولا علا بيتاً قط أنا تحته.

стр. 152

١٤٩- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن محمد بن أبي محمد، قال: مر الإسكندر بمدينةٍ، قد ملكها أملاكٌ سبعةٌ، وبادوا، فقال: هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه المدينة أحدٌ؟ فقالوا: رجلٌ في المقابر. فدعا به، فقال: ما دعاك إلى لزوم المقابر؟ فقال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم، فوجدت عظامهم وعظام عبيدهم سواءً. قال: فهل لك أن تتبعني، فأحيي بك شرف آبائك، إن كانت لك همةٌ؟ قال: إن همتي لعظيمةٌ إن كانت بغيتي عندك. قال: وما بغيتك؟ قال: حياةٌ لا موت فيها، وشبابٌ ليس معه هرمٌ، وغنىً لا فقر معه، وسرورٌ بغير مكروه. قال: لا. قال: فامض لشأنك، ودعني أطلب ذلك ممن هو عنده، يملكه. قال الإسكندر: هذا أحكم من رأيت.

стр. 153

١٥٠- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن المدائني، قال: وعزى عمرو بن ميمون رجلاً، فقال: عز نفسك بما كنت مغزياً به غيرك، وأنا وإياك ومن ترى -وإن تراخت بنا مدةٌ- إلى أجلٍ نحن ⦗٩٦⦘ بالغوه، فكأن الموت قد حل بنا وبك؛ لا مدفع له، ولا محيص عنه؛ فأسأل الله أن يجعل بقاءنا وبقاءك مسارعةً لنا في الخيرات، واقتداءً بمن أمرنا أن نقتدي بهداه، من المصطفين الأخيار.

стр. 154

١٥١- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: لما حضرت عبد الملك الوفاة، قال: أصعدوني؛ فلما أصعد تسطح على فراشه، ثم قال: يا دنيا، ما أطيب ريحك؛ يا أهل العافية، لا تستقلوا شيئاً منها؛ حتى سمع ذلك منه خارج القصر.

стр. 155

١٥٢- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن علي بن عاصم، في إسنادٍ له، قال: قال الطاعون: أنا ألحق بالشام؛ فقال الخصب: أنا معك. قال: وقال الجوع: أنا ألحق بأرض البادية. قال: فقالت الصحة: أنا معك؛ قال: وقالت النعمة: أنا ألحق بأرض العراق. قال: فقال السقم: أنا معك.

стр. 156

١٥٣- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن آدم بن عيينة، قال: دفعت إلى امرأةٍ تتبع جنازةٌ، وهي تقول: رحيب ذراعٍ بالتي لا تشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا

стр. 157

١٥٤- قال: وقال أويسٌ عند وفاته: إن حق الله لم يترك عند أويسٍ -أو قال عند المسلم- ديناراً ولا درهماً.

стр. 158

١٥٥- قال: وذكروا أن عمر بن عبد العزيز لما مات ابنه، رجع من الجنازة، فرأى قوماً يرمون، فلما رأوه أمسكوا. فقال: ارموا؛ ووقف عليهم. فرمى أحد الراميين، فأخرج؛ فقال له عمر: أخرجت، فقصر. ثم قال للآخر: ارم؛ فرمى فقصر، فقال له عمر: قصرت فبلغ. فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، أيفرغ قلبك لما يفرغ له، وإنما نقضت يدك من تراب قبر ابنك الساعة، لم تصل إلى منزلك بعد؟ فقال له عمر: يا مسلمة، إنما الجزع قبل المصيبة، فإذا وقعت المصيبة فاله عما فاتك.

стр. 159

١٥٦- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن المدائني، قال: وقف محمد بن سليمان على قبر ابنه، فقال: اللهم إني أرجوك له، وأخافك عليه؛ فحقق رجائي، وآمن خوفي، إنك على ذلك قديرٌ.

стр. 160

١٥٧- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: لقي رجلٌ رجلاً قد أصيب بمصيبةٍ، فأبطأ عن تعزيته، فقال: لولا ⦗٩٨⦘ أن تجديد التعزية يجدد جزعاً في المصيبة، لعزيناك عمن مضى.

стр. 161

١٥٨- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: جاوز عبد الله بن جعفر عاماً بمكة، فمات له مملوكٌ كان محرباً، ذا موضعٍ منه. فأتاه ابن عباسٍ يعزيه، فقال: لا تعدم الأجر على الرزية، والخلف من الفقيد؛ ثقل الله به ميزانك، وغفر لنا، ولفتاك.

стр. 162

١٥٩- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن خالد بن خداش، قال: حدثني سعيد بن عامر، عن شعبة بن الحجاج أبو بسطام الأزدي، عن إياس بن معاوية بن قرة المزني؛ عن أبيه، قال: كنا نختلف إلى رسول الله ﷺ ، ومعنا صاحبٌ لنا، معه ابنٌ له، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبيه: ((أتحبه؟)) قال: إي والله يا رسول الله، إني لأحبه، فأحبك الله كما أحبه. قال: فضحك رسول الله ﷺ . قال: ثم إن ابنه مات، فجزع عليه أبوه جزعاً شديداً. فقال رسول الله ﷺ : ((أما يسرك أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة، إلا وجدته قد سبقك؟)) قال: بلى، يا رسول الله. قال: فسري عنه.

стр. 163

١٦٠- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، ⦗٩٩⦘ عن سفيان، عن منصور بن صفية، عن أمه قالت: دخل عبد الله بن عمر المسجد، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، لو أتيت أسماء بنت أبي بكرٍ، فعزيتها عن ابنها عبد الله بن الزبير؛ فأتاها، فجلس إليها، فقال لها: إن هذه الجثث ليست بشيء، وإنما الأمر في الروح، وإني لأرجو أن تكون روح عبد الله قد أفاضت إلى خير فاصبري. قالت: وكيف يمنعني أن أصبر، وقد حمل رأس يحيى بن زكريا النبي ﷺ إلى بغي فصبر؟

стр. 164

١٦١- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن ابن علية، قال: نا أيوب السختياني، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى، والعبرة لا يملكها أحدٌ، صبابة المرء إلى أخيه)) .

стр. 165

١٦٢- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا ابن عون، قال: كان محمد بن سيرين يكون عند المصيبة كما يكون قبل ذلك. إلا يوم ماتت حفصة بنت سيرين، فإنه جعل يكشر، وأنت تعرف فيه.

стр. 166

١٦٣- وبكى عبد الله بن مسعود على أخيه عتبة، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، تبكي! قال: كان أخي في النسب، وصاحبي مع رسول الله ﷺ ؛ ما يسرني أني كنت قبله؛ لأن يموت فأحتسبه، أحب إلي من أن أموت فيحتسبني.

стр. 167

١٦٤- قال: ولما مات مخلد بن يزيد بن المهلب، أتي أبوه بمائدته التي كان يؤتى بها، قبض أصحابه أيديهم عن الطعام، فقال: مضى مخلد لشأنه، فعليكم بشأنكم؛ من كان آكلاً في غدٍ فليأكل اليوم.

стр. 168

١٦٥- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: [أخبرنا] أبو الحسن: لما قتل محمد بن عبد الله بن خازم، وأتى أباه ناسٌ يعزونه، فكان فيمن أتاه رجلٌ من الأزد، له صلاحٌ، فقال: أبى الصبر لي أن السكارى تعاورت ... بأسيافها فرداً وحيداً محمدا فلو في عراك غادرته مجدلاً ... لقلت كمن قد راح بالسيف واغتدى ولاقى المنايا والمنايا حياله ... تغادر كهلاً للجبين وأمردا فقال الأزدي: يرحمك الله أبا صالح، ما أراد الله لمحمدٍ خيراً مما أردت، قتل مظلوماً في الله، ومصابه ثكلٌ لا ثكل مثله، فاحتسب، ⦗١٠١⦘ واصبر، تجز ثواب الصابرين. فقال: اللهم إن أخا الأزد قد نصحني، وقال بما أعرف، فهب لي صبراً.

стр. 169

١٦٦- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال ابن ربيعة: عزى محمد بن الفرات الشيباني رجلاً، فقال: لو أن جزعاً على رزية وقى حلول نائبةٍ، أو رجع فائتاً، لتقدم فيه العاقل، واعتصم به الخائف، ولكن الصبر طوعاً وكرهاً.

стр. 170

١٦٧- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: عزى رجلٌ من بكرٍ بن وائلٍ رجلاً، فقال: ليس في الجزع عقبى تفيد راحةً، إلا ما لو تعجل أفاد راحةً وأجراً؛ ومن أعظم الجزع على مصيبته بفقد المحبوب، فقد استدعى أخرى بفوت الآخرة.

стр. 171

١٦٨- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن أبي عمرو الهلالي، قال: كتب رجلٌ إلى بعض إخوانه يعزيه عن ابنه: أما بعد، فإن الولد على والده ما عاش حزنٌ وفتنةٌ، فإذا قدمه فصلاةٌ ورحمةٌ؛ فلا تجزع على ما فاتك من حزنه وفتنته، ولا تضيع ما عوضك الله من صلاته ورحمته.

стр. 172

١٦٩- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن ⦗١٠٢⦘ أبي عمرو الهلالي، عن السهمي، قال: كتب رجلٌُ إلى بعض إخوانه يعزيه: أما بعد، فعليك بتقوى الله والصبر، فإن به يأخذ المحتسب، وإليه يرجع الجازع.

стр. 173

١٧٠- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن بن علي، قال: أخبرنا أبو الحسن، عن أبي عمرة الطائي، عن يحيى بن عثمان قال: سمعت يحيى بن خلادٍ، يقول: والله، لو أن الله كلف العباد الجزع دون الصبر، لكلفهم أشد المعنيين على القلوب.

стр. 174

١٧١- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: عزى رجلٌ من بكر بن وائلٍ رجلاً عن ابنه -ويقال: إن المعزى هو- وإنه كتب إليه: يا بني، إن احتمال المضاضة في أول الصبر حتى ينقطع الحزن، أيسر نكايةً من آخر الجزع؛ وإن أمراً لا يتعقب مصدره إلا بالندم، ولا يخلص منه إلا إلى الإثم، لحقيقٌ ألا يستقبل مورده إلا بالقمع والقرع؛ والسلام.

стр. 175

١٧٢- أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الحسن، قال: أخبرنا أبو الحسن، قال: ذكروا أن النعمان بن المنذر كان له ثلاثة إخوةٍ؛ عمروٌ، ومالكٌ ⦗١٠٣⦘ -وكانا أخوين لأبٍ، وأم، وكانا ابني مهيرة- وكان النعمان، وأخٌ له يسمى علقمة لأم ولدٍ، فهلك مالكٌ، فجزع عليه عمروٌ. وكان مالكٌ مرجواً عند أهل مملكتهم لحوادث الأيام، وبوائق الدهر، فمات مالكٌ، فدخل على أخيه عمرو من الحزن ما كاد يقضي عليه؛ فلما رأى علقمة ما بأخيه، استأذن النعمان في تعزية عمروٍ، وموعظته، وسأله أن يجمع له رؤساء أهل مملكته، وحلماءهم وعلماءهم؛ فأجابه إلى ذلك. فلما اجتمع الناس أذن لهم النعمان على قدر منازلهم، فقام علقمة بن المنذر، فثنيت له نمرقة الشرف، على منبر الكرامة، عن يمين النعمان، وهو مقام عظماء المتكلمين؛ فقال: يا عمرو، يا ثمرة الرأي، ومعدن الملك؛ إنما الخلق للخالق، والشكر للمنعم، وإنما التسليم للقادر، ولا بد مما هو كائنٌ، وإنه لا أضعف من مخلوقٍ، ولا أقوى من خالق، ولا أقدر ممن طلبته في يديه، ولا أعجز ممن هو في يد طالبه؛ والتفكر نورٌ، والغفلة ظلمةٌ، والجهالة ضلالةٌ، وقد ورد الأول، والآخر سائقٌ متعبٌ، وفي الأشياء عبرٌ، والسعيد من وعظ بغيره، وقد جاء ما لا يرد، ولا سبيل إلى رجوع ما قد فات، وذهب عنك ما لا يرجع إليك، وأقام معك ما سيذهب عنك، فما الجزع مما لا بد منه؟ وما الطمع فيما لا يرجى؟! وما الحيلة لبقاء ما سيفنى؟ وإنما الشيء من مثله، وقد مضت قبلنا أصولٌ نحن فروعها، فما بقاء فرعٍ بعد أصله؟ انظر إلى طبقات حالاتك، من لدن كنت في صلب أبيك إلى أن بلغت منزلة الشرف، وحد العقل، وغاية الكرامة؛ هل قدرت أن تنتقل ⦗١٠٤⦘ عن طبقةٍ، قبل انقباضها؟، وتتعجل نعمةً قبل أوان مجيئها؟ وانظر يا عمرو إلى آبائك، الذين كانوا أهل الملك والشرف الكبير، والأحلام المحمودة، هل وجدوا سبيلاً -أو وجد لهم- إلى بقاء ما أحبوا؟ أبقوا بعده؟ فأي أيام الدهر ترتجي؟ أيوم يجيء بعاقبةٍ؟ أم يوم لا يستأخر بما فيه عن أوان مجيئه؟ أو يوماً لا يأتي بما في غيره؟ فانظر إلى أيام الدهر تجدها ثلاثةٌ: يوماً مضى لا ترجوه، ويوماً بقي لا بد منه، ويوماً يجيء لا تأمنه. إن أكمل الأداة عند المصائب الصبر واليقين؛ لأن الهارب لابد له مما هو كائنٌ، وإنما يتقلب في كف طالبه، فأين المهرب؟ إن أمس موعظةٌ، واليوم غنيمةٌ، وغداً لا تدري، أمن أهله أنت، أو من غير أهله؛ فأمس شاهدٌ مقبولٌ، وأمينٌ مؤد، وحكيم مؤدبٌ، قد فجعت بنفسك في يدي حكمته؛ واليوم صديقٌ مودعٌ، كان طويل الغيبة، وهو سريع الظعن، أتاك ولم تأته، وقد مضى قبله شاهد عدلٍ، فإن كان ما فيه لك، فاشفعه بمثله، وإلا فاتق اجتماع شهادتيهما عليك. إن أهل هذه الدار سفرٌ، لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها؛ وإنما ينتقلون منها في العواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمغير؛ من أحق بالتسليم ممن لا يجد مهرباً. ولا معيناً، بل الأعوان عليه. ⦗١٠٥⦘ انظر مم جزعت، وما استكرهت، وما تحاول؛ فإن ردك الجزع إلى ثقة من درك الطلب، فما أولاك به، وإن كنت قوياً على رد ما كرهت، فكيف تعجز عن الغلبة على ما أحببت؟ وإن كنت حاولت مغلوباً، فمن أفنى القرون قبلك؟ وإن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها؛ ومن تناول ثمرة ما لا يكون، استقرت في يديه الخيبة. أفمن هذا المعدن ترجو درك الغنيمة؟ فإن العلم لا ينال إلا بالتعلم، فبم رجوت تعلم ما لا يتعلم، ودرك ما لا يكون، ولم يكن لذلك معلمٌ فيمن كان قبلك، ولا متعلم سواك؟ وما عناك بطلب من هو في طلبك، أم كيف رجوت رجعة ملك مالكٍ إليه وأنت سابقٌ إليه؟ أم ما جزعك عن الظاعن عنك اليوم، وأنت مرتحلٌ إليه غداً؟ أم ما طمعك في رد ما هو كائنٌ بما لا يكون؟ فأفق، والمرجع قريبٌ، ولا تعم، فيضر بك العمى، وتتوهك الجهالة، وأنت ذو الخظ الكبير من الدنيا في قسمك، وأخو الملك العظيم في قرابتك، وابن الملوك المنعمين في نسبك، فقد أتاك الخير من كل بابٍ، فأنت كما قيل فيك، فلا تكونن في الشكر دون الحق عليك. وإنما ابتلاك بالمعصيية المنعم، وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر؛ فإن أنسيت الصبر، فلا تغفل [عن] الشكر، وكلا فلا تدع؛ ولا أغنى عنك من المنعم، ولا أحوج من منعمٍ عليه؛ فاحذر من الغفلة استلاب ⦗١٠٦⦘ النعمة، وطول الندامة. واعلم أنه لا أضيع ممن غفل عن نفسه، ولم يغفل عنه طالبه. وإن أخاك عظيمٌ، قد برز لعظيم صلتك، واستكمال كرامتك، ولطف بما ترى لموعظتك. وهذا يومٌ بقاؤه عظيمٌ، وبقاء ما فيه بعدنا طويلٌ، سيحظى به اليوم السعيد، ويستكثر منافعه اللبيب. وإنما جمعت منافع هذا اليوم وجنوده لدفع فتن الجاهلية عنك؛ وإنما أوقدت مصابيح الهدى فيه، ليتبين خيرك، وسهلت سبيل الخير إليك، لرجاء رجعتك؛ فلم أر كاليوم [ضل] مع نوره متحير، ولا أعيا مداويه سقيمٌ. وما أصغر المصيبة اليوم، مع عظيم الغنيمة غداً، وأكثر فيه خيبة الخائب؛ وإن أبت نفسك إلا علم رأي من جمع لك، فقد كفيت. هذا جوابهم، فاسمع يا عمرو: زعم فرسان الحروب، وقادة الجنود، أن غلب على مالكٍ غالب آبائك، أهل التتويج، والملك الكبير، وأن غالبهم لا يغلب. وزعم الأطباء أن مالكاً هلك بداء معلميهم الذين هلكوا به، وأنه لا دواء لدائهم ذلك. وزعمت حفظة الخزائن، أنها عواري عندكم -أهل البيت- وأن العواري لا تقبل في فكاك الرهان. ١٠٧# وزعم أهل الحيل والتجارب والجماعة الكبرى، أن صاحب مالكٍ، قد شغلهم بأنفسهم عنك، فإن فرغوا أتوك. وقد أسمعك الداعي، وأغدر فيك الطالب، وانتهى الأمر فيك إلى حد الرجاء. ولا أحد أعظم رزية في عقله، ممن ضيع اليقين، وأخطأ الأمل. ثم التفت إلى الملك، فقال: أيها الملك المنعم: إن أعظم العطية ما أعطيتنا، بجمعك إيانا، وإذنك في الكلام لنا؛ وخير الهدية لك ما حملتنا. وإنا -أيها الملك الرفيع جده- مع معرفتنا بفضلك، لم نرفعك فوق منزلتك؛ وبحسبك ألا يكون إلا الخالق فوقك، ونعم المخلوق أنت، ترد المدبر إلى حظه، وتكف المستعجل إلى حتفه، وتدل مبتغي الخير إلى بغيته؛ وبمثل دوائك يشفى السقيم؛ فدام مجيء الخير منك لنا، والإنعام علينا، والشكر منا. ثم أقبل على الناس كافةً بالموعظة، فقال: يا أيها الناس: إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيئاً، وسنبلى ثم نعود، ألا وإنما العواري اليوم، والهبات غداً، ألا وإن قد ورثنا من قبلنا، ولنا وارثون؛ وقد حان رحيلٌ عن محل نازلٍ، ألا وقد تقارب سلب منقلبٍ فاحشٍ، أو عطاءٍ جزيلٍ؛ فاستصلحوا ما تقدمون عليه، بما تظعنون عنه، واسلكوا سبيل الخير، ولا تستوحشوا منها لقلة أهلها، وذاكروا حميد الصحبة لكم فيها. ⦗١٠٨⦘ يا أيها الناس: إني أعظكم، وأبدأ بنفسي: استبدلوا الغواري بالهبات، وارضوا بالباقي خلفاً من الفاني، واستقبلوا المصيبات بالحسبة، تستخلفوا بها نعماً؛ واستديموا الكرامة بالشكر، تستحقوا الزيادة، واعرفوا فضل البقاء في النعم، والغنى في السلامة، قبل الفتنة الملبسة بالمثلة السيئة، وقبل انتقال النعم وزوال الأيام، وتصرف الخطوب. يا أيها الناس: إنما أنتم في هذه الدنيا أغراضٌ تنتضل فيكم المنايا، وأنتم فيها نهبٌ للمصيبات؛ مع كل جرعةٍ لكم شرقٌ، وفي كل أكلةٍ لكم غصصٌ، لا تنالون نعمةً إلا بفراق أخرى، ولا يستقبل معمرٌ يوماً من عمره إلا بهدم آخر من أجله، ولا يجد لذة زيادةٍ في أجله إلا بنفاذ ما قبله من رزقه. [و] لا يحيا له أثرٌ إلا مات له أثرٌ، فأنتم أعوان الحتوف [على أنفسكم] ، و [في معايشكم] ، وأسباب مناياكم، لا يمنعكم شيءٌ منها، ولا يعينكم شيءٌ عليها، لها بكل سببٍ صريعٌ مخترمٌ، ومتقربٌ منتظرٌ؛ لا ينجو من حبائلها الحذر، ولا يدفع عن مقاتلها الأرب. فهذه أنفسكم تسوقكم، فمن أين تطلبون البقاء؟ وهذا الليل ⦗١٠٩⦘ والنهار، لم يرفعا من شيء شرفاً، إلا أسرعا في هدم ما بنيا، وتفريق ما جمعا. يا أيها الناس: اطلبوا الخير ووليه، واحذوا الشر ووليه، واعلموا أن خيراً من الخير معطيه، وأن شراً من الشر فاعله. آخر الجزء الثاني من أجزاء الشيخ يتلوه إن شاء الله، وبه القوة، في الجزء الثالث: أنا الحسن بن علي بن المتوكل، قال: أبو الحسن علي بن محمد المدائني، قال: حدثني شيخٌ من أهل البصرة، عن جعفر بن سليمان الضبعي. والحمد لله رب العالمين كثيراً، وصلى الله وملائكته على السيد المصطفى نبيه محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً.