← Книги сунны

Книги сунны · id 26864

الفتوة لأبي عبد الرحمن السلمي

أبو عبد الرحمن السلمي

Полный текст (92 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفتوة لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي (٤١٢ هـ) تحقيق د. إحسان ذنون الثامري د. محمد عبد الله القدحات دار الرازي عمان - الأردن الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م

стр. 2

الجزء الأول من كتاب الفتوة مما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي قدس الله روحه العزيز

стр. 3

بسم الله الرحمن الرحيم وعليه نتوكل الحمد لله الذي جعل منهاج الفتوة واضح الملاحب، يؤول ويرشد إلى كل حسنٍ واجب، ونزهها عن الفواحش والمعايب، وأرقاها إلى أعلى المراتب، وارتضى لها من أنبيائه المرسلين، وأصفيائه المقربين، كل من كتب اسمه على صفاء لوح الصدق، وبان له طريق الحق، فقام بواجبه، ودام جالساً على مراتبه. فأول من أجاب إلى دعوة الفتوة، وحبا مكرمات المروة، آدم بديع الفطرة، رفيع الأسرة، المشتق من أديم الأرض اسمه، الثابت في محل الإرادة رسمه، الساكن في دار الحشمة، المؤيد بالأنوار والعصمة، المتوج بتاج الكرامة، الحال بدار السلامة. وقبل بها هابيل لما طرد عنه قابيل، ودام بحقها شيث، ونزهها عن كل أمر خبيث. ورفع بها إلى المكان العلي إدريس، فنجا من كيد إبليس. وبحبها كثرت نياحة نوح، وكان نورها عليه يلوح. وتسمى بها عاد، فما رجع إلى دنسٍ ولا عاد. وحسن لهود بها وفاء العهود. ونجا بها صالح من القبائح. ولقب بها إبراهيم

стр. 4

الخليل، فكسر رؤوس الأصنام والتماثيل. وفدي بها إسماعيل، بأمر الملك الجليل، ورقى بها لوط إلى مقام ليس بعده هبوط، وكان بها إسحاق، قائماً إلى يوم التلاق، ونهض بأسبابها يعقوب، وكشف بها ضر أيوب. سلك بها يوسف الصديق أكرم طريق، ودام له بها التوفيق. وانقاد ذو الكفل إلى رتبتها العلياء، وقام بأمورها المرضية الحسناء. وحاز قصباتها شعيب، فنزه عن كل ريب وعيب، رفل لها موسى إرفالاً، وأجاب هارون فأحسن مقالاً، شرف بها أهل الكهف والرقيم، ففازوا بدار النعيم. عمر بها قلب داود، ولذ له بها الركوع والسجود. وورثها منه سليمان، وسخر له بها الإنس والجان. وصحت ليونس شروطها، فوفى. وورد بها زكريا مورد الصفا. وصدق بها يحيى فنجا من الغم، وعظم بها لما هم، فما اهتم، وبالألم ما ألم. وجلا بها العسعس عيسى بالنور الصريح، ولقب بها الروح والمسيح. وفتح الله بها لمحمد صلى الله عليه وآله فتحاً مبيناً، فجعل عليها أخاه وابن عمه أمير المؤمنين علياً أميناً. اللهم فوفقنا للقيام بحقوق هذه الصحبة، وأعد علينا بركات هذه النسبة، واجعلنا من أهل هذه الحقائق، واسلكنا بها أحمد الطرائق، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً. ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، والحمد لله على نعمه أبداً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً. والحمد لله الذي أبدى آثار فضله على خواص عباده، فهداهم إلى موافقته، وبعدهم عن مخالفته، فأخبر عن أحوالهم في مقامهم، بما زين به خليله ﷺ ،

стр. 5

وهي الفتوة. فقال تعالى: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ . سماه فتىً لأنه خلى له في نفسه وأهله وماله وولده، ووهب الكل لمن له الكل، وخلى من الكون وما فيه لما تسمى بالفتوة، وسمي به، وأخبر بعد ذلك تعالى عن خواص أوليائه بهذا الاسم. فقال: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾ ، بلا واسطة ولا استدلال، بل آمنوا به له، فأكرموا بزيادة هدى حتى قاموا إلى بساط القرب، ﴿ [فـ] قالوا ربنا رب السموات والأرض﴾ ، فألبسهم الحق خلعه، من خلعة وآواهم إلى كريم رعايته، وصرفهم في لطائف تقليبه، فقال: ﴿ونقلبهم ذات اليمن وذات الشمال﴾ . كذا من لزم طريق الفتوة كان في رعاية الحق، ولحياته وتوليته وحياطته. سألت -أكرمك الله لمرضاته- عن الفتوة. فاعلم أن الفتوة هي الموافقة وحسن الطاعة، وترك كل مذموم، وملازمة مكارم الأخلاق ومحاسنها، ظاهراً وباطناً وسراً وعلناً، وكل حال من الأحوال، ووقت من الأوقات يطالبك بنوع من الفتوة فلا يخلو حال من الأحوال عن الفتوة. فتوة تستعملها مع ربك تعالى، وفتوة تستعملها مع نبيك ﷺ ، وفتوة مع الصحابة، وفتوة مع السلف

стр. 6

الصالحين، وفتوة مع مشايخك، وفتوة مع إخوانك، وفتوة مع أهلك وولدك وأقاربك، وفتوة مع ملكيك كرام الكاتبين. وأنا مبين أطرافاً من ذلك على الاختصار من سنن النبي ﷺ ، وآثار السلف وآدابهم وشمائلهم بعد أن أستعين بالله في ذلك، وفي جميع أموري، وهو حسبي ونعم الوكيل. فمن الفتوة الملاطفة مع الإخوان، والقيام بحوائجهم. أخبرنا عبد الرحمن ابن محمد بن محمود، ثنا أحمد بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن الأزهر، ثنا محمد ابن عبد الله المصري، ثنا يعلى بن ميمون، ثنا يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من ألطف مؤمناً أو قام له بحاجة من حوائج الدنيا، صغر ذلك أو كبر، كان حقاً على الله أن يخدمه خادماً يوم القيامة)) . ومن الفتوة مقابلة الإساءة بالإحسان، وترك المكافأة على القبيح، أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح الجوهري، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا قبيصة عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه، قال: ((قلت: يا رسول الله، إذا مررت برجل فلم يضفني، فمر بي أفعل به مثل ذلك؟ قال: لا)) .

стр. 7

ومن الفتوة ترك طلب عثرات الإخوان. أخبرنا أحمد بن محمد بن رجا البزاري. ثنا أحمد بن عمير بن حوصا، ثنا أبو عمير عيسى بن محمد، ثنا محمد بن يوسف، ثنا سفيان عن ثور بن يزيد عن راشد عن معاوية ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنك إن اتبعت عثرات المسلمين، أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم)) . ومن الفتوة حضور دار من يثق به من الإخوان من غير دعوة. أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن زياد، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي، ثنا سعيد بن يحيى، ثنا أبي، ثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁، قال: ((بينا أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: ما أجلسكم هاهنا؟ قالوا: والذي بعثك بالحق، ما أخرجنا إلا الجوع. قال: اذهبوا إلى بيت فلان رجل من الأنصار)) .. وذكر الحديث.

стр. 8

ومن الفتوة ترك العيب على طعام يقدم إليه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق الحنظلي، ثنا جرير عن الأعمش، عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵃، قال: ((ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، كان إذا اشتهاه أكله، وإلا تركه)) . ومن الفتوة استعمال مكارم الأخلاق إذ هي من أعمال أهل الجنة. أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي، ثنا محمد بن الربيع عن سليمان الجسري بمصر، ثنا أبي، ثنا طلق بن السمح، ثنا يحيى بن أيوب عن حميد، عن أنس ﵁ أنه مرض فعاده بعض إخوانه، فقال لخادمته سلمي لإخواننا ولو كسرا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن مكارم الأخلاق من أعمال أهل الجنة)) . ذكر بيان بعض مكارم الأخلاق من السنة أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا عبد الله بن أيوب العسقلاني، ثنا هاشم بن محمد الأنصاري، ثنا عمرو بن بكر، عن عباد، عن أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: ((إن [من] مكارم الأخلاق التزاور في الله وحق على المزور أن يقرب إلى أخيه ما تيسر عنده، وإن لم يجد عنده إلا جرعة من ماء، وإن احتشم أن

стр. 9

يقرب إلى أخيه ما تيسر، لم يزل في مقت الله تعالى يومه وليلته)) . ومن الفتوة التآلف مع الإخوان. أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، ثنا عبد الله بن صالح المدائني بالمصيصة، ثنا أبو الدرداء هاشم بن يعلى ثنا عمر وابن بكر عن ابن جريج عن عطاء عن جابر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((المؤمن إلفٌ مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس)) . ومن الفتوة السخاوة. أخبرنا أبو الحسين بن صبيح، ثنا محمد بن المسيب الأرغياني، ثنا عبد الرحمن بن الحارث، ثنا بقية بن الوليد، ثنا الأوزاعي عن الزهري عن عائشة ﵃، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((الجنة دار الأسخياء)) . ومن الفتوة حفظ الود القديم. أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي بها، ثنا محمد بن عمير الرازي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، ثنا حسين ابن مرزوق النوفلي، ثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، ثنا عبد الله بن أبي بكر بن

стр. 10

أخي محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم عن عطاء، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله يحب حفظ الود القديم)) . أخبرنا أبو علي الحافظ، ثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، ثنا علي بن الحسين الخواص الموصلي، ثنا عبد الله بن إبراهيم بهذا. ومن الفتوة أن يتعمد الرجل إخوانه وجيرانه. أخبرنا إبراهيم بن محمد ابن يحيى، ثنا حبشون بن موسى الخلال، ثنا محمد بن حسان، ثنا قبيصة، ثنا سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن أبي المساور ﵃، قال: سمعت ابن عباس ﵄ ينحل ابن الزبير ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه)) . ومن الفتوة استعمال الأدب وقت الأكل، أخبرنا إبراهيم بن أحمد البزاري، ثنا الحسين بن علي بن زكريا البصري، ثنا عثمان بن عمرو الدباغ، ثنا ابن علاثة، ثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن جعفر عن أبي هريرة ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يتبعن أحدكم بصره لقمة أخيه)) .

стр. 11

ومن الفتوة المداراة مع الإخوان ما لم تكن معصية. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، ثنا أبو بدر أحمد بن خالد بن عبد الملك، ثنا مخلد يعني ابن يزيد، عن أبي داود النخعي، عن أبي الجويرية، عن ابن عباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك الحق)) . ومن الفتوة المساعدة مع الإخوان وموافقتهم. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن سويد، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، ثنا أبي عن محمد بن المنكدر، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: ((صنع رجل لرسول الله ﷺ طعاماً، فدعاه وأصحابه، لما وضع الطعام، قال رجل من القوم: إني صائم. فقال رسول الله ﷺ : ((دعاكم أخوكم وتكلف لكم. ثم قال: افطر وصم يوماً مكانه إن شئت)) . ومن الفتوة أن يبدأ في رفقه بأصحابه دون خاصته. أخبرنا إسماعيل بن أحمد الخلالي، أخبرنا محمد بن الحسين بن قتيبة، أخبرنا حامد بن يحيى، ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي ﵁ أن فاطمة ابنة رسول الله ﷺ سألته خادماً، فقال: ((.. .. لا أعطيك خادماً وأدع

стр. 12

أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع)) . ومن الفتوة أن يمكن إخوانه أن يحكموا في ماله كحكمهم في أموالهم. أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا، ثنا أحمد بن الحسين الحافظ، ومكي بن عبدان قالا: ثنا محمد بن يحيى الذهلي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يقضى في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه. ومن الفتوة محبة القرى والضيافة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن قريش، ثنا الحسين بن سفيان، ثنا محمد بن رمح، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن أبا الخير حدثه عن عقبة بن عامر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((بئس القوم قوم لا ينزلون الضيف)) . وبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا خير فيمن لا يضيف)) . ومن الفتوة تعظيم الإخوان والحركة لهم. أخبرنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي، وعلي بن سعد العسكري، ثنا جعفر بن الفضل الراسبي، ثنا محمد بن يوسف العرياني، ثنا أبو الأسود مجاهد بن فرقد الأطرابلسي، ثنا واثلة بن الخطاب القرشي، قال: ((دخل رجلٌ المسجد والنبي ﷺ وحده

стр. 13

فتحرك له النبي ﷺ ، فقيل له: يا رسول الله، المكان واسع. فقال: إن للمؤمن حقاً)) . ومن الفتوة استقامة الأحوال. أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، ومحمد بن إبراهيم بن عبده، قالا: ثنا إبراهيم بن علي، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزياد، عن أبيه، عن عروة ﵃، قال: قال سفيان ابن عبد الله الثقفي: ((يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم)) . ومن الفتوة سخاوة النفس. وسلامة الصدر. أخبرنا أبو بكر الديونجي، ثنا الحسين بن سفيان، قال: وجدت في إجازة عثمان بن سعيد، ثنا محمد بن عمران ابن أبي بكر ليلى، ثنا سليمان بن رجاء، عن صالح المزي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أبدال أمتي لم يدخلوا الجنة بأعمال، ولكن دخلوها برحمة الله، وسخاوة الأنفس، وسلامة الصدر)) .

стр. 14

ومن الفتوة الشفقة على الإخوان والمواساة معهم. أخبرنا أبو عمرو محمد ابن أحمد بن حمدان، ثنا عمران بن موسى السختياني، ثنا شيبان بن أبي شيبة، ثنا أبو الأشهب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵃، قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ في سفر، إذ جاءه رجل على راحلة له، قال: فجعل يضرب يميناً وشمالاً، فقال رسول الله ﷺ : ((من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان فضل زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)) . ومن الفتوة التحبب، والتزاور في الله، والتواصل. أخبرنا محمد بن عبد الله ابن صبيح، ثنا عبد الله بن شيرويه، ثنا إسحاق الحنظلي، ثنا النضر بن شميل، ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت الوليد بن عبد الرحمن يحدث عن أبي إدريس الخولاني، قال في حديث ذكره: فلقيت عبادة بن الصامت، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت الله ذكره على لسان نبيه ﷺ : ((حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتبادلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتواصلين في)) . ومن الفتوة محبة الغرباء، وحسن تعدهم. أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي ابن زياد، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو شعيب، حدثنا محمد بن مسلم،

стр. 15

عن محمد بن عبد الله بن أوس، عن سليمان بن هرمز، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : ((أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء. قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: الفرارون بدينهم، يحشرون يوم القيامة إلى عيسى بن مريم ﵇) . ومن الفتوة صدق الحديث، وأداء الأمانة. أخبرنا عبد الله بن محمد السمري، ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا يحيى بن يحيى، أخبرنا ابن لهيعة، عن الحارث بن زيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن عمرو ﵃، عن رسول الله ﷺ ، قال: ((أربع إذا كن فيك، فما عليك، فإنك من الدنيا، حفظ الأمانة، وصدق الحديث، وحسن الخلق، وعفة طعمة)) . ومن الفتوة إصلاح السر قبل التزيي بزي الصالحين. أخبرنا عبد الله بن أحمد ابن جعفر الشيباني، أخبرنا أحمد بن محمد بن علي الباشاني، أخبرنا أحمد بن عبد الله الجويباري، أخبرنا سلم بن سالم، عن عباد بن كثير، عن مالك بن دينار، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ ، قال: ((لا تلبسوا الصوف إلا وقلوبكم نقية، فإن من لبس الصوف على دغلٍ وغش قلاه جبار السماء)) .

стр. 16

ومن الفتوة حسن القراء. وإكرام الضيف. أخبرنا محمد بن الفضل بن محمد ابن إسحاق، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، أخبرنا إسحاق الحنظلي، عن [أبي] حازم، عن أبي هريرة ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليحسن قراء ضيفه)) . ومن الفتوة الأكل بعد أكل الأصحاب [.. .. ..] . أخبرنا محمد بن يعقوب الأصم، أخبرنا العباس بن محمد الدوري، أخبرنا يحيى بن معين، حدثنا عبد الرحمن بياع الهروي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه ﵃، قال: ((كان رسول اله ﷺ إذا أكل مع قوم، كان آخرهم أكلاً)) . ومن الفتوة أن يرى أن الباقي من ماله ما بذله، لا ما أمسكه. أخبرنا عبد الله ابن محمد بن علي، أخبرنا أبو العباس الثقفي، حدثنا الحسين بن عيسى، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن شرحبيل عن عائشة ﵃، قالت: ((أهديت لرسول الله ﷺ شاة، فقسمها. فقلت: لم يبق منها إلا عنقها. فقال رسول الله ﷺ : قد بقي كلها إلا عنقها)) .

стр. 17

ومن الفتوة الإفطار على سرور الإخوان. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن قريش، حدثنا مسدد بن قطن، حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية، عن محمد بن عبد الرحمن، حدثني عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من دخل على أخيه المسلم، وهو صائم، فأراد أن يفطر، فليفطر)) . وذكر الحديث. ومن الفتوة حسن العشرة، والملاعبة مع الإخوان، والبشر معهم. أخبرنا عبد العزيز بن جعفر بن محمد الخرقي ببغداد، حدثنا محمد بن هارون بن بريه، حدثنا عيسى بن مهران، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا الحسين بن زيد، قال: قلت لجعفر بن محمد: جعلت فداك، هل كانت في النبي ﷺ دعابة ومداعبة؟ فقال: لقد وصفه الله بخلق عظيم في المداعبة، إن الله بعث أنبياءه، فكانت فيهم كزازة. وبعث محمداً ﷺ بالرأفة والرحمة، وكان من رأفته بأمته، مداعبته لهم، لكيلا يبلغ بأحد منهم التعظيم حتى لا ينظر إليه. ثم قال: حدثني أبي محمد، عن أبيه علي [عن أبيه الحسين] عن أبيه علي

стр. 18

رضوان الله عليهم، قال: كان رسول الله ﷺ ليبشر الرجل من أصحابه إذا رآه مغموماً بالمداعبة. وكان ﷺ يقول: ((إن الله يبغض المعبس في وجوه إخوانه)) . ومن الفتوة أن لا يطالع العبد نفسه، ولا أفعالها، ولا يطلب على فعله عوضاً. سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سئل أبو العباس بن عطاء عن أقرب شيء إلى مقت الله. فقال: رؤية النفس وأفعالها، وأشد من ذلك مطالبة الأعواض على أفعالها. ومن الفتوة ملازمة التوبة وتصحيحها بصحة العزم على ترك العود إلى ما منه تاب. سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول: سمعت أبا الحسن المزين يقول: صحة التوبة ثلاثة أشياء: الندم على ما مضى، وصحة العزم على ترك العود إلى ما منه تاب، ووجل القلب على ذلك، لأنه من ذنوبه على يقين. ومما أحدث من التوبة على وجل لا يدري أمقبولٌ منه أم مضروبٌ به وجهه. ومن الفتوة استجلاب محبة الله بالتحبب إلى أوليائه. سمعت عبد الواحد ابن بكر الورثاني يقول: سمعت القناد يقول: سمعت أبا موسى الديبلي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي و [قد] سأله رجل، فقال: دلني على عمل أتقرب به إلى الله. فقال: تحب أولياء الله. وتتحبب إليهم ليحبوك، فإن الله ينظر في قلوب أوليائه في كل يوم وليلة سبعين مرة فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب ولي من أوليائه، فيحبك ويغفر لك.

стр. 19

ومن الفتوة أن لا تعاتب إخوانك عند زلاتهم. وأن تتوب عنهم إذا أذنبوا. سمعت أبا الفرج الصائغ يقول: سمعت الحسين بن سهل، حدثنا أحمد بن عمران الرازي، سمعت على بن صالح يقول: سمعت عمران بن موسى الديبلي يقول: سمعت أبي يقول: قدم يوسف بن الحسين علي أبي يزيد البسطامي ﵏، فسأله: مع من تأمرني أن أصحب؟ فقال: من إذا مرضت عادك، وإذا أذنبت تاب عنك. وأنشد في هذا المعنى: إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون، فنأتيكم، فتعتذروا ومن الفتوة أن لا يقعد العبد عن الكسب إلا بعد صحة عقدة التوكل. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عثمان الآدمي يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: لا ينبغي للصوفي أن يتعرض للقعود عن الكسب إلا أن يكون رجلاً مطلوباً بتركه، قد وقعت به حالة من الأحوال اقتطعته عن مواضع كسبه، وقد أعتبه الحال عن المكاسب، فأما إذا كانت الحاجات منه قائمة، ولم يقع له عروف تحول بينه وبين التكلف، فالعمل أولى به، والكسب أحل له وأبلغ، لأن القعود لمن خرج عن المعارف والتشرف والعادات. ومن الفتوة تصحيح اعتقاده فيما بينه وبين ربه فيما ألزم من الأحوال والآداب. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت خير النساج يقول: سمعت أبا حمزة يقول: إني لأستحيي من الله أن أدخل البادية، وأنا شبعان، وقد أعتقد

стр. 20

التوكل لئلا يكون شبعي زاداً أتزوده. ومن الفتوة تعظيم حرمات الله. سمعت محمد بن شاذان يقول: سمعت علي بن موسى التاهرتي يقول: وقع من عبد الله بن مروان فلس في بئر قذرة، فاكترى عليه بثلاثة عشر ديناراً حتى أخرجه. فقيل له في ذلك، فقال: كان عليه اسم الله مكتوباً، فاحترمته لذلك. ومن الفتوة أن تعامل الناس على حسب ما تحب أن يعاملوك به وهو ما روي أن النبي ﷺ قال: ((وأحب للناس ما تحب لنفسك، تكن مؤمناً)) ، وفي حديث آخر: وآت للناس ما تحب أن يؤتى إليك)) . سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت سعيد الصوفي يقول: سمعت ابن يزدانيار و [قد] قال له رجلٌ: أوصني. فقال: اقض من الناس حسب ما يقضى لهم من نفسك.

стр. 21

ومن الفتوة الهجرة إلى الله بالسر والقلب، وأصله قول الله ﴿فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ . سمعت أبا الطيب الشيرازي يقول: سمعت أبا بكر الطمستاني يقول: من صحب منا الكتاب والسنة، وعرف عن نفسه، وعن الحق والدنيا، وهاجر إلى الله بسره وقلبه، فليلزم الصدق في هجرته، فقد بلغ المبلغ في الفتوة، إلا أن ينقضه بالرجوع إلى شيء مما هاجر منه. قال: قال رسول الله ﷺ : ((فهجرته إلى ما هاجر إليه)) . ومن الفتوة الصحبة مع الله، أو مع رسوله، أو مع أوليائه. وقال أبو عثمان الحيري: من صحت صحبته مع الله، لزم قراءة كتابه بالتدبر، وآثر كلام الله على كل كلام، واتبع آدابه وأوامره، وما خوطب به. ومن صحت صحبته مع رسول الله ﷺ ، اتبع أخلاقه وسننه وآدابه وشمائله، وجعل السنن أمامه فيما يأتي ويذر. ومن صحت صحبته مع أولياء الله، اتبع سيرتهم وطريقتهم، وتأدب بآدابهم، ولزم سننهم. ومن سقط عن هذه الدرجة فهو من الهالكين.

стр. 22

ومن الفتوة مطالبة العبد نفسه بالصدق. ليشغله ذلك عن الفراغ إلى أحوال الخلق أجمع. حكي لي عن أبي بكر الطمستاني أنه قال: كل من استعمل الصدق بينه وبين الله، شغله صدقه مع الله عن الفراغ إلى خلق الله. ومن الفتوة الثقة بضمان الله تعالى في الرزق. سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول: سمعت علي بن إبراهيم يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: قال سهل بن عبد الله: من اهتم لرزقه بعد ضمان الله له، لم يكن له عند الله قدر. ومن الفتوة موافقة الإخوان على الجملة وترك الخلاف عليهم. سمعت أبا العباس أحمد بن محمد النسوي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: سمعت علي بن جعفر يقول: قال أحمد بن إبراهيم الصوري قال: سمعت المسيب بن واضح يقول: كل أخ قلت له قم، قال إلى أين، فليس لك بأخ. ومن الفتوة أن لا يخالف حبيبك في محبوب ومكروه. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت عبد الله بن أحمد الناقد يقول: سمعت أحمد بن الصلت يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: ليس من المروءة أن تحب ما يبغضه حبيبك. وأنشدت في هذا المعنى (شعر) : أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذا كان حظي منك حظى منهم وأهنتني فأهنت نفسي صاغرة ... ما من يهون عليك ممن أكرم ومن الفتوة حفظ الأدب في الدعاء والسؤال والمناجاة. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت سعيد بن عثمان العباسي يقول: حججت ثمانين حجة على قدمي في الفقر، فبينا أنا أطوف، إذ جرى على لساني في الطواف أن قلت: حبيبي.

стр. 23

فإذا هاتفٌ يهتف يقول: ليس ترضى أن تكون مسكيناً حتى تدعى المحبة، فغشي علي. فأفقت وأن أقول: مسكينك. مسكينك. مسكينك. ومن الفتوة القيام بمنافع الخلق مع حفظ آداب العبودية. سمعت محمد ابن عبد الله العزيز يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون ﵃ يقول: شعار أهل المعرفة خصال ثلاث: تفريج كرب الحيوانين، ونشر آلاء الله في مجالس الذاكرين، والدلالة على الله بلسان العارفين. ومن الفتوة محاسبة النفس والعلم بها، والأسف على ما فاته من عمره على المخالفة. سمعت أبا الحسن الفارسي يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: قال الكتاني: حكي لي عن رجل من أهل الرقة أنه كان محاسباً لنفسه، فنظر يوماً، فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها، فإذا في أحد وعشرين ألف يوم وخمسمائة يوم. قال: فصرخ صرخة [و] خر مغشياً عليه، وقال: يا ويلتاه.. ..ألقى ربي بأحد وعشرين ألف وخمسمائة ذنب؟ على أن يكون في اليوم ذنبٌ واحد، فكيف ولي في كل [يوم] عشرة آلاف ذنب؟!. قال: فغشي عليه ثانياً، فحركوه، فإذا هو ميت. يتلوه إن شاء الله: ومن الفتوة حفظ الورع ظاهراً أو باطناً والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

стр. 24

الجزء الثاني من الكتاب الفتوة مما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي رحمة الله عليه

стр. 25

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ومن الفتوة حفظ الورع ظاهراً وباطناً. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵃ يقول: الورع ورعان ورعٌ في الظاهر، وورع في الباطن. أما في الظاهر فلا يتحرك إلا لله، وأما في الباطن فلا تدخل قلبك شيئاً سوى الله تعالى. ومن الفتوة الاحتراز من الشيطان بالجوع. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عصام يقول: من جاع لا يقربه الشيطان إذا كان جوعه بعلم. ومن الفتوة تأثير الذكر على ظاهر العبد وباطنه. أما في ظاهره في الذبول والخشوع، وفي باطنه بالرضا. سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم النسوي يقول: سمعت جعفر بن محمد بن نصير يقول: سمعت الجنيد يقول: إن لله عباداً إذا ذكروا عظمة الله، تقطعت أوصالهم فرقاً من الله، وهيبة له. وإنهم لهم الفصحاء الطلقاء الألباء العالمون بالله وأيامه.

стр. 26

ومن الفتوة الثقة بما ضمن الله لك، والاشتغال بما أمرك به. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت الجنيد ﵃ يقول: لا تهتم لرزقك الذي قد كفيته، واعمل عملك الذي قلدته، فإن ذلك من عمل الكرام والفتيان. ومن الفتوة أن لا يشغلك عن الله في الدارين شاغل. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت علي بن الحسين بن حمدان يقول: سمعت أبي يقول: قالت رابعة: إلهي همي من الدنيا في الدنيا ذكرك، وفي الآخرة رؤيتك، ثم تفعل بي ما شئت. ومن الفتوة طلب صلاح القلب بحفظ الجوارح، واشتغالها بما يعنيها. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت ابن عصام يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري ﵏ يقول: ما من عبد حفظ جوارحه إلا حفظ الله عليه قلبه، وما من عبد حفظ الله عليه قلبه إلا جعله أميناً، وما من عبد جعله الله أميناً إلا جعله إماماً يقتدى به، وما من عبد جعله الله إماماً يقتدى به إلا جعله الله حجة على خلقه. ومن الفتوة العفو عند القدرة. سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: سمعت علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: سمعت السري ﵃ يقول: من عفا وهو يقدر على الانتصار، عفا الله عنه بقدرته عليه.

стр. 27

ومن الفتوة الاشتغال بعيبه عن عيوب الناس. سمعت محمد بن طاهر الوزيري يقول: سمع الحسن بن محمد بن إسحاق يقول: سمعت ابن عثمان يقول: سمعت ذا النون ﵏ يقول: من نظر إلى عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه، ومن نظر في عيوبه عمي عن عيوب الناس. ومن الفتوة إحياء السر بالذكر، وإحياء العلانية بالطاعة. سمعت عبد الله بن محمد بن اسفنديار [ان] يقول: سمعت الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى ابن معاذ ﵏ يقول: خلق الله السر، وجعل حياته بذكره. وخلق العلانية، وجعل حياتها بطاعته. وخلق الدنيا وجعل السلامة منها ترك ما فيها. وخلق الآخرة وجعل التمتع بها في العمل لها. ومن الفتوة موافقة المحب حبيبه في جميع أوامره. سمعت أبا الحسين علي بن محمد القزويني الصوفي يقول: سمعت أبا الحسين المالكي يقول: أتى النوري إلى أبي القاسم الجنيد بن محمد، فقال: بلغني أنك تتكلم في كل شيء، فتكلم فيما شئت حتى أزيد عليك. فقال أبو القاسم في ماذا أكلمك؟ فقال: في المحبة. فقال: أحكي لك حكاية، كنت أنا وجماعة من أصحابي في بستان. فأبطأ علينا من يجيئنا بما نحتاج إليه، فصعدنا نطلع على سطح البستان؛ فإذا بضرير ومعه غلام حسن الوجه، والضرير يقول: يا هذا أمرتني بكذا، فامتثلت.

стр. 28

ونهيتني عن كذا فتركت. وما أخالفك في شيء تريده، فماذا تريد مني؟ قال: تموت. فقال الضرير: ها أنا ذا أموت. وتمدد وغطى وجهه. فقلت لأصحابي: ما بقي على هذا الضرير شيء، ولكن لا يمكنه الموت في الحقيقة، ولكنه قد تشبه بالموتى. فنزلنا وخرجنا إليه، فحركناه فإذا هو ميت. فقام النوري وانصرف. ومن الفتوة الرجوع من الإخوان على طريق المعاتبة إلى أنس الغفران. سمعت أبا الحسين القزويني يقول: سمعت جعفر الخلدي [يقول:] سمعت ابن مسروق يقول: سمعت محمد بن بشير يقول: حدثني ابن السماك أنه جرى بينه وبين صديق له كلام، فقال له صديقه: الميعاد غداً نتعاتب فقال: بل الميعاد غداً نتغافر. ومن الفتوة حسن الظن بالخلق، وحفظ حرماتهم. سمعت أبا العباس محمد ابن الحسن البغدادي يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول، وقد كلمه أصحاب في الذين يقفون على الحلقة، فيسألونه، أنهم ليسوا بموضع للإجابة، وأنهم يتعنتون، وأحب أصحابي أن لا أجيب مثل هؤلاء. فقال: رؤيتي فيهم غير رؤيتكم، إنما أؤمل أن يتعلقوا بكلمة، فتكون سبباً لنجاتهم.

стр. 29

ومن الفتوة بذل النصيحة للإخوان والعلم بنقصان نفسه في ترك ما ينصحهم به. سمعت محمد بن الحسن الخشاب يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد بن عبدون، حدثنا بدر المغازلي، قال: قلت لبشر الحافي: أيش تقول في المقام ببغداد؟ فقال: إن سرك أن تموت مسلماً فلا تقم بها، فقلت: فأنت بها مقيم. فقال: إن العبد إذا ضيع أمر الله، لقيه شر ملقى، وإني أخاف أني ضيعت أمر الله فألقى شر ملقى. ومن الفتوة قبول ما يسمعه من كلام الحكماء، وإن لم يفهم، لتوصله بركات ذلك إلى محل الفهم منه وفيه. سمعت أبا العباس بن الخشاب يقول: سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: كنت أجلس إلى شيوخ بضع عشرة سنة، وهم يتكلمون في هذا العلم. وما كنت أفهم ما يقولون، ولا كنت أنكر عليهم. وكانت فائدتي منهم من جمعة إلى جمعة أن أجي فأسمع ما يقولون، وعندي أنه حق، وإن لم يكن ما أفهم، ولم أبد بالإنكار عليهم، فما مضت تلك المدة حتى إذا أجروا مسألة جاءوني إلى البيت، فسألوني، وقالوا: جرت مسألة كيت كيت، فأحببنا أن تسمعه، أو نحوه من الكلام.

стр. 30

ومن الفتوة قبول الرفق من وجهه، والإيثار بها في الوقت. سمعت محمد بن الحسن بن خالد يقول: سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول: حدثني أبو جعفر الأصبهاني صاحب أبي تراب يقول: قدم أبو تراب هاهنا –يعني البيت الحرام- في الموسم، فجاء إنسان خراساني ومعه عشرة آلاف درهم، وقال: يا أبا تراب، تأخذ هذا. فكشف الحصى ثم قال: صبها هاهنا. فصبها بين يديه على التراب، فأخذ منها درهمين، وقال لصاحب له: اشتر بها خرقة، فجعل يخرقها ويصر فيها القبضة والقبضتين، ويبعث إلى سائر الفقراء، ولا يكلفهم يجيئون إليه، حتى إذا كاد أن يفنى قال له رجل: أصحابك ما أكلوا شيئاً منذ أيام، فقبض قبضة، وقال: اشتر لهم شيئاً. وجاءت امرأة، فقالت: يا أبا تراب، أهلك. قال: انظروا إن كان قد بقى شيء فادفعوها إليها. ففتشوا، فوجدوا درهمين، فدفعوهما إليها. ومن الفتوة ما أخبر سري السقطي ﵀ عن أخلاقهم. سمعت محمد ابن الحسن البغدادي: يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح، حدثنا محمد ابن عبدون، حدثنا عبدوس بن القاسم، سمعت سري السقطي يقول: خمسة من أخلاق المريدين: لا يمشي خطوة لنفسه فيها هواء، ولا لذة، ولا إرادة، ولا شهوة،

стр. 31

ويكون خارجاً من سلطان الهوى سلس القياد، صعب المرام، قد اعتزم على خمس: على الإياس مما في أيدي الناس، وقد ألقى مؤونته على الناس لا يتعب يده ولا بطنه ولا فرجه ولا يعتقد رياءً، ويقتدى من فوقه، وقد زهد في خمس: في كل فانٍ، وزهد في الناس، وزهد في الشهوات، وزهد في الرئاسة، و [زهد] في الثناء. وقد رغب في خمس: رغب في نعيم الجنان؛ فقدرت الدنيا عنده، ورغب في الصدق؛ فلزم الخوف قلبه، ورغب في مجالسة الأولياء والأصفياء؛ فتبرم من مجالسة المخالفين، ورغب في كل ما يرضي الله، ورغب فيما زهد الجاهل فيه. ومن الفتوة احتمال الأذى في الله بعد المعرفة به. سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: أخبرني منصور بن أحمد الهروي، سمعت أبا الحسين محمد بن علي الخوارزمي، سمعت ذا النون ﵃ يقول: مررت بأرض مصر، فرأيت صبياناً يرمون رجلاً بالحجارة، فقلت لهم: ما تريدون منه؟ قالوا: مجنون، يزعم أنه يرى الله. فقلت: أفرجوا لي عنه. فأفرجوا، فدخلت، فإذا أنا بشاب مسند ظهره إلى الحائط، فقلت له: ما تقول –رحمك الله- فيما يقول هؤلاء؟ قال: وما يقولون؟ قلت: يزعمون أنك تزعم أنك ترى الله تعالى. قال: فسكت ساعة ثم رفع رأسه، ودموعه تجري على خديه، وقال: والله ما فقدته منذ عرفته. ثم أنشأ يقول:

стр. 32

هم المحب يجول في الملكوت ... والقلب يسمو واللسان صموت ثم هام على وجهه وهو يقول: أيها الشامخ الذي لا يرام ... نحن من طينة عليك السلام إنما هذه الحياة متاع ... ومع الموت تستوي الأقدام ومن الفتوة ترك الشكاية عند البلاء. وقبوله بالرحب والدعة. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الدينوري، حدثنا عبد الله ابن محمد [بن] الحارث الصوفي، عن محمد بن محبوب، أنه قال: بينا أنا مار في شوارع بغداد، إذ وقعت إلى المارستان، فإذا بفتى حسن الوجه في رجليه قيد، وفي عنقه غل، فلما رأيته انحرفت عنه، فناداني، قال يا ابن محبوب، أما رضي مولاك إذ يتمنى لحبه حتى غلني وقيدني؟ قل له: إن كنت راضياً عني فلا أبالي بذلك. ثم أنشأ يقول: على بعدك لا يصبر من عودته القرب ... ولا يقوى على هجرك من تيمه الحب ... فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب ... ومن الفتوة ملازمة الفقر والأنس بمكانه والفرح به. سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت إبراهيم بن أحمد الساجي يقول: سمعت محمد بن الحسين الخصيب يقول: سمعت العباس بن عبد العظيم يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: الفقر للمؤمن مخزونٌ مكنونٌ كما إن الشهادة مخزونةٌ مكنونةٌ عند الله لا ينالها إلا من أحب من عباده.

стр. 33

ومن الفتوة ترك المداهنة في كل الأحوال. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبد الله القرشي يقول: لا يشم رائحة الصدق عبدٌ يداهن نفسه، أو يداهن غيره. ومن الفتوة أن يكون حراً من الأكوان وما فيها، ليكون عبداً لمن له الأكوان بأسرها. سمعت عبد الواحد بن بكر يقول: سمعت محمد بن هارون الأنصاري يقول: حدثني عيسى بن الريس الأنماطي المروروذي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ﵏ يقول: رأيت ابن السماك كتب إلى أخ له: إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبداً، ما وجدت من العبودية لغيره بداً، فافعل. ومن الفتوة السرور بما أهل له من خدمة سيده، والفرح به، وقرة العين منه. سمعت أحمد بن محمد بن يعقوب يقول: سمعت أحمد بن محمد بن علي يقول: سمعت علي الرازي يقول: قال يحيى بن معاذ ﵏: من سر بخدمة الله، سرت الأشياء بخدمته. ومن قرت عينه بالله، قرت عين كل شيء بالنظر إليه. ومن الفتوة اشتغال العبد بما يعنيه من خاص أفعاله وأحواله. أخبرنا أبو أحمد الحافظ، حدثنا أحمد بن عبيد الله الرازي بأنطاكية، حدثنا جعفر بن عبد الواحد عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ومحمد بن الحارث الهلالي، حدثنا مالك ابن عطية عن أبيه، قال: سمعت أبا رفاعة الفهمي يحدث عن أبي بكر الصديق

стр. 34

رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه)) . سمعت أحمد بن محمد بن يعقوب يقول: سمعت أحمد بن عطاء يقول: حدثنا عمر ابن مخلد الصوفي يقول: قال ابن أبي الورد: قال معروف الكرخي ﵁: من علامة مقت الله للعبد أن تراه مشتغلاً بما لا يعنيه في خاص أوقاته. ومن الفتوة ملازمة آداب الفقر في كل الأحوال. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قال بعضهم: لا ينبغي أن يكون على مائدة الفقراء إلا أربعة أشياء: أولها الجوع، والثاني [.. .. ..] ، والثالث الذل، والرابع الشكر. ومن الفتوة الإخبار عن الأحوال عل مقدار صاحب الحال. سمعت أبا بكر الجرجاني يقول: سمعت أبا بكر بن محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا بكر بن عبد الجليل يقول: قال لي الجنيد ﵀: خرجت إلى عرض الفرات، وكان ذكر لي فيها فتى، فلقيت فتى كأن هموم الدنيا قد جمعت عليه. فقلت: رضي الله عنك، الوفاء متى يتكامل في الدنيا؟ فقال لي: ابتداءً يا جنيد، من الوفاء أن لا تسألني، فأيست من الجواب، فدعاني، ثم قال: يا جنيد، شرح الوفاء قبل الوفاء ليس من فعل الأبرار. ومن الفتوة ملازمة الخوف بعد ما عرف العبد ما سبق منه. وما جرى عليه من مخالفة سيده. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا محمد الجريري

стр. 35

يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: من شهد من نفسه ذلة واحدة، ثم اعتمد على شيء من حسناته، كان مغروراً، ومن لم يقم له بصدق الوفاء في أوامره، كان بعيداً من الحقائق. ومن الفتوة أن لا يشغل العبد عن مولاه شاغلٌ، وأن يتحمل في طلبه موارد البلاء. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد يقول: بكرت يوماً إلى سري السقطي ﵏، فقال لي: يا أبا القاسم، كانت له البارحة قليل مشاهدة، فخوطبت في سري، وقيل لي: يا سري، خلقت الخلق وهم ناظرون إلي، ومقبلون علي، فعرضت عليهم الدنيا، فمال إليها تسعة أعشار الخلق، وبقي معي العشر، فعرضت عليهم الجنة، فمال إليها تسعة أعشارهم، وبقي معي عشر العشر، فصببت عليهم البلاء، فتضعفوا واستغاثوا وذهب منهم تسعة أعشارهم، وبقي معي عشر عشر العشر، فقلت لهم: ما أنتم إلى الدنيا نظرتم، ولا الجنة أردتم، ولا من البلاء فررتم. فقالوا: وإنك لتعلم ما نريد. فقلت: إني أصب عليكم من البلاء ما لا طاقة للجبال الرواسي به. فقالوا: قد رضينا بعد أن تكون الفاعل بنا ذلك. ومن الفتوة أن يراعي العبد أحواله وأنفاسه، ولا يضيع منها شيئاً لذلك. قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: وقتك أعز الأشياء، فاشغله بأعز الأشياء. سمعت أبا سعيد الرازي يقول: سمعت أبا الحسن المحلبي البغدادي قال: سمعت الجنيد يقول: جماع الخير كله في ثلاثة أشياء: إن لم تمض نهارك

стр. 36

بما لك، فلا تمضه بما عليك. وإن لم تصحب الأخيار، فلا تصحب الأشرار. وإن لم تنفق مالك فيما لله فيه رضا، فلا تنفقه فيما لله فيه سخط. ومن الفتوة أن يداوم العبد على التوبة. ويكون على خطر من قبولها. سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا الحسن المزين ﵀ يقول: التوبة ثلاثة أشياء: الندم على ما مضى، وصحة العزم على ترك العود، ووجل القلب على ذلك، لأنه من ذنوبه على يقين، ومن قبول توبته على خطر، لا يدري أمقبولٌ منه ذلك أم لا. ومن الفتوة ملازمة الصدق، وقلة السكون إلى الأحوال. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: قيل للجنيد ﵏: ما صفة الصوفية؟ فقال: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ . فقيل له: كيف سيماهم؟ فقال: لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء. ومن الفتوة صحبة الأبرار. ومجانبة صحبة الأشرار. سمعت عبد الله بن محمد ابن اسفندياران بدامغان يقول: سمعت: الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى ابن معاذ يقول: لو قد جاءت الصيحة، لرأيت إخوان السوء كيف يفر بعضهم من بعض. ولرأيت إخوان الصلاح كيف يرجع بعضهم إلى بعض. قال الله تعالى:

стр. 37

ومن الفتوة أن يطلب العبد في علمه المعرفة، وفي معرفته المكاشفة، وفي مكاشفته المشاهدة مع التحقق بأن أحداً لا يبلغ حقيقة معرفته. سمعت أبا الحسن بن قتادة البلخي يقول: سمعت القناد يقول: سمعت النوري يقول: أباح الله تعالى للخلق العلم، وخص أولياءه بالمعرفة، وأصفياءه بالمكاشفة، وأحباءه بالمشاهدة. واحتجب عن جميع بريته، فإذا ظنوا أنهم قد عرفوا، تحيروا. وإذا توهموا أنهم قد كوشفوا، احتجبوا. وإذا تحققوا أنهم قد شاهدوا، عموا. فسبحان من أمره عجيب، وليس شيء منه عجيب. ومن الفتوة ترك الحيلة في طمع الكون في الدنيا، سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: سمعت فارس بن عبد الله، يقول: كانت عجوز تخدم سهل بن عبد الله ﵏ فاعتلت علة، فقيل لها: لو تداويت. فقالت: لو جعل شفائي في مسح أذني، ما مسحتها. نعم المذهوب إليه الرب. ومن الفتوة أن لا يشفي المحب من حبيبه بشيء. أخبرني سعيد بن محمد الشاشي، قال: أخبرني الهيثم بن كليب قال: أخبرني سمنون الصوفي ﵏. بكيت دماً عليك مكان دمعي ... ليشفيني البكا مما اشتفيت أنشدني محمد بن إسماعيل لبعضهم

стр. 38

وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وإن النأي يشفي من الوجد بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خيرٌ من البعد ومن الفتوة قبول من يقصده، وترك طلب من يتخلف عنه. سمعت عبد الواحد ابن علي يقول: قال فارس ﵀: من أخلاق الفتيان من الصوفية إن من جاءه لم يطرده، ومن لم يحضره لم يطلبه، ومن عاشره لم يملكه. ومن الفتوة أن لا يرد مريداً بزلته، ولا يقبل أجنبياً بحسناته. لذلك ذكر عن أبي تراب النخشبي ﵀ أنه قال: إذا طبع الرجل بطبائع الإرادة، ودخل في رسم القوم وقبلته، فلا تبعده عنك بمائة زلة، وطلاب الدنيا لا تدخلهم في رسم القوم، وإن بدا لك منهم مائة حسنة إلا بعد التحقق فيها. ومن الفتوة ملازمة آداب العبودية ما أمكنه. سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت الجنيد ﵏ يقول: العبودية ترك الاختيار وملازمة الذلة والافتقار. ومن الفتوة الانبساط مع الإخوان إذا حضر أو حضروه. سمعت عبد الله بن علي السراج يقول: سمعت عبد الكريم بن أحمد بن عبد الله يذكر عن الحسين بن أبي سهل السمسار يقول: سمعت حسن الخياط يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: ترك الآداب بين الإخوان من الأدب. ومن لم ينبسط مع إخوانه في المباحات، أحشمهم.

стр. 39

ومن الفتوة حمل الأثقال في مجاهدات المعاملات. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت الدقي يقول: دخل علي عبد الله الخراز. ولي أربعة أيام لم آكل، فلما نظر إلي قال: يجوع أحدكم أربعة أيام فيصيح عليه الجوع وينادي، ثم قال: أتدركون لو أن كل نفس منفوسة تلفت، فيما تؤمله من الله، ترى كان ذلك كبيراً! ومن الفتوة قضاء حقوق الإخوان، وترك الاعتماد على إخوانه في التخلف. سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن عطاء يذكر عن خاله، عن الجنيد ﵏ أنه قال: لا تقوم بما عليك حتى تترك ما لك، ولا يقوى على هذا إلا نبي أو صديق. ومن الفتوة التواضع للذاكرين. وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا أحمد بن الحسين الحراني بالكوفة، حدثنا هلال بن العلاء، قال: حدثنا فيض بن إسحاق، قال: سئل الفضيل بن عياض ﵀، ما الفتوة؟ قال: التواضع للذاكرين، وقبول الحق من الناصحين. أخبرنا أبو الفضل نضر بن أبي نضر العطار، حدثنا عمر بن الأشناني القاضي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، سمعت وكيعاً يقول: ينبغي للرجل أن يصفح عن إخوانه وأصدقائه زلاتهم، ولا يحقد عليهم في شيء من أحوالهم.

стр. 40

ومن الفتوة رجوع العبد إلى ربه في كل أسبابه. والثقة به دون خلقه. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد الصوفي، حدثنا سليمان بن أبي سلمة الفقيه، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن سمعت يحيى بن معاذ الرازي ﵏ يقول: أربع خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والرجوع إليه في كل شيء، والاستعانة به في كل شيء، والافتقار إليه في كل شيء. ومن الفتوة الشفقة على الخلق في كل الأحوال. أخبرنا نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب، سمعت جعفر بن محمد بن نصر يقول: سمعت الجنيد ﵀ يقول: كان بناحية دمشق شيخ من شيوخنا يقال له أبو موسى القومسي ﵀، وكان من الفتيان، وذكر من فضائله، قال: كان هو وامرأته في دار فسقطت الدار عليهم، فجاءوا ينحون عنهم الهدم، إذ وقعوا على المرأة، فقالت: الشيخ الشيخ أبو موسى فإنه في تلك الزاوية، فتركوها وجاءوا إليه، وأخذوا التراب عنه فقال الشيخ: المرأة المرأة. قال أبو القاسم: فكل واحد منهم في ذلك الوقت كان همه الشغل بصاحبه. كذلك أهل الموالاة والمعاقدة، لله وفي الله قلوبهم على هذا النعت في كل الأحوال. ومن الفتوة أن لا يستخدم غني فقيراً في سبب من الأسباب. سمعت منصور بن عبد الله الخواص.. .. جميعاً في مسجدٍ ﵏ يقول: سمعت التفليسي يقول: كان الجنيد وبهم فاقة، فدخل عليهم بعض أصدقائهم، فرأى فيهم أثر الجوع، فقال لبعض الفقراء: قم معي، وخرج إلى السوق، واشترى ما اشترى،
следующие страницы →