غُرَر البَيَان
من سورة يوسف ﵇ في القرآن
دراسة قصصيَّة ولمسات بيانيَّة
стр. 2
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣١ هـ ـ ٢٠١٠ م
حقوق الطبع محفوظة. لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من
الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع
الكتاب أو أي جزء منه. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته الى أي لغة
أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من دار الفاروق.
دار الفاروق
للنشر والتوزيع
عمان - العبدلي - عمارة جوهرة القدس
تلفكاس ٠٠٩٦٢٦٤٦٤٠٠٦٤
E-mail: daralfarouq@ yahoo.com
стр. 3
غُرَر البَيَان
من سورة يوسف ﵇ في القرآن
دراسة قصصيَّة ولمسات بيانيَّة
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... ﴾
أحمد محمود الشوابكة
تقديم ومراجعة
أ. د. أحمد نوفل ... أ. د. محمود السَّرطاوي ... كليَّة الشَّريعة ـ الجامعة الأردنيَّة ... كليَّة الشَّريعة ـ جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
د. صلاح الخالدي
كليَّة الشَّريعة ـ جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الإهداء
إِلى مَنْ أوْصَاني ربِّي بهما خَيراً، فقال:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء].
إِلى مَنْ أَسْأَلُ رَبِّي لهما خَيراً، فأقول:
﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء].
ابنكما البَارُّ
الغَنِيُّ بالفَقْرِ إِلى الله
أحمد محمود خليل الشوابكة
أبو عبيدة
стр. 5
تقديم
أ. د. أحمد نوفل
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] والصَّلاة والسَّلام على من كان خلقه القرآن ـ ﷺ ـ، وعلى آله وأصحابه الكرام، وبعد:
فإنَّ القرآنَ أعظمُ المعجزات، وقصصه من أعظم معجزاته، وقصَّة يُوسُفَ أروع هذه القصص، وأبدع ما عرفت الدُّنيا من قصص، فلا جَرَمَ، يقول ربُّنا ﵎ في مطلعها وفاتحتها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... (٣)﴾ [يوسف] ووصْف الأحسنيَّة ليس مقتصراً على هذه القصَّة بطبيعة الحال، ولكنَّ حظَّها من الأحسنيَّة حظٌّ أوفى.
وقد جَذَبَتْ هذه القصَّةُ أقلاماً كثيرة لتكتُبَ عنها، وأنظاراً كثيرة تستجلي حسنَها وبهاءَها، وقد كَتَبْتُ منذ أكثر من ربع قرنٍ كتاباً جَاوزَ ستمائة صفحة، وما وفَّيتها حقَّها.
وقد أطلعني الأستاذ أحمد على مخطوطة كتابه (غرر البيان من سورة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ في القرآن)، وهو كِتَابٌ وجيز لطيف، فيه من رياض التَّفاسير مقتطفاتٌ، ومن بحارها غُرُفَاتٌ، ومن فِكْرِ صاحب الكتاب نَظَرَاتٌ.
وقد تصفَّحت الكتابَ، فوجدت حِرْصاً عند صاحبه وإخلاصاً على تخليصه من الإسرائيليّات، وهذا بحدّ ذاته مَطْلبٌ عزيز عَزَّ من اعتنى به، فنحن في وقت كَثُرَ الاغترافُ من عين الإسرائليَّات الحمئة، وقلَّ من يترفَّع عن لوثاتها.
стр. 6
على كلِّ حال، هذه واحدة من مزايا الكتاب، ولغة صاحبه جيِّدة، فالكتاب رَشِيقُ العِبارةِ واللُّغة، كأنَّ لُغَتَهُ الأمْثَالُ المُرْسَلة.
أمَّا تحليله للآيات ففيه من لطائف القرآن، ولمسات البيان الشّيء الطَّيِّب ... أسأل الله لصاحبه التَّوفيق والمزيد.
أ. د. أحمد نوفل
أستاذ التَّفسير والدِّراسات القرآنيَّة
كليَّة الشَّريعة ـ الجامعة الأردنيَّة
عمَّان ٧/ذو الحجّة /١٤٣٠ هـ
الموافق ٢٤/ ١١/ ٢٠٠٩ م
стр. 7
تقديم
أ. د. محمود السَّرطاوي
الحَمْدُ لله الهادي إلى سَواء السَّبيل، يُؤتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، ولا يَنْسى من فَضْلِهِ أحَداً، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مُعَلِّم النَّاس الخير، وقُدْوَتِهم في الدَّعوة والإصلاح، رسُولِ الإنسانيَّة محمَّدٍ بن عبد الله ـ ﷺ ـ وعلى الآل والصَّحب الأخيار الأطهار الأبرار، وعلى مَنْ تَبِعَهُم وَسَارَ على منهجهم إلى يومِ الدِّين، وبعد:
فإنَّ العِلْمَ ـ كما يقولون ـ رَحِمٌ بين أَهْلِهِ، وقَلِيلٌ هم أولئكَ النَّفر الَّذين يتمسَّكون بهذا القول منهجاً وسُلُوكاً.
لم يكُن الأستاذ أحمد أحَدَ طلَّابي، وهم كُثُرٌ وفيهم الخير الكثير، لكنَّه دَلَفَ إليَّ ذات يوم بمخطوطة كتابه لأضع لها مُقدّمة، فقَرَأْتُ المخطوطة لأرى إنْ كانت المنهجيَّة سليمة والأهدافُ واضحةً، وإذا بي أَقِفُ على كلامٍ لرَجُلٍ طَلْقِ العِبَارة، له بَاعٌ في الأدب واللُّغة، قادر على صَيْدِ اللآلِئ، غوَّاص إلى المعاني، يُعبِّرُ عنها ببيان تَطْرَبُ له الآذان، وتستجِيبُ له الأفئدة، وتستهويه النُّفوس.
وتعتمد دراسته على منهجيَّة علميَّة بعيدة عن الهوى، يَرِدُ فيها الموارِدَ الصَّعْبَةِ الَّتي زلَّت فيها أقلامُ أقوام ساروا ورَاءَ الهوى؛ فلم تصفُ كتبهم من الأقذاء والأكدار، لكنَّ صاحِبَنا ـ بفضل من الله تعالى عليه ـ يَشْرَبُ منها ماءً عذباً، ويفيضُ بما منحه اللهُ تعالى على الآخرين.
والكتابُ الَّذي بين يدي القارِئ ضمَّنه الكاتب فوائد وفرائد عديدة، حيث تحدَّثَ عن منهج الدُّعاةِ، وما ينبغي أن يتَّصِفَ الدَّاعية به من العِلْمِ والحِلْمِ والصَّبر والأناةِ ... وتحدَّثَ عمَّا يلاقيه الدَّاعية من المِحَن، وما يناله من الأذى، وهذا ليس غريباً، فالله تعالى يقول: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان].
ويُضيفُ الكاتبُ إلى هذا جُمْلَةً من المعاني والمبادئ المستنبطة من قصَّة يُوسُفَ
стр. 8
ـ ﵇ ـ، منها مبدأ الشُّورى، ومبدأ العدل، وأُسُسُ التَّقاضي، فعزيز مِصْر يخطِّئ زوجته، ويحكم بما أمْلَتْه العدالة وأصول التَّقاضي على زوجته، فيقول: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ... (٢٨)﴾ [يوسف].
وقد ضمَّن الكَاتِبُ بين دفَّتي كتابه من اللّطائف القرآنيَّة، واللَّمسات البيانيَّة ما لا يتَّسع المقام لذكرها، وحسبي أن أشَرتُ لبعضِها.
وقد انشَرحَ صدري على معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ... (٢٤)﴾ [يوسف] حيثُ وضَّح ببيان اللُّغة نفي ما توهَّمه بعضهم ممَّا لا يليق بالأنبياء من أنَّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ همَّ بالوقوع في الجريمة لولا أن رأى برهان ربِّه.
لقد وَقَفَ الكاتبُ وقْفَةَ تأمِّلٍ بعد ذكره المحن الَّتي مرَّ بها يُوسُفُ ـ ﵇ ـ، ومرَّ بمثلها وأكثر منها سيِّدُ الأنام محمَّد ـ ﷺ ـ فيما يؤولُ إليه أمرُ الصَّابرين الصَّادقين من الفوز والنَّجاح، وتحقيق الأهداف، جميلٌ هذا الرَّبط بين قصَّة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ ومناسبة نزولها، وبديع ذلك البيان لمكانة سُورة يُوسُفَ بين أخواتها في القرآن.
أسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ به، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأبرَّه وأوفاه، وأن يتغمَّدني اللهُ تعالى بعفوه ومغفرته وكرمه والمسلمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.
أ. د. محمود علي السَّرطاوي
أستاذ الفقه المقارن
نائب رئيس جامعة العلوم الإسلاميَّة العالميَّة
١/محرَّم/١٤٣١ هـ
١٨/ ١٢/٢٠٠٩ م
стр. 9
المقدّمة
الحمدُ لله الكريم المنَّان، أنزل أعظم كتاب هو القرآن، على أعظم نبيٍّ هو سيِّدنا محمَّدٍ خَيْرِ الأنام، الَّذي أزال بيانُه عن الأذهان والأفهام كُلَّ إِبْهَام، أشرف الخلق عجماً وعرباً، وأزكاهم حَسَباً، وأطهرهم نَسَباً، وعلى آله الَّذين اهتدوا بهداه، وعلى أصحابه الَّذين استمسكوا من الدِّين القَيِّم بِعُراه.
وبعد، فلا ريب أن علوم القرآن كثيرة، وفنونها غزيرة، وضروبها جمَّة جليلة، يجلُّ عنها القولُ مهما كان بالغاً، ويَقْصُر عنها الوَصْفُ مهما كان سَابِغاً.
ومن أعظم علوم القرآن قَدْراً، وأعلاها أمراً علمُ التَّفسير والتَّأويل، وقد رأيت مصنَّفات لا تحصى، فيها من الموضوعات والإسرائيليّات ما بين مختصر ومبسوط ما لا يُسْتقصى، وقد نال القصص القرآنيّ منها الحظّ الأوفى.
فقد تكلَّم في قصص القرآن خَلْقٌ كثير، فدرسوا معانيها ومبانيها، وتدبَّروا في تفسيرها وتأويلها، وتكلَّموا في نُكَتِها ولطائفها ... وسيظلُّ القرآنُ مَشْغَلَة الدَّارسين، وحديثَ الباحثين، جيلاً فجيلاً إلى يوم الدِّين ... ولكن كان خليقاً بالَّذين شانوا كتبهم بأخبار القُصَّاص وحكايات الوضَّاعين وخلافها، ألَّا يخوضوا كالَّذي خاضوا، وألَّا يزيدوا على كدرٍ كدراً!
وقصَّة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ أسَرَتْ عَبْر الزَّمان قلوباً، وأبكت عيوناً؛ كيف وقد وُصِفَت بأحْسَن القصص، كيف وقد قصَّها الله علينا بالحقِّ من أنباء ما قد سبق! كيف وقد جاءت بألفاظٍ مُدَبَّجة، ومعانٍ متوَّجة، موشَّاة بألوان الفوائد والفرائد، غنيَّة بوجوه المعارف وشوارد الطَّرائف، مفعمة بالإيماءات النَّفسيَّة النَّفيسة!
стр. 10
وهي قصَّة تصافِحُ القلوب، وتَسْكُن بها الخواطر، وتُقْتَبَسُ منها اللَّطائف، وتُلْتَمَسُ منها الهداية في المواطن والمواقف، وتقتنص منها غُرَرُ المعاني بعد سَبْرِ المباني، وتحثُّ على التَّفكُّر والاعتبار، والاتِّعاظ والازدجار، والائتمار والانزجار.
ومعاذ الله أنْ أدَّعي أنَّني قد عرفت ما لم أُسْبَق إليه، وما لم أُزَاحم عليه، وما لم يَطَّلِعْ أحَدٌ عليه، وما لم تصل أنظارٌ إليه، فما أنا إلَّا بَنَانُ كَفٍّ ليس فيها سَاعِد، لي همَّة لكن لا مقدرة لي على بلوغ ما في نفسي من هوىً في علوم القرآن.
وأنا أعلم أنَّ لعلمائنا الأوائل في هذه العلوم عطاءً غَدَقاً، وما أنا بأهل أن أنطق بلسانهم، فكيف لي أن أبلغ مراتبهم، فليس الصَّحيح إذا مشى كالمقعد، وليس البَحْرُ العَذْبُ الفرات السَّائغ الشَّراب كالماءِ الملح الأُجَاج، فما أنا إلَّا طالبُ علمٍ أراد أن يَشْغَلَ نفسه بالعلوم الَّتي تقرِّب إلى الله، وتُعِينُ على الوصول إلى رضاه.
فالمؤمن لا ينشغل بالدُّنيا عن الآخرة، ولا يُلْهِه الأَمَلُ عن الأَجَل، فالله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد] وإنَّما المؤمن يبيع نفسه ابتغاءَ مرضاة الله، وينفق عمره في الدَّعوة إلى الله على بصيرة اتِّباعاً للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ وأصحابه ﵃، وطاعة لله تعالى إذ يقول لنبيِّه ـ ﷺ ـ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ... (١٠٨)﴾ [يوسف].
فهذه الآية من سورة يُوسُفَ رَسَمَتِ المنهج الحقَّ لكلِّ متَّبعٍ للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ أن يكون داعيةً إلى الله على بصيرة، والأمَّة اليوم قد بَعُدت عن عهد النُّبوَّة؛ فشاع في بعض جوانبها بُعْدٌ عن المنهج النَّبويِّ.
стр. 11
وقد رأيت كثيراً من النَّاس عن سبيل الدَّعوة ناكِبين، ولأصحابها كارهين، ولعملهم قَالِين، فالنَّجاةَ النَّجاةَ بالالتزام بالكتاب والسُّنَّة، والدَّعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ...
واتِّباع الرَّسول ـ ﷺ ـ أَمَرَ اللهُ به كُلَّ إنسان في العُسْر واليُسْر والمنْشَط والمكْرَه، قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ [النّور]
ومن ثمرات اتِّباع الرَّسول ـ ﷺ ـ محبَّةُ الله تعالى وغفرانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران] فالآية تقتضي أنَّ محبَّة الله تجب لنا بعد اتِّباع الرَّسول ـ ﷺ ـ، ومن أَجَلِّ ما نتَّبع به الرَّسول ـ ﷺ ـ أن نكون دعاة إلى الله على بصيرة، فالبِدَارَ البِدارَ.
وقد بيَّنت سورة يُوسُفَ لنا بعض ملامح الدَّاعي إلى الله، فهو يحتاج إلى أن يكون على حظٍّ وافر من العلم، والحلم، والحكمة، والأخلاق، والصَّبر، والأمانة ... كما بيَّنت لنا بعض وسائل الدَّعوة إلى الله، ومنها ذكر القصَّة لما لها من أهميَّة وأثر وهدى على حياة الدَّاعي إلى الله والمدعوّ، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ... (٣)﴾ [يوسف] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ... (١١١)﴾ [يُوسُف]
فالحاجة ماسَّة لاستخدام هذا الأسلوب القرآنيّ النَّفيس من قِبَل الدُّعاة إلى الله تعالى لتأثيره البالغ في النُّفوس: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى
стр. 12
اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ... (٢٣)﴾ [الزّمر].
وقصَّة يُوسُفَ تُذَكِّرُ بقول النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ لمَّا سأله سَعْد أيُّ النَّاس أشدُّ بلاءً؟ فقال ـ ﷺ ـ: " الأنبياءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ" (١) ولذلك ابتُلي نبيُّ الله يعقوب ـ ﵇ ـ بفقد حبيبه وحبيبتيه، وابتُلي يُوسُفُ ـ ﵇ ـ بإخوته فصار طريحاً، ثمَّ ابتلي بالسَّيَّارة فصار مملوكاً، ثمَّ ابتلي بامرأة العزيز فصار سجيناً ...
لكنَّ سنَّة الله تعالى أن يدافع عن أوليائه المحسنين، وأن ينجِّي المتَّقين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النَّحل] فقد ردَّ اللهُ على يَعْقُوبَ بَصَرَهُ، وجمع بينه وبين يُوسُفَ بعد غُرْبةٍ دامت أربعين عاماً، ونجَّى اللهُ يُوسُفَ من الجُبِّ، والكيد، والسِّجن، وَرَفَعَهُ أعلى الدَّرجات، فما بعد المَعْسَرة إلَّا المَيْسَرة، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشَّرح] وعند انسدادِ الفُرَجِ تبدو مطالعُ الفَرَجِ، ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطَّلاق].
ما أحوج القَلبَ إلى قَصَصِ القرآن! ففيه عبرة لكلِّ إنسان، وغِنىً عن قَصَصِ وأَنْبَاء أَبْنَاء هذا الزَّمان! وهذا كتاب في قصَّة من قَصَصِ القرآن العظيم قدره، الدَّائم خيره، الجزيل نفعه، التَّامّ نوره، الواضح بيانه، القاطع برهانه ... سمَّيته (غرر البيان من سورة يُوسُفَ ﵇ في القرآن) جمعته من رياض التَّفاسير حسب الأصول، وحرَّرته من مختلف تفاسير أهل النُّقول، والله أسأل أن ينفع به فهو خير مرجوٍّ ومأمول.
стр. 13
وما بي من حاجة لبيان قيمته العلميَّة، وما فيه من مزايا قلَّ أن توجد في كتاب واحد، فقد جَهَدْتُ جَهْدي على أن يأتي هذا الكتاب جامعاً لأشتات العلوم، ومنثور الفنون، وسائغاً لأرباب الفُهُوم، على أنَّه لم يأتِ ليبلغ الغاية والنِّهاية فيها، وإنَّما لينبِّه لها ويذكِّر بها.
وحرصت على إعفائه من الإسهاب والإطناب والتَّطويل والتَّثقيل، مع الاقتصاد في اللَّفظ، والوفاء في المعنى.
وقد هذَّبت لفظه، وذهَّبْتُ نَظْمَه، وضَمَّنته من بديع الكلام وحلوه، ودُرِّيِّه ودُرِّه، وجمعت فيه نثير الجُمان، ودُرر البيان، لأعيد لهذه اللُّغة في القلوب هيبتها، ولكن أنَّى لمثلي أن يُحاكي وشْيَها البليغ، وحبكها البديع!
وكنت وضعت كتاباً للنَّشء قبل عقدين من الزَّمان، ثمَّ رأيت أن أضع كتاباً للعامَّة والخاصَّة من ذوي البصائر والأذهان والحذق والإتقان، لتتمَّ الفائدة، وتكمل المنفعة، على أنَّني لم أنتهِ به إلى غاية ليس وراءَها مُريدٌ من كلِّ وجه؛ فالقرآن الكريم لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، وسيظلُّ لابساً حُلَلاً من الجزالة والفصاحة، لا تنالها أقلام الأدباء ولا البلغاء.
وقد تنقَّلت بين مناهج التَّفسير ومراحله، وربطت بين الماضي والحاضر ما استطعت سبيلاً، فإنَّ هذه السُّورة وغيرها فيها أخبار أقوام قامت عليهم الحُجَّة، فقد أرسل اللهُ لهم ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ... (١٦٥)﴾ [النّساء] وفيها من العجائب والغرائب، والدَّقائق والخفايا، ما يقعد بالألفاظ عن استيفاء الغاية، فجَمَعْتُ ما تيسَّر وتقدَّر عبرةً لمن يتذكَّر، وقد أثْبَتُّ الكتب الَّتي أفَدْتُ منها في خاتمةِ البَحثِ، دون إيرادها في داخله؛ لتصَرُّفي في
стр. 14
العِبارةِ.
وتوخَّيت الحقَّ المبين من كلام علمائنا أهل التَّفسير والتَّأويل، وقمت مضْطرّاً غير باغٍ ولا عادٍ بشيءٍ من التَّصحيح والتَّعديل.
كما حاولت أن أنفي عن كتاب الله تعالى تخرّصات الخرَّاصين الَّتي ألصقت بهذه السُّورة العظيمة من ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ... (٥١)﴾ [الأعراف] ومن الَّذين قال الله فيهم: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف].
وإلى الله أرغب أن يجعل هذا الكتاب خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله نافعاً لمن نَظَر فيه أو أعانني عليه النَّفع العميم، وأن يجعله في صحائف أعماله يوم الدِّين ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ... (٣٠)﴾ [آل عمران]
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
المؤلِّف
أحمد الشّوابكة
* * *
стр. 15
سُورَةُ يُوسُفَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف]
حُسْنُ المطلع
من سحر البيان وقطع الجُمان وبدائع القرآن ما يسمَّى حسن المطلع، وهو أن يُفْتَتَحَ الكلامُ بكلام يُشْعِرُ بجودة البيان؛ لأنَّه أوَّل ما يحدِّق به الطَّرف، وأوَّل ما يدور في الذِّهن، فيتعيَّن أن يجمعَ الكلامُ بين الجزالةِ والعذوبةِ، والرَّصانةِ والسَّلاسةِ، وهذا ما جرى عليه القرآن.
وهو في القرآن نوعان: خفيٌّ وجليٌّ، فالخفيُّ ما افتتحت به السُّور من الحروف المفردة والمركَّبة، ومن ذلك سورة يُوسُفَ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف] والجليُّ ما لم يبدأ بالحروف المقطَّعة، وهو غالب على مطالع سور القرآن.
سَبَبُ التَّسمِيَة
هِيَ مَكِّيَّة بالإجماعِ. وسمِّيَتْ " سُورة يُوسُف " لأنَّها تَنَاولَتْ قِصَّةَ يُوسُفَ مَعَ إخْوتِه بالتَّفْصِيل، وتكَرَّرَ فيها اسمُ يُوسُفَ خمساً وعِشرِينَ مَرَّة. ومن عجيب الموافقات أنَّ سورة يُوسُفَ هي السّورة الثَّانية عشرة في ترتيب المصحف، ووقعت في الجزء الثَّاني عشر، ورقم السّورة والجزء يناظر عدد أبناء يعقوب ـ ﵇ ـ.
سَبَبُ النُّزُول
نَزَلَتْ سُورَة يوسف بَعْدَ اشْتِدَادِ الأزْمَةِ على النَّبيِّ ـ ﷺ ـ في مَكَّةَ مع قريش، وبَعْدَ عامِ الحُزْنِ الَّذي فَقَدَ فِيهِ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ زَوْجَتَهُ الطَّاهِرَة خديجة ﵂ ـ
стр. 16
وعمَّهُ أبا طالِب، الَّذي كان ظَهِيراً ونصيراً له.
وفي سَبَبِ نزولها أخر ج الحاكم عن سعد بن أبي وقّاص، قال: " نَزَلَ القُرآنُ على رَسُولِ الله ـ ﷺ ـ، فتلا عليهم زماناً، فقالوا: يا رَسُولَ الله، لو قَصَصْتَ علينا، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ " (١) [يوسف] (٢).
وقد نزلت في أواخر العهد المكّيّ تسلية للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ ففيها الإلماح إلى تشابه واقع النَّبيّين، فقصَّة يُوسُفَ مع أخوته أشبه بقصَّة النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ مع قريش، فإذا كان يُوسُفُ قد تآمر عليه أخوته، وفكَّروا في قتله أو إبعاده وإخراجه، وقالوا: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ... (٩)﴾ فإنَّ في ذلك تثبيتاً لفؤاد النَّبيِّ ـ ﷺ ـ يوم تآمرت عليه قريش في دار النَّدوة، وقرَّروا: حبسه، أو قتله، أو إخراجه من مكَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال].
وغيابة الجبِّ في محنة يُوسُفَ قبيل الرَّحيل به لمصر، فيها تسلية للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ وهو في غار ثور قبيل الهجرة للمدينة.
وسجن يُوسُفَ بمصر ظلماً وعدواناً، فيه ذكرى للنَّبيِّ ـ ﷺ ـ وأصحابه وهم في شعب أبي طالب بعد أن حاصرتهم قريش وقاطعتهم ظلماً وعَدْواً، وهذا كلُّه يفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾ [هود].
وسجنهم ليُوسُفَ ـ ﵇ ـ وتماديهم في ظلمهم له رغم ظهور الآيات الدَّالة على
стр. 17
براءته وصدقه، كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ يذكِّر في تمادي المشركين في غيِّهم في حقِّ النَّبيِّ ـ ﷺ ـ، مع رؤيتهم الآيات الدَّالة على صدقه ـ ﷺ ـ كما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا ... آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصّافات].
ومن التَّشابه بين واقع يوُسُفَ ـ ﵇ ـ وواقع النَّبيِّ ـ ﷺ ـ، أنَّ الله تعالى مكَّن للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ بأرض المدينة كما مكَّن ليُوسُفَ بأرض مصر:
تَلْقَى بكل بلادٍ إن حَلَلْتَ بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران
ومن التَّشابه أنَّ الله تعالى جمع بين النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ وأهل مكَّة بعد غربة وعناء، كما جمع بين يوُسُفَ ـ ﵇ ـ وأهله بعد غربة وشتات، وعفو النَّبيِّ ـ ﷺ ـ عن أهل مكَّة، يشبه عفو يُوسُفَ ـ ﵇ ـ عن إخوته.
فإذا كان للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ في الأنبياء ما يثبِّت به فؤاده، أفلا يكون لنا في النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ خاصة وفي الأنبياء عامة ما نثبِّت به الأفئدة، ونطمئن به النُّفوس، ونصلح ما في الصُّدور؟!
من أوجه التَّناسُب بين سُورة يُوسُفَ وما قبلها وما بعدها
من أوجه الشَّبه والتَّناسق بين سُورَة يُوسُفَ وسُورة هود التي سبقتها، أنَّ سُورةَ هود ذُكِرتْ فيها قصَّة إبراهيم ـ ﵇ ـ وقد بُشِّرَ فيها بإسحاق ومن ورائه يعقوب، فبعد أن ذكر الله تعالى قصَّة إبراهيم مع الملائكة، قال: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ [هود] ونحن نعلم أنَّ سُورة يُوسُفَ تدور حول يعقوب وأبنائه الَّذين هم أحفاد إبراهيم ـ ﵇ ـ.
ومن أوجه وضع سورة يُوسُفَ بعد سُورة هود أنَّ سورة هود تضَمَّنت على مجموعة من قَصَصِ الأنبياء ابتداءً بقصَّة نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم إبراهيم، ثم
стр. 18
لوط، ثم شعيب، ثم موسى وهارون، وبعد هذه السُّورة التي اشتملت على هذه القصص الحسنة المجملة كلِّها، جاءت سُورةُ يُوسُفَ تقصُّ علينا أحْسَنَ القَصَصِ المتَّصلة المفصَّلة؛ لتُثْبِت إعجاز القرآن في المُجْمَل والمُفَصَّل، والإيجاز والإطناب.
كما جَمَعَتْ بين السُّورتين سُنَّةُ الله تعالى في نجاة رسله والَّذين آمنوا برحمة الله وفضله، فممَّا ورد من ذلك في سورة هود، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود] وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود] وفي سورة يوسف، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ فسبحان منزل الكتاب، وناصر الأحباب!
ومن أوجه التَّناسب أنَّ سورة هود حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأباعد للأنبياء، وسورة يُوسُفَ حدَّثتنا عن عداوة وحسد الأقارب لنبيِّ الله يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، وكلاهما تسلية للنَّبِيِّ ـ ﷺ ـ الَّذي لقي من عداوة الأقارب والأباعد ما يعلمه الله.
أمَّا سورة الرَّعد فوجه وضعها بعد سُورَةِ يُوسُفَ أنَّ سُورة يُوسُفَ خُتمت بالحديث بإجمال عن آيات الله في السّموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف] ثمَّ جاءت سُورة الرَّعد، وافتتحت بالحديث عن هذه الآيات الكونيَّة بالتَّفصيل، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ
براعةُ التَّخلُّص
من أساليب القرآن الرَّفيعة وفنونه البديعة براعة التَّخلُّص وحسن الاستطراد، وهو أن يكون في ابتداء الكلام إشارة إلى ما سيق الكلام لأجله، وأحسن الابتداءات ما ناسب المقصود.
ومن شرطه أن يكون الانتقال من معنى إلى معنى ببديع حسن، وعذوبة سبك، وحسن رصف، وبيان يزيد المعنى فصاحة وحسناً، بحيث يكون المعنى الَّذي انتقل إليه أقرب إلى النَّفس من المعنى الَّذي انتقل عنه، وبحيث لا يشعر السَّامع بالانتقال من المعنى الأوَّل إلَّا وقد تعلَّق به المعنى الثَّاني المقصود؛ لشدَّة الالتئام بين المعنيين، وفائدته الانتقال من فنٍّ إلى فنٍّ، وجعل أجزاء الكلام يأخذ بعضه برقاب بعض.
وحيث قصد التَّخلُّص فلا بدَّ له من توطئة وتمهيد، ومن بديعه قوله تعالى موطِّئاً للتَّخلُّص: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ فوطَّأ بهذه الآية إلى قصَّة يُوسُفَ ﵇، والمخاطب إذا سَمِعَ هذا الوصف لهذه القصَّة تطلَّعت نفسه إلى معرفتها، وتشوَّفت إلى تأمُّلها.
стр. 21
القِسم الأوَّل
رؤيا يُوسُف ـ ﵇ - ـ
الكَرِيم (يُوسُف ـ ﵇ - ـ)
كَانَ لأبيهِ سَمِيرَ الدَّارِ، وأَنِيسَ الوحْشَةِ، وفِلْذَةَ الكَبِدِ، ومُهجَةَ القلْبِ، ومُقْلَةَ العينِ، ومحطَّ الآمَالِ، وزهْرة الحياة الدُّنيا وزينتها، إنَّه: "الكَريمُ ابنُ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ ابنِ الكَريمِ، يُوسُفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ ﵈" (١).
سُئِل رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أكرمُ النَّاسِ؟ قالَ أتْقاهُم لله. قالوا: ليس عن هذا نسْألُكَ قَالَ: فأكْرَمُ النَّاس يُوسُفُ نَبِيُّ الله ابْنُ نَبِيِّ الله ابنِ نبِيِّ الله ابن خَليلِ الله" (٢).
رؤيا يُوسُفَ ﵇ من مُبَشِّراتِ النُّبوَّةِ
بدأَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ بِذِكْرِ رُؤياه الصَّادِقة الصَّالحة: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ إشَارة إلى أنَّ اللهَ تعالى قد هيَّأ نَفْسَ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ للنُّبوَّةِ والرِّسالةِ، فابتدأَه بالرُّؤيا الصَّالحةِ الَّتي هي من مُبَشِّراتِ النُّبوَّةِ. ﷺ
فعن أبي هُريرة ـ ﵁ ـ، قال: " سَمِعْتُ رسولَ الله ـ ﷺ ـ، يَقُولُ: " لم يَبْقَ من النُّبوَّةِ إلَّا المُبَشِّرات، قَالُوا: ومَا المُبَشِّرات؟ قَالَ: الرُّؤيا الصَّالِحة " (٣).
وعن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ أنَّه سَمِعَ رَسُولَ الله ـ ﷺ ـ، يَقُولُ: "الرُّؤْيا الصَّالِحةُ جُزْءٌ من سِتَّةٍ وأربَعِينَ جُزْءاً من النُّبوَّةِ" (٤).
стр. 22
وتَصدِيرُ القِصَّةِ بِهَذهِ الرُّؤيا كالموجزِ للقِصَّة يُلخِّصُها بإجمال، وكالمقدِّمَةِ والتَّمهيدِ للقِصَّة في أحْسَنِ صُورةٍ وبَيَان.
وقد جَعَلَ اللهُ تلكَ الرُّؤيا بِشَارةً ليُوسُفَ ـ ﵇ ـ بِعِظَمِ شَأنِهِ، وارْتِفَاعِ دَرَجَتِهِ؛ ليتَذَكَّرَها كُلَّما ادلهمَّتِ الأمُورُ، فيطْمَئِنَّ بها قَلبُهُ، وتقرَّ بها عَيْنُهُ، أنَّ عاقِبَتَهُ حَسَنَةٌ، ونهَايتَهُ طيِّبَةٌ.
هَدْيُ النَّبيِّ ـ ﷺ ـ فِيمَن رَأَى رُؤيا (١)
مَوضُوعُ الرُّؤيا مَوضُوعٌ عَمِيقُ الجُذُورِ، يَحْتَاجُ إلى شَرْحٍ وتَفْسيرٍ، وبَيانٍ وتفْصِيلٍ، والحديثُ فيه يَطُولُ، وليس الكِتَابُ مَوضُوعاً لِبَحثِ ذَلكَ، ويكفِي أنْ نُبيِّنَ هَدْيَ النَّبيِّ ـ ﷺ ـ فِيمَنْ رأى رُؤيا يُحِبُّها، أو رأى غَيْرَ ذلك مِمَّا يَكرَهُ.
فقد روى البخاري عن أبي سَعِيد الخُدْرِيِّ أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ يَقُولُ: " إذا رأى أحَدُكُم رُؤْيا يُحِبُّها فإِنَّما هِيَ مِنَ الله، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَليْهَا ولْيُحَدِّث بها، وإذا رأى غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا يَكْرَهُ، فإنَّما هِيَ من الشَّيطانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِن شَرِّها ولا يَذْكُرْها لأحَدٍ؛ فإنَّها لا تَضُرُّهُ " (٢).
وروى مُسْلِم عن أبي قَتَادَةَ، عن رَسُولِ الله ـ ﷺ ـ أنَّهُ قال: " الرُّؤْيا الصَّالِحةُ مِنَ الله، والرُّؤيا السُّوءُ مِنَ الشَّيطَانِ، فَمَنْ رأى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئاً، فلْيَنْفُثْ عن يَسَارِهِ، ولْيَتَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيطانِ لا تضُرُّه، ولا يُخْبِر بها أَحَداً، فإنْ رأى رؤيا حَسَنَةً فلْيَبْشِرْ ولا يُخْبِرْ إلَّا مَن يُحِبُّ " (٣).
وَرَوى مُسْلِم عن أبي هُرَيْرَة عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ، قال: " ... والرُّؤيَا ثلاثَةٌ: فَرُؤيَا الصَّالِحَة بُشْرى من الله، وَرُؤيْا تَحْزِين من الشَّيطان، وَرُؤيا ممَّا يُحَدِّث المَرْءُ نَفْسَهُ، فإِنْ
стр. 23
رَأَى أَحَدُكُم ما يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ " (١).
وَرَوى مُسْلِم عن جَابِرٍ عن رَسُولِ الله ـ ﷺ ـ أنَّه قال: " إذَا رَأى أحَدُكُم الرُّؤيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عن يَسَارِهِ ثلاثاً، ولْيَسْتَعِذْ بالله من الشَّيطَانِ ثَلاثَاً، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كَانَ عَلِيْهِ " (٢).
ومِن مَجْمُوعِ الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ نَفْهَمُ أنَّه يَنْبَغِي لِلمُسْلِمِ أنْ يَعْمَلَ بِأسْبَابِ السَّلامَةِ الَّتي جَعَلَها اللهُ له، فإذا رَأَى ما يَكْرَهُ نَفَثَ عن يَسَارِه ثلاثاً، قائلاً: أَعُوذُ بالله من الشَّيطَانِ ومن شَرِّهَا ثلاثاً، ولْيَتَحَوَّلْ عن جَنْبِهِ الَّذي كانَ عَليهِ إلى جَنْبِهِ الآخر، وليُصَلِّ ركْعَتَينِ، ولا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ، فَيَكُون قَد عَمِلَ بالرِّواياتِ الشَّريفةِ كُلِّها، وإن اقْتَصَرَ على بَعْضِهَا أجْزَأَ في دَفْعِ ضَرَرِ الرُّؤيا كما صَرَّحت الأحادِيثُ الشَّرِيفَةُ، وهذه تَكُونُ سَبَباً لِعَدَمِ ضَرَرِهِ؛ كما جُعِلَت الصَّدَقَةُ لِوقايَةِ المالِ وَغَيرِه مِنَ البَلاءِ.
يُوسُفُ ـ ﵇ ـ يَقُصُّ رُؤيَاهُ عَلى أَبِيهِ
دَخَلَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ذَات صَبَاحٍ على أَبيهِ يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ ووقَفَ قُبَالَتَهُ بِأَدَبٍ وَوَقَارٍ، وبِلِسَانِ الاستِفْهَامِ والإخْبَارِ: ﴿قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ يعقوب ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وذُكِر العددُ مطابقاً للتّأويل، فرؤيا الأنبياء حقّ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطف على الكواكب على طريق الاختصاص إثباتاً لفضلهما، وقد جرى القرآن على تقديم الشَّمس على القمر، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ... (٢)﴾ [الرّعد]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرّحمن] وقال: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة].
стр. 24
﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ تأكِيد لفظيّ ﴿لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ نَزَلْنَ مِن عَلْيَائِهِنَّ وَسَجَدْنَ لِي (سُجود تَحيَّة)، وفي الكلام استعارة مكنيَّة فقد شبَّه الكواكب بقوم عقلاء ساجدين.
فَأَدْرَكَ يَعقُوبُ ـ ﵇ ـ عِنْدَ سَمَاعِهِ لهذهِ الرُّؤيَا الصَّالِحَة دلالَتَها، وعَلِمَ أنَّ هذهِ الرُّؤيا لَهَا خَطَرُها، وأنَّها تتضَمَّنُ مَجْداً وعِزّاً لِيُوسُفَ، وتُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنَالُها على إخوتِهِ، وأنَّ اللهَ يصْطَفِيهِ لِلنبُوَّةِ، وَيُنْعِم عَليهِ بِشَرفِ الدَّارينِ؛ فَخاف عَلِيهِ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوس إخوَتِهِ، فنَصَحَهُ ألَّا يَقُصَّها عليهم خَشْيَة أن تشْتَدَّ بِهِم الغَيرةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ.
من أغراض التَّكرير
يلاحظ في قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ أنَّه كرَّر (رأيت)، وهذا التكرير غرضه في الآية أن يتَّصل أوَّل الكلام بآخره اتِّصالاً حسناً، فإنَّه إذا طال الكلام، وخشي نسيان أوَّله أعيد من جديد تطريةً له، واعتناء به، وتجديداً لعهده، وتأكيداً عليه، ولذلك تكرَّرت ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ إضافة للتَّأكيد بسبب إطالة الكلام بين الفعل والحال.
فتكرير اللّفظ الأوَّل بعينه إنَّما هو للعناية به والتَّأكيد عليه، ومن ذلك في القرآن، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾ [النَّحل] فقد كرَّر قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ للغرض نفسه.
والتَّكرير أبلغ من التَّأكيد، وهو أنواع ثلاثة: الأوَّل: أن يتكرَّر لفظه ومعناه، وسبقت الإشارة إليه، والثَّاني: ما يتكرَّر معنى لا لفظاً، وهذا أحياناً يكون فيه بين
стр. 25
المعنيين مخالفة ما، كأن يكون أحدهما أعمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ﴾، فإنَّ الكواكب الأحد عشر أعمُّ من القمر، وكذلك قوله: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرّحمن] فإنَّ الفاكهة أعمُّ من النَّخل والرّمَّان، ومثله في القرآن كثير.
وهناك نوع ثالث يتكرَّر فيه اللَّفظ ويختلف المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ... (٢٣١)﴾ [البقرة] إلى قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... (٢٣٢)﴾ [البقرة] فهذا من باب تكرير اللَّفظ لا المعنى لاختلاف البلوغين في قوله ﴿فَبَلَغْنَ﴾ فالأوَّل بمعنى قاربن انقضاء عدَّتهنَّ، والثَّاني بمعنى انقضت عدَّتهنَّ.
واعلم أنَّ لكلِّ نوع من هذه الأنواع الثَّلاثة وجهاً من وجوه البلاغة، ولكن ليس هذا محلّ بيانه.
تنزيل غير العاقل منزلة العاقل
من ضروب البلاغة وفنون البراعة تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، ومن شواهده في القرآن، قوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ فقد وصفت الكواكب والشَّمس بالسُّجود الَّذي هو من فِعْل العقلاء، وهذا يظهر لك علَّة جمع لفظ (السَّاجد) جمع المذكَّر السَّالم، وعلَّة أنّ ضمير الغائبين في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ جرى على حدِّ من يعقل.
стр. 26
يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ يُعِبِّرُ رُؤيَا يُوسُفَ
﴿قَالَ﴾ يعْقُوبُ ـ ﵇ ـ لابنِهِ يُوسُفَ بِلِسَانِ التَّحَبُّبِ والشَّفَقَةِ والنُّصحِ والنَّهي والتَّحذيرِ: ﴿يَابُنَيَّ﴾ تصغير (ابن) للتَّحبُّب، وأضافه لنفسه للغرض نفسه ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ هذه ﴿عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فَيَحْتَالوا لإهلاكِكَ حِيلَة؛ حسَداً لعِلْمِهِم بتأويلها من أنَّهُم الكواكب وأبواك الشَّمس والقمر.
ويبدو أنَّه ـ ﵇ ـ كان يَعْرِف قُدْرَة أبنائِهِ على تأويل مثل هذه الرؤيا، ويظهر أيضاً أنَّه كان يَعْلَمُ كَراهَتهم لِيُوسُفَ وبُغْضَهُم لِعِشْرَتِهِ. وأظُنُّهُ ـ ﵇ ـ قَالَ هذا الكلام لِيُوسُفَ والفَمُ يَسِيلَ مَرَارَةً وأسىً؛ فالواجِبُ ألَّا يَكُونَ بَيْنَ الإخوةِ أدنى شَحْناء ولا أقلَّ بَغْضاء، ولكن هكذا كان؛ لأمْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ تعالى.
وكان يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ يَعْلَمُ أنَّ نُصْحَهُ وتَحْذِيرَهُ ليُوسُفَ لا يُثِيرُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لإخوتِهِ؛ لأنَّهُ وَاثِقٌ من صَفَاءِ سَرِيرتِهِ ونَقَاءِ قَلْبِهِ وَرُجْحَانِ عَقْلِهِ ونفاذِ بَصِيرتِهِ، ولذلِكَ عَقَّبَ كلامَهُ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ ظَاهِر العَدَاوة كما فَعَلَ بآدَمَ ﵇ وحوَّاء؛ ليَعْلَمَ يُوسُفُ أنَّهُ ما حَذَّرَه مِن إخْوَتِهِ، وإنَّما حَذَّرَهُ من نَزْغِ الشَّيطانِ في نُفُوسِهِم، فَقَولُه واقِعٌ موقع التَّعليلِ للنَّهي عن قَصِّ الرُّؤيا على إخوتِهِ.
ثُمَّ بيَّن لهُ بَعْدَ النُّصْحِ تأْويلَهَا وتفْسِيرَهَا، قائلاً: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ فَهَذِهِ الرُّؤيا تَدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى سَيَصْطَفِيكَ ويَخْتارُكَ ويَخُصُّكَ بالنُّبُوَّةِ ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وتَدُلُ على أنَّ اللهَ تعالى سَيُعَلِّمُكَ تَعْبِيرَ بَعْضِ الرُّؤى المناميَّة ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بالنُّبُوَّةِ، فتَكون نبيّاً ورَسُولاً ﴿ ... كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهُمَا جَدَّاكَ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ فجَعَلهما نَبِيَّينِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن هُوَ أَهْلٌ للاجْتِبَاءِ ﴿حَكِيمٌ (٦)﴾ يَضَعُ الأشْيَاءَ مواضِعَها.
فكانَتْ تِلْكَ بِشارة من الله تعالى لِيُوسُفَ في المنام، وبِشَارة له من يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ في اليَقَظَةِ، وقَد وَقَعَ ما بشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ ولَدَهُ حَرْفَاً بِحَرْفٍ.
* * *
стр. 27
القِسْمُ الثَّاني
أَذَى إخْوتِهِ
مُقَدِّمَةُ المُؤامَرَة
وَيَظْهَرُ أنَّ يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ كان مُصِيْباً في تَخَوُّفِهِ على يُوسُفَ من إخْوتِهِ؛ فالمَشْهَدُ الثَّاني من القِصَّة يُبَيِّنُ لنا إخْوةَ يُوسُفَ، والحَسَدُ قَد تَبَالغَ في نُفُوسِهِم، والبَغْضاءُ قَدْ هَاجَتْ في قلوبِهِم، وهم مؤْتَمِرونَ للنَّظرِ في أَمْرِ يُوسُفَ، ومناقَشَةِ ما يَصنَعُونَهُ في أَمْرِهِ.
وقَد ذَكَرَ اللهُ تعالى مَتْنَ مؤامَرَتِهم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللَّام للابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا أنَّ زيادة محبَّة أبيهم ليُوسُفَ وأخيه أمر ثابت محقَّق لا رَيْبَ فيه ﴿وَأَخُوهُ﴾ شَقِيقه، وتَخْصِيصُه بالإضَافةِ لاخْتصاصِه بالأخُوَّةِ من الأبوين، أي والله إنَّ يُوسُفَ وأخاه، ﴿أَحَبُّ﴾ اسم تفضيل مجرد من (أل) والإضافة واجب الإفراد والتَّذكير، فقد جاءت بعده من جارَّة للمفضول، فَأُفْرِدَ مع الاثنين ﴿إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَماعَةٌ أقويَاء نافِعُونَ أحَقُّ بِحُبِّهِ وأجْدَرُ بِكَلفِه.
فَذَكَروا أوَّلاً مِحْنَتَهُم ومَأسَاتَهُم في يُوسُفَ وأخيهِ، حَيثُ صَرَفَا وجْهَ أبيهم يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ عَنْهُم إلى أنْفُسِهِما، وأنَّ تفضيل أبيهم لهما في المحبَّة أمر ثابت متحقِّق لا شبهة فيه.
﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ في تَرْجِيحِهِما وإيثارِهِما وتَفْضِيلِهما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ مَعَ فَضْلِنا عليهما ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ أي غَلَط في الرَّأي وخُرُوجٍ عن الصَّوابِ ظاهِر.
وَفَاتَهُم ما قالَهُ بَعْضُ حُكَمَاءِ العَربِ لمَّا سُئِلَ: أيُّ بَنِيكَ أحبُّ إليكَ؟ قال:
стр. 28
"الصَّغير حتَّى يَكْبَر، والمريض حتَّى يَبْرَأ، والغائِب حتَّى يَؤوب" ويُوسُفُ كَانَ صَغِيراً، وفَوقَ ذلكَ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ كانَ يَتَوسَّمُ فيهِ الصَّلاحَ والتَّقوى والنُّبوَّةَ، وقوَّى ذلكَ تلك الرؤيا الصَّالِحة الَّتي رآهَا يُوسُفُ، فهو مُحِبٌّ له لآمَالِهِ فِيهِ، ولِرَجَائِهِ في مُسْتَقْبَلِهِ.
ومع أنَّ الحبَّ أمْر باطن في الجَنان، ولكنَّ مظاهره لا تخفى على أحد، فهي تبدو على الجوارح والأركان.
ثمَّ ناقَشُوا في اجْتِمَاعِهِم المُغْلَق ما يَصْنَعُونَه في يُوسُفَ، فَفَكَّروا في بادِئ الأمرِ بِقَتْلِهِ، قائِلِينَ: ﴿اقْتُلُوا ... يُوسُفَ﴾.
يا لله! إلى أيِّ حَدٍّ يَصِلُ الحَسَدُ بِقَلْبِ صَاحِبِهِ؟ إلى حَدِّ البَغِي والعُدْوانِ! نَعَم؛ فَبَواعِثُ الحَسَدِ تُهَوِّنُ الأمرَ العَسِيرِ، وتُسَهِّلُ على العَبْدِ ارتِكَاب المظلمة واقْتِرَافَ الذَّنْب العَظِيم، بل إنَّ الحَسدَ إذَا تَمَكَّنَ مِنَ القُلُوبِ لا يَعْرِفُ أخوَّةً ولا صدَاقَةً، ولا يُفَرِّقُ بين رَفِيقٍ أو حَمِيم.
﴿اقْتُلُوا ... يُوسُفَ﴾ اقْتُلُوه تَخَلَّصوا مِنْهُ ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ وإلَّا تَقْتُلوهُ، فألْقُوهُ في أَرْضٍ مَنْكُورة مَجْهُولة بَعِيدة خَلاء فَضَاء.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ لِيُقْبِلَ أبُوكُم عَلَيْكُم أَنْتُم، ولا يُنَازِعُكم في مَحَبَّتِهِ أحَدٌ، ولا يشْغَلُه عَنْكُم شَاغِلٌ في مَحَبَّتِهِ.
﴿وَتَكُونُوا مِنْ ... بَعْدِهِ﴾ من بَعْدِ قَتْلِهِ أو طَرْحِهِ ـ والمَآلُ واحِد ـ ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ بالتَّوبةِ والإنَابةِ إلى الله تَعَالى والرُّجوعِ إليهِ.
وهذا مِنَ الجَهْلِ؛ فإنَّ التَّوبَةَ الَّتي هَذا شأنُها غَيْرُ مَقْبُولةٍ، فإنَّ مَنْ يُضْمِر مِنْ قَبْل عَلى الذَّنْبِ ثمَّ التَّوبة مِنْه، إِنَّما يَقْصِد بِتَوبتِهِ المَكرَ بالله تَعَالى، ولا يَقْصِدُ الرُّجُوعَ إِليهِ حَقِيقَة.
стр. 29
ثمَّ قَرَّ رأْيُهُم على أَخْذِهِ من أبيهِم، وإلقائِهِ في ظُلُمَاتِ البِئر: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فَمَا أعْظَمَ القَتْلَ! وَمَا أَشَدَّ عَاقِبَتَهُ! ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النِّساء] ويلاحظ بين ﴿اقْتُلُوا﴾ و ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾ طباق السَّلب البديع.
﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فَيَكْفِيكُم أن تُلْقُوه في قَعْرِ البِئرِ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ لِيَأْخذَهُ بَعْضُ المَارَّة من المُسَافِرينَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ ما أضْمَرْتُم لَهُ من التَّفْريقِ بينه وبين أبيه.
وكَانَ الَّذي نَهَاهُم عن قَتْلِهِ لِبِقاً وفَطِناً وحَذِراً في حَدِيثِهِ، قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لا تَقْتُلوا أخانا؛ مُتَجَاهلاً الأُخُوَّةَ والنَّسبَ من الأَبِ بَيْنَهُما، لِيُفْهِمَهُم أنَّهُ واحِدٌ مِنْهُم هذا من ناحية، ومن ناحية أُخْرى فَيَظْهَر أنَّ الجُبَّ (البِئر) الَّذي أَرَادَهُ كَانَ مَعْرُوفاً لَدَيْهِم ولدى النَّاس حيْث كان يأمُلُ أنَّه إذا أُلْقِيَ أَخُوهُ فِيهِ، تكُون له السَّلامةُ والنَّجاةُ من الَّذين يَرِدُونَ هذا البِئرَ؛ فقد جاءَتْ كَلِمَةُ ﴿الْجُبِّ﴾ على لِسَانِهِ مُعرَّفَةً، فلم يَقُل: وألْقُوهُ في غَيابةِ جُبٍّ.
دقة النظم القرآني في استخدام حروف المعاني
من جمال اللُّغة العربيَّة أنَّها تفرِّق بين المعاني بطرائق مختلفة، فقد تفرِّقُ بين المعنيين بالحركة، أو برَصْفِ حروف المباني، أو بحرف من حروف المعاني ... وقد صنَّف العلماء كتباً شرحوا فيها معاني الحروف، وبيَّنوا الوجوه الَّتي يتصرَّف الحرف منها.
وقد يعطي الحرف في الجملة ضدَّ ما يعطيه الحرف الآخر، فلو قلْتَ: رَغِبَ في. لكان المعنى أحبَّ، ولو قُلْتَ: رَغِبَ عن. لكان المعنى كره. ولو قُلْتَ: أحمد أحبّ
стр. 30
لوالده من عمرو. لكان المحبّ أحمد، والمحبوب الوالد. فإذا أردت العكس، قُلْتَ: أحمد أحبُّ إلى والده من عمرو، كما قال تعالى على لسان يُوسُفَ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾.
وانظر إلى دقَّة النَّظم القرآنيّ والتَّعبير البيانيّ، قال إخوة يُوسُفَ: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ... (٨)﴾ ولم يقولوا: لأبينا. لأنَّ (إلى) في هذا الموضع حرف من حروف المعاني بمعنى (عند)، وتسمَّى (إلى) المبيِّنة لأنَّها تبيِّن أنَّ مصْحوبها فاعلٌ لما قبلها، وتقع في هذه الحالة بعد ما يفيد حبَّاً أو بغْضاً من فعل تعجُّب أو اسم تفضيل، وقد وقعت ـ كما هو ملاحظ ـ بعد اسم التَّفضيل (أحبّ)، ومرادهم أنَّ يعقوب يحبُّ يُوسُفَ وأخاه أكثر، فالمُحِبُّ هنا يعقوب، والمحبوب يوسف وأخوه.
ولو قُالوا: ليوسف وأخوه أحبّ لأبينا منَّا. لاختلف المعنى تماماً؛ لأنَّ اللَّام في مثل هذا الموضع تسمَّى أيضاً " اللَّام المبيّنة"، لكنَّها تبيِّنُ أنَّ مصحوبها مفعولٌ لما قبلها من فعل تعجب أو تفضيل، فما بعد اللَّام هو المفعول به. والمعنى أنَّ يُوسُفَ وأخاه يحبَّان يعقوب أكثر، فالمحبُّ يوسف وأخوه، والمحبوب يعقوب، وليس هذا المعنى ما قصدوا إليه.
المعاني الَّتي يحتملها لفظ الضَّلال
الضَّلالُ والضَّلالةُ ضدُّ الهُدَى والرَّشاد، والضَّلال أُطْلِقَ في القرآن على معانٍ، منها: الذَّهاب عن معرفة حقيقة الأمر كما ينبغي، ومن ذلك قول أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾، أي في بعد عن معرفة الصَّواب الذي يقتضي تعديل المحبَّة بيننا، ونحوه قول من قال ليعقوب: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.
стр. 31
ومن أشهر المعاني الَّتي يحتملها لفظ الضَّلال في القرآن الضَّلال في الدِّين، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ [الصَّافات] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس].
ويأتي الضَّلال بمعنى الغيبة، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... (١٠)﴾ [السَّجدة] أي خفينا وغِبْنا فيها وصرنا تراباً في ترابٍ، وقال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] أي لا يفوته ولا يغيب عنه.
ويأتي بمعنى البطلان والضَّياع والهلاك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف] أي بطل وضاع وهلك عملهم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ [القمر] أي في هلاك.
ويأتي بمعنى النِّسيان، قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ... (٢٨٢)﴾ [البقرة] ويأتي بمعانٍ أُخر، وهذا يُعْرَفُ بالوجوه والنَّظائر، وسيأتي تحريره وبيانه.
الشُّرُوعُ في المؤامَرَةِ
وَبَعْدَ اتِّفاقِهم على إبعاده وإلقائه، دَخَلُوا على أبيهِم يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ، وهُم يُخْفُونَ الخَدِيعَةَ وسُوءَ النِّيَّةِ، وَبِلِسَانِ العَجَبِ وبِلُغَةٍ فِيها سِحْرٌ وَدَهَاءٌ، قالوا لأبِيهِم ـ وقَد عَرَفُوا أنَّه قَد أوْجَسَ مِنْهُم خِيفَةً على يُوسُفَ لِمَا أحَسَّهُ مِنْهُم مِمَّا اسْتَدْعَى ألَّا يأْمَنَهُم عَلَيهِ ـ: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ أيُّ شيء حَدَثَ حتَّى تَخَافَنا
стр. 32
على يُوسُفَ؟! وماذا بَدَرَ مِنَّا حتَّى تَحْفَظَه مِنَّا؟! ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ مُخْلِصُونَ أُمَنَاء أوفِياء دائماً.
ثمَّ رغَّبُوهُ بِمَا فَصَّلُوهُ بِقَوْلِهِم: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ نَصْب على الظَّرفِيَّة الزَّمانيَّة ﴿غَدًا﴾ يُرِيدونَ أنْ يُعَجِّلُوا فِي تَنْفِيذِ مُؤَامَرتِهم خَشْيَةَ أنْ تَتَبَدَّلَ الأمُورُ، أو يَحْدُثَ فِي مُلْكِ الله تعالى ما لا يُرِيدُونَ ﴿يَرْتَعْ﴾ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ في خِصْبٍ وسَعَة ﴿وَيَلْعَبْ﴾ مَعَنا في الصَّحراء، ثُمَّ أَكَّدوا الأمْرَ ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ إنَّ واللَّام تُفيدان تأكِيدَ الأمْرِ تأكِيداً جَازِمَاً، تأكِيَدَات خارِجَة من اللِّسان، وما خَرَجَ من اللِّسان لا يَتَعَدَّى الآذانَ، لِذَلِكَ لمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ كَلامَهُم الَّذي أظْهَرُوا فِيهِ غَايَةَ المَحَبَّةِ والإخْلاصِ لِيُوسُفَ ـ ﵇ ـ رَابَهُ أمْرُهُم، فَدَلِيلُ المُؤمِنِ قَلْبُهُ، فَما بالكَ إذا كانَ هَذا القَلْب قلب نَبيِّ الله تعالى يَعقُوب ـ ﵇ ـ، فاعْتَذَرَ لَهُم بِعُذْرَينِ: حزنِه على فِراقِه، وخوفِه أنْ يأكُلَه الذِّئبُ وهم غافِلُون عنه.
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ المانع نَفْسِي الَّتي يَحْزُنُهَا ذَهَابُكُم بِهِ لأنَّني لا أقوى على فِراقِه، وليس ذهابكم بِه الموجِب لِحُزْني، أو بِعبارةٍ أخْرى الذَّهَاب بِيُوسُفَ يَحْزُنُني لأنني لا أطيق له فِرَاقاً، وليس الذَّاهِبُونَ بِهِ المُوجِب لِحُزْنِي، تَلَطُّفاً في الجَوابِ مَعَهُم؛ إذ ليس من الحِكْمَةِ أنْ يُصَرِّحَ بما هُم عَلَيْهِ من سُوءِ طويَّةٍ، فيُهَيِّج ذلك حِقْدَهُم وعِنَادَهُم، إنَّما أبَانَ لَهُم أنَّ ذهابَهم به يَحْزُنه؛ لأنَّ الولدَ العاقِلَ البارَّ يَتَجَنَّبُ ما يَحْزُنُ أبَاهُ. ثمَّ كَشَفَ عن عذرِهِ الآخر ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ فالأمَرُّ مِن فِراقِهِ خَوفِي أنْ يَأكُلَهُ الذِّئبُ على حينِ غَفَلةٍ مِنْكُم. وقَد ألقى ـ ﵇ ـ على ألْسِنَتِهِم حُجَّةً يَحْتَجُّونَ بِهَا وعُذْراً يَعْتَذِرونَ بِهِ.
стр. 33
﴿قَالُوا﴾ قَوْل مُنْكِرٍ مُستَغْرِبٍ: نُقْسِمُ لَكَ ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جَمَاعَة ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ وَلَنْ نَكُونَ خاسِرينَ البَتَّةَ، وفِي كلامِهِم وَعْدٌ ضِمْنيٌّ لأبيهِم أنَّهم لن يَغْفَلُوا عنه خاصَّة أنَّهم عُصْبَةٌ جماعة قَويَّةٌ، وكأنَّ قُوَّةَ العَبْدِ تَحْفَظُ، ومَتى كانت قُوَّةُ العَبْدِ تُغْنِي عن قُوَّةِ الرَّبِّ؟!
وقَدْ تَجَاهَلُوا لأبِيهِم وتَهَرَّبُوا من الإِجَابَةِ على حُزْنِهِ، كأنَّهُم ما فَهِمُوا إلَّا أنَّهُ يَأْمَنُهُم على يُوسُفَ لكنَّهُ يَخَافُ عَليهِ من الذِّئبِ في سَاعَةِ غَفْلَةٍ مِنْهُم.
وَدَنَتْ سَاعَةُ الفِراق، فَقَد أرسلَهُ ـ ﵇ ـ مَعَهُم، وذَلِكَ لمَّا سَمِعَ المَواثِيقَ والعُهُودَ: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾، ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ وقَد قِيلَ:"مَنْ خَدَعَنا في الله انْخَدَعنا له".
يُوسُفُ في غَيابَةِ الجُبِّ
ولَمْ يَلْبَثُوا إلَّا قَليلاً حتَّى كَذَّبُوا أنْفُسَهُم فِيما أقْسَمُوا، وأخْلَفُوا ما وَعَدُوا، ولم يُراعُوا لأبِيهِم عَهْداً، ولم يَفُوا له وَعْداً، مَعَ أنَّ الوَفَاءَ بالعَهْدِ من واجِبَاتِ الدِّينِ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء]
لكِنَّ وعْدَهم ذَهَبَ هَدَراً أدراج الرِّياح أسرع من برق الخُلَّب (١).
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ بَعِيداً عن أبيهِ ﴿وَأَجْمَعُوا﴾ رأيهُم ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أن يلقُوهُ في غَوْرِ البِئْرِ، نفَّذوا ما عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَد حُذِفَ جَوابُ ﴿فَلَمَّا﴾ للدّلالَةِ على فَجاعَةِ الأمْرِ وفَظَاعَتِهِ وفداحَتِهِ؛ فما حَدَثَ لا تشْرَحُهُ العِبَارةُ، ولا تَكْفِي فِيهِ الإِشَارَةُ.
стр. 34
وتَقْدِيرُ جواب ﴿فَلَمَّا﴾ المحذوف أنَّهُم جَعَلوه في غيابة البِئر بَعْد أن نَزَعُوا عَنْهُ قَمِيصَهُ، وكان منهم ما الله به عليم، فكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل، أيضاً القرآن لم يفصِّل في هذا المشهد لأنَّ بيانه من شأنه أن يغري من سقمت سريرته على تعلُّمه وتقليده، وهذا خلاف ما أراد الله تعالى من التَّنفير من هذا الفعل وتشنيعه.
وهكذا تنكَّروا لَهُ، وألقُوهُ في ظُلُماتِ البِئْر بلا جُرْمٍ فَعَلَ، ولا ذَنْبٍ جَنَى، وَلَم يَرْحَمُوا صِغَرَه، ولم يَرَأَفُوا بِضَعْفِهِ، ولكن مَنْ كان اللهُ له أَنِيساً فَكَفى بالله تعالى فهو حسبه، وما أحسن قول القائل:
ولا تَجْزعْ إذا ضَاقَتْ أمُورٌ ... فكم لله مِنْ لُطْفٍ خَفِيٍّ
فَقَد أرادَ الله تعالى أن يُطَمْئِنَ نَفْسَ يُوسُفَ ويُسَكِّنَ رَوْعَهُ ويَربِطَ على قلْبِهِ، فأوحى إليه بأنَّهُ سَتحْصُلُ لَهُ النَّجاةُ والخَلاصُ من هَذِهِ المِحْنَةِ، وستكون له سلامَةُ الحَالِ وحُسْنُ المَآلِ، قَال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ أي لَتُخْبِرَنَّ إخْوتَكَ بِفِعْلِهِم مَعَكَ حِينما تَكُونُ عَزِيزاً بِمِصْرَ، وهُم أمَامَكَ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ وَقْتَهَا أنَّكَ يُوسُفُ؛ لِعُلوِّ مَكانِكَ، ولطولِ العَهْدِ.
وَقَد تَحَقَّقَ ذَلِكَ حِينَما قال لهم يُوسُفُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾ كما تَحقَّقَ عَدَمُ شُعُورِهم بأنَّه يُوسُفُ، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.
ظُلْمُ ذوي القُربى
ألا قَاتَلَ اللهُ الحَسَدَ! كَيفَ يُضَيِّعُ أخاً بأيدي إخْوتِهِ، وَيُزَيِّنُ بَغْياً في أعْيُنِ رِجَالٍ نَشَؤُوا في بَيْتِ النُّبوَّةِ، ويُفْجِعُ أباً بأيدي أبنائِهِ.
لقَد جاءت رمْيَةُ يُوسُفَ من عند إخْوتِهِ، ولو جاءت من عند غَيرِهِم لكانتْ
стр. 35
أقلَّ أثراً، وأخَفَّ ألماً! قال طرفة بن العبد:
وَظُلْمُ ذَوِي القربى أشدُّ مَضَاضةً ... على المرءِ من وَقْعِ الحُسَام المهَنَّدِ (١)
لكنَّ اللهَ تعالى يَمْتَحِنُ المُخْلِصين من عِبَادِهِ بألوان الرَّزايا وضروبِ البلايا؛ ليكونوا أقْدَرَ على حَمْلِ الرِّسالةِ وأداء الأمانة، واحْتِمَالِ الأذى في جَنْبِ الله تعالى.
وهكذا أمسَى يُوسُفُ ـ ﵇ ـ في غَيابَةِ البئر، فما عَسى كانت خواطره؟! لعَلَّه كان يَسْألُ نفْسَه كَيفَ سَوَّلَتْ لهم أنْفُسُهُم هذا الأمر؟! وكيف تَطِيبُ لهم أنفسهم أن يتركوه في ظلمات البئر؟! لكن الَّذي لا شكَّ فيه أنَّه إن قَطَعَ الرَّجاء من عودَتِهم، لم يَقْطَع الرَّجاء من رحمة الله تعالى.
عودةُ الأبناء إلى أبيهم يعلوهم البكاء
اللَّيلُ حَالِك، ويَعْقُوب ـ ﵇ ـ في بيتِهِ يَنْتَظِرُ عَوْدَةَ يُوسُفَ لَحْظةً بلحْظَة، ولكن هوِّن عَلَيْكَ يا نبيَّ الله؛ فَلَنْ تَراهُ إلَّا بَعْدَ سنين عدداً!
قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ ... ما أرْخَصَ الدُّمُوعَ إذا كَانتْ دُمُوعَ التَّمَاسِيح! فَعِنْدَ العِشَاء، ولمَّا عَسْعَسَ اللَّيلُ، وخَلَعَ عبَاءَتَهُ السَّوداءَ على الكون، عَادَ الأبناءُ إلى أبيهم يُظْهِرون الحُزْنَ، ويَرْفَعُونَ أصواتَهُم بالبكاءِ. وإنَّما اختاروا العِشاء ليكونُوا أجْرأَ في العِتْمَةِ على الاعْتِذار بالكَذِبِ، وحتَّى لا يتبيَّنَ يعْقُوبُ ـ ﵇ ـ دُمُوعَهُم الكاذِبة.
وقد أخبر الله تعالى عن بكائِهم بالفعل ﴿يَبْكُونَ (١٦)﴾ ولم يخبر بالاسم
стр. 36
(باكين)؛ لإفادة تجديدهم للبُكاءِ شيئاً بعد شيء، وهو ما يُسمَّى حكاية الحال الماضية لاستحضارِها في النُّفوس، وهذا هو سِرُّ الإعراض عن اسم الفاعل، فهناك فرق في الخطاب بين الاسم والفعل، إذ أنَّ الفعل يفيد التَّجدُّد، والاسم يفيد الثُّبوت.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ نَعْدُو ونجري ونتسابق ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ عند ثِيابِنَا وطعَامِنا وحوائجِنَا ليَحْفَظَها ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فجاءَ الذِّئبُ فَأكَلَهُ، ولو قالوا: فافْتَرسَهُ الذِّئبُ، لبَقِي مِنْهُ شيءٌ يَسْتَطِيعُ أبوهُم أنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عليه، ولكن ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ يَعْني: لم يُبْقِ منه شيئاً ولم يَذَر.
ويَكَادُ المُرِيبُ يَقُولُ خُذُونِي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ أي وما أنت بِمُصَدِّقٍ لنا فيما نَقُولُهُ لك، ولو كُنَّا في الواقِعِ صادِقِينَ.
وتُحْمَل (لو) في الآية بمعنى (إنْ) الواقعة للجزاء، فإنَّك تقول: أنت لا تُكْرِمُني ولو أَكْرمتك، تريد (وإنْ)، وعلى ذلك فالمعنى: وما أنْتَ بمؤمنٍ لنا وإنْ كُنَّا صادقين.
من بديع القرآن التَّنكيت
نلاحظ في قول الله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ أنَّه لم يقل: (بمصدِّق)، أو كلمة سواها، فلا يوجد كلمة تحلُّ محلّها، وإنَّما خصَّ سبحانه ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بالذِّكر دون بمصدِّق؛ لأجل نكتة في المذكور ترجَّح مجيئه على سواه، وذلك لما في الإيمان من الزِّيادة في المعنى على التَّصديق، وهذا يُعْرَفُ في علم البديع بالتَّنكيت، وهو أن تقصد لفظاً دون لفظٍ لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان الكلامُ عُرْضَةً للنَّقد.
ففي لفظة ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ من المعنى ما ليس في (مصدِّق)، وذلك أنَّ (مصدِّق)
стр. 37
من التَّصديق، وأمَّا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ فتحمل معنى التَّصديق وإعطاء الأمن، فهم يطلبون تصديقَهم وزيادة، وهو الأمن؛ فلهذا جَنَحَ إليه ولم يُعاقِبْهم.
أيضاً القرآن لم يقل: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنَّا صادقين، لأنَّه لا يقيم وزناً للتَّنسيق والتَّنميق والتَّجنيس في الألفاظ إذا كان على حساب المعنى.
ومن بديع التَّنكيت وحلوه، قوله تعال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (٤٤)﴾ [الإسراء] فقد اختصَّ ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذِّكر دون (تعلمون) لما في الفقه من زيادة على العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ... (٣١)﴾ [الأنعام] فخصَّ ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ دون (رؤوسهم) كون الظُّهور أقوى على الحمل، فكنَّى بها سبحانه عن ثقل الأوزار.
ومن شواهد التَّنكيت، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة] فاختصَّ ﴿الْوَتِينَ﴾ دون العروق، لأنَّه نياط القلب، وهو عرق متَّصل به إذا انقطع مات الإنسان.
قَمِيصُ الجَفَاء
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أرادوا أنْ يُعَزِّزوا قَوْلَهُم ويُوثِّقوا تَبْرِيرَهم، فَقَدَّمُوا لأبيهِم قَمِيصَ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ وعَلَيهِ دَمٌ كَذِبٌ مُفْتَرى، وَوُصِفَ الدَّمُ بالمَصْدَرِ مُبالَغةً، كأنَّ الدَّمَ هو الكَذِبُ عيْنُهُ.
ولكن مَهْمَا دَبَّرَ المُدَبِّرونَ وفَعَل الفاعِلُونَ فلا بُدَّ أنْ يَتْركوا خَلْفَهُم علامَاتٍ وآثاراً تُثْبِتُ أنَّهُم الفاعِلُونَ، فما أَشَدَّ غَفْلَتَهُم! فَقَد جاؤوا بالقَمِيصِ ليَشْهَدَ لَهُم بِصِدْقِهم، فَكَانَ دلِيلاً على كَذِبِهم، فَقَد نَسُوا أن يُمَزِّقوا القَمِيصَ، فلَم يُصَدِّقْهم يَعقُوبُ ـ ﵇ ـ، فأيُّ ذِئْبٍ حَلِيمٍ عاقِلٍ هذا الَّذي يَأكُلُ يُوسُفَ كُلَّهُ دون أن يَشُقَّ
стр. 38
قَمِيصَه، أو يُحْدِثَ فيه أيَّ خَدْشٍ أو خرْق أو تَمْزِيق؟! وأيّ ذِئْب رَشِيد هذا الَّذي يَنْزِعُ القَمِيصَ عن يُوسُفَ أوَّلاً ثمَّ يأكُلُهُ؟! وبعدما حسبوه ورَقةً رابِحةً في أيدِيهم وحُجَّةً دامِغَةً لَههم، إذا بهِ حُجَّة ساطِعَة على فَسَادِ دَعْواهم؛ فليْسَ أدلّ على كَذِبِهم من قَمِيصِ يُوسُفَ غَيْر المُمزَّق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النُّور] وصَدَقَ القَائِلُ:
إذا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفَتى ... فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجتِهَادُهُ
يعقوب يتلقى الخبر بالصبر
فَكَيْفَ تَلَقَّى ـ ﵇ ـ هَذا النَّبأَ العَظِيمَ؟! والله ما مَلأَ الدُّنيا عَويلاً ولا صُرَاخاً، إنَّما كُلُّ الَّذي قَالَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زَيَّنتْ لَكُم أنْفُسُكُم أمْراً عَظِيماً في يُوسُفَ فَأَقْدَمْتُم عَلَيهِ، وأضْرَبَ ـ ﵇ ـ عن التَّصرِيحِ بِكَذِبِهم، ولكن يفهم من قوله أنَّه حكم عليهم بالكذب، وأنَّ الذّئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم.
ثمَّ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقَضَاءُ الله تعالى لا يُواجَهُ بِغَيرِ التَّسْلِيمِ، وليْسَ لَهُ عُدَّةٌ سوى الصَّبر الجَمِيل ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى﴾ احتِمَالِ ﴿مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ وتذكُرونَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ، وعلى فَضْحِ دَعْواكُم وَكَشْفِ حَقِيقَتِكُم، و ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ [الأنعَام] وكلّ آتٍ قَريب، وكلُّ همٍّ إلى فَرَجٍ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نَعَم يا يَعْقُوب، يا مَنْ شَرِبْتَ كَأسَ البَلاءِ صابِراً مُحْتَسِباً، وأنْتَ عِنْدَ الله تعالى من الصَّابِرينَ!
الصَّبْرُ الجَمِيلُ
لم يَجْزَعْ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ ولم يَهْلَعْ، ولم يَشْكُ أَمْرَهُ لِمَخْلُوقٍ؛ لأنَّهُ نَبيٌّ حَلِيمٌ، ومن