(باكين)؛ لإفادة تجديدهم للبُكاءِ شيئاً بعد شيء، وهو ما يُسمَّى حكاية الحال الماضية لاستحضارِها في النُّفوس، وهذا هو سِرُّ الإعراض عن اسم الفاعل، فهناك فرق في الخطاب بين الاسم والفعل، إذ أنَّ الفعل يفيد التَّجدُّد، والاسم يفيد الثُّبوت.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ نَعْدُو ونجري ونتسابق ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ عند ثِيابِنَا وطعَامِنا وحوائجِنَا ليَحْفَظَها ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ فجاءَ الذِّئبُ فَأكَلَهُ، ولو قالوا: فافْتَرسَهُ الذِّئبُ، لبَقِي مِنْهُ شيءٌ يَسْتَطِيعُ أبوهُم أنْ يُقِيمَ الدَّليلَ عليه، ولكن ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ يَعْني: لم يُبْقِ منه شيئاً ولم يَذَر.
ويَكَادُ المُرِيبُ يَقُولُ خُذُونِي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ أي وما أنت بِمُصَدِّقٍ لنا فيما نَقُولُهُ لك، ولو كُنَّا في الواقِعِ صادِقِينَ.
وتُحْمَل (لو) في الآية بمعنى (إنْ) الواقعة للجزاء، فإنَّك تقول: أنت لا تُكْرِمُني ولو أَكْرمتك، تريد (وإنْ)، وعلى ذلك فالمعنى: وما أنْتَ بمؤمنٍ لنا وإنْ كُنَّا صادقين.
من بديع القرآن التَّنكيت
نلاحظ في قول الله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ أنَّه لم يقل: (بمصدِّق)، أو كلمة سواها، فلا يوجد كلمة تحلُّ محلّها، وإنَّما خصَّ سبحانه ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ بالذِّكر دون بمصدِّق؛ لأجل نكتة في المذكور ترجَّح مجيئه على سواه، وذلك لما في الإيمان من الزِّيادة في المعنى على التَّصديق، وهذا يُعْرَفُ في علم البديع بالتَّنكيت، وهو أن تقصد لفظاً دون لفظٍ لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان الكلامُ عُرْضَةً للنَّقد.
ففي لفظة ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ من المعنى ما ليس في (مصدِّق)، وذلك أنَّ (مصدِّق)
стр. 37
من التَّصديق، وأمَّا ﴿بِمُؤْمِنٍ﴾ فتحمل معنى التَّصديق وإعطاء الأمن، فهم يطلبون تصديقَهم وزيادة، وهو الأمن؛ فلهذا جَنَحَ إليه ولم يُعاقِبْهم.
أيضاً القرآن لم يقل: وما أنت بمصدِّق لنا ولو كنَّا صادقين، لأنَّه لا يقيم وزناً للتَّنسيق والتَّنميق والتَّجنيس في الألفاظ إذا كان على حساب المعنى.
ومن بديع التَّنكيت وحلوه، قوله تعال: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... (٤٤)﴾ [الإسراء] فقد اختصَّ ﴿تَفْقَهُونَ﴾ بالذِّكر دون (تعلمون) لما في الفقه من زيادة على العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ... (٣١)﴾ [الأنعام] فخصَّ ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ دون (رؤوسهم) كون الظُّهور أقوى على الحمل، فكنَّى بها سبحانه عن ثقل الأوزار.
ومن شواهد التَّنكيت، قوله: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة] فاختصَّ ﴿الْوَتِينَ﴾ دون العروق، لأنَّه نياط القلب، وهو عرق متَّصل به إذا انقطع مات الإنسان.
قَمِيصُ الجَفَاء
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أرادوا أنْ يُعَزِّزوا قَوْلَهُم ويُوثِّقوا تَبْرِيرَهم، فَقَدَّمُوا لأبيهِم قَمِيصَ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ وعَلَيهِ دَمٌ كَذِبٌ مُفْتَرى، وَوُصِفَ الدَّمُ بالمَصْدَرِ مُبالَغةً، كأنَّ الدَّمَ هو الكَذِبُ عيْنُهُ.
ولكن مَهْمَا دَبَّرَ المُدَبِّرونَ وفَعَل الفاعِلُونَ فلا بُدَّ أنْ يَتْركوا خَلْفَهُم علامَاتٍ وآثاراً تُثْبِتُ أنَّهُم الفاعِلُونَ، فما أَشَدَّ غَفْلَتَهُم! فَقَد جاؤوا بالقَمِيصِ ليَشْهَدَ لَهُم بِصِدْقِهم، فَكَانَ دلِيلاً على كَذِبِهم، فَقَد نَسُوا أن يُمَزِّقوا القَمِيصَ، فلَم يُصَدِّقْهم يَعقُوبُ ـ ﵇ ـ، فأيُّ ذِئْبٍ حَلِيمٍ عاقِلٍ هذا الَّذي يَأكُلُ يُوسُفَ كُلَّهُ دون أن يَشُقَّ
стр. 38
قَمِيصَه، أو يُحْدِثَ فيه أيَّ خَدْشٍ أو خرْق أو تَمْزِيق؟! وأيّ ذِئْب رَشِيد هذا الَّذي يَنْزِعُ القَمِيصَ عن يُوسُفَ أوَّلاً ثمَّ يأكُلُهُ؟! وبعدما حسبوه ورَقةً رابِحةً في أيدِيهم وحُجَّةً دامِغَةً لَههم، إذا بهِ حُجَّة ساطِعَة على فَسَادِ دَعْواهم؛ فليْسَ أدلّ على كَذِبِهم من قَمِيصِ يُوسُفَ غَيْر المُمزَّق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النُّور] وصَدَقَ القَائِلُ:
إذا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنَ الله للفَتى ... فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجتِهَادُهُ
يعقوب يتلقى الخبر بالصبر
فَكَيْفَ تَلَقَّى ـ ﵇ ـ هَذا النَّبأَ العَظِيمَ؟! والله ما مَلأَ الدُّنيا عَويلاً ولا صُرَاخاً، إنَّما كُلُّ الَّذي قَالَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي زَيَّنتْ لَكُم أنْفُسُكُم أمْراً عَظِيماً في يُوسُفَ فَأَقْدَمْتُم عَلَيهِ، وأضْرَبَ ـ ﵇ ـ عن التَّصرِيحِ بِكَذِبِهم، ولكن يفهم من قوله أنَّه حكم عليهم بالكذب، وأنَّ الذّئب لم يأكله بظهور علامة كذبهم.
ثمَّ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَقَضَاءُ الله تعالى لا يُواجَهُ بِغَيرِ التَّسْلِيمِ، وليْسَ لَهُ عُدَّةٌ سوى الصَّبر الجَمِيل ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى﴾ احتِمَالِ ﴿مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ وتذكُرونَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ، وعلى فَضْحِ دَعْواكُم وَكَشْفِ حَقِيقَتِكُم، و ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾ [الأنعَام] وكلّ آتٍ قَريب، وكلُّ همٍّ إلى فَرَجٍ.
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نَعَم يا يَعْقُوب، يا مَنْ شَرِبْتَ كَأسَ البَلاءِ صابِراً مُحْتَسِباً، وأنْتَ عِنْدَ الله تعالى من الصَّابِرينَ!
الصَّبْرُ الجَمِيلُ
لم يَجْزَعْ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ ولم يَهْلَعْ، ولم يَشْكُ أَمْرَهُ لِمَخْلُوقٍ؛ لأنَّهُ نَبيٌّ حَلِيمٌ، ومن
كما سَابَقَ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بين الخيل لما في ذلك من المصلحة في إعدادها للقتال كرّاً وفرّاً، أخرج البخاري، عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ: " أَنَّ رَسُولَ الله ـ ﷺ ـ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ (١) مِنْ الْحَفْيَاءِ (٢) وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا" (٣)
لا تُلَقِّنوا أولادَكُم الحُجَّة فَيَكْذِبُوا
لقَّنَ يَعْقُوبُ ﵇ أولادَهُ الحُجَّةَ فَكَذَبُوا، قال لَهُم: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ... (١٣)﴾ فَأَخَذوا من فَمِهِ هذه الكَلِمَة وجَعَلوها حُجَّتَهُم، فَقَالوا: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ... (١٧)﴾؛ فافْهَم.
الجَهْلُ بالغَيْبِ
عَرَفْنا أنَّ يَعْقُوبَ ـ ﵇ ـ قَدْ سَلَّمَ يُوسُفَ لإخْوَتِهِ أمَانةً غالية يرْتَعُ ويَلْعَبُ، لكنَّهُ لم يَرتَعْ ولم يَذُقْ حَلاوةَ اللَّعبِ، وإنَّما جَعَلُوه في غيابَةِ الجُبِّ وَحِيداً فَريداً، ولو اطَّلَعَ يَعْقُوبُ ـ ﵇ ـ على الغَيْبِ، وَعَلِمَ من الأمْرِ شيئاً ما فرَّطَ في يُوسُفَ لَحْظَة، ولكن لا يَعْلَمُ الغَيْبَ المُطْلَقَ إلَّا الله ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرَّعْد].
إنَّ حِكْمَةَ الله تعالى اقْتَضَتْ أنْ تُخْفِيَ صَفْحَةَ الغَيْبِ عَنَّا؛ لِتَسِيرَ المُجْرَياتُ في طَريقِها السَّلِيم، وقَد أقْفَلَ الله تعالى أبْوابَ مَعْرِفَةِ الغَيْبِ عَنَّا رَحْمَةً بِنَا؛ فلو عَلِمَ النَّاسُ الغَيْبَ لكَانَ أكْبَرَ ضَرَرٍ عليهم، ذلك أنَّ العَبْدَ لو اطَّلعَ على صَفْحَةِ الغَيْبِ
стр. 42
وعَلِمَ أنَّه سَيَمُوتُ بَعْدَ عَامٍ مثلاً لم يُفَكِّرْ يومَاً في عَمَلٍ أو في شأنٍ من شؤون الحياة، ولظلَّ حَزِيناً، ينتَظِرُ أجله ساعةً بَعْدَ ساعة ...
أيضاً لو اطَّلَعَ النَّاسُ بَعْضُهم على ما في قُلُوب بَعْضٍ من الغِشِّ والحِقْدِ والكُرْهِ والضَّغِينَةِ والغِلّ والرِّياء ... فَكَيْفَ يَعِيشُ النَّاسُ سُعَدَاء؟! فالجَهْلُ بالغَيْبِ والمُسْتَقْبَلِ، والجَهْلُ بما في الصُّدُور والقُلُوبِ رَحْمَة من الله تعالى تَضْمَنُ لنا السَّعادَة ونحنُ لا نَشْعُرُ.
ولَم يُظْهِر الله تعالى على غَيْبِهِ أحداً إلَّا بَعْض الرُّسُلِ؛ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً لهم، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجنّ] فالرُّسُل مؤيَّدونَ بالمُعْجِزَاتِ، ومنها الإخْبَارُ عن بَعْضِ المُغَيَّباتِ، كما قَالَ تعالى عن عيسى ـ ﵇ ـ: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ ... فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ ... فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ ... إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾ [آل عمران].
أمَّا عُشَّاق الضَّلالِ كالعَرَّافين والعباقِرة الفلكيِّين والرَّمَّالِينَ والنَّاظِرينَ في الكَفِّ أحْفَاد الشَّياطِين، الَّذين أوهموا النَّاسَ أنَّهُم قَد عُيِّنُوا على اللَّوح المحفوظ، لا يَعْلَمُونَ من الغيب شيئاً ولا يَجُوزُ تصديقُهم ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ [يونس]
فالله تعالى وحده يعلم الغيب، و ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام]، و ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ [الأنبياء]، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ [النَّمل]، و ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ... بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾ [التّغابن]
ومن جميل الموافقات، قول زهير:
стр. 43
فلا تكْتُمُنَّ الله ما في نفوسِكُمْ ... ليخْفَى ومهما يُكْتَم اللهُ يَعْلَم
يؤخَّرْ فَيُوضَعْ في كِتَابٍ فيُدَّخَرْ ... لِيَومِ الحِسَابِ أو يُعَجَّلْ فَيُنْقَم
قاله زهير في جاهليَّته، فوافق قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ... (٢٩)﴾ [آل عمران] وهو قريب أيضاً من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة]
الحَسَدُ مَثَارُ أوَّل جِنَايَةٍ
كَانَ حَسَدُ أولادِ يَعْقُوب ـ ﵇ ـ لأخِيهِم قَدْ حَمَلَهُم على الخَلاصِ مِنْهُ بِإِلقَائِهِ في غَيَابَةِ الجُبِّ، فَقَطَعُوا بذلِكَ الرَّحمَ، وأخْلَفُوا الوَعْدَ، وعَقُّوا أباهُم، وكَذَبُوا عَلَيهِ، فَبَواعثُ الحَسَدِ تُسَهِّلُ على العَبْدِ ركُوبَ العَظائِم.
وأوَّلُ جِنَايَةٍ ارتُكِبَتْ مُنْذُ آدم ـ ﵇ ـ كَانَ مَثَارُها الحَسَدَ، حيْثُ قَتَلَ أحَدُ ابني آدَم ـ ﵇ ـ أَخَاهُ الآخر حَسَداً، قال تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة]، إلى قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة].
في الحَسَدِ
الحَسَدُ: أن يتمنَّي العَبْدُ زَوالَ النِّعْمَةِ عن صَاحِبِها وتحوّلها إليه، أو بِعِبَارة أخرى، الحَسَد: أَنْ يَرَى الرَّجُلُ لأَخيه نِعْمَةً، فَيتَمَنَّى أَنْ تَزُولَ عنه وتكُونَ له دُونَه. والمُسْلِمُ لا يحسُدُ، إذ الحَسَدُ حرامٌ شرْعاً، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤)﴾ [النِّساء]، وقال تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ
стр. 44
أَنْفُسِهِمْ ... (١٠٩)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق]، فذمُّ الله تعالى للحسدِ مقتضٍ تحريمه له ونهيه عنه، ذلك أنَّ الحَسَدَ مُنَافٍ لحُبِّ الخيرِ والإيثارِ فيه، واعتراضٌ على قِسْمَةِ الله تعالى منَّته بين خَلْقِه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... (٥٤)﴾ [النِّساء]، وقال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزُّخرف]
وقال ـ ﷺ ـ: " إيَّاكُمْ والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تحسَّسُوا، ولا تجسَّسُوا، ولا تنَاجَشُوا (١)، ولا تحاسَدُوا، ولا تباغَضُوا، ولا تدابَروا، وكُونُوا عِبادَ الله إخْواناً ". (٢)
وهناك حَسَدٌ بِمَعْنى تمنِّي زوال النِّعمة عن مستحِقٍّ لها، وهناك حسد بمعنى البَغيِ والعدوانِ؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق] أي إذا بَغَى وأظْهَرَ حَسَدَه وعَمِلَ بِمُقْتَضاهُ.
فمتى يَصيرُ الحسدُ بَغياً وعُدْوَاناً؟ الجَواب: إذا سَعَى العَبْدُ في إفْسادِ نعمةِ الله تعالى على صاحبِها، فإذا رأَى نِعْمَةً وتَمَنَّى زوالها أو هَلاكَها أو تمنَّى تحوّلها إليه فهَذا حَسَدٌ، أما إذا سَعَى ليفسد فيها، وعَمِل على إزالتها فهذَا ﴿إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق]، وَهو شَرٌّ مَن الحَسد؛ لأنَّه حسد مضاف إليه البغي والعدوان.
стр. 45
وَلَيس مِنَ الحسدِ الاغتباط، وَهو أن تتمنى مِنَ الله تعالى أَن يكونَ لكَ مِن الخَيرِ مِثْل غيرِك دُوْنَ زَوَالِ ما عندَه؛ لقول النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ: " لا تحاسد إِلَّا فِي اثنتين: رَجُلٌ آتاه اللهُ القرآنَ فهو يتلوه آناءَ اللَّيلِ والنَّهارِ، يقول: لَو أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِي هَذا لَفَعلتُ كَما يَفعَلُ، وَرجُلٌ آتاه اللهُ مَالاً يُنفِقُه في حَقِّه، فَيقولُ: لَو أُوتيتُ مِثلَ ما أُوتي هَذَا لَفَعَلْتُ كما يَفْعَل " (١)
فمَنْ تَمَنَّى مِنَ الله تَعَالى أنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ الرَّجُلَيْن اللَّذَيْن ذَكرَهُمَا النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ في حديثِه الشَّريف أعطَاه اللهُ تعالى مِثْلَهما في الْأجْر وَالثَّواب؛ لأنَّ هذا حَسَدٌ مجازيٌّ وهو ما يُعْرَف بالغبطة، وليس حسَداً حقيقياً.
ويفهم من الحديث أنَّ من الغبطة أنْ يتَمَنَّى الإنسان مِثْل النِّعْمَة الَّتِي عَلَى أخيه مِنْ غَيْر زَوَالهَا عَنْه، فَإِنْ كَانَتْ تلك النِّعمة طَاعَة فَهِيَ مُسْتَحَبَّة، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُور الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَة، كما يُفهمُ أنَّه لَا غِبْطَة محمودة إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ ونحوهما.
وقَد أوجِدت الغبطة في الإنسان لِيُنافِسَ غيره من أهل الفضل في جلائل الأعمال، فيكثر الخيرُ، ويزداد النَّفعُ، ولم تُوجَد ليسعى في إزالة الفضل والخير عن أخيه، فهذا من الحسد.
وَلا رَيْبَ أَن الحَسَد أكثر ما يكون بَينَ المشْتَرِكين فِي حال مِن الأَحوَال: كالمُشْتَرِكِينَ فِي صَنْعة، أو تِجَارة، أَو زِرَاعَة، أوحِرْفَة، أَو عِلْم، أَو دِرَاسَة، أَو مَنْصِب، أو رياسَة، أو غِنَى ... وكلَّما ذَاعَ صِيْتُ الإنسان حَسَده مَنْ يُشَارِكه فِي ذَلِكَ الصِّيت، وَكُلَّما ارْتَفَعَ الصِّيتُ، وَحَسُنَ الذِّكْرُ ازْدَادَ الحَسَدُ.
وَإنَّك لَترى الحَاسِد لا يُرِيدُ أنْ يُشارِكَهُ في المجْدِ والرِّفْعَةِ أحدٌ، ولذلكَ تَراه يَسْعَى جاهِداً لإزالةِ الفَضلِ عن المَحْسُودِ ولو بإلحَاقِ الأذيَّةِ بِهِ ... أجارنا اللهُ من
стр. 46
غَوائِل الحَسَد، وأعَاذَنا من شَرِّه.
مُقارَنة بين سيِّدنا يُوسُفَ ـ ﵇ ـ وَسَيِّدنَا مُحمَّد ـ ﷺ ـ فِي مَسْأَلة وُجُودِ الأب وَعَدَمِه
إِذَا عَقَدْت مُقَارنة بين سيِّدِنا يُوسُفَ ـ ﵇ ـ وَسَيِّدنا محمَّد ـ ﷺ ـ تجدُ أنَّ يُوسُفَ لمَّا وُلِدَ وَجَدَ لَهُ أَباً يَحْنُو عَلَيهِ ويُحِيطه بَفَائق الْعِنَاية والرِّعَاية، ومحمَّد ـ ﷺ ـ لمَّا وُلِدَ وَتَلفَّت حَوَاليه لَم يَجِدْ أَباه، وَمَعَ ذَلِكَ مَا أَغْنَتْ حَيَاةُ يَعْقُوب ـ ﵇ ـ عَن يُوسف شَيْئاً، فَقَد انْتُزِعَ يُوسُفُ مِن بين يَدَيهِ، وَجَرَى لَهُ ما جَرَى، وَمَا اسْتَطَاع يَعْقُوب ـ ﵇ ـ أَن يَرُدَّ المقادِيرَ شَيْئاً، ومُحمَّدٌ ـ ﷺ ـ اليَتِيم يسَّرَ اللهُ له مَنْ شَمِلَهُ بِعنَايَتهِ من مَوْلِده حَتَّى وَفَاتهِ، فَالله تَعَالَى يُعْطينا صُورةً أَنَّ حَيَاة الوَالِدَين لا تُغَيِّر مِن مُجْرياتِ الْقَدر شَيْئاً، وَأَنَّ قَضَاءَ الله تَعَالى نَافِذٌ لا يَردُّه أحدٌ.
خُرُوج يُوسُفَ من الجُبِّ
وَبَيْنَما يُوسف فِي الْجبِّ مُحْتَسِباً أَمْرَه إِلى الله تَعَالى، إِذْ جَاءَت رِفْقَةٌ تَسِيرُ لِمصْرَ، وَعِنْد الجُبِّ انْتَدَبوا ساقِياً يَرِدُ لَهُم عَلَى الجُبِّ، وَيَأْتِيهِم بِالماءِ، قَال تَعَالى ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا ... وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ رَمَى الْوَارِدُ دَلْوَه فِي الْجبِّ فَتَعَلَّق يُوسُف بِهَا، فَلمَّا رَآه ﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ نَادَى بِفَرَحٍ وَسُرُورٍ الْبُشْرى عَلَى عَادَة الْعَرَبِ كَمَا تُنَادِي الْحَسْرة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ... (٣٠)﴾ [يس].
ثُمَّ اتَّفَقَ الْوَارِدُ وَأَصْحابُهُ عَلَى إِخْفاء أَمْرِ يُوسُفَ وَبَيعِه بِمِصْرَ مَتَاعاً كَمَا تُبَاعُ الْبِضَاعةُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ لَم يَخْفَ عَلَيْهِ تَعَالى أَسْرَارَهم وَمَا عَزَمُوا عَلَيه فِي أَمْرِ يُوسُفَ، وَلَكنَّ حِكْمَةَ الله تَعَالى اقْتَضَت ذَلِك؛ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ [الأنفال].
وقد يؤتى بهذا المصدر محتملاً المعنيين معاً، نحو قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ [الإنسان] أي اصبر لقضاء العليم، ومثله قوله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ [القلم] وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾ [الطُّور] فهذا ممَّا يتَّسع فيه المعنى فيحتمل المعنيين كليهما: القضاء، والعلم.
مُرَاوَدة امْرَأَة الْعَزِيز لِيُوسُفَ
حَلَّ يُوسُفُ فِي قَلْب امْرَأَة العَزِيز محلاً كَبِيراً من حَيْث لا يَشْعُر، وَظَنَّت أنَّه حِينَ يَعْلَم بِمَيلِها يُسَرُّ السُّرُور الْعَظِيم ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ هَكَذَا عَبَّر القرآنُ الكريمُ عَن امْرَأَة العَزِيز بالاسم الموصول المفرد المؤَنَّث ﴿الَّتِي﴾ وهو المسند إليه، زيادة في التَّقرير، فهو مسوق لتنزيه يوُسُفَ، والسَّتر عليها.
وفي قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ كناية عن صفة، والكناية لفظ استتر معناه، لغرض، والغرض هنا التَّعبير عن المعنى القبيح المستهجن بالكناية عنه باللَّفظ المهذَّب الَّذي لا ينبو عنه الطَّبع، فقوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ كناية عن المخادعة، وما احتالت به.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ وَأَحْكَمَت إغْلَاقَهَا وإطباقها، وَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِها، ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ واللَّام في ﴿لَكَ﴾ للتَّبيين، والمعنى: هَلُمَّ، أقبل، تَعَال أقول لك! وَهَذَا نِدَاء نَفْسها الأمارة الَّتي زَيَّنَت لها السُّوءَ، وكلمة ﴿هَيْتَ﴾ وحيدة في القرآن مادَّة وصيغة.
فَلمَّا سَمِع ـ ﵇ ـ نِدَاءَهَا، وَعَلم مُرَادَها؛ خَيَّبَ فَأْلَها، وَرَدَّ كَيْدَهَا إِلى نَحْرها، وَتَعَفَّف، وَامْتَنَع، وأَبَى إبَاءً شَدِيداً، وَدُون أدْنى تَفْكِيرٍ وَبِلِسَان التَّقْوَى ﴿قَالَ مَعَاذَ
стр. 51
اللَّهِ﴾ أَلْتَجئ إِلَى الله، أَرتَكنُ عَلَى جَناب الله، أَتَحَصَّنُ بِحِمى الله.
موقِف مَبْدئيٌّ وَثَابت لَا يَقْبَل المُساومة ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ يَعْنِي بِه إلهه سُبْحانه ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ غَمَرَني بِإحْسَانه، وَكَلَأني بِرعَايته، فَلَا أَعْصِيهِ؛ ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ وَهَذا نِدَاء نَفس يُوسف الْمطْمَئِنَّة، وَهَيهَات هَيْهَات بينَ نَفس امْرَأَة الْعَزِيز الأَمَّارة، وَنَفس يُوسُف المطمئِنَّة.
وهكذا بعد أن غَلَّقَتْ عليه أبوابَ بيتها فَتَحَ الله تعالى عليه بَابَ العِصْمَةِ، فلم يُضِرْهُ ما أُغْلِقَ بعد أن أكرمه الله تعالى بما فَتَحَ عليه من الحكمة والعلم!
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ (٢٤)﴾ وَفي هَذِه الآية تَعثَّرَت أَقْلَام، وَزلَّت أقْدَام، وَضَلَّت أَفْهَام؛ ففي هَذِه الآية قَالُوا كلاماً ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم]
وَتَفْسِير الْآيَة جدّ يَسِير ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾: كَلَامٌ تَامٌ نَقِفُ عَلَيه، ثُمَّ نبتدِئُ بقوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أَي وَلَوْلا أَن رَأَى بُرْهَان رَبِّه لَهَمَّ بِهَا، فالهمُّ ممتنعٌ وقوعه من أجل وجود البرهان، فَيُوسُفُ ـ ﵇ ـ لم يَقَعْ منه فِعْلٌ وَلَا هَمٌّ بالفعل، وَالْآيَة نَاطِقَة مُصَرِّحة بذلك، فَهَذَا الْكَلَام من قَبِيل التَّقْدِيم والتَّأْخِير، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾ [القصص] أَي لَوْلَا أَن رَبَطْنَا عَلِى قَلْبِهَا لَكَادت تُبْدِي بِه، فَهَذا عَلَى تَقْديم الجواب وَتَأْخير الشَّرط، أَو عَلِى حَذِف الجواب لدلالة مَا قبله عليه، وهذا التَّقْديم وَالتَّأْخِير إِنَّما جَاء لِوُجوه بَلَاغِية وَحِكَم ربَّانِيَّة وَأُمُور إِيمَانِيَّة وَانْتَهَت الْقَضِيَّة.
نعم، هذا على التَّقديم والتَّأخير، ولذلك لا ينبغي أن نقف في المعنى عند قوله
стр. 52
تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ ونسكت؛ فقد يتبادر إلى الأفهام والأذهان أنَّ الهمَّ قد وَقَعَ، وليس كذلك، فلا يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ على ثبوت الهمِّ؛ لأنَّ لولا: حرف امتناع لوجود، فالهمُّ ممتنع وقوعه لوجود رؤية يُوسُفَ لبرهان ربِّه، فالآية تقديرها: لولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها، لكنَّه رأى البرهان فلم يهمَّ بها.
فأنت تقول: لقد قتلته لولا أن تداركتني رحمة الله. فلو وقف السَّامع عند قولك: لقد قتلته، لتوهَّم أنَّ القتل قد وقع، والحقيقة أنَّ القتل ممتنع وقوعه لوجود رحمة الله تعالى، ويكون المعنى: لولا أن تداركتني رحمة الله لقتلته، فالقتل لم يقع أصلاً. ونظير ذلك حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ (١)، قولك: لقد خرجنا لولا نزول المطر، فالخروج لم يقع لنزول المطر، فالتَّقدير: لولا نزول المطر لخرجنا، ونظيره: لقد هلكنا لولا أن هدانا الله، فالهلاك ممتنع وقوعه من أجل وجود هداية الله تعالى، وكم من نظير!
أمَّا البرهان الَّذي رآه يُوسُفُ ـ ﵇ ـ فقد أطال المفسِّرون في تعيينه بلا دليل يدل عليه من الكتاب أو السُّنَّة، وفي تعيين ذلك البرهان تكلُّفٌ غيرُ محمودٍ إذ لا سبيلَ إلى معرفته إلَّا بالخَبَرِ المقطوع به، وهذا ما لم أقف عليه.
أمَّا معنى الهمّ فأيّاً كَانَ مَعْناه، فَيُوسُفُ لم يَقَعْ منه هَمٌّ بِهَا البتَّة، بَل هُوَ مَنْفِيٌّ لوُجُود البُرْهَان الْإِلهيّ عنده، ولنفي السُّوء وَالفَحْشَاء برمَّتهما عنه ـ ﵇ ـ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ فَهَذَا نَفْيٌ لوقوع الهمِّ منه بالمعصية؛ فالآية تَعْنِي أنَّ يُوسُفَ ثَابِتٌ ثَبَاتَ الجبال، والسُّوء وَالْفَحْشَاء يَسْعَيَان إلَيه، وَلَو كَان الحَال كما زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ هَمَّ بالمعصية، لكان الثَّابت السُّوء
стр. 53
وَالفَحْشَاء، وَالَّذِي يَمْشِي إِلَيْهِما يُوسُفُ، ولقال تعالى: لِنَصْرِفه عَن السُّوء وَالْفَحْشَاء. فلمَّا لَم يَقُل تعالى ذلك، وَقَال: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثَبَات يُوسُفَ وَنَزَاهَته وَعَلَى عَدَم هَمِّه بالمعصية، ثمّ إنَّ الهمَّ ليس ممَّا يَكْسِبُه العَبْدُ.
وَلِكَي يَقطَع الله كُلَّ لِسَان، قَالَ بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾؛ لِيُبَيِّن لَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ نَفْسَه لَيْسَ لَه سُلْطَانٌ وَلَا غِوَايَةٌ عَلَى يُوسُفَ، فَإِبليس قَالَ لله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص]، وَيُوسُفُ مِن المُخْلَصِين، فَهو مستثنى بـ (إلّا)، والكلام تَامٌ مُوجَب.
وزد عَلَى ذَلِك أَنَّ الله تَعَالى آتى يوسف الحُكْم والعلم قَبْل هَذِهِ الحادثة، وهما من أسباب العصمة، قَال تَعَالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
أَبَعْد هَذَا يَقُولُ قَائِلٌ: إِنَّ يُوسف حَاول؟! أَبَعْد هَذَا البَيَان يَقُول مُكَابِرٌ: إِنَّه كَانَ فِي نَفْسِه شَيءٌ؟!
تنوّع القراءات في ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بين البناء للفاعل والبناء للمفعول
اللُّغة العربيَّة من خصائصها أنَّها لُغَةُ اشتقاق، ولذلك قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب (المخْلِصين) بكسر اللَّام على أنَّها اسم فاعل في قوله تعالى في حقِّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ وقرأ الآخرون ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح اللَّام على أنَّها اسم مفعول.
والمعنى على القراءة الأولى: أنَّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ كان ممَّن أخلص دينه وقلبه وعمله وطاعته لله، فاسم الفاعل يدلُّ على من قام بالفعل أو تعلَّق به، وعلى الثَّانية: أنَّه كان ممَّن أخلصهم الله لنفسه واستخلصهم لرسالته واصطفاهم واختارهم، لأنَّ
стр. 54
اسم المفعول يدلُّ على من وقع عليه الفعل.
ولا تعارض بين القراءتين في المعنى، فالقراءة باسم الفاعل تدلُّ على أنَّ يُوسُفَ أخلص طاعته لله، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... (٥)﴾ [البيّنة] وما ذلك إلَّا بتوفيق من الله تعالى، والقراءة باسم المفعول تدلُّ على أنَّ الله تعالى أخْلَص يُوسُفَ وهيَّأه ليكون من المخْلَصين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ [ص].
فلا تعارض في المعنى بين القراءتين، فالقراءتان تتممُّ إحداهما الأخرى، فإنَّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ كان مُخْلِصاً ومُخْلَصاً.
قَمِيصُ البَرَاءَة
قَال تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ هَكَذَا بِالتَّثْنية، فَهُنَاك قَاعِدَة تَنْطَبِق عَلَى يُوسُفَ ـ ﵇ ـ تَقُول: " الإِحْرَاج يَقُودُ إِلَى الإِخْرَاج " وَأخْرَى تَنْطَبقُ عَلى امْرَأَة العَزِيز، تَقُول: " إِذَا لَم تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ " (١)، فَقَد بَلَغَ مِن عِفَّتِه ـ ﵇ ـ أَنَّه أَسْرَعَ إِلَى الْبَاب لِلْهَرَب، فَعَدَتْ خَلْفَه لِلطَّلب، وَجَذَبَتْ قَمِيصَه، وتَعَلَّقَتْ به لتَحْبِسَه على نفسها ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي شَقَّت قَمِيصه مِن خَلْف ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ وَإِذَا بِزَوْجِهَا الْعَزِيز فَجْأَة لَدَى الْبَاب مُقْبِلاً.
فَاطْمَأنَّ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ لِإِيمَانه ببراءته، فالبريء لا ﴿يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ [الجنّ]، أَمَّا هِي فَسُرْعَانَ ما اسْتَجْمَعَت أَنْفَاسَها، وتَسلَّحت بالكيد والمكر؛ لِتَخْرجَ مِن الشَّرَك الَّذِي نَصَبته، وتثأرَ لِنَفسِها مِن يُوسُفَ، فَقَالَت لزوجها: ﴿مَا
стр. 55
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ (١) سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وكأنِّي بها قالت هذا الكلام اللَّيِّن والظُّلم البيِّن، وهي تَبْكِي، كما قِيل: "وَسِيلةُ المرأة في هُجُومِهَا صُرَاخُها، وَوَسِيلتها فِي دِفَاعِهَا دمُوعُهَا ".
وَتَوجَّهَت الْأنْظَارُ نَحو يُوسُفَ؛ لِيَسْمَعوا مَاذَا يَقُول، وَبِخلاف امْرَأَة الْعَزِيز الَّتي أَطَالت الْكَلَام اقْتَصر ـ ﵇ ـ على أَقَلِّ عِبَارَة يُدَافِع بِهَا عَن نَفْسِه وَتُؤَدِّي غَرَضه، فَقَال ـ وَعَلَامَاتُ الطُّهْرِ بَادِيَة عَلَى مُحيَّاه ـ: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ هِيَ الَّتِي طَلَبَت، وَلَكِنِّي لَم أَسْتَجِب، مُحْتَسِباً أَمْرَه عند الله تعالى، مُؤمِّلاً أَخْذَ الْعَدَالَة مَجْرَاهَا.
ليس البَيانُ بِكَثْرةِ الكَلام
ذهب بعض المفسِّرين إلى أنَّ المرأةَ تتكلم أكثر من الرَّجُل، واستدلُّوا على ذلك بأنَّ امرأةَ العزيز أطالت وأكثرت الكلام في دفاعِها عن نفسِها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ بخلاف يُوسُفَ ـ ﵇ ـ الَّذي اقتصر على أوجز لفظ، وقال من غير إسهاب ولا إطناب: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ... (٢٦)﴾ وهذا الاستدلال فيه نظر؛ فقد تكلَّم الشَّاهد الَّذي هو من أهلها ـ كما سيأتي ـ بأكثر منها!
ثمَّ خطر لي أنَّ الإسهاب والإطناب، والإيجاز والقصر الوارد في الآيتين يؤخذ منه ما هو أجود من ذلك، يؤخذ منه أنَّ البيان ليس بكثرة الكلام، وإنَّما بإصابة المعنى كما هو معروف في البلاغة.
стр. 56
فسكوتُ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ عن ضروب البيان، ووجوه الكلام، وكثرة الجدال والخصام لم يكن عيّاً، وإنَّما كان عِلماً وفَصَاحةً وورعاً وثقةً بالله.
وسيأتي ليُوسُفَ إسْهَاب في الكلام، ولكن في مقام الدَّعوة إلى التَّوحيد وهو في السِّجن، أمَّا إذا تعلَّق الأمرُ بالافتراء عليه فكان يقتصر على أوْجَز لفْظ، فسيأتي لأخوته اتِّهامه بالسَّرقة، ولم يزد أن قال: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.
وكم من عَالمٍ جَليل، حظُّه من العلم وافِرٌ جزيل، ويموت بموته خير عظيم، جَهِل عليه من جَهِل، وافترى عليه من افترى، فأسكته علمه عن القِيل والقَال، ووكل أمره إلى ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد] ولا غرابة؛ فالعلماءُ ورثةُ الأنبياء.
ألا ترى كيف ردَّ نبيُّ الله يَعقوبُ ـ ﵇ ـ على أولاده لمّا افتروا الكذب، ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ ألا ترى إلى أمّ المؤمنين عائشة ﵂ لمّا افترى عليها من افترى حديث الإفك، قالت: " مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَيَعْقُوبَ وَبَنِيهِ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ والله الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ " (١) فإذا جار عليك النَّاس، فاستجر بالله، فلنعم المجير!
وَثِيقَةُ البراءَة
"وربَّ أَخٍ لكَ لَم تَلِده أمُّكَ " فَقَبْل أَن يَغْرَقَ الْعَزِيز بالحَيْرَة، قَطَعَ عليه حَيْرَته حَاضِرٌ مِن أَهْلِهَا، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقَال ـ عَلَى سَبِيل الشَّهَادة ـ:
стр. 57
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أَي شُقَّ مِن أَمَام ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ أَي شُقَّ مِن خَلْف ﴿فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ فَقَدُّ الْقَمِيص مِن أَمَامٍ دَلِيلُ الإقبال، وَقَدُّه من خلف دَلِيلُ الإدبار.
﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ العزيز ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ اتَّضح الأمرُ، وأَيْقَن بِبَرَاءة يُوسُف وَبِكذْبِها، ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ فَصَار يُوسُفُ فِي مَأْمَن، وَصَارَت هِي مِن الْخِيبَة بِمَكَان، ولم يضرَّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ أَنْ قَدَّتْ قميصه وهو لِبَاسُ الدُّنيا بعد ما صحَّ عليه لباس التَّقوى.
وَهَكَذا أَقَام الشَّاهِد الْحجَّة عليها، وَدَحضَ افْترَاءَهَا، مِصْدَاقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [طه]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ... (٤٣)﴾ [فاطر]
وَقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يفيد اختصاصاً من جهة القرابة، وكَونه مِن أَقَارِبِهَا كَان أَوْجب لِلْحجَّة عليها، وَلَا يَسَعُنا إلَّا أَن نُحيي ذَلِك الشَّاهِد العَدْل والْمُحَامِي المنصف الَّذِي لَم يُرَاعِ الْقَرَابَة، والَّذِي عَمِل بِمُقْتَضَى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ... (١٥٢)﴾ [الأنعام]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النِّساء].
من عجائب النَّظم القرآنيّ
القرآن الكريم عجيب النَّظم، ولا يَعْرِفُ نمطه الغريب، ونظمه العجيب، وتأليفه الأنيق إلَّا من كان آخذاً بطرفيّ النَّظم والنَّثر، فإذا عَرَفَ ذلك عَرَفَ مُفَارقةَ نظْمِ القرآن لِسَائر الكلام، وعرف أنَّ ما دونه أدنى منزلة، وأسهل مطلباً.
ومن عجيب نظمه الواضح كالفجر، الزَّاخر كالبحر، قوله تعالى حكاية عن
стр. 58
الشَّاهد: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ فإنَّه لمَّا كان الخبر يحتمل الصِّدق والكذب، قدَّم الشَّاهِدُ الصِّدقَ مواجهةً، ثمَّ لم يواجه يُوسُفَ ـ ﵇ ـ بالكذب، بل أدخله في جملة الكاذبين، تلطُّفاً في الخطاب.
أيضاً لم يقل: (فقد كذب) كما قال: ﴿فَكَذَبَتْ﴾ مراعاة لأدب الخطاب، والدخول في المعنى بألطف عبارة.
ففي قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ بصيغة الجمع، وإعراضه عن صيغة المفرد (كاذب)، فيه إكرام ليُوسُفَ لئلّا يواجهه بالكذب، وفي إعراضه عن الفعل (كَذَبَ) تكريم آخر ليُوسُفَ لئلّا يناله الفعل.
والكلام عن نظم القرآن يحتاج إلى إرخاء العنان في ميادين البيان، وأضرب عن ذلك بغية الاختصار والإجمال، وهو مبسوط في مصنَّفات علوم القرآن، وهناك شواهد له متفرقة في غير موضع من هذا الكتاب.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ في قوله: ﴿قُبُلٍ﴾ و ﴿دُبُرٍ﴾ و ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ و ﴿الْكَاذِبِينَ﴾ و ﴿الصَّادِقِينَ﴾ من المحسنات البديعيَّة ما يعرف بطباق الإيجاب، والطّباق يُسْهِمُ في تجلية المعنى وإبرازه وتثبيته في ذهن المتلقِّي.
الدَّرسُ الَّذِي نَأْخُذُه مِنَ الحادِثة
مِنَ النَّادِر والْغرِيب بدء المرأة بِمُرَاوَدَة الرَّجُل، فَلَا نَرَى الْمُرَاوَدة والتَّعَرُّض والتَّحَرُّش يَأْتِي أَوَّلاً إِلَّا من الرَّجل، الْأَمر الَّذِي يُؤكِّد لنا رُجْحَانَ كفَّة حَيَاء المرأة عَلَى الرَّجُل.
وَأمَّا هَذِه الْحَادثة، فَزَوْجة الْعَزِيز قد تَكُون علَى شَيءٍ مِن الْعُذْر؛ لِفَرَط حُسْن
стр. 59
يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، وَلِكَثْرَة اختلاطها به، وَلَا نُبَرِّئهَا، فلا شكَّ أنَّها خَاطِئَة، وَلكنَّ المسؤول عَن تصرُّفها القَبِيح هَذَا هو زوجها الَّذِي جَعَل يُوسُفَ تَحْت إِمْرَتِهَا وَسُلْطَانِهَا، وَهَذَا لَا يَجُوز؛ فلا يَجُوز للْخَدَم أَن يَخْتَلطُوا بِنسَاء البيوت الَّتي يَعْمَلُون بِهَا، وَلَا أَن يَطَّلِعُوا عَلَى نِسَائهَا، وَهَذَا خَطَأ مَا زالَت المدنيَّة تُعَانِيه.
وَلَعلَّ الدَّرْسَ الَّذِي نَأْخُذُه مِن هَذِه الحادثة خَطَرُ الاختلاط والخلوة، وَحسْنُ الاستغناء عَن الخَدَم بِجِنسَيْه؛ لِنُحَافظَ عَلَ أَعْرَاضِنا وَحُرُمَاتِنَا، فَمَا كُلّ مَمْلُوك يُوسُف، فَإِنْ كان لَا بُدَّ منهم، فالحَذَرَ الحَذَرَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... (٧١)﴾ [النِّساء]
وَدَرس آخَر فِي مُقَاوَمة هَوَى النَّفْس، فَيُوسُفُ أَبْدى لنا ما اشْتَمَلَتْ عليه نَفْسُه الطَّاهرَةُ من صِفَات عَالِيَة؛ لِيَكُون لَنَا مَثَلاً، وَصَدَق الشَّافِعِي ﵀ الْقَائِل:
عُفُّوا تَعُفَّ نِسَاؤُكم فِي المحْرَمِ ... وَتَجَنَّبوا مَا لَا يَلِيقُ بِمُسْلِم
مَنْ يَزْنِ فِي بيْتٍ بِأَلفِي درْهَمِ ... فِي بَيْتِهِ يُزْنَى بِغَيْر الدِّرْهَم
مَنْ يَزْنِ يُزْنَ بِه وَلَو بِجِدارِهِ ... إِن كُنْت يَا هَذَا لَبِيباً فَافْهَم
إِنَّ الزِّنَا دَيْنٌ فَإِن أَقْرَضْتَهُ ... كَانَ الوَفَاءُ مِن أَهْلِ بَيْتِكَ فَاعْلَم
يا هاتِكاً حُرُمَ الرِّجالِ وقاطعاً ... سُبُلَ المودَّةِ عِشْتَ غيرَ مُكرَّم
لو كُنْتَ حُرّاً من سُلالةِ طَاهرٍ ... ما كُنْتَ هتَّاكاً لحُرْمَةِ مسْلم
فَضْلُ من هَجَرَ الفواحش
ذكر النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ سبعة يظلُّهم الله فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وأحد السَّبعة رَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله.
أخرج البخاري عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ـ ﷺ ـ قال: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ يوم
стр. 60
القيامة فِي ظِلِّهِ (١) يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي الله اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ الله خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " (٢)
ولذلك فإنَّ كلّ من دعته امرأةٌ ذاتُ حُسْنٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ إلى نفسها، فقال لها بلسان اليقين ومنطق الحقِّ المبين: إنِّي أخاف الله ربّ العالمين؛ ليعظها ويزجرها، أو قال ذلك بقلبه زجراً لنفسه، فإن هذا يترتَّب عليه أن يظلَّه الله تعالى في ظلِّ عرشه يوم القيامة، يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، منَّة من الله وفضلاً.
وقد بيَّن النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ أنَّ أعظَمَ بلاء النَّاس من اللِّسان والفَرْج، فقال ـ ﷺ ـ: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ " (٣)
والحديث ليس فيه تقييد بالرَّجل، فالمرأة إذا دعاها رجل إلى نفسه، فقالت: معاذ الله. فهي من السَّبعة الّذين يظلُّهم الله في ظلّه يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ لأنَّ أحكام الشَّرع عامَّة للمكلَّفين أجمعين إلّا إذا ورد خلاف ذلك بنص صحيح صريح.
ولا عجب أن يستحقَّ من ترفَّع عن الفواحش أن يكون في كنف الله وستره، بعد أنّ صدَّق فِعْلُه قولَه، وعصى هوى النَّفس خوفاً من الله تعالى، لا خوفاً من مقولة قائل، أو لومة لائم، أو عقوبة سلطان عادل، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ
стр. 61
الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النَّازعات] وقال سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ خَافَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرّحمن]
فمن وقاه الله من شرِّ لسانه وفرجه، فقد وقي شرّ الشُّرور، وكان النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ ضامناً له على الله أن يدخله الجنَّة، ومن خاف مقام ربِّه، وزجر نفسه عن الهوى، كان حقّاً على الله أن يدخله الجنَّة.
العَزِيزُ يخَطِّئ زَوْجَته
وَبَعْدَما تَبَيَّن لِلْعَزِيز الخيط الأبيض من الخيط الأَسْوَد، وَلَم يَعُد هُنَاك مَجَال لِلشكِّ فِي بَرَاءَة يُوسُف وَكذْب امْرَأَتِه، قَال لها ـ وَالْأَسَى يَمْلَأُ القلب ـ: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ ثُمَّ تَوجَّه بالخطاب إِلَى يُوسُفَ، وَقَالَ له ـ بِلِسَان الرَّجَاء والالْتِمَاس ـ: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الْأَمر وَاكْتُمه وَلَا تَذْكُرْه سَتْراً عَلَيْنَا! ويؤخذ من ذلك استحباب السَّتر على المسيء وكراهة إشاعة الذُّنوب بين النّاس.
ثُمَّ تَوجَّه بالخطاب مَرَّة ثاَنِيَة إِلَى امرأته، وَقَال لها ـ عَلَى وَجْه النُّصح والتَّوبِيخ ـ: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فَالله تَعَالى يَقُول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النِّساء]، ثُمَّ قَالَ لها: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ من المتعمِّدين للخطأ، وَالله تَعَالَى يقول: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النِّساء] لذلك وَجَبَ عليك الاستغفار والتَّوْبَة النَّصُوح.
لكنَّ هَذا النُّصحَ والتَّخْطِيء والتَّوبِيخ لَم يَرْدَعْها، وَظلتْ رَاغِبَةً إِلَى يُوسُفَ، وكان الوَاجِبُ على العَزِيز أَنْ يَأْخذَ حِذْرَه، فيعزلها عَن يُوسُفَ أَو يَعْتقَه، ولكن هَذَا الَّذِي حَدَث ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ... (٤٤)﴾ [الأنفال].
стр. 62
الفرق اللُّغوي بين خاطِئ ومخطِئ
قوله تعالى على لسان عزيز مِصْر: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ من باب تغليب الذُّكور على الإناث، ومن جهة أخرى هناك فرق لُغَوي بين الخاطئين والمخطئين، فالخاطئ: من تعمَّد الخطأ وما لا ينبغي، أمَّا المخطِئ فهو: من أراد الصَّواب فصار إلى غيره، أي من لم يتعمَّد الخطأ، ولذلك قال العزيز لامرأته: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ولم يقل لها: مِنَ المخطئين. وسيأتي لإخوة يُوسُفَ أن يقولوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ أي كنَّا متعمِّدين بالذَّنب، وفيه إشارة بالتَّوبة.
من بديع القرآن الالتفات
الالتفات في المخاطبة هو نقل الكلام عن شيء إلى شيء آخر، وهو ضرب من ضروب البلاغة، وأسلوب من أساليب الفصاحة، ومنه في القرآن قوله تعالى حكاية عن عزيز مصر: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ فحوَّل الخطاب عن يُوسُفَ ﵇ إلى امرأة العزيز.
ولذلك فإنَّه يحسن الوقف على قوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ والابتداء بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ ليظهر الالتفات، ويتبيَّن الفصل بين الأمرين، وهو وقف جائز.
الكَيْدُ فِي القُرْآن الكَرِيم
وَهَذِه الحادثة لم تحطَّ مِن مَنْزِلَة يُوسُف ـ ﵇ ـ، بَل زَادَتْه رِفْعَةً وَعلوَّ شَأْن، لَا سيَّما وَأَنَّ الْعَزِيز نَفْسه قَد أَعْلَن بَرَاءَته وَأَسْنَد مَا حَدَث لامْرَأَتِه، فَقَال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، و ﴿مِنْ﴾: حَرفُ جَرٍّ يفِيد التَّبعِيض وَالتَّجْزِيء، أَي إِنَّ مَا حَدَث
стр. 63
جُزء مِن كَيْدِكُنَّ، أَمَّا كَيْدكنَّ فَعَظِيم، وَلَم يَقُل: إِنَّه كَيْدُكُنَّ؛ لِأَنَّ الكَيْدَ لَا يُدْرَك مَدَاه، ولا يُعرف منتهاه.
وَقَد عَبَّر بِصِيغَة الْجَمع لِأَنَّ الكَيْد مِن طَبْع النِّسَاء، وَلِذَلِك فَإِنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ قَال لِبَعْضِ أَزْوَاجه لمَّا ألحَحْنَ عليه أَن يَأْمر عُمَرَ لِيُصلِّيَ بِالنَّاس بَدَلاً من أَبِي بَكرٍ، قَال: " إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ " (١) فَالْكَيْدُ مِن طَبْعِكُنَّ.
والكَيد موجود فِي النِّسَاء والرِّجَال عَلَى حَدٍّ سَوَاء، إِلَّا أَنَّ كَيْد النِّسَاء أعظم بشهادة الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ فهذه الآية تقرِّر أنَّ كيد النِّساء عظيم، وبذلك يتفوَّقْنَ على الرِّجال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ (٢) فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفلق]
أمّا كيد الشَّيطان فأعظم من كيد النِّساء؛ فبعض كيد النِّساء مُسْتَمدٌّ من وَسْوَسَة الشَّيْطَانِ وَتَسْوِيله، فَهوَ الْمعَلِّم وَهُنَّ التِّلْمِيذَات، أَمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء] فهذا إِذا مَا قِيسَ بالنِّسْبَة لِكَيْد الله تعالى، فَكَيد الله تعالى أَقْوَى مِن كَيْد الشَّيْطان وَأَشَدُّ، قَال تَعَالَى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف]
كلُّ سِرٍّ جَاوَزَ اللِّسَان شَاعَ
وَإِذَا صَار الْكَلَام بيْن اثْنَيْن شَاع وَلَم يَعُد سِرّاً، وَإِذَا خَرَجَ الكَلَامُ من اللِّسَان فليس عليه أَمَان ... فَقَد تَنَاهَى الخبرُ لجماعة من سَيِّدَات نِسَاء المدينة، ولمَّا تحقَّقْنَ منه بسَطْنَ فيها لِسَانَ الملامة، ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ ـ بِلِسَان الْعَجَب وَالْغِيبَة
стр. 64
والتَّثريب ـ: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ عَبْدَهَا يُوسُفَ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَهيَ الْمُتَزَوجَة من عَزِيز مِصر! وَيَأْبَى عَلَيْهَا! وَتُرِيده قَسْراً! ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ اقْتَحَم حبُّهُ أَسْوَار قَلْبِها ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ في خطأ وبعد عن سبيل الرَّشاد. وهذا الكلام من النِّسوة يكشف عن طبيعة الإنسان في حُبِّ الاطِّلاع وتتبُّعِ الأخبار، فإيّاكُم والنَّمائم؛ فإنَّها تزرع الأحقاد وتنبت السَّخائم.
دلالة تجريد الفعل المسند إلى جمع التَّكسير من التَّاء أو قرنه بها
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ النِّسوة فيها أقوال أشهرها وأظهرها أنَّ كلمة نسوة جمع تكسير للقلَّة، والمشهور كسر نونها، ويجوز ضمُّها في لغة، قال القرطبي: "وهي قراءة الأعمش، والمفضل، والسلمي" (١) وإذا ضُمَّت نونها كانت اسم جمع بلا خلاف.
ومعلوم أنَّ من مواضع تأنيث الفعل مع الفاعل جوازاً إذا كان الفاعل جمع تكسير، نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ... (١٤)﴾ [فصِّلت] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ... (٣٤)﴾ [الأنعام] وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ... (٤٣)﴾ [الأعراف] وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ... (١٤)﴾ [الحجرات]
فإن قيل: فلم جُرِّد الفعل من علامة التَّأنيث في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ وأثبت في مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات] مع أنَّ تقديم الفعل يدعو إلى إسقاط علامة التَّأنيث؟!
فالجواب: أنَّ ثبوت التَّاء في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات]
стр. 65
كان مراعاةً لمعنى الجماعة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ... (١٩)﴾، وأمَّا حذف التَّاء من ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ فلأنَّ الفعل المسند إلى جمع التَّكسير يجوز تجريده من التَّاء باعتبار الجمع.
فإن قيل: فما دلالة تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل إذا كان الفاعل جمع تكسير؟!
فالجواب أنَّ الفعل المجرَّد من التَّاء يدلُّ على القِلَّة، فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ يدلَّ على قلَّة عدد النِّسوة اللّاتي اغتَبْنَ امرأة العزيز، أمَّا الفعل المقترن بالتَّاء، مثل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ [الحجرات] فإنَّه يدلُّ على الكثرة، فالأعراب كُثُر، والله تعالى أعلم.
امرأة العزيز تُقِيمُ الحُجَّةَ على النِّسْوة
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ﴾ امرأةُ العزيز ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ (١) أي بعيبهنَّ إيَّاها واحتيالهنَّ في ذمِّها، وقد استُعِيرَ المكر للغِيبة لشبهها له في الخَفاء ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنَّ ضيوفاً عندها، ذريعة وحجَّة لتجمعَهنَّ بيُوسُفَ لينْظُرْنَ حُسْنَه وبهاءَه، فتقيم الحجَّة عليهنَّ، ويعذرنها، ولا يعُدْنَ ينتقدنها.
وقبلْنَ الدَّعوة، وهيَّأت امرأةُ العزيز ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ (٢) وفي الكلام محذوف تقديره: فلمَّا أتين قدَّمَتْ لهنَّ الثِّمار وأنواع الأطعمة ﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ تعالج به الثِّمار أو الطَّعام، وبينما هنَّ منشغلات جاءَت يُوسُفَ ﴿وَقَالَتِ
стр. 66
اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فسَمِعَ كلامها بموجب منزلته من منزلتها، وربَّما كان ـ ﵇ ـ لا يعلم عن تدبيراتها وترتيباتها هذه، فطَلَعَ عليهنَّ كأنَّه البدرُ في ليلة التَّمام، فقد كان ـ ﵇ ـ على حظٍّ وافرٍ من الحُسْنِ وجمال الرُّجولةِ.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ وأجللنه، وبُهِتْنَ لطلعته، وهالهنَّ أمره، وذُهِلْن لجماله، ولشغلهنَّ به فقدْنَ المشاعر والأحاسيس والمدارك، واختلطت عليهن الأمور، ولم يفرِّقْن بين أيديهن وما بها ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ استعارة تصريحيَّة، فقد استعار لفظ القطع عن الجرح، أي جرَّحنها بما في أيديهن من السَّكاكين، وصِرْنَ مخضوباتِ البَنَان وهنَّ لا يشعرن ولا يدرين.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كلمةُ تنزيه عبَّرْنَ فيها عن الدَّهشة البالغة من عظمة صنع الله تعالى ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ وهو من باب المغالاة والمبالغة، فقد كان بشراً ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ ولم يكن ملكاً، وإنَّما هو وَصْفُ مدح؛ لأنَّ الملائكة موصوفة بالجمال والطَّهارة بخلاف الشَّياطين الموصوفة بالقبح والنَّجاسة، وقد ركز ذلك في الأذهان، وإن كان لم يرهما أحد.
وفي هذه التَّعبيرات إشارة إلى وجود بقايا من دين الله تعالى، دين التَّوحيد الَّذي جَاءَ به الرُّسُلُ جميعاً.
فلمَّا طوَّقت امرأةُ العزيز مكرَهنَّ وانتصرت عليهنَّ ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فانظرن ماذا أصابكن من رؤيته ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وامتنع وتحفَّظ تحفُّظاً شديداً كأنَّ فيه عصمة، وهذا اعتراف صريح منها على براءة يُوسُفَ ـ ﵇ ـ وعلى ما في نفسِها من الهوى له.
ثمَّ قالت أمام الملأ مُهَدِّدة متوعِّدة ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ به فيما سيأتي
стр. 67
﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ الأذلَّاء، ولم تعد تخشى لوْمَةَ لائم ولا مَقِيلَةَ قائِل، ونَسِيَتْ أنَّ زلَّة اللِّسان عَثْرةٌ لا تُقَال!
يُوسُفُ ـ ﵇ ـ في السَّماء الثالثة ليلة المعراج وقد أوتي شطر الحسن
روى مسلم عن أنس بن مالك في حديث الإسراء أنَّ رسول الله ـ ﷺ ـ قال: " ... ثمَّ عرج بي إلى السَّماء الثَّالثة، فاسْتَفْتَحَ جِبْريلُ، فقيل: مَنْ أنتَ؟ قال: جبريل. قِيل: ومَنْ معك؟ قال: محمَّدٌ ـ ﷺ ـ. قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِثَ إليه؛ فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بيُوسُفَ ـ ﷺ ـ، إذا هو قد أُعْطِي شَطْرَ الحُسْنِ، فرحَّب ودعا لي بخير ... " (١).
في الفَصْل والوَصْل
من أسرار البلاغة وفنونها معْرِفَةُ مواضِعِ الوَصْل والفَصْل في الجمل، والعِلمُ بذِكْر العاطِف وتركِه. والوَصَلُ عند علماء المعاني المراد به عطْف جملةٍ على أخرى بحرف العطف الواو فقط، والفَصْل تركه.
وتمييز مواطن الفصل من الوصل في الجمل على ما تقتضيه البلاغة أمر متعذّر غَامِض، لا يعرفه إلَّا الخلَّص من العرب، الَّذين طُبِعوا على البلاغة، وجُبِلوا على الفصاحة، وقد بلغ ببعضهم أنْ جعل معرفةَ الوصل من الفصل حدّاً للبلاغة، وأساساً للفصاحة.
وأهل البلاغة والفصاحة في عهد النَّبِيِّ كانوا أعرف النَّاس بعجزهم أمام القرآن وإعجازه، فإذا وقف هؤلاء عاجزين، فمن بعدهم لا رَيْبَ أَعْجَز؛ لأنَّ معرفة المتقدِّمين بصنعة العربيَّة لا يجاريهم فيها أحد من المتأخِّرين.
ومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن يكون بين الجملتين اتِّحاد تامٌّ، كأن
стр. 68
تكون الجملة الثَّانية بياناً للأولى، أو توكيداً لها، ويسمَّى كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن النِّسوة: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ ففي الجملة الأولى ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نوع من الخفاء، فَفُصِلَت الجملةُ الثَّانية ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ لأنَّها بيان لما قبلها، ولأنَّها مؤكِّدة أيضاً للجملة الأولى في نفي البشريَّة.
ومن المواضع الَّتي يحسن فيها الفصل أن تقع الجملة الثَّانية جواباً عن سؤال يفهم من الجملة الأولى، ويسمَّى شبه كمال الاتِّصال، نحو قوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ... (٥٣)﴾ فقد فُصِلَت جملة ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ عن جملة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لأنَّ الثَّانية جواب عن سؤال يفهم من الأولى، فقوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أوجد سؤالاً: لم لا تبرِّئين نفْسَكِ؟ فجاءت الجملة الثَّانية جواباً ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.
والجواب ـ كما هو معلوم ـ شديد الارتباط بالسُّؤال، ولذلك وقع الفصل في الجملة الثَّانية لقوَّة ارتباطها المعنوي بالجملة الأولى.
تَجاهُل العَارِف
تجاهل العارف ومزج الشَّكِّ باليقين فنٌّ من فنون البديع: وهو سُؤَال المتكلِّم عمَّا يعلمه حقيقةً تجاهلاً منه لنكتة، وهو على قسمين: منفيّ وموجب، وقد جاء منه في سورة يُوسُفَ ما لا يُلْحَقُ سَبْقاً، فمن القسم المنفي جاء قوله تعالى حكاية عن نسوة المدينة: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ مبالغة في تأكيد المدح، فخرج الكلام بمعنى بليغ ولفظ فصيح لم يقع في فصاحة العرب، فقد كانوا يشبِّهون كلَّ من راعهم حُسْنُهُ وجماله بالجنِّ.
وممَّا ورد في القرآن الكريم من القسم الثَّاني الموجب (المثبت)، قوله تعالى:
стр. 69
﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ [الأنبياء] وهذا خارج مخرج التَّقرير، وشبيه به قوله حكاية عن إخوة يُوسُفَ: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ (٩٠)﴾ فهذا الكلام خرج مخرج التَّقرير والتَّعجُّب.
دعوى الزِّيادة في القرآن
القول بالزِّيادة في القرآن الكريم دعوى باطلة، فمن ذلك قولهم: الباء زائدة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ... (٣١)﴾ قالوا: فالتَّقدير: فلمَّا سمعت مكرَهنَّ.
ولعلَّهم نظروا إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ... (١٨١)﴾ [آل عمران] وفهموا أنَّ هذا الفعل (سَمِعَ) يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به دون حرف جر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ... (١)﴾ [المجادلة] وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ... (١٤٠)﴾ [النِّساء] وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ... (١٦)﴾ [النّور]
ولا يخفى أنَّ السَّماع في هذه الآيات كلِّها كان فيها مباشراً دون وساطة، أمَّا قوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ... (٣١)﴾ فإنَّ امرأة العزيز لم تسمع مكرهنَّ مباشرة، وإنَّما علمت به، فلو كانت الآية: فلمَّا سمعت مكرهنَّ، بإسقاط حرف الجرّ، فهذا يعني أنَّ امرأة العزيز كانت معهنَّ، وهذا ما لم تقرِّره الآية، ثمَّ إنَّ المكر لا يسمع، فناسب دخول حرف الجرّ لإصابة المعنى بدقَّة.
ومن الجدير علمه أنَّ الكلمة الَّتي يقول عنها النُّحاة زائدة، لا يراد بها أنَّها زائدة في النَّظم، ومن ذهب إلى أنَّها زائدة في النَّظم، وأنَّ وجودها وحذفها سواء، وأنَّها لا تخدم المعنى ولا الإعراب، فقد أعظم على الله الفرية! فما من كلمة في القرآن إلَّا ولها وجه يخطر في البلاغة، ويتَّجه في الفصاحة، وما من حرف إلَّا فيه ما يشوق وما
стр. 70
يروق، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ... (٩٦)﴾ فجيء بلفظة ﴿أَنْ﴾ مؤكِّدة للمَّا أو صلة لها، وهي عند النُّحاة زائدة لوقوعها بعد (لمَّا) الوقتيَّة.
ولعلَّ الَّذين أطلقوا القول في زيادتها نظروا إلى أنَّ القرآن لم يأت بها على الأصل من الحذف، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ [الحجر]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ ... (٨٠)﴾ [يونس]، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ... (٦٦)﴾ [هود].
والصَّواب أنَّ ما وضع للتَّأكيد لا يسمَّى زائداً، ولعلَّها لم تحذف لأنّ مجيء البشير إلى يعقوب جاء بعد أن طال على يعقوب ﵇ البعد والحزن، فناسب مجيء ﴿أَنْ﴾ لما في مقتضى وصفها من الإبطاء والتَّراخي، ولما لها من أثر في الدَّلالة على تراخي الزَّمن، أو أنَّها جاءت لتشعر بطيِّ بعض الكلام، واختصار بعض الحقائق، وهذه دقائق لا تتأتَّى لكثير من النُّحاة.
* * *
стр. 71
القسم الرَّابع
يُوسُفُ في السِّجن
مُناجَاةُ يُوسُفَ لربِّهِ
فلمَّا سَمِعَ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ تهديدَ امرأة العزيز ووعيدَها، وعَلِمَ عزْمَها وإصرارَها، تكلَّم بعد أن ظلَّ صامتاً طَوَال الوقتِ؛ فلا ينبغي له أن يتبسَّط في الحديث معهنَّ، والصَّمتُ يَرْفَعُ شأنَ صاحبه، وخَيْرُ الخِلال حِفْظُ اللِّسان، والعاقل مَنْ يتكلَّمُ عند الضَّرورة، فَلاذَ إلى ربِّهِ وناجاهُ في خُشُوعٍ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ (١) أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي (٢) إِلَيْهِ﴾ وقد اختار السِّجنَ مع أنَّه شرٌّ، ولكنَّه شرٌّ أهونُ من شرِّ الزِّنا الَّذي قال فيه ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء]. ثمَّ فزع إلى لطائِفِ رحمة الله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي إن لم تدركني برحمتكَ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَمِل إليهِنَّ، وهو من باب الشَّرط والمجازاة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ وهذا على وجه عدم الاغترار بعصمته ـ ﵇ ـ، ومن باب هَضْمِ النَّفس، وعلى سبيل الإقرار بأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] ومن باب الثَّناء على الله تعالى والتَّضرُّعِ والاستغاثة بجنابه ﵎، وهو من أدبِ دُعاء الأنبياء والصَّالحين.
стр. 72
بناء أَفْعَل في التَّفْضِيل لِلْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الشَّيْءِ، وقوله:
﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من المعلوم أنَّ اسم التَّفضيل: صفة تؤخذُ من الفعل للدَّلالة على أنَّ شيئين اشتركا في صفة معيَّنة، وزاد أحدهما على الآخر فيها. وله أركان ثلاثة: اسم التَّفضيل، والمفضَّل، والمفضَّل عليه.
واسم التَّفضيل في قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ هو أحبّ، والمفضَّل: السّجن، والمفضَّل عليه: ما يدعونه إليه.
ولكن لا يفهم من قوله أنَّ المفضَّل والمفضَّل عليه اشتركا في صفة الحبِّ، فلم يكن المدعُوُّ إليه حبيباً إلى نفس يُوسُفَ البتَّة، ولكنَّه مثل قول القائل: الجنَّة أحبّ إليَّ من النَّار، والإسلام أحبّ إليّ من سائر الأديان.
وهذا يطْمِسُ وجوه الَّذين قالوا ما قالوا في يُوسُفَ، ونسبوا إليه ما لا يليق به ـ ﵇ ـ، فيُوسُفُ ما أحبَّ ما يدعونه إليه، وما همَّ من قبل بشيء؛ فالهمُّ ما تمَّ لأنَّ برهان ربِّه من ثَمَّ كما تقرَّرَ، فما لهؤلاء القوم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ [الكهف]
سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بوجوه في موضع، وقراءته بوجه واحد في المواضع الأخرى
قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ قرأ يعقوب: (السَّجن) بفتح السِّين، على أنَّه مصْدر، أريد به الحبس. وقرأ الباقون: ﴿السِّجْنُ﴾ بكسر السِّين على أنَّ المراد به المكان.
وقد اتَّفق القرَّاءُ على كَسْرِ السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ في المواضع الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ... (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾، وقوله تعالى:
стр. 73
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... (١٠٠)﴾. فما سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بفتح السِّين وكسرها في قوله تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ والاتِّفاق على كسرها في بقيَّة المواضع؟!
والأمر جليٌّ، فمن قرأ (السَّجن) بالفتح أراد (المصدر) سَجَنَهُ يَسْجُنُه سَجْناً، ومن قرأ (السِّجن) بالكسر أراد (المحْبِس) أي المكان الَّذي يُسْجَنُ فيه، ويلاحظ أنَّ الآيات الَّتي اتَّفق القُرَّاء على كسر السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ فيها يراد بها (المحْبِس) أي المكان ولا يصحُّ إرادة المصدر، بخلاف الموضع الأوَّل، فإرادة المصدر بيِّنة، فمن فتح السِّين فهو مصدر سَجَنَهُ سَجْناً، ومن كَسَرَ السِّين فهو المَحْبِس وهو اسم، وهذا يكشف عن دقَّة القراءات المتواترة وأحكامها وإحكامها، ويكشف عن أسرار اللّغة العربيَّة في اتِّفاق المباني وافتراق المعاني، فهناك فرق بين استخدام الاسم واستخدام المصدر.
تَقْرِيرُ سجْن يُوسُفَ ـ ﵇ - ـ
ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... (٦٠)﴾ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... (١٨٦)﴾ [البقرة] استجاب الله تعالى دُعَاءَ يُوسَفَ ونجَّاه من كيدهنَّ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾.
وبعد أنْ مضت فترة من الزَّمن، ورأوا الآياتِ الدَّالة على براءة يُوسُفَ، ظَهَرَ للعزيز وأهلِه ومَنْ استشارَهم أنَّ المصلحةَ تقضي بسجن يُوسُفَ.
стр. 74
قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي إلى مدَّةٍ من الزَّمن غير معلومة، وذلك حتَّى يتستَّر العزيزُ على امرأته، وينفي التُّهمة عنها، ويحفظ سمعتها، ويفرِّق بينها وبين يوسف.
وهكذا تقرَّر سجنُ يُوسُفَ بقرار جائر؛ بالقوَّة لا بالحق، وبلا إقامة دعوى ولا سَابِق جُرْم.
إِعْرَابُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (لَ يَ سْ جُ نُ وْ نَ نْ نَ هُ)
أصلُ هذا الفعل (يَسْجُنُونَ، نَّ) فاجتمعت ثلاثُ نونات: نون الفعل الَّتي هي علامة الإعراب في الأفعال الخمسة، ونون التَّوكيد الثَّقِيلة التي هي نونان، فحذفت نون الفعل للتَّخفيف، فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى من نون التَّوكيد، فحذفت الواو لدلالة الضمَّة السَّابقة عليها، فصار (يَسْجُنُنَّ).
ونقول في إعرابه ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾:
(اللام): الموطِّئة للقسم.
و (يَسْجُنُنَّه): فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لالتقاء الأمثال (اجتماع ثلاث نونات).
و (واو الجماعة المحذوفة للالتقاء الساكنين): فاعل مبني على السكون في محل رفع.
و (النون): حرف توكيد مبنيٌ على الفتح لا محلَّ له من الإعراب.
و (الهاء): ضمير الغائب، ضمير متَّصل مبنيٌ على الضمِّ في محلِّ نصب مفعول به.
стр. 75
و جملة ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: فاعل (١) للفعل (بدا)، أي بدا لهم أن يسجنوه.
تجاور نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ
نون التَّوكيد قسمان: ثقيلة، وخفيفة. وقد وقع التَّوكيد بالثَّقيلة في القرآن غير مرَّة، أمَّا التَّوكيد بالخفيفة فلم يرد في القرآن إلَّا في موضعين: الأوَّل في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق] والثَّاني في قوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف].
ومن لطائف البيان القرآني اجتماع نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ، فقد جمعها قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف] والآية تتحدث عن تهديد امرأة العزيز ليُوسُفَ بالسّجن والإذلال. ويلاحظ أنَّ النُّون الثَّقيلة أُدخلت على تهديده بالسَّجن، بينما أُدخلت النُّون الخفيفة على تهديده بالإذلال.
والظَّاهر أنَّ الفعل ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ باشرته نون التَّوكيد الثَّقيلة؛ لأنَّ امرأة العزيز عازمة عزماً أكيداً على سجنه، ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّ هذا الفعل جاء مؤكَّداً بالثَّقيلة مرَّة ثانية لمّا بدا لهم أنَّ المصلحة تقتضي سجنه؛ إيهاماً لتبرئتها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾.