← Тафсир

Тафсир · id 269

غرر البيان من سورة يوسف -عليه السلام- في القرآن

أحمد محمود الشوابكة

Полный текст (218 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

القسم الرَّابع يُوسُفُ في السِّجن مُناجَاةُ يُوسُفَ لربِّهِ فلمَّا سَمِعَ يُوسُفُ ـ ﵇ ـ تهديدَ امرأة العزيز ووعيدَها، وعَلِمَ عزْمَها وإصرارَها، تكلَّم بعد أن ظلَّ صامتاً طَوَال الوقتِ؛ فلا ينبغي له أن يتبسَّط في الحديث معهنَّ، والصَّمتُ يَرْفَعُ شأنَ صاحبه، وخَيْرُ الخِلال حِفْظُ اللِّسان، والعاقل مَنْ يتكلَّمُ عند الضَّرورة، فَلاذَ إلى ربِّهِ وناجاهُ في خُشُوعٍ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ (١) أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي (٢) إِلَيْهِ﴾ وقد اختار السِّجنَ مع أنَّه شرٌّ، ولكنَّه شرٌّ أهونُ من شرِّ الزِّنا الَّذي قال فيه ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء]. ثمَّ فزع إلى لطائِفِ رحمة الله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي إن لم تدركني برحمتكَ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أَمِل إليهِنَّ، وهو من باب الشَّرط والمجازاة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ وهذا على وجه عدم الاغترار بعصمته ـ ﵇ ـ، ومن باب هَضْمِ النَّفس، وعلى سبيل الإقرار بأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] ومن باب الثَّناء على الله تعالى والتَّضرُّعِ والاستغاثة بجنابه ﵎، وهو من أدبِ دُعاء الأنبياء والصَّالحين.

стр. 72

بناء أَفْعَل في التَّفْضِيل لِلْمُشْتَرِكَيْنِ فِي الشَّيْءِ، وقوله: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من المعلوم أنَّ اسم التَّفضيل: صفة تؤخذُ من الفعل للدَّلالة على أنَّ شيئين اشتركا في صفة معيَّنة، وزاد أحدهما على الآخر فيها. وله أركان ثلاثة: اسم التَّفضيل، والمفضَّل، والمفضَّل عليه. واسم التَّفضيل في قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ هو أحبّ، والمفضَّل: السّجن، والمفضَّل عليه: ما يدعونه إليه. ولكن لا يفهم من قوله أنَّ المفضَّل والمفضَّل عليه اشتركا في صفة الحبِّ، فلم يكن المدعُوُّ إليه حبيباً إلى نفس يُوسُفَ البتَّة، ولكنَّه مثل قول القائل: الجنَّة أحبّ إليَّ من النَّار، والإسلام أحبّ إليّ من سائر الأديان. وهذا يطْمِسُ وجوه الَّذين قالوا ما قالوا في يُوسُفَ، ونسبوا إليه ما لا يليق به ـ ﵇ ـ، فيُوسُفُ ما أحبَّ ما يدعونه إليه، وما همَّ من قبل بشيء؛ فالهمُّ ما تمَّ لأنَّ برهان ربِّه من ثَمَّ كما تقرَّرَ، فما لهؤلاء القوم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ [الكهف] سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بوجوه في موضع، وقراءته بوجه واحد في المواضع الأخرى قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ قرأ يعقوب: (السَّجن) بفتح السِّين، على أنَّه مصْدر، أريد به الحبس. وقرأ الباقون: ﴿السِّجْنُ﴾ بكسر السِّين على أنَّ المراد به المكان. وقد اتَّفق القرَّاءُ على كَسْرِ السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ في المواضع الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ... (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾، وقوله تعالى:

стр. 73

﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ... (١٠٠)﴾. فما سرُّ قراءة لفظ ﴿السِّجْنُ﴾ بفتح السِّين وكسرها في قوله تعالى: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ... (٣٣)﴾ والاتِّفاق على كسرها في بقيَّة المواضع؟! والأمر جليٌّ، فمن قرأ (السَّجن) بالفتح أراد (المصدر) سَجَنَهُ يَسْجُنُه سَجْناً، ومن قرأ (السِّجن) بالكسر أراد (المحْبِس) أي المكان الَّذي يُسْجَنُ فيه، ويلاحظ أنَّ الآيات الَّتي اتَّفق القُرَّاء على كسر السِّين من ﴿السِّجْنُ﴾ فيها يراد بها (المحْبِس) أي المكان ولا يصحُّ إرادة المصدر، بخلاف الموضع الأوَّل، فإرادة المصدر بيِّنة، فمن فتح السِّين فهو مصدر سَجَنَهُ سَجْناً، ومن كَسَرَ السِّين فهو المَحْبِس وهو اسم، وهذا يكشف عن دقَّة القراءات المتواترة وأحكامها وإحكامها، ويكشف عن أسرار اللّغة العربيَّة في اتِّفاق المباني وافتراق المعاني، فهناك فرق بين استخدام الاسم واستخدام المصدر. تَقْرِيرُ سجْن يُوسُفَ ـ ﵇ - ـ ومصداقاً لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... (٦٠)﴾ [غافر]، وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ... (١٨٦)﴾ [البقرة] استجاب الله تعالى دُعَاءَ يُوسَفَ ونجَّاه من كيدهنَّ ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾. وبعد أنْ مضت فترة من الزَّمن، ورأوا الآياتِ الدَّالة على براءة يُوسُفَ، ظَهَرَ للعزيز وأهلِه ومَنْ استشارَهم أنَّ المصلحةَ تقضي بسجن يُوسُفَ.

стр. 74

قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ أي إلى مدَّةٍ من الزَّمن غير معلومة، وذلك حتَّى يتستَّر العزيزُ على امرأته، وينفي التُّهمة عنها، ويحفظ سمعتها، ويفرِّق بينها وبين يوسف. وهكذا تقرَّر سجنُ يُوسُفَ بقرار جائر؛ بالقوَّة لا بالحق، وبلا إقامة دعوى ولا سَابِق جُرْم. إِعْرَابُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ (لَ يَ سْ جُ نُ وْ نَ نْ نَ هُ) أصلُ هذا الفعل (يَسْجُنُونَ، نَّ) فاجتمعت ثلاثُ نونات: نون الفعل الَّتي هي علامة الإعراب في الأفعال الخمسة، ونون التَّوكيد الثَّقِيلة التي هي نونان، فحذفت نون الفعل للتَّخفيف، فالتقى ساكنان: واو الجماعة، والنون الأولى من نون التَّوكيد، فحذفت الواو لدلالة الضمَّة السَّابقة عليها، فصار (يَسْجُنُنَّ). ونقول في إعرابه ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: (اللام): الموطِّئة للقسم. و (يَسْجُنُنَّه): فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لالتقاء الأمثال (اجتماع ثلاث نونات). و (واو الجماعة المحذوفة للالتقاء الساكنين): فاعل مبني على السكون في محل رفع. و (النون): حرف توكيد مبنيٌ على الفتح لا محلَّ له من الإعراب. و (الهاء): ضمير الغائب، ضمير متَّصل مبنيٌ على الضمِّ في محلِّ نصب مفعول به.

стр. 75

و جملة ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: فاعل (١) للفعل (بدا)، أي بدا لهم أن يسجنوه. تجاور نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ نون التَّوكيد قسمان: ثقيلة، وخفيفة. وقد وقع التَّوكيد بالثَّقيلة في القرآن غير مرَّة، أمَّا التَّوكيد بالخفيفة فلم يرد في القرآن إلَّا في موضعين: الأوَّل في قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥)﴾ [العلق] والثَّاني في قوله تعالى: ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف]. ومن لطائف البيان القرآني اجتماع نوني التَّوكيد الثَّقيلة والخفيفة في آية من سُورة يُوسُفَ، فقد جمعها قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف] والآية تتحدث عن تهديد امرأة العزيز ليُوسُفَ بالسّجن والإذلال. ويلاحظ أنَّ النُّون الثَّقيلة أُدخلت على تهديده بالسَّجن، بينما أُدخلت النُّون الخفيفة على تهديده بالإذلال. والظَّاهر أنَّ الفعل ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ باشرته نون التَّوكيد الثَّقيلة؛ لأنَّ امرأة العزيز عازمة عزماً أكيداً على سجنه، ولعلَّ ما يؤيّد ذلك أنَّ هذا الفعل جاء مؤكَّداً بالثَّقيلة مرَّة ثانية لمّا بدا لهم أنَّ المصلحة تقتضي سجنه؛ إيهاماً لتبرئتها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾.

стр. 76

أمَّا تهديدها ووعيدها له بالإذلال فيبدو أنَّه كلام خارج من اللِّسان ولم يقصده القلب ببرهان، ولذلك نراها لم تؤكِّد تقرير الإذلال بالنُّون الثَّقيلة، واكتفت بالخفيفة. الأسبابُ الَّتي أدَّت إلى سجْنِ يُوسُفَ قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ قد يسأل سائل: ما الآيات الَّتي بدت لهم، حتَّى يسجنوا يُوسُفَ ﵇؟! والجواب: أنَّهم قرَّروا سجنه بعدما رأوا الآيات القاطعة ببراءته ﵇ ممَّا قذفته به، والقاضية بعفَّته، ومن تلك الآيات قدُّ القميص من دبرٍ وعدم تفنيدها لهذا الدَّليل، وسكوتها حينما سمعت قول العزيز: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾، وحين أباحت سرَّها للنِّسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فمن لم يكسه الحياءُ ثوبَه يرى النَّاس عيبَه، وما كانَ يظْهرُ على وجهها ممَّا تضمِرُه ليُوسُفَ من حبٍّ، فما أضْمَرَ أحدٌ شيئاً إلَّا ظهر في فلتات لسانه، ولحن قوله، وصفحاتِ وجهِه، قال زهير: ومهما تَكُنْ عِنْدَ امرئ من خَلِيْقَةٍ ... وإنْ خَالها تخْفى على النَّاسِ تُعْلَمِ (١) ولذلك قرَّروا سجنَ يُوسُفَ؛ إيهاماً أنَّه هو المذنب؛ دفعاً لمعرَّة التُّهمة عنها، وسعياً في إرخاء السَّتر عليها، وقَطْع قَالة النَّاس عنها، ولهذا لمَّا طلبه ملك مصر، امتنع من الخروج حتى تظهر براءَتُه مما نُسِبَ إليه، فلمَّا تقرَّر ذلك خرج طَاهرَ الثَّوب، حَسَنَ النَّقيبة، كريم الخَلِيقة.

стр. 77

رؤيا الفتيين ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ أُدْخِلَ يُوسُفُ السِّجْن، واتَّفق أنْ دَخَلَ معه عبدان من خَدِم المَلِك الخواصِّ هما: ساقيه، وخبَّازه. ويختصرُ السِّياقُ على ما كان من أمر الفتيين مع يُوسُفَ اللَّذين أَنِسَا إليه لما ظَهَرَ من علمه وإحسانه، فذات ليلة اتَّفق أن رأى فيها كلٌّ منهما رؤيا، فقصَّ كلٌّ منهما رُؤياه على يُوسُفَ، لما علما عنه من عِلمٍ وحكمة، ولما يتوسمانه فيه من خير، ولما قرأا في صَفَحَاتِ وجهه من إِحسان. ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وعبَّر بالمضارع لاستحضار الصُّور الماضية، أي إنِّي رأيتُ نفسي أعصر عنباً يَؤُول إلى خمر، وهو مجاز مرسل باعتبار ما يكون. ﴿وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ أي رأيت أنَّي أحملُ على رأسي طبقاً فيه خبز، والطَّير تأكلُ منه ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾. واغتنم يُوسُفُ هذه الفرصة، فوعظ الفتيين؛ ليُصَحِّحَ العقائِدَ الفاسِدةَ، ويبثَّ عقيدةَ التَّوحيدِ، وكان من الممكن بعد أن مدحاه بقولهما: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ أن يأخُذَه الزَّهو بتلك الشَّهادة منهما كما يأخذ الزَّهو البعض، وأنْ يقولَ لهما ما يريدان، لكنَّه لم يسمح للغرور أن يتسلَّل إليه، فانتهز حاجتهما إليه، ودعاهما إلى ما هو أولى ممَّا استفتياه فيه، وهو التَّوحيد. وشرع ﵇ معهما في الموضوع الَّذي يشْغَلُهما، فطمأنهما ابتداءً إلى أنَّه سيعبِّر لهما الرُّؤى لأنَّه على علمٍ من ربِّه لا من علوم الكهانة والتَّنجيم، بل هو فضلٌ إلهيٌّ آتاه الله تعالى إيَّاه جزاءَ تجرُّدِه وآبائه من قبله لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له.

стр. 78

﴿قال﴾ ـ ﵇ ـ بلسان يبعثُ الثِّقةَ والطُّمأنينَةَ في النُّفوس: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا﴾ ولا يحمل إليكما ﴿طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ وأخبرتكما بحقيقته وماهيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ تأويله، وقبل أن يصل إليكما ويقع مصداقه. ونراه لم يُسْرع في الإجابة؛ وكأنَّه يريد أن يُثْبِتَ لهما كفاءته ـ ﵇ ـ، فقدَّم ما هو معجز من الإخبار عن الغيب ليهديهما إلى صدقه في دعوته لهما إلى التَّوحيد. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ ﵎، وفي هذا تعريضٌ وتلميحٌ إلى طلب الإيمان منهما، ونفيٌ للفضل عن نفسِه، وعدم ادِّعاء الفقه ولا الخصوصيَّة، وفيه ردٌّ للفضل لصاحب الفضل، وفيه تأنيس لهما، وتحبُّب إليهما، وهذا من أدب الأنبياء والصَّالحين. يُوسُفُ يُمَهِّدُ للدّعوة إلى التَّوحيد وافْتَرَصَ ـ ﵇ ـ الفرصة، فوعظهما تمهيداً لدعوتهما للتَّوحيد، قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ فهذا العلم الَّذي وهبني تعالى إيَّاه كان ثواباً على تركي ملَّة من لا يؤمنون بالله تعالى ولا بيوم الحساب، واتِّباعي ملَّة آبائي الأنبياء الموحِّدين. والترك هنا بمعنى الامتناع دون سابق مزاولة لا تركاً بعد الملابسة، ويؤكِّد هذا قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وإنَّما عبَّر بهذه الكلمة ﴿تَرَكْتُ﴾ تحريضاً لهما لأن يتركا تلك الملَّة التي هم عليها، ولتقوى رغبتهما في سماعه واتِّباع ملَّته. وقد نبَّه ـ ﵇ ـ في كلامه إلى أصلين عظيمين: الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، إذ هما أعظم أركان الإيمان السِّتَّة الَّتي يدلُّ عليها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 79

الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... (١٧٧)﴾ [البقرة] وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر] وذِكْرُ الآخرة على لِسَان يُوسُفَ فيه إشارة إلى أنَّ الإيمان بالآخرة كان أصلاً من أصول العقيدة على لِسَانِ الرُّسلِ جميعاً منذ آدم أبي البشر ـ ﵇ ـ، ولم يكن الأمر كما يدَّعي بعضُ الملاحدة أنَّ تصوُّر الآخرة جاء إلى العقيدة متأخِّراً. ثمَّ مضى ـ ﵇ ـ يؤكِّدُ لهما أنَّه ما فاز بما فاز إلَّا لأنَّه ترك ملَّة أولئك الجاحدين واتَّبع ملَّة آبائه الموحِّدين: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾. وغنيٌ عن البيان أنَّه ما قَصَدَ بذكر سلسلة نَسَبِهِ الفَخَارَ والتَّرفُّعَ والمفاخرة، ففضل الإنسان بعلمه وعمله لا بنسبه وحسبه، لذلك يقول عليٌ ـ ﵁ ـ: النَّاسُ مِنْ جِهَةِ الآباءِ أَكْفاءُ ... أَبوهُمُ آدَمُ والأمُّ حَوَّاءُ فإنْ يَكُنْ لهم مِنْ أصْلِهِم شَرَفٌ ... يُفاخِرونَ بِهِ فالطِّينُ والمَاءُ مَا الفَضْلُ إلَّا لأهل العِلْم إنَّهُمُ ... عَلى الهُدى لِمَن استهدى أدلَّاءُ وقَدْرُ كُلِّ امرئ مَا كان يُحْسِنُهُ ... وللرِّجَال عَلى الأفعال أسماءُ فَفُزْ بِعِلْمٍ ولا تطْلُبْ به بدلاً ... فالنَّاسُ مَوتَى وأهلُ العِلْمِ أحْيَاءُ فليحذر العاقل خصلة استهان النَّاس بها، مع أنَّها تزرع في النُّفوس كرهاً، وتقدح في الصُّدور بغضاً، وتعقب في القلوب غلَّاً، والشَّرائع السماويَّة كلُّها تدعو لِطَمْسِها، وهي التَّعاظم بالآباء والتَّفاخر بالأنساب، وإنَّما ذكر لهم أنَّه من بيت النُّبوَّة لتزداد ثقتهُما بكلامه، وعلى سبيل إظهار النِّعمة، ثم أنَّه لم يخصَّ نفسَه ولا بيتَه بفضل كما يفصح عنه قوله الآتي: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾.

стр. 80

وهكذا تتجلَّى الوحدة الموضوعيَّة في سُورة يُوسُفَ، ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ... (٣٨)﴾ فهي تربط بين رسالات الأنبياء، فالأنبياء جميعاً جاؤوا برسالة واحدة، وهي التَّوحيد، ونبذ الشِّرك. محسِّنَات بديعيَّة في بعض آية قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ فيه أنواع من المحسِّنات البديعيَّة، حسبنا منها خمسة: الاحتراس، والإدماج، وحسن النَّسق، والتَّنكيت، والمساواة. الأوَّل: الاحتراس: فقد قال: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ وما اقتصر؛ لأنَّه لو اقتصر على هذا المعنى لأفاد العموم ومطلق الآباء من يعقوب إلى آدم، وفيهم من لا يجب اتِّباع ملَّته، لكنَّه جاء ببدل التَّقسيم: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ من باب الاحتراس؛ ليزيل ذلك الوهم، فحصل الاحتراس بالبدل، وأزال عن المبدل منه ما قد يتوجَّه إليه من احتمال لو اقتصر عليه. الثَّاني: الإدماج: فقد أدمج الاحتراس في لفظ التَّقسيم، فالاحتراس لم يظهر، ولم يُلْفَظْ به، وإنَّما أُدْمِجَ في البَدَل. الثَّالث: حسن النَّسق: إذ عطف الآباء على ترتيبهم في الميلاد بواو النَّسق، وذكرهم من الأعلى إلى الأدنى، دون تقديم أو تأخير. الرَّابع: التَّنكيت: فقد رتَّب الآباء التَّرتيب الَّذي تقتضيه البلاغة، فلم يبدأ من الأدنى الَّذي جاء من صلبه وهو يعقوب، إلى الأعلى فالأعلى، وإنَّما عكس عامداً متعمِّداً؛ لنكتة بلاغيَّة، وهي أنَّه يريدُ إظهار الملَّة الحنيفيَّة الَّتي يتَّبعها، فابتدأ بإبراهيم لأنَّه هو الَّذي ابتدأ الملَّة المتَّبعة.

стр. 81

الخامس: المساواة: فقد جاءت الألفاظ مساوية للمعنى، بحيث لم تزد عليه ولم تنقص، ولم تَفْضُل ولم تَقْصُر، فالقرآن فيه بلاغة لا تبارى، وبيان لا يجارى. لواءُ التَّوحيد حمله الأَنبياءُ جميعاً ويتَّضحُ من قوله: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ نفي لجواز الشِّرك (١) في الرُّبوبيَّة أو الألوهيَّة، وإثبات لوجوب التَّوحيد، قال تعالى لنبيِّنا محمَّد ـ ﷺ ـ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزُّخرف]. فكلمة لا إله إلا الله هي اللِّواء الَّذي عمل الأنبياءُ جميعاً لرفعه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. ولا إله إلا الله هي الرَّاية التي عاش في ظلِّها الأنبياء والمرسلون، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾ [النَّحل] فدين التَّوحيد هو الدِّين الخالص الَّذي جاء به الأنبياء جميعاً؛ لعموم قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... (١٩)﴾ [آل عمران]، وقد جاءتْ الجملةُ معرَّفة الطَّرفين للدِّلالة على الحصر والقصر، أي: لا شرع ولا دين إلَّا الإسلام، وكلامه تعالى لا يقبل النَّقض ولا المداولة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] لأنَّه دينُ التوحيد الحقّ. والإسلام ليس هو دين النَّبيِّ ـ ﷺ ـ خاصَّة، بل هو دين الأنبياء والرُّسل من

стр. 82

قبله عامَّة، فحرَّفه أتباعُهم، ثمَّ أنزله الله تعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين سيِّدنا محمِّد ـ ﷺ ـ لتوحيد العقائد، لا لتفريق القواعد؛ ولذلك جُعِلت قاعدتُه الثَّابتة الإيمان بسائر رسل الله تعالى وكتبه، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ... (٤٨)﴾ [المائدة] أي: مصدِّقاً للكتب السَّماويَّة الَّتي سبقته، ومؤتمناً وشاهداً عليها أنَّها من عنده سبحانه. فالإسلام ليس بدين جديد، الإسلام قديم، الإسلام دين الأنبياء والرُّسل الأقدمين أجمعين، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ... (١٣)﴾ [الشُّورى]. فنوح ـ ﵇ ـ كانَ مُسْلماً موحِّداً، قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس] وإبراهيم ـ ﵇ ـ كان مسلماً: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة]. ولوطٌ ـ ﵇ ـ جاء بالإسلام، فالله تعالى حين أراد إهلاك قومه الَّذين ارتكبوا الفواحش، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذَّاريات] هو بيت لوط ـ ﵇ ـ. ووصَّى إبراهيمُ ويعقوبُ ﵉ أبناءَهما بالإسلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة]. ولمَّا حَضَرَ يعقوبَ الموتُ ﴿قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة].

стр. 83

وكانتْ طُلْبةُ يوسف الأخيرة من ربِّه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف]. وموسى ـ ﵇ ـ كان مسلماً، فالسَّحرة الَّذين اتَّبعوه وآمنوا ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف] قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾ [الأعراف] ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ... (٤٤)﴾ [المائدة]. وسليمان ـ ﵇ ـ كان مسلماً، فعلى لسان بلقيس: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾ [النَّمل] وعلى لسانه: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا ... مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾ [النَّمل]. وعيسى ـ ﵇ ـ كان مسلماً ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢)﴾ [آل عمران] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾ [المائدة]، فالمسيح عيسى ابن مريم ـ ﵇ ـ ما جاء ليُنَكِّسَ لواءَ التَّوحيد، بل ليرفعَه: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة] ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ : " أَنَا

стр. 84

أَوْلَى (١) النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ (٢)، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ " (٣) فأَصْل دِينهمْ وَاحِد، وَهُوَ التَّوْحِيد، الَّذي بعث الله به كلَّ نبيٍّ مرسل، وضمَّنه كلَّ كتابٍ منزل، وَإِنْ اختلفت فُرُوع الشَّرَائِع. وسيِّدنا محمَّد ـ ﷺ ـ أُمِرَ بالِإسْلام: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ... الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النَّمل] فدين الأنبياء واحد، اتَّفقوا في الأصول والعقيدة، لكن اختلفوا في الشَّرائع والمنهاج حتَّى يناسب كلّ أمَّة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... (٤٨)﴾ [المائدة]. واعلم أنَّ رسالة النَّبيِّ ـ ﷺ ـ تختصُّ عن الرِّسالات السَّابقة بخصائص، منها: أنَّها خاتمة للرِّسالات السَّابقة، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (٤٠)﴾ [الأحزاب] وأنَّها رسالة عامَّة، فقد بُعِثَ ـ ﷺ ـ إلى كافَّة الورى، وعامَّة الجنِّ، ويدلّ على بعثته إلى النَّاس كافَّة، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ... (١٥٨)﴾ [الأعراف] ويدلّ على بعثته إلى عموم الجنِّ، قوله تعالى حكاية عن الجنّ: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ

стр. 85

بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ [الأحقاف]. ومن الخصائص أنَّ رسالته ـ ﷺ ـ ناسخة للرِّسالات السَّابقة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران] وقال ـ ﷺ ـ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ (١)، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ " (٢) وهذا واضح في نسخ الملل والشَّرائع كلِّها برسالته ـ ﷺ ـ، فلا يجوز لأحد من الثَّقلين أن يتابع أحداً من الرُّسل السَّابقين بعد بعثته ـ ﷺ ـ. دَعْوةُ يُوسُفَ إِلى التَّوحيد وقول يُوسُفَ: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أسلوب نفي من أساليب النَّفي الرَّفيعة المستوى الَّتي تفيد النَّهي والنُّصح والإِرشاد معاً، فقد أراد ـ ﵇ ـ بقوله هذا أن ينهى الفتيين عن الشِّرك، وأن يغمزَ قناتهما بأنَّ الشِّرك الَّذي هما عليه خَطْبٌ جسيمٌ وأمرٌ جللٌ وَجَبَ عليهما تركُه، والمعنى لا ينبغي لنا نحنُ معْشَرَ الأنبياء أن نشركَ بالله تعالى شيئاً؛ فالشِّركُ ظلمٌ عظيمٌ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... (١١٦)﴾ [النِّساء] ثمَّ قَالَ: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بأن جعلنا رُسُلاً موحِّدين ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بأن بعث لهم رُسُلاً يدعونهم إلى التَّوحيد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ فَضْلَ الله تعالى عليهم بتوحيده، فيشركون به غيره. وبكلِّ حكمة وبراعة يدخلُ يُوسُفُ إلى صميم القضيَّة الإيمانية، فيعرض عليهما

стр. 86

التَّوحيد بصورة الاستفهام؛ حتَّى لا تأخذهما المفاجأةُ بإبطال ما وجدا عليه آباءَهما من قبل فينفرا منه، فقال لهما متلطِّفاً مترفِّقاً متحبِّباً: ﴿يَاصَاحِبَيِ﴾ في ﴿السِّجْنِ﴾ أجيباني على سؤالي بفطرتكما وعقلكما ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ أي أآلهةٌ متعدِّدة متكثِّرة مقهورةٌ لا إرادة لها ﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ الَّذي لا ثاني له ﴿الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ الغالب على أمره. فتعدُّد الآلهة يوجب فساد السَّموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء] ويوجب الاختلاف والتَّنازع والتّشاحن، كما قال تعالى: ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ... (٢٩)﴾ [الزّمر]. ونراه أورد الدَّليل على عدم صحَّة عبادتهما بصورة الاستفهام ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾؛ لأنَّ ذلك أدعى للقبول، وهو استفهام إنكاري يراد به التَّقريع والتَّوبيخ. ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ﵎ أنتما ومَنْ على دينكما من أهل مِصْر القُدماء ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ فارغة ليست تحتها مسمَّيات تستحقُّ إطلاق هذه الأسماء عليها، وما ليس فيه حقيقةُ إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلاً. ويلاحظ أنَّه جاء بخطاب الجمع ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ وكذلك ما بعده من الضَّمائر لأنَّ الخطاب لصاحبي السِّجن ومن على دينهما. ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ آلهةً من عند أنفسكم، وليس في المسمَّى من الألوهيَّة شيء، وهي في الحقيقة مألوهة مؤلَّهة لا آلهة ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من بُرهان يدلُّ على صحَّة عبادتها، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ

стр. 87

صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة] فالمسمَّيات لا تتغيَّرُ بتغيُّر الأسماء، فالحجارة مثلاً لا تصيرُ آلهةً بتغيير اسمها، لذلك لا تستحقُّ الألوهيَّة ولا العبادة؛ لأنّ الدِّينَ مبنيٌّ على الحجَّة والبرهان، لا على التَّقليد، فهذا ما نطق به القرآن، وهذا ما تدين به العقول، وهذا ما تُسَلِّم له الأفئدة، فأيُّ باطلٍ أخذتم؟! وأيُّ حقٍّ رفضتم؟! ثمَ نصَّ على ما هو الدِّينُ القويم والحقُ المبين، فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ولا نحسبهما إلَّا قد ألجما الحجَّة؛ فسكوتهما عن الجواب حُكْمٌ صَامِتٌ بصحَّةِ كلام يُوسُفَ ـ ﵇ ـ. ومن اللَّافت أنّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ في شرح التَّوحيد والدَّعوة إلى ترك التَّقليد يكاد لا يسكت ولا يكفُّ، بخلاف موقفه أمام عزيز مصر وتقرير سجنه، فلم يُسْهِب في الكلام فهو ﴿يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق] وأنَّه ﴿إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشُّورى] وأنَّ الله يحكم ما يشاء وليس حكمه بالمردود، ولذلك سَلَّمَ الأمْرَ لصاحِب الأمر. أدبُ الأنبياءِ في الخِطَاب مما يدلِّل على عِلْمِ يُوسُفَ وحكمته، ويشيرُ إلى إحسانه وأدبه، تحسينُه للجواب وتلطُّفه في الخطاب معهما حيث يلاحظ أنَّه، قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ ولم يقل: ولكنَّ أكثركم لا تشكرون، وقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ولم يقل: أيُّها المسجونان، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ولم يقل: ولكنَّ أكثركم لا تعلمون؛ مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (١٢٥)﴾ [النَّحل]، وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ

стр. 88

مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ... (١٥٩)﴾ [آل عمران] فهذا شأن الأنبياء جميعاً، كلُّهم رحمة وأدب وحكمة. التَّعريض في سُورة يُوسُفَ التَّعريض ضدّ التَّصريح، وهو ما أُلْغِز من كلام، وصُرِفَ عن ظاهره، وسِيقَ لأجل موصوف غير مذكور للتَّلويح به. ومن أمثلة التَّعريض في سورة يُوسُفَ، قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ... (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ... (١١١)﴾ فذكر الله تعالى أنَّه أَحْسَنُ القَصَصِ، ونفى عنه الافتراءَ؛ تعريضاً بقصص أهل الكتاب الَّتي اشتملت على قصص لا تفرِّق فيها بين الغَثِّ والسَّمين، ولا تعرف منها الشّمال من اليمين. وقد أثبت القرآن الكريم وقوع التَّحريف عندهم، فقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ... (١٥)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... (٤٦)﴾ [النّساء]. ومن التَّعريض: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ فقد كَبُرَ على امرأة العزيز أن ترمي يُوسُفَ بهذا الكذب صراحة وهي تعلم طهارته ونزاهته وعفَّته، فاكتفت بالتَّعريض، وفي خفيِّ التَّعريض ما يغني عن شنيع التَّصريح كما يقولون.

стр. 89

ومن التّعريض قوله: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ فلم يصرِّح لهم يُوسُفُ أنَّهم ليسوا من الشَاكرين، وإنَّما عرَّض لهم بما يحصل منه الفهم، وهو تعريض مُعْرِبٌ عن الأدب. ومن التَّعريض قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ فلم يصرِّح لهم أنَّهم لا يعلمون وأنَّهم جاهلون، وإنَّما عرَّض بهم أدباً منه ـ ﵇ ـ. نتعلَّم من دَعْوةِ يُوسُفَ ـ ﵇ - ـ كان يُوسُفُ قد خاطب الفتيين بأنَّهما رفيقاه في السِّجن، فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ﴾ في ﴿السِّجْنِ﴾؛ ارتباطاً بهما، ومنه نتعلَّم أنَّه مِن واجب الواعظ نحو الموعوظين أن يتواضعَ لهم، وألَّا يترفَّع عليهم؛ فيصدِّر وعظه بكلمةٍ تنمُّ عن ارتباطه بالموعوظين ـ كما فعل يُوسُفُ ـ كما تقول الوعَّاظُ اليوم: أيُّها الأحبابُ، مَعْشَرَ الإخوة الأعزاء، إخواني أحبابَ رسولِ الله ـ ﷺ ـ: فَهُنَاكَ يُقْبلُ إِنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى ... بالرَّأيِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ عندئذٍ يَقْربُ على النَّاسِ قبولُ الوعظ، وقد قيل: "النُّصح علاجٌ مرٌّ، فلْيَصْحَبْهُ شيءٌ من حلو الكلام "، وهذا ما جرى عليه القرآنُ الكريم، والشَّواهدُ كثيرةٌ، منها قوله تعال: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ (١) اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ (٢) الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

стр. 90

(٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾ [البقرة] أراد الله تعالى أن يأمُرَهم بالتَّقوى، فاستفتح ذلك بتشريفهم بأنَّهم أولادُ يعقوب ـ ﵇ ـ، ثمَّ بالتَّذكير بنعمه عليهم، وأنَّه تعالى فضَّلهم على عالمي زمانهم. ونتعلَّم من دعوة يُوسُفَ أنَّ الدَّاعيةَ المصلحَ لا ترتبطُ دعوتُه في زمانٍ ولا مكانٍ ولا في أي حالٍ من الأحوال، من عُسْرٍ أو يُسْرٍ، من سرَّاء أو ضرَّاء؛ فيُوسُفُ دعا إلى الله تعالى وهو في السِّجن، ولم تمنعْه كُرْبةُ السِّجن ولا بهتانُ التُّهمة عن أن يدعو إلى الله تعالى. فالمحنة لا تَثْنِي المؤمنَ عن واجبه في الدَّعوة إلى الله تعالى، فمع أنَّه في السِّجن، انتهز فرصة تأويل رؤيا السَّجينين، فبادر إلى الدَّعوة إلى التَّوحيد وإلى الله تعالى، فالدِّين أهمُّ من الدُّنيا، فما فائدة أن يكون العبد عالماً بأمر الدُّنيا، جاهلاً بأمر الآخرة؟! فلعلَّ يُوسُفَ ﵇ نظر إلى ذلك، فهو يعلم أنَّ أحدهما مقبل على الموت ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ... (٤٢)﴾ [الأنفال]. وكانت دعوتُهُ دعوةً في أعلى مَرَاتِبِ الأدب، فنراه لم يجرحْ مشاعرَ صاحبيه، ولم ينطقْ ببنْتِ شَفَةٍ، ولم ينْبِسْ بكلمة تمسُّ كرامتهما، بل كان حريصاً على مراعاة عواطفهما، ولم يعبْ تلك الآلهة؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. .. (١٠٨)﴾ [الأنعام] ونخرجُ من دعوتِه أيضاً أنَّ الدَّعوة إلى الله تعالى لا تكونُ بالسَّيفِ والسِّنان، وإنَّما بالحجَّة والبرهان، كما نصَّ على ذلك كتاب الله تعالى في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا

стр. 91

الْبَلَاغُ ... (٤٨)﴾ [الشُّورى] وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرَّعد]. الفرق بين ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ و ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (أَنْزَل) فعل ثلاثيٌّ مزيد بهمزة قطع في أوَّله على وزن (أَفْعَل)، و (نزَّل) فعل ثلاثيٌّ مضعَّف مزيد بحرف من جنس عينه على وزن (فعَّل). وهذه الزِّيادة لها غير معنى، فالزَّائد في اللُّغة ـ صرفاً كان أم نحواً ـ ليس وجوده كعدمه، وإنَّما هو اصطلاح صرفيّ أو نحويّ، له وظيفة يؤدِّيها، وغرض يأتي من أجله، ومعنى يدلُّ عليه، فزيادة المباني تدلُّ على زيادة المعاني. وقد يَرِدُ (أَفْعَل) و (فَعَّل) في تعبير واحد، لكن المعنى يختلف، ومن ذلك قوله تعالى ـ في سُورَةِ يُوسُفَ ـ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٤٠)﴾ [يوسف] وقوله تعالى ـ في سورة الأعراف ـ: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ... (٧١)﴾ [الأعراف]. والنَّاظر في سياق الآيتين يدرك الفرق بينهما، والفرق بينهما يتلخَّص في أنَّ (فَعَّل) آكد من (أَفْعَل)؛ ففي سورة يُوسُفَ لم يَرُدَّ الفتيان على يُوسُفَ لمَّا عَرَضَ عليهما التَّوحيد، ولم يجادلاه، قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف] فجاء الفعل (أنزل) لذلك. بخلاف ما في الأعراف، فقد ردُّوا على نبيِّهم هود، وجادلوه بالباطل: ﴿قَالُوا

стр. 92

أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف] فردَّ عليهم نبيُّ الله هود: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾ [الأعراف] فما في الأعراف أشدُّ تعنُّتاً، فجاء الفعل (نزَّل) المشدّد للمبالغة والاهتمام. فما استخدم فيه (فعَّل) أهمُّ وآكد من (أَفْعَل) وهناك غير شاهد، وغير معنى، ومن هنا نفهم أنَّ الله تعالى جعل كلَّ لفظة في القرآن في مستقرِّها ومستودعها، وليس في القرآن لفظة مقحمة، أو غير مقصودة، فلو نزعت لفظة، ثمَّ بدأت بالمعاجم من ألفها إلى يائها بحثاً عن لفظة تقوم مقامها ما وجدت خيراً منها. تأْويلُ يُوسُفَ رؤيا الفتيين هذه عِظَةُ يُوسُفَ، وسواء كانت نفخةً في نارٍ أو في رماد، فقد فتح لنا ـ ﵇ ـ بَابَ الوعْظِ والإرشاد على مصراعيه، والقرآن الكريم يرشدُنا إلى هذه الفكرة الحميدة، فيقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران]. وبعد أن أتمَّ نُصحَه ـ وهما يصغيان إلى درسه ـ عَادَ أدراجَه يجيبهما عمَّا سألاه عنه، فلا شَكَّ أنَّهما مشغوفان لسماع التَّأويل، فقال ليقوِّي ثقتهما به: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ يكونُ مصيرُه الخلاص، ويسقي سيِّده خمراً ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ﴾ لحم ﴿رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ فهو كائن كما قضاه الله تعالى؛ تأكيداً وجزماً لتعبيره، ولم يُعَيِّن يُوسُفُ صَاحِبَ المصير الحسن ولا السيئ رعايةً لحُسْنِ الصُّحبة.

стр. 93

وقيل: إنَّهما لم يريا شيئاً وإنّما أرادا امتحان يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، فقد أخرج الحاكم بسند صحيح، عن عبد الله، قال: " الفتيان اللّذان أتيا يُوسُفَ ـ ﵇ ـ في الرُّؤيا إنمَّا كانا تكاذبا، فلمَّا أوَّل رؤياهما، قال: إنَّا كنَّا نلعب، قال يُوسُفُ: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان " (١). وأخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود ـ ﵁ ـ، قال: " لما حكيا ما رأياه، وعبَّر يوسف ـ ﵇ ـ، قال أحَدُهما: ما رأينا شيئاً، فقال: قضي الأمر الَّذي فيه تستفتيان " (٢). حذف الفاعل وإقامة المفعول مقامه في قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ يلاحظ حذف الفاعل، وإقامة المفعول به مقامه، وبناء الفعل للمجهول، وقد حُذِفَ الفاعل؛ للعلم به، فلا حاجة لذكره، فالفعل ﴿قُضِيَ﴾ لا يقدر عليه أحَدٌ إلّا الله تعالى، وقد أقيم المفعول به مقامه، وهو المسند إليه، وجيء به بعد الفعل المبني للمجهول مباشرة؛ لتعظيم ما قضاه الله تعالى، فما قضاه الله تعالى أمر عظيم. عِلْمُ التَّعبير داخل في الفتوى وقد تحقَّق وقوعُ تعبير يُوسُفَ لرؤيا الفتيين، فقد سُئِلَ فأفتى بعلم وبلا مواربة، وجديرٌ بنا أن نَعْلمَ أنَّ عِلْمَ التَّعبير وتفسير الرُّؤى والأحلام من علوم الإسلام الشَّرعيَّة، وهو داخل في الفتوى، فإذا ما استفتاكَ أحدٌ من النَّاسِ في تعبير رؤيا فاعلم أنَّك أمام فتوى شرعيَّة، لا يكون لك أن تقول فيها بغير علمٍ و لا هدى ولا

стр. 94

كتاب منير، ألا ترى أنَّ يُوسُفَ ـ ﵇ ـ قال للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ وأنَّ الله قال على لسان الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ... (٤٣)﴾ وعلى لسان الفتى، قال: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ... (٤٦)﴾ يُوسُفُ يأخذ بالأسباب ولمَّا أراد السَّاقي الخُروجَ من السِّجن، لم يهمل يُوسُفُ الأخْذَ بالأسباب، ولم يتهافت على ذلك السَّاقي بالرَّجاء والاسترحام، إنَّما ﴿وَقَالَ ... لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ... نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ طَلَبَ منه وأوصاهُ أنْ يذكُرَه عند الملك، ويخبرَه عن أمره، ويذكِّره به؛ لعلَّه يخلِّصه ممَّا ظلم به. لكنَّ السَّاقي الَّذي خَرَجَ فعلاً من السِّجن لم يعملْ بالوصيَّة ولم يحفظ الأمانةَ، فما أن عَادَ إلى قَصْر سيِّده حتى أنساهُ الشَّيطانُ في غمرةِ الفرحِ والسُّرور أمْرَ يُوسُفَ وما تكلَّم به معه، ﴿فَأَنْسَاهُ ... الشَّيْطَانُ ... ذِكْرَ ... رَبِّهِ ... فَلَبِثَ ... فِي ... السِّجْنِ ... بِضْعَ ... سِنِينَ (٤٢)﴾. فعلى هذا النِّسيان لبث يُوسُفُ في السِّجن بضع (١) سنين، وعلى أيِّ حال فيُوسُفُ توكَّل على الله تعالى، وأخذ بالأسباب، والزِّيادة في البلاء هذه لا نراها إلَّا زيادة في الأجر والثَّواب، وكانت هذه الحادثةُ خاتمةَ فصول مأساة يُوسُفَ المحزنة. فإن قيل: فكيف يقول: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ وانتهى، ثمَّ يقول: ﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾ فكيف يظنُّ نجاته ظنّاً، وهو يعلم أنَّ أمر الله قد قضي؟! والجواب أنَّ ﴿ظَنَّ﴾ هنا بمعنى أيقن وعلم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة] ونظائره.

стр. 95

وقد عبَّر عن النَّجاة باسم الفاعل ﴿نَاجٍ﴾ وعَدَلَ عن الفعل (ينجو) مبالغةً في الدَّلالة على تحقُّق النَّجاة، فالتَّعبير بالاسم يفيد الثُّبوت والاستمرار. التَّورية المرشَّحة من فنون البديع المعنوي التَّورية المرشَّحة، والتَّورية: أن يُطْلَقَ لفظٌ له معنيان، قريب ظاهر، وبعيد خفيٌّ، ويراد به البعيد منهما، ومنه قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ ﵇: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ... (٤٢)﴾ فإنَّ قوله ﴿رَبِّهِ﴾ يحتمل أنْ يُرادَ بها الإله، وهذا هو المعنى القريب المورَّى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة التَّرشيح لفظة ﴿رَبِّكَ﴾، ويحتمل أن يراد به الملك، وهذا هو المعنى البعيد المورَّى عنه، وهو المراد. فلو اقتصر على قوله: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ دون قوله السَّابق لم تكنْ هناك تورية، لأنَّ لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ تدلُّ على الإله فحسب، ولذلك فإنَّ لفظة ﴿رَبِّكَ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ رشَّحت لفظة ﴿رَبِّهِ﴾ لأن يكون هناك تورية. لِمَ لَمْ يَنْهَ يُوسُفُ السَّائِلَ عن سقي ربِّه خمراً ؟ معلومٌ أنَّه من الصَّعب جدّاً نَقْلُ النُّفُوسِ من عقيدة إلى أخرى على الدَّاعي وعلى المدعوِّ؛ لأنَّه يعزُّ على النَّفس ترك ما اعتادت عليه؛ لذلك سأل موسى ـ ﵇ ـ ربَّه أن يشركَ شقيقَه هارون ـ ﵇ ـ في الرِّسالة، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ [طه]. وبعث عيسى ـ ﵇ ـ إلى أهل (أنطاكية) برجلين اثنين ليدعواهم إلى الإيمان، فبادروهما بالتَّكذيب، فقوَّاهما وشدَّ أزرهما برسولٍ ثالثٍ يؤيِّد بعثتهما، قال تعالى:

стр. 96

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس]. وبالنَّظر إلى اعْتِياص ذلك وأهمِّيتِه وقيمته اقتصرَ يُوسُفُ على دعوةِ صاحبيه إلى التَّوحيد فقط؛ لأنَّ التَّوحيد هو الأصل، وما يترتَّبُ على التَّوحيد أعمالٌ فرعيَّة، والأعمال الفرعيَّة ينبغي الدَّعوة إليها بعد اعتناق الأُصُول، وبهذا يتَّضحُ لنا كون يُوسُفَ لم ينهَ السَّاقي عن سقي سيِّده خمراً. تسمية الملك ربّاً تسمية العبد فتىً، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ شيءٌ حسن، أمَّا تسمية الملك ربّاً، نحو قوله تعالى: ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ... (٤١)﴾ وقوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾، فنهى الشَّرعُ عنه، فقد قال النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: "لا يَقُلْ أحدُكُم: أطْعِمْ ربَّك، وضِّئ ربَّك، اسْقِ ربَّك، وليقلْ: سيِّدي، مولاي، ولا يقُلْ أحدُكم: عبدي أمَتي، وليَقُلْ: فتايَ وفتاتي وغُلامي" (١). ونفهم من قوله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على لسان يُوسُفَ ـ ﵇ ـ أنَّ إِطلاق لفظ (الرَّبّ) مضافاً على غير الله تعالى كان جائزاً في ذلك الزَّمان وما قبله. الشَّرُّ لا يُضُافُ إلى الله تعالى ونتعلَّم من قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ﴾ أن نَنْسُبَ ما كان شرّاً لأنفسِنا وللشَّيطان، ولا ننسبه للرَّحمن ﷻ ، فينبغي التَّأدُّب في الخطاب، فالله تعالى

стр. 97

لا يُضُافُ إليه إلَّا الخير إرادة محبَّة وتسليم، مع أنَّ الخير والشَّرَّ من الله وبقضائه. وانظر قوله: ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ... (٣٤)﴾ فقد أضاف ما مِنْه الرَّحمة إليه سبحانه، ولمَّا ذكر السّجن، قال: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ فأضاف ما منه الشَّر إليهم. وتأمَّل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة]، فذكر سبحانه أنَّه فاعل النِّعمة، وحذف فاعل الغضب، وأضاف الضَّلال إليهم. وتأمَّل قول موسى لما قتل القبطي: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... (١٥)﴾ [القصص] نسبه إلى الشَّيطان، فالشَّرُّ لا يضُاف إلى الله على انفراد؛ لما فيه من توهُّم النَّقص والعيب. وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم ـ ﵇ ـ أنَّه، قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشّعراء] فأضَافَ المرَضَ إلى نفسِهِ والشِّفاء إلى الله تعالى، وإنْ كان المرض والشِّفاء منه سبحانه، وهذا مطَّرد في فصاحة القرآن، وإِنَّما ذكرناه لأَنَّ اطِّراد مثل هذا مما يجهله البعض. ومن ذلك أنَّ الخضر ـ ﵇ ـ أضاف إرادة العَيْب إلى نفْسِه، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ... فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ... (٧٩)﴾ [الكهف] ولما ذكر الخَير والبِرَّ والرَّحمة أضاف إرادتها إلى الله تعالى، فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... (٨٢)﴾ [الكهف]. ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجنّ] فحُذِف الفاعل في إرادة الشَّر، وبُني الفعل

стр. 98

﴿أُرِيدَ﴾ للمجهول، أمَّا في إرادة الرُّشد فقد أسند الفعل إليه سبحانه وبني للمعلوم. ومن سورة يُوسُفَ سيأتي قوله تعالى حكاية عن يُوسُفَ: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ... (١٠٠)﴾ فأضاف الإحسان إلى الله تعالى، وأضاف النَّزغ إلى الشَّيطان. رُؤيا الملك ولمَّا أراد اللهُ تعالى الفَرَجَ عن يُوسُفَ وإخراجه من السِّجن، رأى ملك مِصْرَ رؤيا عجيبة أهمَّته؛ فَجَمَعَ أشْرافَ القوم وسَراتَهم وعِلْيَتَهم ورِجَالَ حاشيته ومَن يظنُّ به العلم، وأخبرهم بما رأى في منامه، وسألهم عن تأويلها، فأعجزهم الله تعالى جميعاً؛ ليكونَ ذلك سبباً في خَلاصِ يُوسُف ـ ﵇ ـ من السِّجن. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ ممتلئات لحماً وشحماً ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ أخر ﴿عِجَافٌ﴾ مَهْزُولة في غاية الهُزَال ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبُّها ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ وسبع سنبلات أُخَر يابسات، فالتَوت اليابِسَاتُ على الخُضْرِ حتَّى غلبتها. وفي قوله: ﴿سِمَانٍ﴾ و ﴿عِجَافٌ﴾ و ﴿خُضْرٍ﴾ و ﴿يَابِسَاتٍ﴾ طباق إيجاب بديع حسن. ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطابٌ للأشراف ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ أخبروني عن تأؤيل هذه الرؤيا وبيِّنوا لي ما تؤولُ إليه من العاقبة ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ وتُجيدونَ تعبيرها وتعرفونَ تأويلها، وهذه الجملة تفيد أنَّ الملكَ لم يكنْ على ثقةٍ من أنَّهم يعبِّرون الرُّؤيا.

стр. 99

أَكْرِمْ بِمَنْ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِه ! ﴿قَالُوا﴾ أي الملأ، بلسان العَجْز والتَّسليم والاعتذار والتَّنَصُّل من التَّأويل: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ مجرَّد أحلام كاذبة، وقد كَذَبُوا في جوابهم؛ فإنَّ رؤيا الملك ليست من قبيل أضغاث الأحلام، بل هي من الرُّؤى الصَّادقة، لكنَّهم عَادُوا فصدقوا واعترفوا بجهلهم، فقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ وأكرِم بمَن عرف قدر نفسه! ويفهم من رؤيا الملك أنَّ الرُّؤْيَا الصَّادقة وَإِن اخْتَصَّتْ غَالِبًا بِأَهْلِ التُّقى والصَّلَاح والورع لَكِنْ قَدْ تَقَع لِغَيْرِهم، وفي قوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ استعارة تمثيليَّة لطيفة، فقد شبَّه اختلاط الأحلام وما فيها من ضروب مختلفة، بالحزمة المختلطة من الحشيش والنَّبت لا تناسب بينها. الحَاجَةُ إلى العُلماء وقول الملك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ يتضمَّن إشارةً إلى أنَّ الملوك كبقيَّة النَّاس تحتاجُ إلى العُلماء، ولا تستغني عنهم، أو بعبارة أخرى: العلماء أغنياء عن الملوك بالعِلم، وليس الملوك بأغنياء عن العلماء بالمُلْكِ، لذلك قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النَّحل] وكفى بهذا شرفاً للعلم والعُلماء. يَغْلبُ على الحلم أنْ يُرَى ولا يُسْمَع مرَّت بنا أربع رُؤى: رؤيا يوسف للكواكب، ورؤيا الفتى نفسه يعصر خمراً، ورؤيا الفتى الآخر يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطَّير منه، ورؤيا الملك للبقرات والسَّنابل. ولم تحتوِ مادةُ هذه الرؤى على لغةٍ أو كلامٍ، ومنه نعلم أن الحلم سمِّي

стр. 100

رؤيا لأنَّه غالباً ما يُرَى ولا يُسْمَع، لذلك قال يُوسُفُ لأبيه: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾، وقال الفتيان: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾، وقال الملك: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ وقال إبراهيم ـ ﵇ ـ لابنه إسماعيل ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ... (١٠٢)﴾ [الصّافات]. ومن اللَّطيف والطَّريف أنَّ سورة يُوسُفَ الَّتي كثرت بها الرّؤى، افتتحت بحروف مقطَّعة معجزة ﴿الر﴾ وهي نصف حروف كلمة (الرؤيا). ابتِدَاءُ البلاء ونهايته برؤيا كان ابتداء بلاء يُوسُف ـ ﵇ ـ بِسَبَبِ رؤيا رآها، وكان سَبَبُ نجاتِهِ رؤيا رآها الملك، فالله تعالى إذا أراد أمراً أجرى أسباباً يحصل بها مرادُه، سبحانه! ثَمَرَةُ الإحْسَان ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من السِّجن، وهو السَّاقي ﴿وَادَّكَرَ﴾ أي بعدما تذكَّر ما سبق له مع يُوسُفَ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي طائفة من الزَّمن: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ ممَّن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ إلى يُوسُفَ. ولم يصرِّح باسمه حتَّى يحظى وحده بشرف السَّبب في دلِّ الملك على يُوسُفَ معبِّر الرؤى، وضمير الجمع (الواو) في ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ يريد به الملك على سَبِيل التَّعظيم. وحقّاً ما دلَّ مليكَ مِصْرَ على يُوسُفَ وإحسانه إلَّا هذا الفتى الذي سَخَّره اللهُ تعالى له، والَّذي عَرَفَ إحْسَانَ يُوسُفَ وفضلَه، فأثمر عنده الإحسان بعد طول النِّسيان، ووفَّى بالوَعْد بعد طول العَهْد، فالصُّحبة تعطي خيراتها وإن كانت تُبْطِي، وصدق القائل: ازْرَعْ جمَيلاً ولو في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ... فلَن يَضيعَ جميلٌ أَيْنَما زُرِعَا إِنَّ الجَميلَ وإِنْ طال الزَّمانُ بهِ ... فليسَ يَحْصُدُهُ إلَّا الَّذي زَرَعا

стр. 101

حَذْفُ الجُمَلة الحذف ضَرْب من ضروب الإيجاز والاختصار، وهو باب طريف حسن، لطيف المأخذ، فإنَّك ترى في الحذف من اللُّطف والظُّرف ما هو أبلغ من الذِّكر، وفي الصَّمت ما هو أدلّ على المعنى المراد من النُّطق. ويكون المحذوف حرفاً، أو مفردة، أو جملةً، أو جملاً، ومن شرطه أن يكون في اللَّفظ قرينةٌ دالَّة عليه، فليس شيء من ذلك إلَّا عن دليل عليه، ومن فوائده حملُ السَّامع على إعمال الذِّهن في المحذوف، فتتلذَّذ نفسه بتشوّفها إلى المراد، ومن فوائده التَّعبيرُ عن المعاني الغزيرة بالمباني القليلة، ممَّا يجعل الكلام يعظم شأنُه في القلب، ويعلو قدره في النَّفس. ومن شواهد حذف الجمل في التَّنزيل من سُورة يُوسُفَ، قوله تعالى: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ... (٤٦)﴾ فالكلام فيه حذف، والتَّقدير: فأرسَلوه، فأتى يُوسُفَ، فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ والمحذوف ظاهر؛ لأنَّه إذا ثبت طرفا الكلام وحُذِفَ وسطه ظهر المحذوف لدلالة طرفيه عليه. وقد حُذِف حرف النّداء أيضاً، فالتَّقدير، فقال: "يا يوسف يا أيُّها الصِّدِّيق" ولعلَّه حُذِفَ للتَّخفيف لكثرة دورانه في الكلام، وللبُعدِ عن الإطالة والسَّآمة. ومن شواهد الحذف أنَّ يُوسُفَ بعد أنْ عبَّر للرَّسول الرُّؤيا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ فهناك حذِف جمل بيّن، والتَّقدير: فلمَّا رجع الرَّسول إلى الملك وأخبره بفتيا يُوسُفَ وتعبيره، أُعْجِب بتأويله، فطلب أن يأتوه به ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ حذف آخر، تقديره: وقال له: أجب الملك ﴿قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ... (٥١)﴾ حذف آخر، فالتَّقدير: فرجع الرَّسُولُ إلى الملك، فأخبره

стр. 102

بمقالة يُوسُفَ، فجمع النُّسوة، فذلك قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ... (٥١)﴾ وسيأتي بيان ذلك في موضعه. إخْفَاءُ اسم الملك عن يُوسُفَ حال استفتائه في تأويل الرُّؤيا أُرْسِلَ السَّاقي إلى يُوسُفَ، فلمَّا أتاه استهلَّ كلامه وصدَّره بوصف يُوسُفَ بأنَّه بليغٌ في الصِّدق؛ لأنَّه كان قد جرَّب عليه ذلك في فترة إقامته معه في السِّجن، وصرَّح باسمه ليذكِّره بصحبته، ومنه نفهم أنَّ المستفتي يجب أن يبجِّل المفتي كونه يريد آثارَه وعِلْمَه وأَنْوارَه. قال: يا ﴿يُوسُفُ﴾ يا ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ يا من غَلَبَ عليه الصِّدقُ وعُرِفَ به، وهو من باب براعة الاستهلال؛ فقد قدَّم المديح والثَّناء قبل مسألته طمعاً في إجابة مطلبه ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾. قلتُ: ويلاحظ أنَّ السَّاقي هذه المرَّة لم يقل له: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ... (٣٦)﴾ وإنَّما قال: ﴿أَفْتِنَا ... (٤٦)﴾ وقوله هذا فيه زيادة إجلال واحترام ليُوسُفَ، بعد أن وقف على علمه، وأيقن أنَّ يُوسُفَ على علم من ربِّه، كما قال لهما يُوسُفُ من قبل: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا ... بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ... (٣٧)﴾ فلعلَّه أدرك هذه المرَّة أنَّ الإنباء بتأويل الرّؤيا يحتاج إلى الإفتاء بعلم. وقد نقل إليه الرُّؤيا بنصِّها حرصاً على سلامة التَّأويل، وأخفى عنه أنَّ الملك هو الذي رأى الرُّؤيا؛ ولعَلَّه فَعَلَ ذلك خَشْيةَ أنْ يشترطَ يُوسُفُ تفسير الرُّؤيا أمام الملك، فيبدو أنَّه كان حريصاً على أن يسمعَ الملك تفسير الرُّؤيا من فَمِهِ، لينال عنده حِظْوة ومنزلة ومكانة.

стр. 103

وممَّا يدلُّ على تستُّره على اسم الملك قوله بعد ذلك: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ لا إلى الملك، أو لعلَّه أخفى اسم الملك لظنِّه أنَّ هذه الرُّؤيا لا تتعلَّق بالملك وحده، وإنَّما تعمُّ النَّاس، ولذلك عَمَّم، فقال: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ مكانَك وشأنك، فيكون ذلك سبباً لخروجك من السِّجن. وكرَّر (لعلَّ) الَّتي تفيد الرَّجاء، فهو يرجو أن يرجع بتعبير الرّؤيا إلى الملك؛ لينال عنده منزلة، فهذا معنى قوله: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ فالنَّاس الملك أوَّلهم، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ جاء تتميماً للمعنى وتقريراً له، وهو توقُّع النَّاس ورجاؤهم في معرفة تعبير هذه الرّؤيا وتأويلها، فالكلام إذا تكرَّر تقرَّر. تأويل يوسف ـ ﵇ ـ رؤيا الملك فلمَّا سَمِعَ يُوسُفُ منه الرُّؤيا أجابه إلى طلبه على الفَوْر دون قيد ولا شرط، فالعِلْم لا يُكْتَمُ، والعَالم لا يصيرُ جاهلاً، والكريم لا يصيرُ بخيلاً، فأوَّل له البقرات السِّمان والسُّنبلات الخضر سنين مخصبة، والبقرات العجاف والسُّنبلات اليابسات سنين مُجْدِبة. وأنَّ عليهم أنْ يواظبوا على الزِّراعة في السِّنين السَّبع المخْصِبة، ويدَّخروا فيها ليواجهوا خَطَرَ السِّنين المُجْدِبة، ثمَّ تنقضي السُّنون المجدبة التي تأتي على ما ادَّخروا، ويعقبُها عامُ رَخَاءٍ وخير وبركة، وهو العام الخامس عشر. فقال ـ ﵇ ـ على وجه النُّصح والإرشاد: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ متوالية بجدٍّ واجتهاد، وهي السُّنون السَّبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السِّمان والسُّنبلات الخضر. وقوله: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ هو من إطلاق الخبر بمعنى الأمر، فالمعنى: ازرعوا سبع سنين دأباً، بدليل قوله بعد ذلك: ﴿فَذَرُوهُ﴾.

стр. 104

﴿فَمَا حَصَدْتُمْ﴾ من الزَّرع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلَّا يُسَوِّسَ، واحتفظوا به في سنابله لتأكلوه في تلك السّنين ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ إلَّا ما أردتم أكله، فادرُسُوهُ واتركوا الباقي في سُنْبله، ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ وهي السُّنون السَّبع المُجْدِبة المرموز لها بالبقرات العِجَاف والسُّنبلات اليابسات. ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾: مجاز عقلي؛ لأنَّ السّنين لا تَأْكُلُ، وإنَّما يأكل النَّاس ما ادَّخروه فيها، أي تأكلون فيها ممَّا ادَّخرتُم من الحبوب المتروكة في سنابلها أيام الرَّخاء ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨)﴾ أي إلَّا القليل الَّذي تدَّخرونه وتخبِّئونه للزِّراعة والاقتصاد. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ خصيبٌ ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمَطَرِ ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ ما يُعْصَرُ، مثل: الزَّيتون، والسِّمْسِم، ونحو ذلك. وهذا العام لم تتضمَّنه الرُّؤيا! وبهذا يكون يُوسُفُ ـ ﵇ ـ قد دبَّر شؤون أهل مصر الاقتصاديَّة، فهو لم يقتصر على تأويل الرُّؤيا، بل علَّمهم ما يصنعون، وبيَّن لهم ما يعملون، ودبَّر لهم المخرج ممَّا عسى به يُصابُون. وممَّا تجدُر الإشارة إليه أنَّ يُوسُفَ مِن كَرَمِ أخلاقه، ونُبْل شُعُورِه لم يُعَاتِب السَّاقِي لعدم قيامه بما كان طَلَبَ منه، ولم يطلب منه تأكيد ذكره عند الملك، إذ ما بعد الشِّدَّة إلَّا الفَرَج، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشَّرح] فاللَّيل إذا اشتدَّ ظلامُه أوشكَ الفجرُ أن ينبلجَ نورُه، والشِّدَّة إذا تَنَاهَتْ لم يَعْقُبْها إلَّا الفَرَجُ، والمصائبُ إذا تَوَالتْ تَولَّتْ، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ النَّصر مع الصَّبر، والله ـ لا ريب ـ يُحْدِثُ بعد العُسْرِ ميْسَرةً. فإذا ما ضاقتْ بك الأيَّام واستحكمت حلقاتُها؛ فأبشر بالفرج، فلا يعقب

стр. 105

البلاء إلَّا الرَّخاء، ولله القائل: ولربَّ نازِلةٍ يَضِيقُ بها الفتى ... ذَرْعاً وعند الله منها المخْرَجُ ضَاقَتْ فلمَّا اسْتَحْكَمت حلقاتُها ... فُرِجَت وكَانَ يَظنُّها لا تُفْرَجُ الفرق اللُّغوي بين عام وسَنَة من أشهر الفروق الَّتي قرَّرها علماء اللُّغة بين العام والسَّنة، أنَّ السَّنة من الأسماء الغالبة، فالدَّابة مثلاً يغلب استخدامها في الفرس، والمال في الإبل، والسَّنة يغلب استخدامها في الأزمة والقحط والجدب، والعام يغلب استخدامه في الرَّخاء والعطاء والخصب. ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ... (١٣٠)﴾ [الأعراف] أي بالقحط والجدب، وفي دعاء النَّبيِّ ـ ﷺ ـ على المشركين، قال ـ ﷺ ـ: " اللَّهمَّ اشْدُدْ وطأتك على مُضَرَ، اللَّهمَّ اجعلْها سنين كَسِني (١) يُوسُفَ" (٢) أمَّا العام، فيستخدم غالباً في الرَّخاء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾. وقال البقاعي في "نظم الدّرر" في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ [العنكبوت]: "وعبَّر بلفظ ﴿سَنَةٍ﴾ ذمّاً لأيام الكفر، وقال: ﴿عَامًا﴾ إشارة إلى أنَّ زمان حياته ـ عليه الصَّلاة

стр. 106

والسَّلام ـ بعد إغراقهم كان رغداً واسعاً حسناً بإيمان المؤمنين وخصب الأرض" (١). مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ (الدَّقيق المنقَّى) ! قوله ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾ فيه حُسْنُ تدبير عظيم من يُوسُفَ ـ ﵇ ـ، فقد أمرهم أن يتركوا الحبَّ في سُنْبلِه، لادِّخار القمح لهم، وادِّخار حطام السَّنابل من التِّبن وعصيف البُرِّ لسوائمهم وبهائمهم. ومن الجدير معرفته أنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ أقام في المدينة المنوَّرة عشر سنين ولم يشبع من طعام بُرّ ثلاث ليال متوالية حتَّى فارق الدُّنيا، قالت عائشة ﵂: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ـ ﷺ ـ مُنْذُ قَدِمَ الْمدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِض" (٢) ويظهر أنَّ البُرَّ في المدينة كان قليلاً، وكان الأغلب الشَّعير، ومع هذا لم يشبع ـ ﷺ ـ من خبز الشَّعير حتَّى لحق بالله، أخرج البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ ـ ﵁ ـ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ، وَقَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ " (٣) وقد صحَّ أنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ ما رأى النَّقيَّ، أي خبز الدَّقيق الحُوَّارَى النَّظيف الأبيض المسمَّى الدَّرْمَك، المُنَقَّى دقيقُهُ، فلم يكن يعرف المناخل ـ ﷺ ـ من يوم بُعِثَ حتَّى لقي الله تعالى، وكذلك أصحابه ﵃، فقد كان أغلب طعامهم الشَّعير غير المنخول، ففي كتاب (الأطعمة) وتحت باب (ما كان النَّبيُّ ـ ﷺ ـ وأصحابه يأكلون) ورد أنَّ أبا حَازِمٍ سأل سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وقال له: " هَلْ أَكَلَ رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ النَّقِيَّ

стр. 107

مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ـ ﷺ ـ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ الله ـ ﷺ ـ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ الله حَتَّى قَبَضَهُ الله، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟! قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ (١)، فَأَكَلْنَاهُ " (٢) وقد أشكل على البعض كيف أنَّ النَّبيَّ ـ ﷺ ـ يطوي الأيام ذات العدد جوعاً، وهو بين أصحابه، ومنهم من يملك الأموال الجسام، كأمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرّحمن بن عوف، وغيرهم كثيرـ ﵃! وكيف يُوصَفُ النَّبيُّ ـ ﷺ ـ بذلك، وقد ثبت أنَّه لم يكن معوزاً ولا محتاجاً، فقد ساق ـ ﷺ ـ من الهدي مائة بدنة في السَّنة الَّتي حجَّ بها، ونحر منها بيده الشَّريفة ثلاثاً وستين بدنة، ثمَّ أعطى عليّاً فنحر ما بقي منها، وقسّمها على المساكين، فقد أخرج مسلم من حديث جابر ـ ﵁ ـ: " ... ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المنْحَرِ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ" (٣) والجواب أنَّ عدم شبعهم لم يكن على كلِّ حالة ووجه، ولم يكن عن عوز وضيق، ولكنَّهم كانوا يؤثرون تارَة، وتارَة لكراهة الشَّبع والتَّوسُّع في المأكل والمشرب، وعلى هذه الخليقة كانت خلائق الصَّحابة ﵃. وحديث عائشة ﵂ فيه قيود، فقولها: "مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ـ ﷺ ـ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ" فيه أنَّ الشَّبع المنفي بقيد المدينة، فاستثنت بذلك ما كان قبل الهجرة، وقولها: "مِنْ طَعَامِ بُرٍّ " فيه استثناء لأنواع الأطعمة الأخرى، وقولها: "ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا" نَفَت الشَّبع على التَّوالي لا مطلقاً. * * *

стр. 108

القسم الخامس تنظيمُه للخزائنِ المصريَّة يُوسُفُ ﵇ يَرفُضُ طَلَبَ الملك ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعدما جاءَه الرَّسولُ، وسمع منه عبارة الرُّؤيا ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ يقصد يُوسُفَ، وذلك لما رأى من علمه وفضله، فقد استحسن تأويله وأُعجب به لِمَا سمعه، " والأذن تعشق قبل العين أحياناً " والوَصْفُ يحرِّك من الشَّوق أغْصَاناً وأَفْناناً! ونُفِّذَ أمرُ الملك، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ أي فلمَّا جَاءَ رسُولُ الملك إلى يُوسُفَ يدعوه للخُروج من السِّجن، أخذ يُوسُفُ يُراجِع ويستعرض تلك الدَّعوى والتُّهمة المزوَّرة، التي دَخَلَ السِّجنَ بسببها، ومرَّ به شريطُ الذِّكريات المؤْسِف، فَوَجَدَ أنَّ هناك دواعي كثيرة تمنعه من إجابة الدَّاعي إلى طلبه، ولذلك ﴿قَالَ﴾ يُوسُفُ للرَّسول بلسان اللُّطْفِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ سيِّدك الملك ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾. مجرد سؤال، لم يغْتب أحداً، ولم يتَّهم أحداً بصراحة، ولم يقع في أحد، ولم يذكر اسم سيِّدته امرأة العزيز، وهي الَّتي ما زال في السِّجن بمساعيها، واكتفى بالإيماء. ونراه ـ ﵇ ـ لم يَقُل: سَلْه أنْ يُفتِّشَ عن شأنهنَّ! فلربمَّا كان في ذلك جرأة على الملك تدفع الملك إلى الامتناع وعدم الالتفات إليه. وقوله: ﴿مَا بَالُ النِّسْوَةِ﴾ يدلُّ على وفور عقله وكمال أدبه؛ فقد ذكر النِّساءَ جملة ليُدخِل امرأة العزيز فيهنَّ مدخلَ العموم بالتَّلميح لا بالتَّصريح، وهذا من

стр. 109

أخلاق نبيِّنا محمَّد ﷺ ، فلم يكن يقابل أحداً بمكروه، فقد أُثر عنه أنَّه كان يقول: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ" (١). ومن إمساكه ـ ﵇ ـ عن غيبة أحد، نتعلَّم ألَّا نتلمَّظ بمُضْغَةٍ طالما لفظتها الكرام، وطالما ورد النَّهيُ عنها في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات] وطلب يوسف نقل الدَّعوة من محكمة (العزيز) إلى محكمة (الملك) بهذه الجرأة يدلُّ على ثقته بكسب الدَّعوة؛ لأنَّه واثقٌ بالبراءة. البراءَة أوَّلاً أبى ـ ﵇ ـ الخروج من السِّجن حتى تجري التَّحقيقات اللَّازمة عمَّا نُسِبَ إليه، وحتى تبرأَ ساحتُه من تلك التُّهمة الشَّنيعة، ويعلم الناسُ جميعاً أنَّه حُبِس بلا جرم؛ لئلَّا يتسلَّق به الحاسدون إلى تقبيح أمره، وحطِّ منزلته عند الملك، فالبراءة أولاً، ثمَّ الخروج ثانياً. فهو يريد أن يعاد التَّحقيق في سبب دخوله السّجن، حتَّى إذا خَرَجَ خَرَجَ موسوماً بالبراءة والشَّرف والعزَّة، مرفوع الرَّأس، وافر الكرامة، والاجتهاد في نفي التُّهم واجبٌ وجوب اتقاء الوقوف في مواقفها. ولا تعارض بين قول يُوسُفَ ـ ﵇ ـ للسَّاقي: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... (٤٢)﴾ وقوله لرسول الملك: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ (٥٠)﴾ لأن هدفه في المرَّتين إعادة التَّحقيق في التّهمة الملفَّقة ضدّه، وإثبات براءته أخذاً بالأسباب. ثناءُ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ على يُوسُفَ أثنى النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ على يُوسُفَ ـ ﵇ ـ الَّذي طال عليه السِّجن ولم يستعجل

стр. 110

الخروج، فقال في حديثه الشَّريف: "لو لبِثْتُ في السِّجن ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثمَّ أتاني الدَّاعي لأجَبْتُهُ" (١) أي لأسرعتُ الإجابة في الخروج، وما قدَّمتُ طلب البرءاة، فشهد ـ ﷺ ـ ليُوسُفَ بكمال فضيلة الصَّبر والأناة عنده، وحسن نظره. وقيل: المعنى إشارة إلى ترك العزيمة بالرُّخصة، وتقديم حق الله تعالى بتبليغ التَّوحيد والرِّسالة على براءة نفسه، وقيل: إنَّما قاله ـ ﷺ ـ قبل أن يعلم أنَّه أفضل الأنبياء والمرسلين، وقيل: هو من باب التَّواضع منه ـ ﷺ ـ والثَّناء على صبر يُوسُفَ وحلمه، لا أنَّه لو كان مكانه عجَّلَ بالخروج، فحلم النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ معلوم لدى الخواصِّ والعوامِّ، ولكن هذا من حسْن تواضعه، وقيل: أراد ـ ﷺ ـ أن يُنبِّه على أنَّ الأنبياء وإنْ كانوا من الله بمكان لا يُرامُ، فهم بَشَرٌ يَطْرأ عليهم ما يطرأ على غيرهم، وأنَّ ذلك لا يُعَدُّ نقصاً، وقيل غير ذلك. اعترافُ امرأة العزيز ببراءَةِ يُوسُفَ عادَ الرَّسولُ أدراجه إلى الملك، وأخبره بما حدث، فلم يغضب لنفسه لأنَّ يُوسُفَ لم يجب إرادته إلَّا بعد التَّحقيق عن سبب اعتقاله، سِعَة صدر منه، بل نزل عند رغبته، فلا بدَّ أنَّ ثقته بيُوسُفَ زادت وحسن اعتقادُه فيه، فاستقصى الأمور، وأعاد التَّحقيق، وجمع النِّسوة، ودعا معهنَّ امرأة العزيز، وواجههنَّ بإصبع الاتِّهام، وأجلسهنَّ مجلس الاستنطاق: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ مشيراً إلى أمرٍ لهنَّ جَلَل. ويلاحظ من كلامه أنَّه تأكَّد من براءة يُوسُفَ؛ فقد أسند للنّسوة تهمة المراودة. ويظهرُ أنَّه لم يكن هنالكَ مجالٌ للإنكار: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّباً من عفَّته
следующие страницы →