← Сира

Сира · id 2700

مرويات الإمام الزهري في المغازي

محمد بن محمد العواجي

Полный текст (812 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

_________ وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، دلائل النبوة ٣/ ١٧٨، ففي هذه الرواية الثابتة بيان سبب وقعة بني النضير وأنها كانت بعد بدر، بل بعدها بستة أشهر كما ستحددها الروايات الآتية في مبحث (تاريخ غزوة بني النضير) ، وقد وافق الزهري السهيلي في الروض ٣/ ٢٥٠، والذهبي ١٥٣ في السيرة النبوية. أما ابن إسحاق فقد ذكر سبباً آخر لوقعة بني النضير تتلخص "بأن النبي ﷺ ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، فجلس النبي ﷺ إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك، فانصرف عنهم مسرعاً إلى المدينة ثم أمر بحصارهم فنزلوا على الصلح ... " تلخيص هذا السبب اقتبسته من السيرة الصحيحة للعمري ١/ ٣٠٧، وانظر الخبر مفصلاً عند ابن هشام ٢/ ١٩٠، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مثل ذلك، مغازي عروة ١٦٤، وابن لهيعة ضعيف. وهذا السبب الذي ذكره ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، مرسل، ولا يرتقي لمعارضة السبب الذي ذكره عبد الرزاق بسند صحيح، وبما أن السبب الذي ذكره ابن إسحاق يعود إلى حادثة بئر معونة التي كانت في السنة الرابعة، فلا بد أن تكون غزوة بني النضير في السنة الرابعة، وسيأتي التفصيل في تاريخ الغزوة في المبحث الآتي. قال الحافظ ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق (يقصد الرواية المتقدمة التي ذكرها عبد الرزاق) من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أصحاب المغازي، فالله أعلم، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قاله ابن إسحاق يعني في تاريخ الغزوة، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق". اهـ. الفتح ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.

стр. 282

عبد الله١ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لتقتلُنه أو لتخرجٌنَّه أو لنستعن عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا، فاجتمعوا، وأرسلوا، وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعة، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة٢ والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا

стр. 283

يحولن بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهو الخلاخل - فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلت إلى النبي ﷺ : أخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبراً١، حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلُّنا. فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبراً من يهود، حتى إذا برزوا في براز الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلاً من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف تفهم ونفهم، ونحن ستون رجلاً؟ أُخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنَّا كلنا، وصدقناك. فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ابن أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ ، فسارَّه بخبرهم، قبل أن يصل النبي ﷺ

стр. 284

إليهم، فرجع النبي ﷺ ، فلما كان من الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب١، فحاصرهم، وقال لهم: إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء٢، وعلى أن لهم ما أقلَّت الإبل إلا الحلقة - والحلقة: السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلَّت إبل٣ من أمتعتهم، أبواب بيوتهم، وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام٤، وكان بنو النضير من سبط٥ من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء

стр. 285

لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة فأعطاه الله إياه، وخصه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ٢ يقول: بغير قتال، قال: فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، [و] لرجلين من الأنصار٣ كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ في يد بني فاطمة.

стр. 286

المبحث العشرون: في تاريخ غزوة بني النضير ٣٠- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديثه عن عروة: ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة - يعني السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ١ فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، فكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، وأما قوله: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام٢.

стр. 287

٣١- وقال الحاكم: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي١ الصنعاني بمكة، ثنا علي بن المبارك الصنعاني٢، ثنا زيد بن المبارك الصنعاني٣، ثنا محمد بن ثور٤، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من

стр. 288

الأمتعة والأموال إلا الحلقة - يعني: السلاح -، فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ ١، فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله لأول الحشر فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام٢. ٣٢- وقال أبو عبيد٣: وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن

стр. 289

سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب "أن وقيعة بني النضير من اليهود كانت على رأس ستة أشهر من وقيعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم ناحية من المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء"١.

стр. 290

_________ فيه أنها كانت بعد أحد والتي بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بني قينقاع ... " زاد المعاد ٣/ ٢٤٩. وقال ابن كثير: "ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد، والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير، وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيداً فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالاً، وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله أعلم". أ. هـ. البداية والنهاية ٤/٩. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن غزوة بني النضير كانت قبل أحد وبعد بدر بستة أشهر كما قال الزهري وذلك لقوة الروايات التي وردت عن الزهري في ذلك، وقد تقدم أن منها الثابت المتصل والمرسل، أما ما ذكره ابن إسحاق من أنها كانت بعد بئر معونة أي في السنة الرابعة، فإن مستنده في ذلك تلك الرواية التي حدثه بها يزيد بن رومان وهو من صغار التابعين فهي لا ترقى إلى معارضة ما ذكره الزهري، وفي هذه الحالة يتعين الأخذ بقول الزهري، أما ما ذكره ابن كثير من أن الخمر حرمت ليالي بني النضير، وهو دليل على تأخرها عن أحد لكون بعض من شهد أحداً من الصحابة قد شربها صباح ذلك اليوم، فإنه لا يسلَّم بذلك لعدم ورود دليل صحيح يدل على ذلك، بل قد ذكر المفسرون أن الخمر قد حرمت بعد أحد، ولم يحددوها بليالي بني النضير، وقيل بعد الأحزاب، حيث أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وغزوة الأحزاب كانت سنة خمس على الصحيح؛ وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر: متى حرمت الخمر؟ قال: بعد أحد. انظر: فتح القدير للإمام الشوكاني ٢/٧٥، ورواية جابر لم تحددها بليالي بني النضير، فتبقى رواية الزهري هي الراجحة، وهو ما رجحه الإمام البخاري ﵀، والله أعلم.

стр. 291

المبحث الحادي والعشرون: في مصير أموال بني النضير ٣٣- أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف١ المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع٢ عدة في سبيل الله"٣.

стр. 292

الفصل الثالث: في غزوة أحد والأحداث التي أعقبتها المبحث الأول: في سبب وقعة أحد ... المبحث الأول: في سبب وقعة أحد ٣٤- قال ابن إسحاق: وكان من حديث أحد، كما حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد١ بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة٢، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ٣ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا أو من قاله منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب٤ ورجع فَلُّهُم٥ إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بِعيرِه، مشى عبد الله بن أبي

стр. 293

ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش: إن محمداً قد وتركم١، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا٢.

стр. 294

المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة ٣٥- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا عبد الله٢ بن جعفر النحوي قال حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: حدثنا الحجاج بن أبي منيع٤ قال: حدثنا جدي٥ عن الزهري عن عروة قال: "ثم كانت وقعة أُحُد٦ في شوال٧ على رأس سنة من وقعة

стр. 295

بدر، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب١.

стр. 296

المبحث الثالث: في عدد جيش المسلمين والمشركين يوم أحد ٣٦- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي٢، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان٣، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج٤، قال: أخبرني ابن وهب٥، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب في خروج النبي ﷺ إلى أُحد، قال: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالشوط٦

стр. 297

من الجبانة١، انخزل٢ عبد الله بن أبي بقريب من ثلث الجيش، ومضى النبي ﷺ وأصحابه في سبعمائة٣، وتعبأت قريش وهم ثلاثة٤ آلاف، ومعهم مائتا فرس، قال: جنَّبوها وجَعَلوا على ميمنة الخيل خالدَ بنَ الوليد٥، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل٦، هكذا، وجدته في

стр. 298

كتابي١. قال البيهقي: وأعاد يعقوب بن سفيان هذه القصة بهذا الإسناد بعينه تخالف هذه القصة في بعض ألفاظها، ويقول فيها: والمسلمون يومئذ قريب من أربع مائة رجل، والمشركون يومئذ قريب من ثلاثة آلاف. وقوله الأول أشبه بما رواه موسى بن عقبة٢، وأشهر عند أهل المغازي، وإن كان المشهور عن الزهري أربع مائة٣.

стр. 299

المبحث الرابع: في ذكر أحداث غزوة أحد إجمالاً ٣٧- قال البيهقي في الدلائل١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب، قال: حدثني القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في المغازي، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه: موسى بن عقبة قال: ورجعت٢ قريش فاستجلبوا من استطاعوا من مشركي العرب، وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من العام المقبل من وقعة بدر، حتى طلعوا من بئر الحماوين٣، ثم نزلوا ببطن الوادي٤

стр. 300

الذي قِبَل أُحد، وكان رجال من المسلمين الذين لم يشهدوا بدراً ندموا على ما فاتهم من سابقة بدر، وتمنوا لقاء العدوّ، وليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحدٍ، فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدراً بقدوم العدوّ عليهم، وقالوا: قد ساق الله إلينا بأمنيتنا، ثم إن رسول الله ﷺ أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه، فقال: " رأيت البارحة في منامي بَقَراً والله خير"، وفي رواية ابن فليح "بقَراً تُذْبح"، ورأيت سيفي ذا الفقار انفصم١ من عند ظُبَّته٢ - أو قال: به فلول٣ فكرهته وهما مُضَبَّبتان - ورأيت أني في درع حصينة٤ وأني مردف كبشاً، فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله! ماذا أولت رؤياك؟ قال: أوّلت البقر الذي رأيت نفراً فينا وفي القوم، وكرهت ما رأيت

стр. 301

بسيفي"، ويقول رجال: وكان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصابوا وجهه يومئذ، وفصموا رَباعيته، وخرقوا شفته، يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص، وكان البَقَرُ من قُتل يومئذ من المسلمين، وقال: "أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو فقتله"، وفي رواية ابن فليح: "يقتله الله، وأوّلت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا١، وأجمعوا الذراري في الآطام٢، فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم"، ورموا من فوق البيوت وكانوا قد شكوا أزقة المدينة بالبنيان، حتى كانت كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدراً: كنا يا نبي الله نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرَّب المسير. وقال رجال من الأنصار: متى نقاتلهم يا نبي الله إن لم نقاتلهم عند شَعَبِنا٣؟ وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع، وقال رجال قولاً صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبد المطلب قال: "والذي أنزل

стр. 302

عليك الكتاب لنجالدنَّهم". وقال يعمر١ بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: "يا نبي الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها"، فقال له رسول الله ﷺ : بمَ؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فقال له رسول الله ﷺ : صدقت، فاستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله ﷺ ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم به كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار إليه بالخروج لم يشهدوا بدراً، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة٢ فلما صلى رسول الله ﷺ الجمعة

стр. 303

وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا باللأمة١ فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة وهو أعلم بالله وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء، ثم أشخصناه، يا نبي الله: امكث كما أمرتنا، قال رسول الله ﷺ : "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وآذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل٢، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا

стр. 304

الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدوّ، انظروا ما أمركم به فافعلوه،: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع١ وهم ألف٢ رجل والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله حتى نزل بأُحد، ورجع عنه عبد الله بن أُب ي بن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة فقال كعب بن مالك٣ الأنصاري: إنّا بهذا الجذع لو كان أهله ... سوانا لقد ساروا بليل فأقشعوا٤ جلادٌ على ريب الحوادث لا ترى ... على هالك عيناً لنا الدهر تدمع ثلاثة آلاف ونحن نصية٥ ... ثلاثِ ميْينٍ إن كثرنا وأربع

стр. 305

فراحوا سراعاً موجفين كأنهم ... غمام هراقت ماءها الريح تقلع ورحنا وأخرانا بطاء كأننا ... أسود على لحم ببيشة ظُلّع فلما رجع عبد الله بن أُب ي بالثلاث مائة، سقط في أيدي الطائفتين من المسلمين، وهمتا أن تفشلا، وهما بنو حارثة وبنو سلمة١ كما يقال، وصفَّ رسول الله ﷺ والمسلمون بأصل أُحد وصف المشركون بالسبخة٢ التي قِبَل أُحد، وتعبأ الفريقان للقتال، وجعل المشركون على خيلهم خالد ابن الوليد بن المغيرة، ومعهم مائة فرس، وليس مع المسلمين فرس، وحامل لواء٣ المشركين من عبد الدار، واشتكى صاحب لوائهم طلحة بن عثمان

стр. 306

أخو شيبة بن عثمان١، وكانت لهم الحجابة، والندوة، واللواء، فقال أبو سفيان بن حرب: إن اللواء ضاع يوم بدر حتى قتل حوله من قد علمتم، وأرى أن أعارضهم بلواء آخر، فقالت بنو عبد الدار والأحلاف٢: إن شئتم فارفعوا لواءً آخر، ولكن لا يرفعه إلا رجل من بني عبد الدار، فقال أبو سفيان: بل عليكم بلوائكم فاصبروا عنده. وأمر رسول الله ﷺ خمسين رجلاً من الرماة فجعلهم نحو خيل

стр. 307

العدو، وأَمَّر عليهم عبد الله بن جبير١ أخا خوَّات بن جبير٢ وقال لهم: "أيها الرماة٣، إذا أخذنا منازلنا من القتال فإن رأيتم خيل المشركين تحركت وانهزم أعداء الله فلا تتركوا منازلكم إني أتقدم إليكم أن لا يفارقن رجل منكم مكانه، واكفوني الخيل"٤. فوعز٥ إليهم فأبلغ، ومن نحوهم كان الذي نزل بالنبي ﷺ يومئذ

стр. 308

والذي أصابه، فلما عهد النبي ﷺ إلى أصحابه عهده في القتال، وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أنا عاصم١ إن شاء الله لما معي، فقال له طلحة - يعني ابن عثمان ـ: هل لك يا عاصم في المبارزة؟ قال: نعم، فبدره ذلك الرجل، فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيه فقتله، فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقاً لرؤيا رسول الله ﷺ أني مردف كبشاً، فلما صرع صاحب اللواء انتشر النبي ﷺ وأصحابه، وصاروا كتائب٢ متفرقة، فجاسوا٣ العدوّ ضرباً حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مراتٍ، كل ذلك تنضح بالنبل، فترجع مغلولةً، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلاً، فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عزوجل قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيءٍ، قد أهلك العدو إخواننا في عسكر المشركين، وقال طوائف منهم: على ما نصفُّ، وقد هزم الله العدو؟! فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي ﷺ ألاّ يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول،

стр. 309

فأوجفت١ الخيل فيهم قتلاً، وكان عامتهم٢، في العسكر، فلما أبصروا ذلك الرجال المتفرقة أن الخيل قد فعلت ما فعلت، اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخ: أُخراكم أُخراكم، قُتِل رسولُ الله ﷺ ، فسقط في أيدي المسلمين فقتل منهم من قتل وأكرمهم الله بأيدي المشركين وأصعد الناس في الشعب لا يلوون على أحد٣، وثَبَّت الله عزوجل النبي ﷺ حين انكشف عنه من انكشف من أصحابه، وهو يدعوهم في أخراهم حتى جاءه من جاءه منهم إلى قريب من المِهْرَاسِ٤ في الشِّعب. فلما فُقِدَ رسولُ الله ﷺ قال رجل منهم: إن رسول الله قد قُتل فارجعوا إلى قومكم فيؤمنونكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلون البيوت. وقال رجل منهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.

стр. 310

وقال آخرون: إن كان رسول الله ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون عن دينكم، وعلى ما كان عليه نبيكم، حتى تلقوا الله شهداء؟ منهم: أنس بن النضر١ شهد له بها سعد بن معاذ عند رسول الله ﷺ ، ويقال: أحد بني قشير الذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. ومضى النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فإذا المشركون نحو وجهه على طريقه، فلما رآهم رسول الله ﷺ قد استقبلوه، قال: "اللهم إن تشأ لا يغلبك أحد في الأرض، وقال: اللهم إن تشأ لا تعبد" ٢. فانصرف المشركون والنبي ﷺ يدعو أصحابه مصعداً في الشعب، معه عصابة صبروا معه، منهم: طلحة بن عبيد الله٣، والزبير بن العوام، وبايعوه على الموت وجعلوا يسترونه بأنفسهم ويقاتلون معه حتى قتلوا إلا

стр. 311

ستة نفر أو سبعة وهم مع ذلك يمشون حول المهراس، ويقال: كان كعب ابن مالك أول من عرف عين رسول الله ﷺ حين فقد من وراء المغفر فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول الله ﷺ فأشار إليه، - زعموا - رسول الله ﷺ أن اسكت١ - وجرح رسول الله ﷺ وكُسِرت رَباعيتُه٢، وكان أُبيّ بن خلف قال حين افتدى: "والله إن عندي لفرس أعلفها كل يوم فَرَق٣ ذرة، ولأقتلنّ عليها محمداً"، فبلغت رسول الله ﷺ

стр. 312

حِلْفَته، فقال: "بل أنا أقتله إن شاء الله". فأقبل أُبيٌّ مقنعاً في الحديد على فرسه تلك يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله. قال موسى بن عقبة [عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: أقبل أُبي بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده] ١، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف من فُرْجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أُبيّ عن فرسه، ولم يخرج من ترقوته دم، قال سعيد: فكسر ضلعاً من أضلاعه، ففي ذلك نزل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٢، فأتاه رسول الله ﷺ وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ما جزعُك إنما هو خَدْش٣، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ : "بل أنا أقتل أبياً"٤، ثم

стр. 313

قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بيْ بأهل المجاز١ لماتوا أجمعون، فمات أُبيّ قبل أن يقدم مكة، فلما لحق رسول الله ﷺ أصحابه ونظروا إليه، ومعه طلحة والزبير وسهل بن حُنيف والحارث بن الصمّة أخو بني النجار ظنّ أصحاب رسول الله ﷺ أن النفر من عدوهم فوضع أحدهم سهماً على كبد قوسه فأراد أن يرمي، فلما تكلموا وناداهم رسول الله ﷺ عرفوه، فكأنه لم يصبهم بلاء في أنفسهم قطّ حين عرفوا رسول الله ﷺ فبينما هو كذلك إذ عرض لهم الشيطان نفسه ووسوسته وتحزينه حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم، فبينما هم كذلك يذكرون قتلاهم وإخوانهم، ويسأل بعضهم بعضاً عن حميمه، فيخبر بعضهم بعضاً بقتلاهم، وقال: اشتد حزنهم، أدبر الله عليهم المشركين، وغمهم بهم ليذهب بذلك الحزن عنهم، فإذا عدوهم فوق الجبل قد علوهم، فنسوا عند ذلك الحزن والهموم على إخوانهم، ثم أنزل الله عزوجل على طائفة ﴿مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسَاً يَغْشَى طائفةً مِنْكُم﴾ ٢ كما قال: ﴿وطائفةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهليَّةِ يقولونَ هَلْ لنا مِنَ الأمرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إنَّ الأمرَ كلَّه للهِ يُخْفُون في

стр. 314

أنفسِهِم مَا لا يُبْدُوْنَ لكَ يقولونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قال الله عزوجل: ﴿قُل لوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُم﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ، وكانا غَمَّين: فهذا الغمّ الآخر، والغمّ الأول: حين أُصعدوا في الشعب منهزمين، فأنساهم الهزيمة ما يخافون من طلب العدو وقتالهم، وقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا اليوم"٢ ثم دعا رسول الله ﷺ وندب أصحابه، فانتدب منهم عصابة، فأصعدوا في الشعب حتى كانوا هم والعدو على السواء فراموهم بالنبل، وطاعنوهم حتى أهبطوهم عن الجبل، وانكفأ المشركون عنهم إلى قتلى المسلمين فَمَثَّلوا بهم: يقطعون الآذان والأنوف، والفروج، ويبقرون البطون، وهم يظنون أنهم قد أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابة، ثم إنهم قد اجتمعوا وصفوا مقاتلتهم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال إلا أنكم ستجدون في قتلاكم شيئاً من مُثْلَة، وإني لم آمر بذلك ولم أكرهه٣، ثم قال: أُعل هبل، يفخر

стр. 315

بآلهته. فقال: عمر: اسمع يا رسول الله ما يقول عدو الله. فقال رسول الله ﷺ : "ناده فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار". قالوا: "إن لنا العزى ولا عزى لكم". قال رسول الله ﷺ : "الله مولانا ولا مولى لكم". ثم نادوا محمداً باسمه١، فلما علموا أنه حيٌّ ونادوا رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ أشرافاً فعلموا أنهم أحياء، كبتهم الله فانكفؤوا إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون، فقال رسول الله ﷺ : "إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري والنساء، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها، وإن كانوا ركبوا الأثقال وجنبوا الخيل فهم يريدون الفرار"، فلما أدبروا بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في آثارهم فقال: أعلم لنا أمرهم، فانطلق سعد يسعى حتى علم علمهم، ثم رجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة٢ مدبرة، ورأيت القوم قد

стр. 316

تحملوا على الأثقال سائرين فطابت أنفس القوم لذهاب العدو، وانتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلاً إلا قد مَثَّلُوا به إلا حنظلة بن أبي عامر١، كان أبوه مع المشركين فتُرِك له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلاً، فدفع صدره برجله ثم قال: ذنبان أصبتهما قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دُبَيْس٢، ولعمر الله إن كنت لواصلاً للرحم براً بالوالد، ووجدوا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ قد بقر بطنه، وحملت كبده، احتملها وحشي٣ وهو قتله يذهب بكبده إلى هند٤ بنت عتبة في نذر نذرته حين

стр. 317

قتل أباها يوم بدر، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فدفن حمزة في نمرة١ كانت عليه إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، وإذا أنزلت إلى رجله بدا وجهه، فجعلوا أعواداً من شجرٍ وحجارةٍ فوضعوا على قدميه وغطوا وجهه٢. قال موسى: قال ابن شهاب: فلما فرغ رسول الله ﷺ لدفن الشهداء قال: "زملوهم٣ بجراحهم فإنه ليس كَلْم٤ يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة يَدْمَى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك" ٥، ثم قال

стр. 318

رسول الله ﷺ : "أنا الشهيد على هذا يوم القيامة"١. ثم قام رسول الله ﷺ يدفنون على عينيه، ولم يغسلهم ولم يصل على أحد منهم كما يصلي على الموتى، ولم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها، قال: وهم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة: (أي هؤلاء كان أكثر أخذاً للقرآن؟) فإذا أشير إلى الرجل منهم قدمه في اللحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم، وخرج نساء من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فلما رأت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه ورسول الله ﷺ يقول: "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله، واشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله"٢. وقال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر

стр. 319

لقومي فإنهم لا يعلمون" ١. قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: رمى يومئذٍ رسول الله ﷺ رجل من بني الحارث بن عبد مناة يقال له: ابن قَمِئَة٢، ويقال: بل رماه عتبة بن أبي وقاص٣، قال: وسعى علي بن أبي طالب ﵁ إلى المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميمة، فأتى بماءٍ في مَجنَّة٤ فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحاً، فقال: (هذا

стр. 320

ماء آجن) ١، فمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها، ولما رأى رسول الله ﷺ سيف عليّ مخضباً دماً، قال: (إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث٢ بن الصِّمَّة، وسهل٣ بن حُنيف) ٤، ثم قال: "أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين ذهبوا"؟ قالوا: كفر عامتهم، فقال: "إن المشركين لم يصيبوا منا مثلها حتى نبيحهم"، ثم أقبلوا إلى دورهم وقد كان أبو سفيان ناداهم والمشركون حين ارتحلوا أن موعدهم الموسم موسم بدر، وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا لهم نعم قد فعلنا".
следующие страницы →