تحملوا على الأثقال سائرين فطابت أنفس القوم لذهاب العدو، وانتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلاً إلا قد مَثَّلُوا به إلا حنظلة بن أبي عامر١، كان أبوه مع المشركين فتُرِك له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلاً، فدفع صدره برجله ثم قال: ذنبان أصبتهما قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دُبَيْس٢، ولعمر الله إن كنت لواصلاً للرحم براً بالوالد، ووجدوا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ قد بقر بطنه، وحملت كبده، احتملها وحشي٣ وهو قتله يذهب بكبده إلى هند٤ بنت عتبة في نذر نذرته حين
стр. 317
قتل أباها يوم بدر، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فدفن حمزة في نمرة١ كانت عليه إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، وإذا أنزلت إلى رجله بدا وجهه، فجعلوا أعواداً من شجرٍ وحجارةٍ فوضعوا على قدميه وغطوا وجهه٢.
قال موسى: قال ابن شهاب: فلما فرغ رسول الله ﷺ لدفن الشهداء قال: "زملوهم٣ بجراحهم فإنه ليس كَلْم٤ يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة يَدْمَى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك" ٥، ثم قال
стр. 318
رسول الله ﷺ : "أنا الشهيد على هذا يوم القيامة"١.
ثم قام رسول الله ﷺ يدفنون على عينيه، ولم يغسلهم ولم يصل على أحد منهم كما يصلي على الموتى، ولم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها، قال: وهم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة: (أي هؤلاء كان أكثر أخذاً للقرآن؟) فإذا أشير إلى الرجل منهم قدمه في اللحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم، وخرج نساء من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فلما رأت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه ورسول الله ﷺ يقول: "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله، واشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله"٢.
وقال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفر
стр. 319
لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: رمى يومئذٍ رسول الله ﷺ رجل من بني الحارث بن عبد مناة يقال له: ابن قَمِئَة٢، ويقال: بل رماه عتبة بن أبي وقاص٣، قال: وسعى علي بن أبي طالب ﵁ إلى المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميمة، فأتى بماءٍ في مَجنَّة٤ فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحاً، فقال: (هذا
стр. 320
ماء آجن) ١، فمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها، ولما رأى رسول الله ﷺ سيف عليّ مخضباً دماً، قال: (إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث٢ بن الصِّمَّة، وسهل٣ بن حُنيف) ٤، ثم قال: "أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين ذهبوا"؟
قالوا: كفر عامتهم، فقال: "إن المشركين لم يصيبوا منا مثلها حتى نبيحهم"، ثم أقبلوا إلى دورهم وقد كان أبو سفيان ناداهم والمشركون حين ارتحلوا أن موعدهم الموسم موسم بدر، وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام، فقال رسول الله ﷺ : "قولوا لهم نعم قد فعلنا".
стр. 321
قال أبو سفيان: فذلك الموعد١.
وزعموا أن رسول الله ﷺ كان عرض يومئذ سيفه فقال: "من يأخذ هذا بحقه"؟ قالوا: وما حقه؟ قال: يضرب به إذا لقي العدوّ"، فقال عمر - زعموا - أنا آخذه، فأعرض عنه، ثم عرضه الثانية، فقال الزبير: أنا آخذه فأعرض عنه، فوجد عمر والزبير في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة بذلك الشرط، فقال أبو دجانة سماك بن خرشة٢ أخو بني ساعدة: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فدفعه إليه.
فصدق به حين لقي العدو وأعطى السيف بحقه٣.
стр. 322
وزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مُثَل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة تحوية المسلمين ويقول: استوسقوا١ كما تستوسق جرد الغنم، قال: وإذا رجل من المسلمين قائم ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، قال: فلم أزل أنظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف بلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه، فقال: كيف ترى يا كعب أنا أبو دجانة.
فلما دخل النبي ﷺ أزقَّة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهنّ، قال: وأقبلت امرأة تحمل ابنها وزوجها على بعير قد ربطتهما بحبل ثم ركبت بينهما، وحمل منهم قتلى فدفنوا في مقابر المدينة، فنهاهم النبي ﷺ عن حملهم، وقال: "واروهم٢ حيث أصيبوا"٣، وقال رسول الله حين سمع البكاء: "لكن حمزة لا بواكي له "، واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن
стр. 323
عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة، فمشوا في دورهم فجمعوا كل نائحة وباكية كانت بالمدينة، فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله ﷺ فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة.
- وزعموا - أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة، فلما سمع رسول الله ﷺ البكاء قال: (ما هذا؟)
فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم وقال لهم خيراً، وقال: (ما هذا أردت، وما أحب البكاء، ونهى عنه) .
وقال النبي ﷺ : "ثلاث من عمل الجاهلية لن تتركهن أمتي: النياحة على الموتى، والطعن في الأنساب، وقيل هذا المطر بنوء١ كذا وكذا، وليس بنوء إنما هو عطاء الله ورزقه"٢.
وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المؤمنين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المِرْجَل٣، وأظهروا النفاق والغش عند بكاء المسلمين ما كانوا مستخفين، وقالت اليهود: لو كان نبياً ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب،
стр. 324
ولكنه طالب ملك تكون له الدولة مرة وعليه مرة، وكذلك أهل طلب الدنيا بغير نبوة١.
وقال المنافقون نحو قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابوا الذي أصابوا منكم.
وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله ﷺ فاستخبره عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكة القوم وحدَّهم ثم تركتموهم ولم تبروهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم.
وأمر النبي ﷺ أصحابه وبهم أشد القرح بطلب العدو ليسمعوا بذلك، وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال، فقال عبد الله بن أبي ّ: أنا راكب معك.
فقال: (لا) ، فاستجابوا لله ورسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا، فقال الله عزوجل في كتابه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
стр. 325
قال: وأقبل جابر بن عبد الله السلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي رجعني وقد خرجت معك لأشهد القتال، فقال: ارجع وناشدني أن لا أترك نساءنا، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل، فاستشهده الله، فأراد بي البقاء لتركتِه، ولا أحب أن تتوجه وجهاً إلا كنت معك، وقد كرهت أن يطلب معك إلا من شهد القتال، فأْذَنْ لي، فأَذِنَ لَه رسول الله ﷺ ، فطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد١، ونزل القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين وشأن مواطنهم كلها، ومخرج رسول الله ﷺ إذا غدا فقال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ
стр. 326
عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ١ مع سبع آيات بعدها، والرهط الذين تولوا رجلان من بني زريق: سعد بن عثمان٢ وأخوه عقبة بن عثمان٣، ورجل من المهاجرين٤: تولوا حتى انتهوا إلى بئر حزم٥، وفي رواية ابن فليح إلى الجَلَعْب٦، ثم عفا الله عنهم، ثم إن المسلمين استكثروا الذي أصابهم من البلاء يوم أحد٧، وقد كانوا أصابوا يوم بدر من المشركين
стр. 327
ضعف ذلك١، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢وآيات معها بعدها، ثم سمى موسى بن عقبة من قتل مع رسول الله ﷺ يوم أحد وذكر فيهم: اليمان٣ أبا حذيفة٤ واسمه حسيل بن جبير
стр. 328
حليف لهم من بني عبس أصابه المسلمون زعموا في المعركة لا يدرون من أصابه، فتصدق حذيفة١ بدمه على من أصابه.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب قال عروة بن الزبير: أخطأ به المسلمون يومئذ فتوشقوه٢ بأسيافهم يحسبونه من العدو، وإن حذيفة ليقول أبي أبي فلم يفقهوا قوله حتى فرغوا منه، قال حذيفة: يغفر الله لكم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
قال: ووداه٣ رسول الله ﷺ وزاد حذيفة عنده خيراً٤،
стр. 329
قال: وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من قريش والأنصار تسعة وأربعون رجلاً١، وقتل من المشركين يوم أحد ستة عشر رجلاً٢.
стр. 330
المبحث الخامس: في ردِّ النبي ﷺ بعض الصحابة لصغرهم
٣٨- قال البخاري في التاريخ الصغير: حدثني إبراهيم بن يحيى١، ثنا أبي٢، عن ابن إسحاق، ثنا الزهري، عن عروة بن الزبير، ردَّ النبي ﷺ يومئذ نفراً استصغرهم فيهم: عبد الله بن عمر٣ ابن أربعة عشر، وأسامة بن زيد٤، والبراء بن عازب٥ وعَرَابة بن أوس٦، وزيد بن
стр. 331
أرقم١، وزيد بن ثابت٢، ورافع بن عدي٣، فتطاول له رافع، فأذن له، فسار معهم، وخُلِّف بقيتهم حرس للذراري والنساء٤.
стр. 332
المبحث السادس: طلب الأنصار من النبي ﷺ الاستعانة بحلفائهم من اليهود
٣٩- قال ابن هشام: وذكر غير زياد عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحدٍ قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم"١.
стр. 333
المبحث السابع: في قتل النبي ﷺ أبيّ بن خلف يوم أحد
٤٠- قال ابن سعد: أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي١، أخبرنا ليث ابن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد٢، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنّ أُبَيَّ بن خلف الجمحي أسر يوم بدر، فلما افتدى من رسول الله ﷺ ، قال لرسول الله ﷺ : إن عندي فرساً أعلفها كل يوم فَرَق ذرة لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ : (بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله) ، فلما كان يوم أحد أقبل أبيّ بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : استأخروا استأخروا، فقام رسول الله بحربة في يده فرمى بها أبيّ بن خلف فكسرت الحربة ضلعاً من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلاً، فاحتملوه حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك، فقال لهم أُبيّ: ألم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه، قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله ﵎:
стр. 334
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ١ الآية٢.
٤١- وأخرج الحاكم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه٣ قال: أقبل أبيّ بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده، فاعترض رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله ﷺ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ورأى رسول الله ﷺ ترقوة أُبيّ من فرجة بين سابغة٤ الدرع والبيضة٥، فطعنه بحربته فسقط أبيّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ : (بل أنا أقتل أُبياًّ) ٦، ثم قال: والذي نفسي بيده
стр. 335
لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات أُبَيٌّ إلى النار فسحقاً لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ١.
стр. 336
المبحث الثامن: في إلقاء النوم على المسلمين يوم أحد
٤٢- أخرج الطبراني في الكبير؛ من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ ١، قال: ألقي علينا النوم يوم أحد٢.
стр. 337
المبحث التاسع: في شهود النساء الغزوات
٤٣- قال البخاري: حدثنا عبدان، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال ثعلبة بن أبي مالك: (إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطاً١ بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ يريدون أم كلثوم بنت علي٢ - فقال عمر: أم سليط٣ أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ ، قال عمر: فإنها كانت تزفر٤ لنا القرب يوم أحد.
стр. 338
قال أبو عبد الله: تزفر: تخيط١.
٤٤- وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس٢، قال: ثنا أحمد بن خالد٣ - يعني الوهبي - ثنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر٤ والزهري عن يزيد بن هرمز٥ قال: كتب نجدة الحروري٦ إلى ابن عباس يسأله عن النساء: هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله ﷺ ؟ وهل كان
стр. 339
يضرب لهنّ بسهم؟
قال: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة: قد كن يحضرن الحرب مع رسول الله ﷺ ، فأما أن يضرب لهن بسهم فلا، وقد كان يرضخ١ لهن٢.
стр. 340
المبحث العاشر: في ما لقيه النبي ﷺ يوم أحد
٤٥- أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وعن عثمان الجزري عن مقسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال: "اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافراً" ١ فما حال عليه الحول حتى مات كافراً إلى النار.
٤٦- وأخرج٢ عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُم
стр. 341
مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ ١ أن النبي ﷺ قال يوم أحد حين غزا أبو سفيان وكفار قريش: "إني رأيت كأني لبست درعاً حصينة، فأولتها المدينة فاجلسوا في صمعكم٢، وقاتلوا من ورائه"، وكانت المدينة قد شبكت البنيان فهي كالحصن، فقال رجل ممن لم يشهد بدراً: يا رسول الله اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم، وقال عبد الله بن أبي بن سلول: نعم ما رأيت يا رسول الله، إنا والله ما نزل بنا عدو قط فخرجنا إليه إلا أصاب فينا، ولا ثبتنا في المدينة وقاتلنا من ورائها إلا هزمنا عدونا، فكلمه ناس من المسلمين فقالوا: يا رسول الله اخرج بنا إليهم فدعا بلأمته فلبسها، ثم قال: (ما أظن الصرعى إلا ستكثر منكم ومنهم، إني أرى في النوم بقراً منحورة فأقول: بقر والله خير، فقال رجل: يا رسول الله بأبي وأمي فاجلس بنا، قال: "إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس".
فانطلقت به الأدلاء بين يديه حتى إذا كان بالواسط من الجَبَّنَةِ انخذل عبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الجيش أو قريب من ثلث الجيش، وانطلق النبي ﷺ حتى لقيهم بأحد وفاجؤوهم، فعهد النبي ﷺ إلى أصحابه إن هزموهم ألا يدخلوا لهم حجراً ولا يتبعوهم، فلما التقوا هزموهم وعصوا
стр. 342
النبي وتنازعوا الغنائم، ثم صرفهم الله ليبتليهم كما قال: وأقبل المشركون، وعلى خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة، فقتل من المسلمين سبعون رجلاً، وأصابتهم جراح شديدة، وكسرت رباعية النبي ﷺ ووثئ١ بعض وجهه حتى صاح الشيطان بأعلى صوته: قتل محمد، قال كعب بن مالك: فكنت أول من عرف النبي ﷺ ، عرفت عينيه من تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله، فأشار إليّ أن اسكت، ثم كفَّ الله المشركين والنبي ﷺ وأصحابه وقوف، فنادى أبو سفيان بعدما مُثِّلَ بِبعض أصحاب النبي ﷺ وجدعوا، ومنهم من بقر بطنه، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل، وإن ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا ساداتنا، ثم قال أبو سفيان: أُعل هبل، فقال عمر بن الخطاب: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: أَنعمت فعال عنها٢، قتلى بقتلى بدر، فقال عمر: لا يستوي القتل؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: لقد خبنا إذن، ثم انصرفوا راجعين، وندب النبي ﷺ أصحابه في طلبهم بعدما أصابهم القرح، فطلبوهم حتى بلغوا قريباً من حمراء الأسد ثم رجع النبي ﷺ .
٤٧- وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضرب وجه
стр. 343
النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها١.
стр. 344
المبحث الحادي عشر: في مقتل حمزة ﵁ .
٤٨- قال الواقدي١: فحدثني عبد الله بن جعفر٢ عن ابن أبي عون٣ عن الزهري عن عروة، قال: حدثنا عبيد الله بن عدي بن الخيار٤، قال: غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان ﵁ فمررنا بحمص بعد العصر، فقلنا: وحشي، فقالوا: لا تقدرون عليه، هو الآن يشرب الخمر٥ حتى يصبح، فبتنا من أجله٦ وإنا لثمانون رجلاً، فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله فإذا شيخ كبير قد طرحت له زِرْبيّة٧ قدر
стр. 345
مجلسه، فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة، وعن مسيلمة، فكره ذلك وأعرض عنه، فقلنا له: ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك، فقال: إني كنت عبداً لجبير ابن مطعم بن عديّ، فلما خرج الناس إلى أُحُد دعاني، فقال: قد رأيت مقتل طعيمة بن عديّ، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر، فلم تزل نساؤنا في حزن شديد إلى يومنا هذا، فإن قتلتَ حمزةَ فأنتَ حرٌّ، قال: فخرجت مع الناس ولي مزاريق١، وكنتُ أمرّ بِهند بنت عتبة فتقول: إيه أبا دَسْمة٢، اشف واشتفِ، فلما وردنا أُحُداً نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدّهم هدّاً، فرآني وأنا قد كمنتُ٣ له تحت شجرةٍ فأقبل نحوي، ويعترض له سباع الخزاعي، فأقبل إليه، فقال: وأنت أيضاً يا ابن مقطعة البظور٤ ممن يكثر علينا هلمّ إليّ، قال: وأقبل حمزة فاحتمله حتى رأيت بَرَقان٥ رجليه، ثم ضرب به الأرض ثم قتله، وأقبل نحوي سريعاً حتى يعترض له جرف فيقع فيه، وأزرقه بمزراقي فيقع في ثنته٦ حتى خرج من بين رجليه فقتله، وأَمُرُّ بهند بنت عتبة فأعطتني حليها وثيابها، وأما
стр. 346
مسيلمة، فإنا دخلنا حديقة الموت، فلما رأيته زرقته بالمزراق وضربه رجل من الأنصار١ بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق الدَّير قتله العبد الحبشيّ.
قال عبيد الله: فقلت: أتعرفني؟ قال: فأكرّ بصره عليّ، وقال: ابن عدي، ولعاتكة بنت أبي العيص؟ قال: قلت: نعم. قال: أما والله ما لي بك عهد بعد أن رفعتك إلى أمك في مِحَفَّتها٢ التي ترضعك فيها.
ونظرت إلى برقان قدميك حتى كان الآن، وكان في ساقي هند خدمتان من جزع٣ ظفار، ومسكتان من ورِق، وخواتم من ورِق، كنّ في أصابع رجليها فأعطتني ذلك.
стр. 347
المبحث الثاني عشر: في تسمية من استشهد بأحد من طريق الزهري ١.
١- أنيس بن قتادة الأنصاري٢.
٢- أوس بن أرقم٣.
٣- إياس بن أوس الأنصاري٤.
٤- ثابت بن الدحداحة٥.
٥- ثعلبة بن ساعدة بن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري٦.
٦- ثعلبة بن سعد بن مالك من بني ساعدة٧.
٧- الحارث بن أوس بن رافع الأنصاري٨.
стр. 348
٨- الحباب بن قيظي١.
٩- حنظلة بن أبي عامر بن الراهب الأنصاري ثم الأوسيّ٢.
١٠- ذكوان بن عبد قيس الأنصاري٣.
١١- رفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة، عقبيٌّ، بدريٌّ٤.
١٢- زيد بن وديعة بن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي٥.
١٣- سعد بن أبي قيس بن أبي بن كعب بن القين الأنصاري٦.
١٤- سعد بن الربيع٧.
١٥- سعد بن سويد الأنصاري الخزرجي٨.
١٦- سعد بن سهيل، من بني دينار، وقيل: من بني خنساء٩.
١٧- عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة والد جابر١٠.
стр. 349
١٨- عبد الله بن عمرو الدوسيّ١.
١٩- عبد الله بن عمرو بن وهب ثعلبة بن الخزرجي الأنصاري٢.
٢٠- عمارة بن مخلد بن الحارث٣.
٢١- عمرو بن مطرف بن علقمة الأنصاري٤.
٢٢- عمرو بن معاذ بن النعمان امرؤ القيس٥.
٢٣- مخيريق النضري الإسرائيلي، من بني النضير، ويقال: إنه من بني قينقاع٦.
стр. 350
المبحث الثالث عشر: في كيفية دفن شهداء أحد وعدم الصلاة عليهم
...
المبحث الثالث عشر: كيفية دفن شهداء أحد وعدم الصلاة عليهم
٤٩- أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، قال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسلهم"١.
стр. 351
المبحث الرابع عشر: غزوة بدر الآخرة
٥٠- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل، قال: أخبرنا ابن عتاب٣ العبدي، قال: حدثنا القاسم٤ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل٦ بن إبراهيم
стр. 352
ابن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله١ الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل٢ الشعراني، قال: حدثني جدي٣، قال: حدثنا إبراهيم٤ بن المنذر عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث إسماعيل، عن عمه موسى - قال: ثم إن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، وكان أهلاً للصدق والوفاء ﷺ ، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا وأنتم أن قد جمعوا لكم مثل الليل من الناس يرجون أن يوافقوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر لا تغدوا، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكان بدر متجراً يوافى٥ كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه، وأقبل رجل من
стр. 353
بني ضمرة١ بينه وبين المسلمين حلف فقال: والله إن كنا لقد أُخبرنا أنه لم يبق منكم أحد فما أعملكم إلى أهل هذا الموسم؟ فقال رسول الله ﷺ وهو يريد أن يبلغ ذلك عدوه من قريش: أعملنا إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك حلفكم ثم جالدناكم قبل أن نبرح منزلنا هذا. فقال الضمري: معاذ الله بل نكف أيدينا عنكم ونمسك بحلفكم، وزعموا أنه مر عليهم ابن حُمام٢ فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومَن معه من قريش، فخرج يرتجز:
تهوى على دين أبيها الأتلد٣ ... إذ نفرت من رفقتي محمد
وعجوة موضوعة كالجلمدِ ... إذ جعلتْ ماء قديد موعد
....................................... ... وصبحت مياهها ضحى الغدِ
فذكروا أن ابن الحمام قدم على قريش فقال: هذا محمد وأصحابه ينتظرونكم لموعدكم، قال أبو سفيان: قد والله صدق، فنفروا وجمعوا
стр. 354
الأموال، فمن نشط منهم قووه، ولم يقبل من حد منهم دون أوقية، ثم سار حتى أقام بمَجَنَّة١ من عُسْفَان٢ ما شاء الله أن يقيم، ثم ائتمر هو وأصحابه، فقال أبو سفيان: ما يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه السّمر وتشربون من اللبن، ثم رجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّويْق٣، وكانت في شعبان سنة ثلاث.
стр. 355
الفصل الرابع: في الأحداث التي وقعت بعد غزوة أحد حتى بداية غزوة بني المصطلق
المبحث الأول: في غزوة بن سليم ببحران بناحية الفرع
...
المبحث الأول: في غزوة بن سُليم ببُحْران بناحية الفُرُع
٥١- قال الواقدي حدثني معمر بن راشد، عن الزهري قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن جمعاً من بني سُليم كثيراً ببحران١، تهيأ رسول الله ﷺ لذلك ولم يظهر وجهاً فخرج٢ في ثلاث مائة رجل من أصحابه فأغذوا السير حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقي رجلاً من سُليم فاستخبروه عن القوم وعن جمعهم، فأخبره أنهم قد افترقوا أمس ورجعوا إلى مائهم، فأمر به رسول الله ﷺ فحبس مع رجل من القوم ثم سار النبي ﷺ حتى ورد بحران وليس به أحد، وأقام أياماً ثم رجع ولم يلق كيداً، وأرسل رسول الله ﷺ الرجل وكانت غيبته عشر ليال٣.