← Сира

Сира · id 2700

مرويات الإمام الزهري في المغازي

محمد بن محمد العواجي

Полный текст (812 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المبحث السابع: في أَثَرِ وقعة بئر معونة على النبي ﷺ والمسلمين ١ ٦١- أخرج الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنهما سمعا أبا هريرة يقول: “ كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: “اللهم أنج الوليد بن الوليد٢، وسلمة ابن هشام٣، وعياش بن أبي ربيعة٤، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم

стр. 387

اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً١، وذَكْوان٢ وعُصَيَّة٣ عصت الله ورسوله” ٤ ثم بلغنا أنه ترك

стр. 388

ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١.

стр. 389

المبحث الثامن: في غزوة ذات الرقاع ١

стр. 390

_________ لأن محمد باقشيش قد ذكر في رسالته (مرويات موسى بن عقبة) نقلاً عن مسند أبي عوانة، أن موسى بن عقبة يجعل غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير. انظر: رسالة الباحث محمد باقشيش (مرويات موسى بن عقبة:٢١٤) . والصواب أن ذات الرقاع كانت بعد خيبر وهو ما رجحه البخاري وابن حجر وذلك لأمور منها: ١- أن أبا هريرة ﵁ شهدها، وأبو هريرة لم يسلم إلا في سنة سبع عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٧) ، ومسند أحمد (١٤/ ١٢ رقم [٨٢٦٠] أرناؤوط) وسنن أبي داود رقم (١٢٤٠) ، وسنن النسائي (٣/ ١٧٣- ١٧٤) ، وصحيح ابن خزيمة رقم (١٣٦١) ، وشرح معاني الآثار (١/ ٣١٤) ، والمستدرك للحاكم (١/ ٣٣٨) ، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٦٤) . ٢- أن عبد الله بن عمر ﵁ شهدها مع أنه قد ثبت أن أول مشاهده ﵁ الخندق، سنة خمس من الهجرة. انظر ذلك في صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٤٢٩ رقم (٩٤٣) ورقم (٤١٣٢) ، وسنن الدارمي رقم (١٥٢١) ، ومنتقى ابن الجارود. انظر: الغوث رقم (٢٣٣) ، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٠ رقم (١٣١١٤) ، وسنن البيهقي (٣/ ٢٦٠) ، ودلائل النبوة له (٣/ ٣٧٩) . ٣- شهود أبي موسى الأشعري ﵁ للغزوة، وهو إنما قدم من الحبشة سنة ٧هـ- عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧ رقم (٤١٢٨) ، هذه الأمور وغيرها ذكرها الحافظ بمعناها في الفتح (٧/ ٤١٧) ، ثم قال ﵀ بعد ذكره للخلاف في ذلك: "فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح" (الفتح ٧/ ٤١٨) ويقصد بذلك وقوعها بعد خيبر. وسميت بذات الرقاع: لما لفوا في أرجلهم من الخرق. صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧) من حديث أبي موسى ﵁. وذكر أهل المغازي في تسميتها بذلك أموراً غير ذلك. انظرها في الفتح (٧/ ٤١٩) .

стр. 391

٦٢- أخرج البخاري من طريق محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد١ فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة٢ فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة٣، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي٤ جالس، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا

стр. 392

اخترط١ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً٢، فقال لي: ما يمنعك مني؟ قلت: الله٣، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ "٤. ٦٣- وأخرج البخاري أيضاً من طريق شعيب عن الزهري، قال: سألته هل صلى النبي ﷺ يعني صلاة الخوف - قال: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد٥، فوازينا٦ العدو، فصافَفْنا

стр. 393

لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا فكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين"١.

стр. 394

الفصل الخامس: في غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع المبحث الأول: في تايخ الغزوة ... المبحث الأول: في تأريخ الغزوة ٦٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل١ ببغداد، قال: أخبرنا أبو عمرو٢ بن السماك، قال: حدثنا حنبل٣ بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله ﷺ قال: ثم قاتل بني المصطلق٤ وبني لحيان في شعبان٥ من سنة خمس٦.

стр. 395

_________ "وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست، وقد ذكر البخاري في الصحيح عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع" صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٨. لكن المشهور عن موسى بن عقبة أنه ذكرها سنة خمس، قال ابن كثير بعد ذكره لقول البخاري: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع، والذي حكاه عنه وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس". البداية والنهاية ٤/ ١٥٦. وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لقول البخاري: "وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم؛ سنة خمس" الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم قال: "وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق". الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم قال ابن حجر أيضاً: "قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطاً، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشد، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضاً فتكون بعدها فيكون سعد بن معاذ موجوداً في المريسيع ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة". الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم ذكر ﵀ مرجحاً آخر على أنها كانت سنة خمس فقال: "ويؤيده أيضاً أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس، وأما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود، وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال أشهرها سنة أربع والله أعلم". اهـ. الفتح ٧/ ٤٣٠. وممن ذكرها في سنة خمس أبو معشر السندي. انظر: الفتح ٧/ ٤٣٠. وهو بصير بالمغازي كما قال أحمد. انظر: التهذيب ١٠/ ٤٢٠ رقم (٧٥٨) ، والواقدي في المغازي ١/ ٤٠٤، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٦٣ و٨/ ٢١٨، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣٤١، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٣٦٦، وابن الجوزي كما في المنتظم ٣/ ٢١٤، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ٣٤٩، وابن القيم في الزاد ٣/ ٢٥٦. وأما ابن إسحاق فقد ذكر أنها وقعت سنة ست. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٨٩، وتبعه في ذلك خليفة بن خياط في تاريخه ٨٠، والطبري كما في التاريخ ٢/ ٦٠٤، والطبراني كما قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٩.

стр. 396

المبحث الثاني: في مقولة ابن أبيّ في غزوة بني المصطلق ٦٥- قال ابن شبَّة١: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد ابن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولاً سيئاً في منزل نزله

стр. 397

رسول الله ﷺ ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له: جعال١ - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال: جهجاه٢، فعلت أصواتهما واشتد جهجاه على المنافقين، ورد عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر ﵁ يسقيه - وكان أجيراً لعمر ﵁ ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبيّ: هذا ما جاوزنا به، آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون، وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين

стр. 398

الفتية الأنصاريين فغضب، وقال: وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله ﷺ للإسلام: أمسى الجلابيب١ قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفُريعة٢ أمسى بيضة البلد٣ فخرج رجل من بني سليم مغضباً من قول حسان ﵁ فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن معطل، فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف٤، فلم يقطع رسول الله ﷺ يده لضرب السلمي حسان، فقال: خذوه، فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه فأسروه وأوثقوه، وبلغ

стр. 399

ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه، فقال عمر ﵁: أثمّ إلى قوم رسول الله ﷺ تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟ فغضب سعد لرسول الله ﷺ ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل، وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم، فقال: ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة١، ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله ﷺ فقال: "من كساك؟ كساه الله من ثياب الجنة"٢. قال: كساني سعد بن عبادة، وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذي ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعز منها الأذل، فأحصى الله عزوجل عليه ما قال وسمع زيد بن أرقم٣- رجل من بني الحارث بن الخزرج -

стр. 400

قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب ﵁، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في ابن أبيّ، فإنه يقول آنفاً: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما اتبعه منهم رجل وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عباد بن بشر١ أخا بني عبد الأشهل، أو معاذ بن عمرو ابن الجموح٢ فليقتله، فكره رسول الله ﷺ قوله، فلما رأى ذلك عمر ﵁ سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله ﷺ بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا٣ فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ٤ في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل، فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله ﷺ لم يتقارّ في منزله لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟ فبعث النبي ﷺ إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال

стр. 401

من ذلك شيئاً فقال النبي ﷺ : "إن كان سبق منك قول شيء فتب"، فجحد وحلف فوقع رجال بزيد بن أرقم، وقالوا: أسأت بابن عمك١ وظلمته، ولم يصدقك رسول الله ﷺ فبينما هم يسيرون رأوا النبي ﷺ يوحى إليه فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرّي عنه فإذا هو زيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها حتى استشرف٢ القوم بفعل رسول الله ﷺ ولا يدرون ما شأنه فقال: "أبشر فقد صدق الله حديثك" فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٤ فلما نزل رسول الله ﷺ بقباء٥ من طريق

стр. 402

عُمَق١ سرح ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟ فزعموا أنه قال: "مات اليوم منافق عظيم النفاق٢ ولذلك عصفت وليس عليكم منها بأس إن شاء الله" وكان موته غائظاً للمنافقين. قال جابر ﵄: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقاً عظيم النفاق مات يومئذ، وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم وفقدت راحلة رسول الله ﷺ بين الإبل، فسعى الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟ قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ﷺ ، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟

стр. 403

فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا الساعة. فمكث المنافق معهم شيئاً ثم قام وتركهم فعمد لرسول الله ﷺ فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع: "إن رجلاً من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله ﷺ ، وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم قد تعلق زمامها بشجرة" ١، فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعاً حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم أحد من مجلسه، فقال: أنشدكم بالله هل أتى منكم أحدٌ محمداً، فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد. قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أُسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه،

стр. 404

فاستغفر له رسول الله ﷺ ، ويزعمون انه ابن اللّصيت١، ولم يزل - زعموا - يفسل٢ حتى مات". ٦٦- وقال ابن أبي حاتم٣: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي٤ حدثني سلامة٥، حدثني عقيل أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو

стр. 405

ابن ثابت الأنصاري١ أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع٢، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية٣ التي كانت بين قفا المُشَلَّل٤ وبين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر

стр. 406

مناة١، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز٢، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ٣ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع،

стр. 407

فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب - وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب - فقال عبد الله بن أبيّ عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل١. قال مالك بن الدُّخْشُن٢، وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا

стр. 408

تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا١، فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أبيّ٢، فقال رسول الله ﷺ : "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله"؟ فقال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه. فقال رسول الله ﷺ : (اجلس) ، فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله"؟ قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط

стр. 409

أذنيه١. فقال رسول الله ﷺ : "اجلس"، ثم قال رسول الله ﷺ : "آذنوا بالرحيل" فهجَّر٢ الناس فسار يومه وليلته والغد حتى مَتَعَ٣ النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل عمر فدعاه، فقال له رسول الله ﷺ : "أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله"؟ فقال عمر: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه٤، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً" ٥ وأنزل الله عزوجل: ﴿هُمُ الذِيْنَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ٦ إلى قوله تعالى:

стр. 410

﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ١ الآية، هكذا ساقه ابن كثير في تفسيره، ثم قال: وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.

стр. 411

المبحث الثالث: في حديث الإفك وبراءة عائشة ﵂ ٦٧- قال البخاري رحمه الله١: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقّاص وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها٢ من

стр. 412

بعض وأثبت له اقتصاصاً وقد وعيتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضاً وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة١ غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع

стр. 413

رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب١، فكنت أحمل في هودجي٢ وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع٣ ظَفَار٤ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم

стр. 414

يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يُهَبَّلْن١ ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العُلقة٢ من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت٣ منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطَّل السلمي٤ ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي

стр. 415

بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين١ في نحر الظهيرة٢، وهم نزول، قال: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك٣ عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه٤، وقال عروة أيضاً: لم يسم من أهل الإفك أيضاً إلا حسان بن ثابت٥، ومسطح ابن أثاثة٦، وحمنة بنت

стр. 416

جحش١ في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وِقاء٢ قالت عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً والناس يفيضون٣ في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم٥؟ "

стр. 417

ثم ينصرف فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت١، فخرجت مع أم مسطح٢ قِبَل المناصع٣، وكان متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف٤ قريباً من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأُول٥ في البرية٦ قبل الغائط، وكنا

стр. 418

نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهم بن المطلب١ بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعَثَرَت٢ أم مسطح في مِرْطها٣، فقالت: تَعِسَ مسطح٤، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين

стр. 419

رجلاً شهد بدراً؟ قالت: أي هُنْتاه١، ولم تسمعي ما قال؟ قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك قالت: فازددت مرضاً على مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: (كيف تيكم؟) فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس، قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما امرأة قط وضيئة٢ عند رجل يحبها لها ضرائر٣ إلا أكثرن عليها٤، قالت: فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا٥؟

стр. 420

قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ١ لي دمع ولا أكتحل بنوم٢، ثم أصبحت أبكي، قال: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين اسْتَلْبَثَ٣ الوحي يسألهما ويستشيرهما في

стр. 421

فراق أهله. قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق عليك والنساء سواها كثير١ وسل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة٢، فقال: أي بريرة:

стр. 422

هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه١، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٢ فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما يدخل على أهلي إلا معي"، قالت: فقام سعد بن معاذ٣ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان٤ ابنة عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية٥،

стр. 423

فقال لسعد: كذبت لعمر الله١ لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد٢ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين٣، قالت: فثاور٤ الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت٥، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع

стр. 424

ولا أكتحل بنوم، قالت وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي١، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة٢ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، ولقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ ثم قال: "أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله، وإن كنت ألممت٣ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص٤ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول

стр. 425

الله ﷺ عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيراً١ - إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتُصَدِّقنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف٢ حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾ ٣، ثم تحولت فاضطجعت على فراشي٤، والله يعلم أني حينئذ بريئة٥، وأن الله
следующие страницы →