المبحث الرابع عشر: غزوة بدر الآخرة
٥٠- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل، قال: أخبرنا ابن عتاب٣ العبدي، قال: حدثنا القاسم٤ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل٦ بن إبراهيم
стр. 352
ابن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله١ الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل٢ الشعراني، قال: حدثني جدي٣، قال: حدثنا إبراهيم٤ بن المنذر عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث إسماعيل، عن عمه موسى - قال: ثم إن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً، وكان أهلاً للصدق والوفاء ﷺ ، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا وأنتم أن قد جمعوا لكم مثل الليل من الناس يرجون أن يوافقوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر لا تغدوا، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكان بدر متجراً يوافى٥ كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه، وأقبل رجل من
стр. 353
بني ضمرة١ بينه وبين المسلمين حلف فقال: والله إن كنا لقد أُخبرنا أنه لم يبق منكم أحد فما أعملكم إلى أهل هذا الموسم؟ فقال رسول الله ﷺ وهو يريد أن يبلغ ذلك عدوه من قريش: أعملنا إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك حلفكم ثم جالدناكم قبل أن نبرح منزلنا هذا. فقال الضمري: معاذ الله بل نكف أيدينا عنكم ونمسك بحلفكم، وزعموا أنه مر عليهم ابن حُمام٢ فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومَن معه من قريش، فخرج يرتجز:
تهوى على دين أبيها الأتلد٣ ... إذ نفرت من رفقتي محمد
وعجوة موضوعة كالجلمدِ ... إذ جعلتْ ماء قديد موعد
....................................... ... وصبحت مياهها ضحى الغدِ
فذكروا أن ابن الحمام قدم على قريش فقال: هذا محمد وأصحابه ينتظرونكم لموعدكم، قال أبو سفيان: قد والله صدق، فنفروا وجمعوا
стр. 354
الأموال، فمن نشط منهم قووه، ولم يقبل من حد منهم دون أوقية، ثم سار حتى أقام بمَجَنَّة١ من عُسْفَان٢ ما شاء الله أن يقيم، ثم ائتمر هو وأصحابه، فقال أبو سفيان: ما يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه السّمر وتشربون من اللبن، ثم رجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّويْق٣، وكانت في شعبان سنة ثلاث.
стр. 355
الفصل الرابع: في الأحداث التي وقعت بعد غزوة أحد حتى بداية غزوة بني المصطلق
المبحث الأول: في غزوة بن سليم ببحران بناحية الفرع
...
المبحث الأول: في غزوة بن سُليم ببُحْران بناحية الفُرُع
٥١- قال الواقدي حدثني معمر بن راشد، عن الزهري قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن جمعاً من بني سُليم كثيراً ببحران١، تهيأ رسول الله ﷺ لذلك ولم يظهر وجهاً فخرج٢ في ثلاث مائة رجل من أصحابه فأغذوا السير حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقي رجلاً من سُليم فاستخبروه عن القوم وعن جمعهم، فأخبره أنهم قد افترقوا أمس ورجعوا إلى مائهم، فأمر به رسول الله ﷺ فحبس مع رجل من القوم ثم سار النبي ﷺ حتى ورد بحران وليس به أحد، وأقام أياماً ثم رجع ولم يلق كيداً، وأرسل رسول الله ﷺ الرجل وكانت غيبته عشر ليال٣.
стр. 356
المبحث الثاني: في مقتل كعب بن الأشرف
٥٢- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس١، أن الحكم ابن نافع٢ حدثهم قال: أخبرنا شعيب٣، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف٤ يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون؛ يعبدون الأوثان، واليهود؛ وكانوا يؤذون النبي ﷺ
стр. 357
وأصحابه: فأمر الله عزوجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ١ الآية، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة ٢، وذكر قصة قتله٣، فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طُرِق٤ صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتاباً ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة٥.
стр. 358
_________
وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ١٦١، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣٧، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف ... ) فذكر طرفاً منه.
يرجح الدكتور أكرم العمري في السيرة النبوية الصحيحة (١/ ٢٧٦- ٢٧٧) أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تتناول موادعة الرسول ﷺ لليهود، والثانية توضح التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار، وحقوقهم وواجباتهم، ثم ذكر ان الراجح عنده أن وثيقة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى، وقد استند في ترجيحه هذا إلى روايات ذكرها أبو عبيد في الأموال (رقم ٥١٨) والبلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٢٨٦) ، أما طلب اليهود من النبي ﷺ بعد مقتل ابن الأشرف أن يكتب لهم صحيفة كما في رواية أبي داود الصحيحة فإنه لا مانع بعد مقتل كعب أن تعاد كتابة الصحيفة تأكيداً أو تجديداً لتعود الطمأنينة إلى النفوس بعد هذه الحادثة التي أرعبت يهود والمشركين. ويذكر الدكتور العمري أن الوثيقة بين المهاجرين والأنصار قد كتبت بعد وثيقة موادعة يهود. المصدر السابق.
ورواية أبي داود هذه أصح من تلك الروايات التي تدل على أن وثيقة موادعة يهود كانت قبل بدر، لكن لا بد من التوفيق الذي ذكره العمري؛ لأن بني قينقاع قد أجلوا قبل حادثة مقتل كعب بن الأشرف، وقد كان سبب إجلائهم كما ذكر ابن إسحاق أنهم أول يهود نقضوا ما بينهم ما بين رسول الله ﷺ ، وحاربوا فيما بين بدر وأُحد.
انظر: ابن هشام (٢/ ٤٧) .
стр. 359
٥٣- وقال ابن شبة١: قال الحزامي٢، حدثنا ابن وهب، عن حيوة بن شريح٣ وابن لهيعة٤، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله ﷺ وأصحابه،
стр. 360
ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وهي أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود أهل الحلقة، والحصون، وهم حلفاء الحيّين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم استصلاحهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلماً وأبوه مشركاً، والرجل يكون مسلماً وأخوه مشركاً، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل ﵎: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ١ وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ فلما أبى كعب أن ينزع عن أذى رسول الله ﷺ وأذى المسلمين أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ في خمسة٣ رهط، فأتوه عشية في مجلسه
стр. 361
بالعوالي١، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد يذعر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟
قالوا: بنا حاجة إليك.
قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها، فدنا إليه بعضهم، فقال: جئناك لنبيعك أدراعاً لنا نستعين بأثمانها.
فقال لهم: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم ثم جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل، ثم واعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنه الناس، فجاؤوه فناداه رجل منهم، فقام ليخرج إليهم، فقالت له امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب.
قال: بلى، إنهم قد حدثوني حديثهم، فخرج إليهم، فاعتنقه محمد بن مسلمة٢، وقال لأصحابه: لا تستنكروا إن قتلتموني وإياه جميعاً، قال: وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته، فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان
стр. 362
معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: قد طُرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا فقتل غيلة١، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به، ودعاهم إلى أن تكتب بينهم وبين المسلمين صحيفة فيها جماع أمر الناس، فكتبها ﷺ .
٥٤- وأخرج ابن شبّ َة من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان كعب ابن الأشرف اليهودي أحد بني النضير قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وفد على قريش فاستعان بهم عليه، فقال أبو سفيان بن حرب: أناشدك، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء٢، ونسقي اللبن ونطعم ما هبت الشمال.
قال: أنتم أهدى سبيلاً، ثم خرج مقبلاً قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ معلناً بعداوته وهجائه، فقال رسول الله ﷺ : من لنا من ابن الأشرف؟ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشاً أن تقدم فينا طبائعهم٣، ثم قرأ النبي ﷺ على المسلمين ما
стр. 363
أنزل الله فيه أن كذلك، والله أعلم، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ ١ وآيات معها فيه وفي قريش٢.
стр. 364
المبحث الثالث: في سرية مقتل ابن أبي الحُقيق
٥٥- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن
стр. 365
كعب بن مالك١ قال: إن مما صنع الله لنبيه أن هذين الحيين من الأنصار - الأوس والخزرج - كانا يتصاولان٢ في الإسلام كتصاول الفحلين لا يصنع الأوس شيئاً إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون به أبداً فضلاً علينا في الإسلام، فإذا صنعت الخزرج شيئاً، قالت الأوس مثل ذلك، فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف، قالت الخزرج: والله لا ننتهي حتى نجزئ عن رسول الله ﷺ مثل الذي أجزأوا عنه، فتذاكروا أوزن٣ رجل من اليهود، فاستأذنوا النبي ﷺ في قتله، وهو سلاَّم بن أبي الحقيق٤ الأعور، أو أبو رافع بخيبر، فأذن لهم في قتله، وقال: "لا تقتلوا وليداً ولا
стр. 366
امرأة"١، فخرج إليهم رهط٢ فيهم عبد الله بن عتيك٣ وكان أمير القوم أحد بني سلمة، وعبد الله بن أنيس٤، ومسعود بن سنان٥، وأبو قتادة٦، وخزاعي بن أسود٧ - رجل من أسلم - حليف لهم، ورجل
стр. 367
آخر يقال له: فلان بن سلمة١، فخرجوا حتى جاءوا خيبر، فلما دخلوا البلد عمدوا إلى كلّ بيت منها فغلقوا من خارجه على أهله، ثم أسندوا إليه في مشربة٢ له في عجلة من نخل٣، فأسندوا فيها حتى ضربوا عليه بابه، فخرجت إليهم امرأته، فقال: ممن أنتم؟ فقالوا: نفر من العرب أردنا الميرة٤، قالت: هذا الرجل ادخلوا عليه، فلما دخلوا عليه٥، أغلقوا عليهم الباب ثم ابتدروه بأسيافهم، قال قائلهم: والله ما دلني عليه إلا بياضه على الفراش في سواد الليل، كأنه قبطية٦ ملقاة، قال: وصاحت بنا
стр. 368
امرأته، قال: فيرفع الرجل منا السيف ليضربها به، ثم يتذكر نهي النبي ﷺ ، قال: ولولا ذلك فرغنا منها بليل، قال: وتحامل عبد الله بن أنيس١ بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وكان سيئ البصر، فوقع من فوق العجلة، فوثيت٢ رجله وثياً منكراً، قال: فنزلنا فاحتملناه، فانطلقنا به معنا حتى انتهينا إلى مَنْهَر٣ عين من تلك العيون، فمكثنا فيه.
قال: وأوقدوا النيران وأشعلوها في السعف وجعلوا يلتمسون ويشتدون، وأخفى الله عليهم مكاننا، قال: ثم رجعوا، قال: فقال بعض أصحابنا أنذهب فلا ندري أمات عدو الله أم لا؟ فخرج رجل منا حتى حشر في الناس، فدخل معهم، فوجد امرأته مكبة وفي يدها المصباح، وحوله رجال يهود، فقال قائل منهم: أما ولله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي، فقلت: وأنّى ابن عتيك بهذه البلاد؟ فقالت شيئاً ثم رفعت رأسها، فقال: فاض٤ وإله يهود - تقول مات -، قال: فما سمعت كلمة كانت ألذّ منها في نفسي، قال: ثم خرجت فأخبرت
стр. 369
أصحابي أنه قد مات، فاحتملنا صاحبنا، فجئنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بذلك.
قال: وجاؤوه يوم الجمعة والنبي ﷺ يومئذ على المنبر يخطب، فلما رآهم قال: " أفلحت١ الوجوه" ٢.
٥٦- وقال ابن شبة: حدثنا محمد بن سليمان بن أبي رجاء٣ قال:
стр. 370
حدثنا إبراهيم بن سعد١، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنه أخبره أن الرهط الذين بعث رسول الله ﷺ لقتل ابن أبي الحقيق قتلوه ثم أتوا يوم الجمعة، والنبي قائم على المنبر، فلما رآهم قال: (أفلحت الوجوه) ، قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله٢، قال: "أقتلتموه؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا بالسيف الذي قتلوه به وهو قائم على المنبر فسله، ثم قال: “أجل هذا طعامه في ذباب السيف” وكان الرهط الذين قتلوه: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأسود الخزاعي - حليفاً لهم - وأبا قتادة فيما يظن إبراهيم٣ - قال إبراهيم: ولا أحفظ الخامس٤.
стр. 371
المبحث الرابع: في سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن عبد الله بن نبيح الهذلي
٥٧- قال عمر بن شبَّة١: حدثنا الحزامي قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث٢ رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس السلمي إلى سفيان بن عبد الله بن نبيح الهذلي ثم اللحياني٣، وهو بعُرَنَة٤ من وراء مكة - أو بعرفة - قد اجتمع إليه
стр. 372
الناس ليغزو فيهم رسول الله ﷺ وأمره أن يقتله، فقال عبد الله لرسول الله ﷺ : ما صفته يا رسول الله؟ قال: "إذا رأيته هبته١ وفرقت٢ منه" قال: ما فرقت من شيء قط. فانطلق عبد الله يتوصل بالناس ويعتزي٣ إلى خزاعة، ويخبر من لقي إنما يريد سفيان ليكون معه، فلقي سفيان وهو ببطن عرنة وراء الأحابيش٤ من حاضرة مكة، قال عبد الله: فلما رأيته هبته وفرقت منه. فقلت: صدق الله ورسوله، ثم كمنت٥ حتى هدأ الناس، ثم اعتورته٦ فقتلته، فزعموا أن رسول الله ﷺ أخبر بقتله قبل قدوم عبد الله، وحكوا - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ أعطاه عصا فقال: "تخصر٧ بها، أو أمسكها، فكانت - زعموا - عنده حتى أمر بها
стр. 373
فجعلت في كفنه بين جلده وثيابه، ولا ندري من أين بعث النبي ﷺ ابن أنيس إلى ابن نبيح، أمن المدينة أم من غيرها"١.
стр. 374
المبحث الخامس: في سرية الرَّجِيْع١ سنة ثلاث٢
٥٨- أخرج البخاري٣ من طريق الزهري عن عمرو بن جارية الثقفي عن أبي هريرة ﵁ قال: وبعث النبي ﷺ سرية عَيْناً، وأمَّر عليهم عاصم٤ بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب٥ فانطلقوا حتى إذا كان بين عُسْفان ومكة ذُكِروا لِحَيٍّ من هُذيل يقال لهم بنو
стр. 375
لِحْيَان١، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى٢ تمر زودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَدْفَدْ٣، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصماً في سبعة٤ نفر بالنبل، وبقي
стр. 376
خبيب١ وزيد٢ ورجل آخر٣، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قِسِيِّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيراً حتى إذا أجمعوا قتله استعار موساً من بعض بنات٤ الحارث ليستحد بها،
стр. 377
فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي١، فدرج٢ إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذا منها، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيراً قط خيراً من خُبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت فكان أول من سنَّ الركعتين عند القتل هو٣، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، ثم قال:
ما إن أبالي حين أُقْتَلُ مسلماً ... على أي شق كان لله مصرعي يبارك
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... على أوصال٤ شِلْوٍ٥ مُمزَّع٦
стр. 378
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيماً١ من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبْر٢ فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء٣.
٥٩- قال ابن سعد٤: أخبرنا عبد الله بن إدريس الأودي٥، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان
стр. 379
الظفري١، وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي٢، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية٣ - وكان من جلساء أبي هريرة ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ رهط من عَضَل٤ والقَارَة٥ وهم إلى الهوْن بن خزيمة فقالوا: يا رسول الله: إن فينا إسلاماً، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ معهم عشرة٦ رهط: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومرثد بن أبي مرثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي،
стр. 380
وزيد بن الدَّثِنة، وخالد بن أبي البكير، ومعتب بن عبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وهما من بلي حليفان في بني مظفر، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، وهو ماء لهذيل بصدور الهَدَة١، والهدة على سبعة أميال منها، والهدة على سبعة أميال من عسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلاً، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله ﷺ سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمناً من أهل مكة ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتلكم، فأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد
стр. 381
بن أبي البكير ومعتب بن عبيد فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً وعقداً أبداً، فقاتلوهم حتى قتلوا، وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا يأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه، من سلافة بنت سعد بن شُهيد، وكانت نذرت لتشربن في قِحْفِ١ عاصم الخمر، وكان قتل ابنيها مسافعاً وجلاساً يوم أحد فحمته الدبر، فقالوا: أمهلوه حتى تمسي فإنها لو قد أمست ذهبت عنه فبعث الله الوادي فاحتمله، وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران٢ وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة، فأمّا زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه، فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا، فخبيب أول من سنّ ركعتين عند القتل.
стр. 382
المبحث السادس: في سرية بئر مَعُونة١ سنة أربع٢
٦٠- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب ابن مالك٣ قال: جاء ملاعب الأسنة٤ إلى النبي ﷺ بهدية، فعرض عليه
стр. 383
الإسلام فأبى أن يسلم، فقال له النبي ﷺ : إني لا أقبل هدية مشرك. قال: فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جار، فبعث إليهم نفراً عليهم المنذر ابن عمرو١، وهو الذي كان يقال له: المعنق ليموت٢، وفيهم عامر بن فهيرة٣، فاستجاش٤ عليهم عامر بن الطفيل من بني عامر فأبوا أن
стр. 384
يطيعوه، وأبوا أن يخفروا١ ملاعب الأسنة، قال: فاستجاش عليهم بني سُليم٢ فأطاعوه، فاتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، فأدركوهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أميّة الضمري٣، فأرسلوه"٤.
стр. 385
قال الزهري: فأخبرني عروة بن الزبير أنه لما رجع إلى النبي ﷺ قال له: أمِنْ بينهم؟
قال الزهري: “وبلغني أنهم لما دُفنوا التمسوا جسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه، فيرون أن الملائكة دفنته"١.
стр. 386
المبحث السابع: في أَثَرِ وقعة بئر معونة على النبي ﷺ والمسلمين ١
٦١- أخرج الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنهما سمعا أبا هريرة يقول: “ كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: “اللهم أنج الوليد بن الوليد٢، وسلمة ابن هشام٣، وعياش بن أبي ربيعة٤، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم
стр. 387
اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً١، وذَكْوان٢ وعُصَيَّة٣ عصت الله ورسوله” ٤ ثم بلغنا أنه ترك
стр. 388
ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١.
стр. 389
المبحث الثامن: في غزوة ذات الرقاع ١
стр. 390
_________
لأن محمد باقشيش قد ذكر في رسالته (مرويات موسى بن عقبة) نقلاً عن مسند أبي عوانة، أن موسى بن عقبة يجعل غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير. انظر: رسالة الباحث محمد باقشيش (مرويات موسى بن عقبة:٢١٤) .
والصواب أن ذات الرقاع كانت بعد خيبر وهو ما رجحه البخاري وابن حجر وذلك لأمور منها:
١- أن أبا هريرة ﵁ شهدها، وأبو هريرة لم يسلم إلا في سنة سبع عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٧) ، ومسند أحمد (١٤/ ١٢ رقم [٨٢٦٠] أرناؤوط) وسنن أبي داود رقم (١٢٤٠) ، وسنن النسائي (٣/ ١٧٣- ١٧٤) ، وصحيح ابن خزيمة رقم (١٣٦١) ، وشرح معاني الآثار (١/ ٣١٤) ، والمستدرك للحاكم (١/ ٣٣٨) ، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٦٤) .
٢- أن عبد الله بن عمر ﵁ شهدها مع أنه قد ثبت أن أول مشاهده ﵁ الخندق، سنة خمس من الهجرة. انظر ذلك في صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٤٢٩ رقم (٩٤٣) ورقم (٤١٣٢) ، وسنن الدارمي رقم (١٥٢١) ، ومنتقى ابن الجارود. انظر: الغوث رقم (٢٣٣) ، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٠ رقم (١٣١١٤) ، وسنن البيهقي (٣/ ٢٦٠) ، ودلائل النبوة له (٣/ ٣٧٩) .
٣- شهود أبي موسى الأشعري ﵁ للغزوة، وهو إنما قدم من الحبشة سنة ٧هـ- عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧ رقم (٤١٢٨) ، هذه الأمور وغيرها ذكرها الحافظ بمعناها في الفتح (٧/ ٤١٧) ، ثم قال ﵀ بعد ذكره للخلاف في ذلك: "فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح" (الفتح ٧/ ٤١٨) ويقصد بذلك وقوعها بعد خيبر.
وسميت بذات الرقاع: لما لفوا في أرجلهم من الخرق. صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧) من حديث أبي موسى ﵁.
وذكر أهل المغازي في تسميتها بذلك أموراً غير ذلك. انظرها في الفتح (٧/ ٤١٩) .