الله عليّ، فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه، فنودي أن الله تعالى قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فجاءه رسول الله ﷺ فأطلق عنه بيده١، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع٢ من مالي صدقة إلى الله عزوجل ورسوله ﷺ .
فقال ﷺ : "يجزئ عنك الثلث". فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن رسول الله ﷺ ، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيراً حتى فارق الدنيا٣.
стр. 492
المبحث السابع: في غزوة بني لحيان
٨٨- وأخرج الواقدي١ عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: وجد رسول الله ﷺ على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً٢ شديداً فخرج في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبرداً فمر على غرابات٣ ثم على بَيْن٤ حتى خرج على صخِرات الثمام٥، فلقي الطريق هناك، ثم أسرع حتى انتهى إلى بطن غُران٦ حيث كان مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئاً لكم الشهادة،
стр. 493
فسمعت به لحيان فهربوا رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوماً أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: (إن قريشاً قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان وهم يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة١ فوارس) ، فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم٢، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ولم يلق أحداً فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا يبلغ قريشاً فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم"، وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم، فبلغ قريشاً أن رسول الله ﷺ قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص خبيباً، وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا: قد بلغ محمد ضَجنان٣ يريدكم، فقال خبيب: وهَل؟ قالت: نعم، قال خبيب: يفعل الله ما يشاء، قالت: والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك،
стр. 494
ويقولون: أترى محمداً غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام؟ وكان مأسوراً عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله ﷺ ، فانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو يقول:" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم بلِّغنا بلاغاً صالحاً يبلغ إلى خير، مغفرة منه ورضواناً"١ وغاب رسول الله ﷺ عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم٢. وهذا
стр. 495
أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم١.
стр. 496
المبحث الثامن: في سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم
٨٩- ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وبعث١ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في غزوة الجموم٢، فأصاب زيد نعماً وشاءً وأسر جماعة من المشركين٣.
стр. 497
المبحث التاسع: في سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة لقتل أم قِرْفة
٩٠- أخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: بلغ رسول الله ﷺ أن امرأة من بني فزارة يقال لها: أم قرفة١، قد جهزت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمداً، فقال النبي ﷺ : اللهم اثكلها بولدها، وبعث٢ إليهم زيد بن حارثة، فالتقوا بالوادي٣، وقُتل أصحابُ زيد فارتث٤ جريحاً، وقدم المدينة فعاهد أن لا يمس ماءً حتى يرجع إليهم، فبعث معه رسول الله ﷺ بعثاً، فالتقوا، فَقَتَل بني فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وقتل أم قرفة، وبعث بدرعها٥ إلى رسول الله ﷺ فنصبه بين رمحين، وأقبل زيد حتى قدم المدينة، قالت عائشة ﵂: ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب: فخرج إليه يجر ثوبه حتى
стр. 498
اعتنقه وقبله رسول الله ﷺ ١.
٩١- وقال الواقدي: فحدثني محمد، عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ يجر ثوبه عرياناً٢، ما رأيته عرياناً قبله حتى اعتنقه وقبله، ثم سأله فأخبره بما ظفره الله٣.
стр. 499
المبحث العاشر: في سرية عبد الله بن رواحة إلى اليُسير بن رزام اليهودي بخيبر
٩٢- أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: بعث١ رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم عبد الله بن أنيس السلمي إلى اليسير بن رزام اليهودي٢، فأتوه بخيبر، وبلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلاً مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قَرقَرة ثبار٣، وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليسير٤، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن له عبد الله فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليسير
стр. 500
وفي يده مِخْرَش١ من شَوْحَط٢ فضرب به وجه عبد الله شجة مأمومة٣، كل٤ رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شداً، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله ﷺ فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. لفظ حديث موسى بن عقبة٥.
стр. 501
المجلد الثاني
الباب الثالث:من غزوة الحديبية إلى غزوة تبوك
الفصل الأول: غزوة الحديبية
المبحث الأول: في سبب الغزوة
...
стр. 502
الفصل الأول:
المبحث الأول: في سبب الغزوة
٩٣- قال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مسور٢ بن مخرمة ومروان بن الحكم٣ أنهما حدثاه، قالا: خرج٤ رسول الله ﷺ عام
стр. 503
الحديبية١ يريد زيارة البيت٢، لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل٣، فكانت كل بدنةٍ عن عشرة نفر،
стр. 504
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني١ يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة٢.
стр. 505
المبحث الثاني: في أحداث الغزوة إجمالاً
٩٤- أخرج البخاري١ من طريق معمر، قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى كانوا ببعض الطريق قال النبي ﷺ إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش٢، فانطلق يركض نذيراً لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية٣ التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلتُه، فقال الناس: حَلْ حَلْ٤، فألحت.
стр. 506
فقالوا: خَلأتِ١ القَصواء٢. فقال النبي ﷺ : "ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل٣، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطةً يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها".
ثم زجرها فوثَبَتْ. قال فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ٤ قليل الماءِ يَتَبَرَّضُهُ٥ الناسُ تَبَرُّضَاً، فلم يلبِّثْهُ٦ الناسُ حتى نزحوه، وشُكِيَ إلى رسول الله ﷺ العطشُ، فانتزَعَ سهماً من كِنانتهِ٧، ثم أمرهم
стр. 507
أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش١ لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه٢.
فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَي لُ بن وَرْقاء الخزاعيّ٣ في نفر من قومه من خُزاعة - وكانوا عيبة٤ نصح لرسول الله ﷺ من أهل تِهامة٥ - فقال إني تركتُ كعب بنَ لؤيّ٦ وعامرَ بنَ لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العُوذُ٧ المطافيلُ٨، وهم مقاتلوك وصادوك
стр. 508
عن البيت.
فقال رسول الله ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشاً قد نَهِكتْهُم١ الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا مادَدْتهم مدةً ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا٢، وإن هم أبَوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، وليُنفِذَنَّ الله أمرَهُ".
فقال بُديل: سأبلِّغُهم ما تقول.
قال: فانطلق حتى أتى قريشاً، قال: إنّا جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولاً، فإن شئتم أن نعرِضَه عليكم فعَلنا.
فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول.
قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي ﷺ .
فقام عروة بن مسعود٣ فقال: أيْ قومِ! ألستُم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أوَ لستُ بالولد؟ قالوا:
стр. 509
بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت١ أهل عكاظ٢ فلما بلّحوا٣ عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.
قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشدٍ اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : نحواً من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: أيْ محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح٤ أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإني والله لا أرى وجوهاً، وإني لأرى أشواباً٥ من الناس خليقاً
стр. 510
أن يفرُّوا ويدَعوك، فقال له أبو بكر: امصص١ بَظْرَ اللات، أنحن نفرُّ عنه ونَدَعُهُ؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
قال أما والذي نفسي بيده لولا يد٢ كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي ﷺ ، فكلما تكلم أخذ بلحيته، والمغيرة ابن شعبة٣ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف٤ وقال له: أخِّرْ يدَك عن لحية رسول الله ﷺ فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟
стр. 511
قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أيْ غُدَر١، ألستُ أسعى في غدرتك؟
وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ : "أمّا الإسلام فأقبلُ، وأما المال فلست منه في شيء"، ثم إن عروة جعل يرمُق٢ أصحابَ النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخّم٣ رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون٤ إليه النظر تعظيماً له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قومِ، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت مليكاً قط
стр. 512
يعظمه أصحابُه ما يعظم أصحابُ محمد ﷺ محمداً. والله إنْ يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدَلَكَ بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيماً له، وإنه قد عرض عليكم خطة رُشْد فاقبلوها.
فقال رجل١ من بني كنانة: دعوني آتيه، فقالوا: ائته.
فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه، قال رسول الله ﷺ : "هذا فلان، وهو من قوم يعظِّمون البُدْنَ٢، فابعثوها٣ له"، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصدوا عن البيت، فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدن قد قُلّدت٤ وأشعرت٥، فما أرى أن يُصدوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له:
стр. 513
مِكْرَ زُ بن حفص١، فقال: دعوني آتيه.
فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ : "هذا مِكرَز، وهو رجل فاجر"، فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو٢.
قال معمر: فأخبرني أيوب٣ عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ : " قد سهل لكم من أمركم".
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هاتِ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا النبي ﷺ الكاتب٤ فقال النبي ﷺ :
стр. 514
"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: "باسمك اللهم" كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللهم" ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكنِ اكتب: "محمد بن عبد الله".
فقال النبي ﷺ : "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب "محمد ابن عبد الله".
قال الزهري: وذلك لقوله: "لا يسألونني خطة يعظمون فيها
ر
стр. 515
حرمات الله إلا أعطيتهم إياها"، فقال له النبي ﷺ : "على أن تُخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أُخذنا ضغطة١، ولكن ذلك من العام المقبل فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منّا رجل - وإن كان على دينك - إلا رددتَه إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟
فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو٢ يرسف٣ في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي.
فقال النبي ﷺ : إنا لم نقضِ الكتابَ بعد، قال: فوالله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً، قال النبي ﷺ : فأجزه٤ لي، قال: ما أنا بمجيزه
стр. 516
لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكْرَ ز: بل قد أجزناه لك.
قال أبو جندل: أيْ معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله، قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألستَ نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ نعطي الدّنِيَّة١ في ديننا إذاً؟
قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوفَ به٢؟
قال: بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيتُ أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟
قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟
قال: أيها الرجل: إنه لرسول الله ﷺ وليس يعصي ربه وهو ناصره،
стр. 517
فاستمسك بِغَرْزِه١، فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟
قال: بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام؟
قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال الزهري٢: قال عمر فعملت لذلك أعمالاً٣، قال: فلما فرغ من قضيةِ الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة٤، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة:
стр. 518
يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدْنَه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات١ فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ٢ فطلق عمر يومئذ امرأتين٣، كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان٤ والأخرى
стр. 519
صفوان بن أمية، ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير١ رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين٢ فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، فاستله٣ الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به، ثم جربت به، ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد٤، وفرّ الآخر، حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فلما انتهى إلى النبي ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم، ثم أنجاني الله منهم، قال النبي ﷺ :
стр. 520
"ويل امِّهِ١ مِسْعَرَ حرب٢ لو كان له أحد "٣، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعيرٍ٤ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا٥ لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ حتى بلغ ﴿الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ٦ وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله ولم
стр. 521
يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت١.
стр. 522
المبحث الثالث: في أول من بايع بيعة الرضوان
٩٥- أخرج الطبراني في الأوسط فقال: حدثنا أحمد١، ثنا محمد ابن عبد الله بن عبيد بن عقيل٢ ثنا يعقوب بن محمد الزهري٣، قال: نا عبد العزيز بن عمران٤، عن محمد بن عبد لعزيز بن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف٥ عن الزهري، عن سالم٦ عن أبيه قال: دعا رسول الله ﷺ
стр. 523
يوم الحديبية الناس للبيعة١ فجاء أبو سنان بن محصن٢ فقال: يا رسول الله أبايعك على ما في نفسك قال: "وما في نفسي؟ "
قال: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو أقتل، فبايعه وبايع الناس على بيعة أبي سنان٣.
стр. 524
_________
"منكر الحديث"، وقال النسائي: "متروك" كما تقدم، وفيه أيضاً: يعقوب بن محمد بن عيسى، قال عنه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء"، كما مرّ في التقريب.
فالحديث لا يثبت سنداً ولا متناً لأن أبا سنان بن محصن مات في حصار بني قريظة، كما ذكر ابن حجر، وحصار بني قريظة كان في السنة الخامسة، والحديبية في السنة السادسة، فكيف يكون ذلك؟!!
والمشهور: أن أول من بايع هو أبو سنان ابن وهب، كما ذكر ذلك ابن هشام في السيرة ٢/٣١٦، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/١٠٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ١٣٧، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٢٤٦-٢٤٧.
وذكر ابن حجر في الإصابة ٤/ ٩١، أن البغوي أخرج في ترجمة أبي سفيان بن الحارث من طريق أبي بكر بن عياش عن عاصم قال: أوّل من بايع تحت الشجرة: أبو سفيان بن الحارث، ثم تعقبه بقوله: (لم يصب في ذلك، فقد أخرجه غيره من هذا الوجه، فقال: أبو سنان ابن وهب، وهو الصواب، وهو المستفيض عند أهل المغازي كلهم، واسم أبي سنان عبد الله) .
وقد ذكر مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أنه أول من بايع، مسلم بشرح النووي ١٢/١٧٤-١٧٥.
والجمع بين ما ذكره مسلم وأهل المغازي: أن أبا سنان أول من بايع مطلقاً، وأن سلمة أول من بايع من الأنصار، فأوليته بالإضافة إلى ما دون أبي سنان، ذكر ذلك السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٣٣.
стр. 525
المبحث الرابع: في أحداث الغزوة وشروط الصلح
٩٦- قال ابن إسحاق١: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر.
وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة.
قال الزهري: وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، - قال ابن هشام: ويقال: بُسْر - فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور٢، وقد نزلوا بذي طُوى٣ يعاهدون الله
стр. 526
لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم١.
قال: فقال رسول الله ﷺ : (يا ويح٢ قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) ٣. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟
[قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل٤ بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب
стр. 527
إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ١ التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] ٢.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش٣ في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا.
قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً٤ من أصحابه فنزل به في قليب من تلك
стр. 528
القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن١.
قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟
فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً
стр. 529
لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم١، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب.
قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة٢.
قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلاً، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ .
ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه،
стр. 530
فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه١ من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.
قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي.
قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟
قال: من هذا يا محمد؟
قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي