← Сира

Сира · id 2700

مرويات الإمام الزهري في المغازي

محمد بن محمد العواجي

Полный текст (812 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كُراع الغَمِيم١. قال: فقال رسول الله ﷺ : (يا ويح٢ قريش! لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) ٣. ثم قال: منْ رجلٌ يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ [قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل٤ بين شعاب، فلما خرجوا منه، وقد شق ذلك على المسلمين، وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ للناس: قولوا نستغفر الله ونتوب

стр. 527

إليه"، فقالوا ذلك، فقال: والله إنها للحِطَّةُ١ التي عُرِضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها] ٢. قال ابن شهاب: فأمر رسول الله ﷺ الناس فقال: اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحَمْش٣ في طريقٍ تُخرِجُه على ثنية المُرار مهبط الحديبية من أسفل مكة، قال: فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم؛ رجعوا راكضين إلى قريش، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته، فقالت الناس: خلأت الناقة، قال: ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تَدْعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم قال للناس: انزلوا. قيل: له يا رسول الله ما بالوادي ماء ننزل عليه، فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً٤ من أصحابه فنزل به في قليب من تلك

стр. 528

القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن١. قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بُديل بن ورقاء الخزاعي في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً وإنما جاء زائراً للبيت، ومعظماً

стр. 529

لحرمته، ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش! إنكم تَعْجلون على محمد، إن محمداً لم يأت لقتال، وإنما جاء زائراً هذا البيت، فاتهموهم وجَبهوهم١، وقالوا وإن كان جاء ولا يريد قتالاً فوالله لا يدخلها علينا عنوةً أبداً، ولا تحدث بذلك عنا العرب. قال الزهري: وكانت خزاعة عَيْبَة نصح رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة٢. قال: ثم بعثوا إليه مِكْرَ ز بن حفص بن الأخيف، أخا بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلاً، قال: هذا رجلٌ غادِرٌ، فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ . ثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة أو ابن زَبَّان وكان يومئذ سيد الأحابيش، وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: إن هذا من قومٍ يَتَألَّهون، فابعثوا الهديَ في وجهه حتى يراه،

стр. 530

فلما رأى الهدي يسيل عليه من عُرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوبارَه١ من طول الحبس عن محله، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك. قال: فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك. قال الزهري في حديثه: ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ عروة بن مسعود الثقفي فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وإني ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ وجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول الله ﷺ قاعد؛ فقال: امصُص بظر اللات أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي

стр. 531

لكافأتك بها، ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، قال: والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، قال: فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ ، ويقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ ، قبل أن لا تصل إليك. قال: فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك! قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة، قال: أيْ غُدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس؟ قال الزهري: فكلمه رسول الله ﷺ بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق١ بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فَرُوا رأيَكم. قال الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ ، وقالوا له: ائت محمداً فصالحه، ولا يكن في

стр. 532

صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تحدّث العرب عنّا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلاً قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ تكلم فأطال الكلام وتراجعا ثم جري بينهما الصلح، فلما التأم١ الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: (بلى) ، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: (بلى) ، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: (بلى) ، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: " أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني". قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه

стр. 533

فقال: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) ، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب (باسمك اللهم) ، فقال رسول الله ﷺ : (اكتب باسمك اللهم) فكتبها، ثم قال: (اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل ابن عمرو) ، قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله ﷺ اكتب: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين١ يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عَيْبَة٢ مكفوفة٣ وأنه لا إسلال٤، ولا إغلال٥، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد

стр. 534

وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه"، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثاً، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها". فبينما رسول الله ﷺ يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، قد انفلت إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله ﷺ في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون، فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه١، ثم قال: يا محمد قد لجت٢ القضية بيني وبينك، قبل أن يأتيك هذا.

стр. 535

قال: (صدقت) ، فجعل ينتره١ بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته، يا معشرالمسلمين: أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم". قال: فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب، قال: ويدني قائم السيف منه، قال: ويقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ٢ الرجل بأبيه، ونفذت القضية، فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب أشهد على الصلح رجالاً من المسلمين ورجالاً من المشركين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو٣، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن

стр. 536

مسلمة١، ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك، وعلي بن أبي طالب وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة. قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله ﷺ من وجهه ذلك قافلاً٢، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٣.

стр. 537

المبحث الخامس: في استشارة النبي ﷺ أصحابه في بعض أموره المطلب الأول: في استشارته ﷺ أصحابه في قريش ... المبحث الخامس: في استشارة النبي ﷺ أصحابه في بعض أموره وفيه مطلبان: المطلب الأول: في استشارته ﷺ أصحابه في قريش: ٩٧- قال البخاري١: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني٢ معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه - قالا:

стр. 538

ثم خرج النبي ﷺ عام الحديبية في بضع١ عشرة مائة٢ من أصحابه

стр. 539

فلما أتى ذا الحليفة١ قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عيناً له من خزاعة وسار النبي ﷺ حتى كان بغدير الأشطاط٢ أتاه عينه قال:

стр. 540

إن قريشاً جمعوا لك جموعاً، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك، فقال: "أشيروا أيها الناس عليَّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عزوجل قد قطع عيناً من المشركين وإلا تركناهم محروبين"، قال أبو بكر: يا رسول الله خرجت عامداً لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله".

стр. 541

المطلب الثاني: في استشارة النبي ﷺ في عدم إمتثال أصحابه لما أمرهم بالتحليل ... المطلب الثاني: في استشارته ﷺ أم سلمة في عدم امتثال أصحابه لمَّا أمرهم بالتحلل ٩٨- قال ابن أبي شيبة في المصنف١: حدثنا خالد بن مخلد٢ قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري٣ قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة٤ وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يدعى ناجية يأتيه بخبر القوم، حتى نزل رسول الله ﷺ غديراً بعسفان يقال له: غَدِيْر الأَشْطَاط، فلقيه عينه بغدير الأشطاط، فقال: يا محمد تركت قومك كعب ابن لؤي وعامر ابن لؤي قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم،

стр. 542

قد سمعوا بمسيرك وتركت عبدانهم يطعمون الخزيرة في دورهم، وهذا خالد بن الوليد في خيل بعثوه. فقام رسول الله ﷺ فقال: (ماذا تقولون؟ ماذا ترون؟ أشيروا علي قد جاءكم خبر قريش مرتين وما صنعت، فهذا خالد بن الوليد بالغميم) . قال لهم رسول الله ﷺ : "أترون أن نمضي بوجهنا ومن صدنا عن البيت قاتلناه؟ أم ترون أن نخالف هؤلاء إلى من تركوا وراءهم، فإن اتَّبَعْنَا منهم عنقٌ قطعه الله". قالوا: يا رسول الله الأمر أمرك والرأي رأيك، فتيامنوا في هذا الفعل فلم يشعر به خالد ولا الخيل التي معه حتى جاوز بهم قترة الجيش، وأوفت به ناقته على ثنية تهبط على غائط١ القوم يقال له: بَلْدَح٢ فبركت، فقال: "حل حل"، فلم تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء. قال ﷺ : "إنها والله ما خلأت، ولا هو لها بخلق، ولكم حبسها حابس الفيل، أما والله لا يدعوني اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمة ولا يدعوني فيها إلى صلة إلا أجبتهم إليها) ، ثم زجرها فوثبت فرجع من

стр. 543

حيث جاء عوده على بدئه، حتى نزل بالناس على ثمد١ من ثماد الحديبية ظَنُون٢، قليل الماء يتبرض الناس ماءها تبرضاً، فشكوا إلى رسول الله ﷺ قلة الماء، فانتزع سهماً من كنانته، فأمر رجلاً فغرزه في جوف القليب، فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بِعَطَن، فبينما هو على ذلك إذ مر به بُديل بن ورقاء الخزاعي في ركب من قومه من خزاعة فقال: يا محمد؛ هؤلاء قومك قد خرجوا بالعوذ المطافيل، يقسمون بالله ليحولُنَّ بينك وبين مكة، حتى لا يبقى منهم أحد، قال: "يا بديل إني لم آت لقتال أحد إنما جئت أقضي نسكي٣ وأطوف بهذا البيت، وإلا فهل لقريش في غير ذلك، هل لهم إلى أن أمادهم مدة يأمنون فيها ويستجمون، ويخلون فيها بيني وبين الناس فإن ظهر فيها أمري على الناس كانوا فيها بالخيار أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وبين أن يقاتلوا وقد جمعوا وأعدوا". قال بديل: سأعرض هذا على قومك. فركب بديل حتى مر بقريش فقالوا: من أين؟ قال: جئتكم من عند رسول الله ﷺ وإن شئتم أخبرتكم بما سمعت منه فعلت.

стр. 544

فقال أناس من سفهائهم: لا تخبرنا عنه شيئاً، وقال ناس من ذوي أسنانهم وحكمائهم: بل أخبرنا ما الذي رأيت وما الذي سمعت، فاقتص عليهم بديل قصة رسول الله ﷺ وما عرض عليهم من المدة، قال: وفي كفار قريش يومئذ عروة بن مسعود الثقفي فوثب فقال: يا معشر قريش هل تتهمونني في شيء؟ ألست بالولد ولستم بالوالد؟ أولست قد استنفرت لكم أهل عكاظ؟ فلما بلحوا علي نفرت إليكم بنفسي وولدي ومن أطاعني. قالوا: بلى قد فعلت، قال: فاقبلوا من بديل ما جاءكم به وما عرض عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم١ وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها من عنده، قالوا: فاذهب. فخرج عروة حتى نزل برسول الله ﷺ بالحديبية، فقال: يا محمد هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم٢، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: أن تجتاح قومك فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك، وبين أن يسلمك من أرى معك، فإني لا أرى معك إلا أوباشاً من الناس لا أعرف أسمائهم ولا وجوههم. فقال أبو بكر، وغضب: امصص بظر اللات أنحن نخذله أو نسلمه؟

стр. 545

فقال عروة: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت. وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن. والمغيرة بن شعبة قائم على رسول الله ﷺ وعلى وجهه المغفر فلم يعرفه عروة، وكان عروة يكلم رسول الله ﷺ فكلما مدّ يده يمس لحية رسول الله ﷺ قرعها المغيرة بقدح كان في يده حتى إذا أخرجه قال: من هذا؟ قالوا: هذا المغيرة بن شعبة. قال عروة: أنت بذاك يا غدر، وهل غسلت عنك غدرتك الأمس بعكاظ. فقال النبي ﷺ لعروة بن مسعود مثل ما قال لبديل، فقام عروة فخرج حتى جاء إلى قومه فقال: يا معشر قريش إني قد وفدت على الملوك على قيصر في ملكه بالشام وعلى النجاشي بأرض الحبشة١ وعلى كسرى بالعراق، وإني والله ما رأيت ملكاً هو أعظم فيمن هو بين ظهريه من محمد في أصحابه، والله ما يشدون إليه النظر وما يرفعون عنده الصوت. وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء، فاقبلوا الذي جاءكم به بديل، فإنها خطة رشد. قالوا: اجلس ودعوا رجلاً من بني الحارث بن عبد مناف يقال له:

стр. 546

الحليس، فقالوا: انطلق فانظر ما قبل هذا الرجل وما يلقاك به. فخرج الحليس فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلاً عرفه قال: " هذا الحليس وهو من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه". فبعثوا الهدي في وجهه. قال ابن شهاب: فاختلف الحديث في الحليس، فمنهم من يقول: جاءه فقال له مثل ما قال لبديل وعروة، ومنهم من قال: لما رأى الهدي رجع إلى قريش فقال: لقد رأيت أمراً لئن صددتموه إني لخائف عليكم أن يصيبكم عنت فأبصروا بصركم، قالوا: اجلس، ودعوا رجلاً من قريش يقال له: مِكْرَ ز بن حفص بن الأحنف من بني عامر بن لؤي فبعثوه فلما رآه النبي ﷺ قال: "هذا رجل فاجر ينظر بعين". فقال له مثل ما قال لبديل ولأصحابه في المدة، فجاءهم فأخبرهم فبعثوا سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي يكاتب رسول الله ﷺ على الذي دعا إليه، فجاءه سهيل بن عمرو فقال: قد بعثتني قريش إليك أكاتبك على قضية نرتضي أنا وأنت. فقال النبي ﷺ : "نعم، اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". قال: ما أعرف الله ولا أعرف الرحمن، ولكن اكتب كما كنا نكتب "باسمك اللهم) ، فوجد الناس من ذلك وقالوا: لا نكاتبك على خطة حتى تقر بالرحمن الرحيم. قال سهيل: إذاً لا أكاتبه على خطة حتى أرجع. قال رسول الله ﷺ : "اكتب باسمك اللهم هذا ما قاضى عليه محمد

стр. 547

رسول الله". قال: لا أقر، لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك ولا عصيتك ولكن "محمد بن عبد الله". فوجد الناس منها أيضاً، قال: "اكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو) . فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق. أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: "بلى"، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: "إني رسول الله ولن أعصيه ولن يضيعني". وأبو بكر متنح بناحية، فأتاه عمر فقال: يا أبا بكر، فقال: نعم. قال: ألسنا على الحق؟ أو ليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: دع عنك ما ترى يا عمر، فإنه رسول الله ﷺ ولن يضيعه الله ولن يعصيه. وكان في شرط الكتاب أنه من كان منا فأتاك، فإن كان على دينك رددته إلينا، ومن جاءنا من قبلك رددناه إليك. قال: أما من جاء من قبلي فلا حاجة لي برده، وأما التي اشترطت لنفسك قبلك فبيني وبينك، فبينما الناس على ذلك الحال إذ طلع عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد خلى له أسفل مكة متوشحاً السيف، فرفع سهيل رأسه فإذا هو بابنه أبي جندل. فقال: هذا أول من قاضيتك على رده.

стр. 548

فقال النبي ﷺ : "يا سهيل إنا لم نقض الكتاب بعد". قال: ولا أكاتبك على خطة حتى ترده. قال: "فشأنك به"، قال: فهش أبو جندل إلى الناس فقال: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟! فلصق به عمر وأبوه آخذ بيده يجتره وعمر يقول: إنما هو رجل ومعك السيف، فانطلق به أبوه. فكان النبي ﷺ يرد عنهم من جاء من قبلهم يدخل في دينه، فلما اجتمعوا نفر منهم أبو بصير ردهم إليه وأقاموا بساحل البحر، فكأنهم قطعوا على قريش متجرهم إلى الشام، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ إنا نراها منك صلة أن تردهم إليك وتجمعهم فردهم إليه، وكان فيما أرادهم النبي ﷺ في الكتاب أن يدعوه يدخل مكة فيقضي نسكه وينحر هديه بين ظهريهم. فقالوا: لا تحدث العرب أنك أخذتنا ضغطة أبداً، ولكن ارجع عامك هذا، فإذا كان القابل أذنا لك، فاعتمرت وأقمت ثلاثاً. وقام رسول الله ﷺ فقال للناس: "قوموا فانحروا هديكم واحلقوا واحلوا". فما قام رجل ولا تحرك، فأمر رسول الله ﷺ الناس بذلك ثلاث مرات، فما تحرك رجل ولا قام من مجلسه. فلما رأى النبي ﷺ ذلك دخل على أم سلمة وكان خرج بها في تلك الغزوة، فقال: يا أم سلمة ما بال الناس أمرتهم ثلاث مرار أن ينحروا وأن

стр. 549

يحلقوا وأن يحلوا فما قام رجل إلى ما أمرتهم به. قالت: يا رسول الله أخرج أنت فاصنع ذلك. فقام رسول الله ﷺ حتى يمم هديه فنحره، ودعا حلاقاً فحلقه، فلما رأى الناس ما صنع رسول الله ﷺ وثبوا إلى هديهم فنحروه، وأكب بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم أن يضم بعضاً من الزحام. قال ابن شهاب بدنة.

стр. 550

المبحث السادس: في استثناء النساء من شرط صلح الحديبية ٩٩- قال البخاري١:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور ابن مخرمة ﵄ يخبران٢ عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ أن لا يأتيك منا أحد٣ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا

стр. 551

وخليت بيننا وبينه، فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا١ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلماً،

стр. 552

وجاء المؤمنات١ مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله ﷺ يومئذ وهي عاتق٢، فجاء أهلها٣ يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ

стр. 553

إلى قوله: ﴿لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ١. ١٠٠- قال ابن إسحاق٢:فحدثني الزهري عن عروة ابن الزبير قال: دخلت عليه يكتب كتاباً إلى ابن أبي هنيدة٣ صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ٤، قال: فكتب إليه عروة بن الزبير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر

стр. 554

النساء إلى رسول الله ﷺ وإلى الإسلام، أبى الله أن يُرْدَدْن إلى المشركين إذا هن امتحنّ بمحنة الإسلام فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صَدُقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم، إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم ذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن، وأن يردوا عليهم مثل الذي يردون عليهم إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله ﷺ النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء، ولم يردد لهن صداقاً، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد"١.

стр. 555

المبحث السابع: فيما ظهر من علامات النبوة في الحديبية ١٠١- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة١ عن ابن شهاب، قال: قال ابن عباس: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا: جهدنا٢ وفي الناس ظهر٣ فانحره لنا، فنأكل من لحومه، وندهن من شحومه، ولنحتذي من جلوده. فقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تفعل يا رسول الله، فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل.

стр. 556

فقال رسول الله ﷺ : "ابسطوا أنطاعكم١ وعباءكم" ٢. ففعلوا، ثم قال: "من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره"٣، ودعا لهم ثم قال: "قربوا أوعيتكم فأخذوا ما شاء الله" ٤.

стр. 557

المبحث الثامن: في قصة أبي بصير وأبي جندل ﵄ ١٠٢- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة٢ عن ابن شهاب، وهو لفظ حديث القطان، قال: "ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة انفلت رجل من أهل الإسلام من ثقيف، يقال له: أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي، من المشركين فأتى رسول الله ﷺ مسلماً مهاجراً، فبعث في أثره الأخنس بن شريق رجلين من بني منقذ، أحدهما: - زعموا - مولى، والآخر من أنفسهم، اسمه: جحش بن جار، وكان ذا جلد ورأي في أنفس المشركين،

стр. 558

وجعل لهما الأخنس في طلب أبي بصير جعلاً١، فقدما على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كان بذي الحليفة، سل جحش سيفه ثم هزه فقال: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل. فقال له أبو بصير: أو صارم٢ سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إياه، فلما قبض عليه ضربه به حتى برد. ويقال: بل تناول أبو بصير سيف المنقذي بفيه وهو نائم فقطع إساره٣، ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر فجمز٤ مذعوراً مستخفياً حتى دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس فيه، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: (لقد رأى هذا ذعراً) ، فأقبل حتى استغاث برسول الله ﷺ وجاء أبو بصير يتلوه، فسلم على رسول الله ﷺ وقال: وفت ذمتك دفعتني إليهما، فعرفت أنهم سيعذبونني ويفتنوني عن ديني.

стр. 559

فقتلت المنقذي، وأفلتني هذا. قال رسول الله ﷺ : "ويل أمه مِسْعَر حرب لو كان معه أحد" ١، وجاء أبو بصير بِسَلَبِه٢ إلى رسول الله ﷺ فقال: خمس يا رسول الله. قال: "إني إذا خمسته لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت". فخرج أبو بصير معه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حيث قدموا، فلم يكن طلبهم أحد، ولم ترسل قريش كما أرسلوا في أبي بصير حتى كانوا بين العِيْص٣ وذي المروة٤ من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، ولا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها

стр. 560

وقتلوا أصحابها، وكان أبو بصير يكثر أن يقول: "الله ربي العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر ويقع الأمر على ما يقدر". وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ في هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهري قومهم، فنزلوا مع أبي بصير في منزل كريه إلى قريش، فقطعوا به مادتهم من طريق الشام، وكان أبو بصير زعموا وهو في مكانه ذلك يصلي لأصحابه، فلما قدم عليه أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار، وأسلم وجهينة وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، قال: فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألون ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير، وأبي جندل بن سهيل ومن معه فقدموا عليهم وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه، فإن هؤلاء والركب قد فتحوا علينا باباً لا يصلح إقراره، فلما كان ذلك من أمرهم على الذين كانوا أشاروا على رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية أن طاعة رسول الله ﷺ خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من رأي من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص الله به رسوله ﷺ من العون والكرامة، ولم يزل أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين اجتمعوا إليهما هنالك حتى مر بهم أبو

стр. 561

العاص بن الربيع وكان تحته زينب بنت رسول الله ﷺ من الشام في نفر من قريش فأخذوهم وما معهم وأسروهم١، ولم يقتلوا منهم أحداً لصهر أبي العاص رسول الله ﷺ وأبو العاص يومئذ مشرك، وهو ابن أخت خديجة بنت خويلد لأمها وأبيها، وخلوا سبيل أبي العاص، فقدم المدينة على امرأته وهي بالمدينة عند أبيها كان أذن لها أبو العاص حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله ﷺ فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسر أبو جندل وأبو بصير وما أخذوا لهم فكلمت رسول الله ﷺ في ذلك فزعموا أن رسول الله ﷺ قام فخطب الناس فقال: (إنا صاهرنا ناساً، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصهر وجدناه، وإنه قدم من

стр. 562

الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم، وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحداً، وأن زينب بنت رسول الله ﷺ سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟ فقال الناس: نعم، فلما بلغ أبا جندل وأصحابه قول رسول الله ﷺ في أبي العاص وأصحابه الذين كانوا عنده من الأسرى ردَّ إليهم كل شيء أخذ منهم حتى العقال١، وكتب رسول الله ﷺ إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يعترضوا لأحد مر بهم من قريش وغيرها، فقدم كتاب رسول الله ﷺ زعموا على أبي جندل وأبي بصير، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرؤه٢، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجداً٣، وقدم أبو جندل على رسول

стр. 563

الله ﷺ معه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم، وأمنت عيرات قريش، ولم يزل أبو جندل مع رسول الله ﷺ وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذلك وشهد الفتح ورجع مع رسول الله ﷺ فلم يزل معه بالمدينة حتى توفي رسول الله ﷺ وقدم سهيل بن عمرو المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب، فمكث بالمدينة شهراً ثم خرج مجاهداً إلى الشام بأهله وماله، هو والحارث بن هشام١، فاصطحبا جميعاً، وخرج أبو جندل مع أبيه سهيل إلى الشام فلم يزالا مجاهدين بالشام حتى ماتا جميعاً، مات الحارث بن هشام فلم يبق من ولده إلا عبد الرحمن بن الحارث٢ فتزوج

стр. 564

عبد الرحمن فاختة بنت عتبة١، فولدت له أبا بكر بن عبد الرحمن٢ وأكابر ولده، فهذا حديث أبي جندل وأبي بصير ﵄".

стр. 565

الفصل الثاني: غزوة خيبر والأحداث التي أعقبتها المبحث الأول: في سبب الغزوة . ... الفصل الثاني: المبحث الأول: في سبب الغزوة ١٠٣- قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن١ القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد٣ بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس٤ بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعاً قالا: انصرف رسول الله ﷺ عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة، فأعطاه الله عزوجل فيها خيبر٥
следующие страницы →