← Сира

Сира · id 2700

مرويات الإمام الزهري في المغازي

محمد بن محمد العواجي

Полный текст (812 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون١ من الدين كمروق السهم من الرميَّة٢، يُنْظَرُ إلى نصله٣ فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه٤ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه٥ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قَذَذِه٦ فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث٧ والدم،

стр. 737

يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة - أو مثل البضعة - تدردر١. قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من رسول الله ﷺ ، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 738

المبحث العاشر: في حصار الطائف ١٨٢- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة (ح) قال: وحدثنا يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: وقاتل يوم حنين وحاصر الطائف٢ في شوال سنة ثمان٣.

стр. 739

_________ العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، ثم أمر الرسول ﷺ عمر أن يؤذن بالرحيل، وقد استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلاً، سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث". ملخص ما ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية (ابن هشام ٢/ ٤٨٢، و ٤٨٧) بسند معضل، وقد أخرج أحمد في المسند (٢٠/ ٥٧ رقم [١٢٦٠٨] أرناؤوط) مدة الحصار، وأنها كانت أربعين ليلة، وسنده صحيح.

стр. 740

الفصل الخامس: غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها المبحث الأول: في تاريخ الغزوة ... المبحث الأول: في تاريخ الغزوة. ١٨٣- قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁: "أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك١، وكان يحب أن

стр. 741

يخرج يوم الخميس"١.

стр. 742

المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك . ... المبحث الثاني: في تخلف بعض المسلمين عن غزوة تبوك وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تخلف كعب بن مالك. ١٨٤- قال البخاري١:حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر٢، وإن كانت بدر أذكر٣ في

стр. 743

الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى١ بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله ﷺ في حرٍ شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً٢ وعدواً كثيراً فجلَّى٣ للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة٤ غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد٥، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ٦ - يريد الديوان - قال

стр. 744

كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد١، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن انفصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدّر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً٢ عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكُرْني

стр. 745

رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب؟ " فقال رجل من بني سَلِمة١: يا رسول الله حبسه برداه ونَظَرُه في عِطفه٢. فقال معاذ بن جبل٣: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه٤، وأصبح رسول الله ﷺ قادماً٥،

стр. 746

وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً١، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد٢ علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ : "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"، فقمت، وثار٣ رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون

стр. 747

اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فوالله ما زالوا يُؤَنِّبونَني١ حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْرِي٢ وهلال بن أمية الواقفي٣، فذكروا لي رجلين قد شهدا بدراً٤ فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما

стр. 748

_________ مظعون الحد لما شرب الخمر وهو بدري كما تقدم (شرح الحديث رقم: ٤٠١١) ، وإنما لم يعاقب النبي ﷺ حاطباً ولا هجره، لأنه قبل عذره في أنه إنما كاتب قريشاً خشية على أهله وولده، وأراد أن يتخذ له عندهم يداً، فعذره بذلك، بخلاف تخلف كعب وصاحبيه، فإنهم لم يكن لهم عذر أصلاً، والله أعلم".اهـ. الفتح (٨/ ١٢٠) . قلت: ولعل الحافظ ابن حجر يرد هنا على ابن القيم وهو المقصود بقوله: واستدل بعض المتأخرين، والله أعلم، فقد قال ابن القيم: وقوله: "فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة" هذا الموضع مما عُدَّ من أوهام الزهري، فإنه لا يحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير ألبتة، ذكر هذين الرجلين في أهل بدر لا ابن إسحاق ولا موسى بن عقبة ولا الأموي ولا الواقدي، ولا أحد ممن عدَّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألاّ يكونا من أهل بدر، فإن النبي ﷺ لم يهجر حاطباً ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر لما هم بقتله: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأين ذنب التخلف من ذنب الجس" زاد المعاد (٣/ ٥٧٧) . ثم نقل كلام ابن الجوزي قوله: "ولم أزل حريصاً على كشف ذلك وتحقيقه حتى رأيت أبا بكر الأثرم قد ذكر الزهري وذكر فضله وحفظه وإتقانه وأنه لا يكاد يحفظ عليه غلط إلا في هذا الموضع، فإنه قال: إن مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية شهدا بدراً، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يعصم منه إنسان" زاد المعاد (٣/ ٥٧٧) . وقد أخرج ابن الجوزي حديث كعب، ثم قال عقبة: وقوله: "رجلين شهدا بدراً" وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدراً، المنتظم (٣/ ٣٧١) . قلت: والحديث يرد عليهم جميعاً فإنه ظاهر أنه من كلام كعب بن مالك ﵁ كما ذكر الحافظ. والحق أن تعليل ابن القيم ليس في محله فقد ذكر أن من بين المتخلفين في غزوة تبوك أبا لبابة بن عبد المنذر، انظر: الرواية رقم [١٨٥] . وقد ثبت أن أبا لبابة عد من أهل بدر، انظر: مسند أحمد (٦/ ٣) ، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وانظر: الحاكم (٣/٢٠) ، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وانظر: مجمع الزوائد (٦/ ٦٨) ، وابن إسحاق (ابن هشام ١/ ٦١٢) ، والواقدي في المغازي (١/ ١٠١) ، وابن سعد في الطبقات (٢/ ١٢) ، والبداية والنهاية (٣/ ٣٦٠) ، ومع ذلك فقد ربط نفسه في سارية من سواري مسجد رسول الله ﷺ حتى تاب الله عليه، فكون من شهد بدراً وجنى جناية لا يعاقب عليها - كما هو واضح من كلام ابن القيم ﵀ كما قال الحافظ في الكلام السابق - لا يُسّلَّم له في ذلك، والله أعلم

стр. 749

لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه فأسارقه١ النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة٢ الناس مشيت حتى تسورت٣ جدار

стр. 750

حائط أبي قتادة١ وهو ابن عمي٢ وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أُحبُّ الله ورسولَه؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت، فعدتُ له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، قال فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطي من أنباط أهل الشام٣ ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتاباً من ملك غسان٤ فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعة٥، فالحق بنا نُواسِك٦.

стр. 751

فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت١ بها التنور٢ فسجرته٣ بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول٤ رسول الله ﷺ يأتيني فقال: "إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك"٥، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.

стр. 752

قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية١ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي٢: لو استأذنت رسولَ الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبَتْ سمعت صوتَ صارخ أوفى٣ على جبل سلع٤ بأعلى صوته:

стр. 753

يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن١ رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليّ رجل٢ فرساً، وسعى ساعٍ من أسلم٣ فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذ٤، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فيتلقاني الناس فوجاً فوجاً٥ يهنئونني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن

стр. 754

عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة١. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله"، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه٢، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي٣ صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله ﷺ : "أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله٤ في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك

стр. 755

لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لقَدْ تابَ اللهُ على النَّبيِّ والمهاجِرين والأنصارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِين﴾ ، فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿سَيَحْلِفُوْنَ بِاللهِ لَكُمْ إذا انْقَلَبْتُم﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يرضَى عنِ القَومِ الفَاسِقِين﴾ قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ١ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه بذلك قال الله: ﴿وعَلى الثَّلاثةِ الذينَ خُلِّفُوا﴾ ٢ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه٣.

стр. 756

ا لمطلب الثاني: في تخلف أبي لبابة ﵁ . ١٨٥- عبد الرزاق١عن معمر عن الزهري قال: كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبي ﷺ في غزوة تبوك، قال الزهري: فربط نفسه بسارية، ثم قال: والله لا أحل نفسي منها، ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، قال: فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتى كان يخرُّ مغشياً عليه، قال: ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تيب عليك

стр. 757

يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحِلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ هو يحلني، قال: فجاء النبي ﷺ فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إنَّ من توبتي أن أهجر داري في قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: "يجزيك الثلث يا أبا لبابة"١.

стр. 758

المطلب الثالث: في تخلف بعض المسلمين من أسلم وغِفار . ١٨٦- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن أخي أبي رهم٢ أنه سمع أبا رُهْم الغفاري، وكان من أصحاب النبي ﷺ

стр. 759

الذين بايعوه تحت الشجرة يقول: غزوت مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك فلما سرى١ ليلة سرت قريباً منه إليه، وألقي عليَّ النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته، فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز، فأؤخر راحلتي، حتى غلبتني عيني بعض الليل، فزحمت راحلتي رجله في الغرز، فأصابت رجله، فلم أستيقظ إلا لقوله: (حَسِّ) ٢، فقلت: استغفر لي يا رسول الله، قال: سر، فطفق النبي ﷺ يستخبرني عمن تخلف من بني غفار فأخبرته، فقال إذ هو يسألني: ما فعل الحمر الطوال الثطاط٣؟ فحدثته بتخلفهم، قال: فما فعل النفر السود؟ أو قال: القصار الجعاد القطاط٤- الذين لهم نعم بشبكة

стр. 760

شرخ١، فتذكرت في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت رهطاً من أسلم، قال: فقلت: يا رسول الله أولئك رهط من أسلم وقد تخلفوا، فقال رسول الله ﷺ : "فما يمنع أحد أولئك حين يتخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأً نشيطاً في سبيل الله، فإن أعز أهلي عليَّ أن يتخلف عني المهاجرون من قريش، والأنصار، وغفار، وأسلم٢".

стр. 761

المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة المطلب الأول: في نزول النبي ﷺ الحجر ... المبحث الثالث: في أحداث متفرقة حصلت في الغزوة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: في نزول النبي ﷺ الحجر. ١٨٧- قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي ﷺ بالحِجْر١ قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قَنَّع٢ رأسه

стр. 762

وأسرع السير حتى أجاز١ الوادي٢. ١٨٨- وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق قال: فذكر لنا الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم من علمائنا قالوا: كان رسول الله ﷺ حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله ﷺ للناس: "لا تشربوا من مائها شيئاً ولا

стр. 763

تتوضؤوا للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً"، وقال: "لا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحبه"، قال: ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله ﷺ إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فخنق على مذهبه١، وأما الذي ذهب في طلب بعير له فاحتملته الريح وطرحته بجبلي طيء٢ فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له؟ ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفي، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيء فإن طيئاً أهدته لرسول الله ﷺ حين قدم المدينة٣.

стр. 764

المطلب الثاني: في صلاة عبد الرحمن بن عوف ﵁ بالنبي ﷺ . ١٨٩- قال مسلم١: حدثني محمد بن رافع وحسن بن علي الحُلواني جميعاً عن عبد الرزاق - قال ابن رافع - حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج حدثني ابن شهاب عن حديث عباد بن زياد، أن عروة ابن المغيرة بن شعبة أخبره أن المغيرة بن شعبة أخبره؛ أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، قال المغيرة: فتبرز رسول الله ﷺ قبل الغائط، فحَمَلْتُ معه إداوة٢ قبل صلاة الفجر، فلما رجع رسول الله ﷺ إليَّ أخذت أهريق

стр. 765

على يديه من الإداوة، وغسل يديه ثلاث مرات، ثم غسل وجهه، ثم ذهب يُخرجُ جُبته عن ذراعيه فضاق كُمَّا جُبَّتِهِ، فأدخل يديه في الجُبّة حتى أخرج ذراعيه من أسفل الجبة وغسل ذراعيه إلى المرفقين ثم توضأ على خفيه، ثم أقبل، قال المغيرة: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدّمُوا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسولُ الله ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الآخرة، فلما سلّم عبدُ الرحمن بنُ عوف قام رسول الله ﷺ يتم صلاته فأفزع١ ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح فلما قضى النبي ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم" أو قال: "قد أصبتم" يغبطهم أن صلَّوا الصلاة لوقتها٢.

стр. 766

المطلب الثالث: في إعطاء الرسول ﷺ سرَّه لحذيفة في شأن بعض المنافقين . ١٩٠- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسن١ علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد٢ بن عبيد، ثنا عبيد٣ بن شريك، وأحمد٤ بن إبراهيم بن ملحان، قالا: حدثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: "بلغنا أن رسول الله ﷺ حين غزا تبوك نزل عن راحلته فأوحي إليه وراحلته باركة، فقامت تجر زمامها، حتى لقيها حذيفة بن اليمان فأخذ بزمامها فاقتادها، حتى رأى رسول الله ﷺ جالساً فأناخها ثم جلس عندها حتى قام رسول الله ﷺ فأتاه فقال: من هذا؟ فقال: حذيفة بن اليمان٥،

стр. 767

قال رسول الله ﷺ : فإني أسر إليك أمراً فلا تذكره: " إني قد نهيت أن أصلي على فلان وفلان) ؛ رهط ذوي عدد من المنافقين، لم يعلم رسول الله ﷺ ذكرهم لأحد غير حذيفة بن اليمان، فلما توفي رسول الله ﷺ كان عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فاقتاده إلى الصلاة عليه فإن مشى معه حذيفة صلى عليه وإن انتزع حذيفة يده فأبى أن يمشي معه انصرف عمر معه فأبى أن يصلي عليه وأمر عمر ﵁ أن يصلى عليه١.

стр. 768

المطلب الرابع: في إخبار النبي ﷺ بخمس خصال تقع قبل قيام الساعة . ١٩١- قال الطبراني: حدثنا حفص١ بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا عمرو٢ بن عثمان الكلابي، ثنا عبد الله٣ بن عمرو - والصواب عبيد الله - عن إسحاق بن راشد٤، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب٥، عن عوف بن مالك الأشجعي٦ ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك في آخر السحر وهو في

стр. 769

فسطاطه فسلمت عليه وقلت: أدخل يا رسول الله؟ قال: ادخل، فقلت: كلي؟ قال: كلك، ثم قال النبي ﷺ : "ست قبل الساعة: أولهن: موت نبيكم، قل: إحدى، قلت: إحدى، والثانية: فتح بيت المقدس، قل: اثنتين، قلت: اثنتين، قال: والثالثة: مُوتان١ يأخذكم كقعاص٢ الغنم، قل: ثلاثاً، قلت: ثلاثاً، قال: والرابعة: يفيض فيكم المال حتى إن الرجل ليعطى مائة دينار فيظل يتسخطها٣، قل: أربعاً، قلت: أربعاً، والخامسة: فتنة تكون بينكم فلا يبقى فيكم بيت مدر ولا وبر إلا دخلته، قل: خمساً، قلت: خمساً، والسادسة: هدنة٤ تكون بينكم وبين بني الأصفر٥ فيجتمعون لكم قدر حمل المرأة ثم يغدرون بكم فيقبلون في ثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفاً"٦.

стр. 770

المبحث الرابع: في خبر مسجد الضرار ١٩٢- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير، قال: الذين بني فيهم المسجد الذي أسس على التقوى بنو عمرو بن عوف، قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ١ أبو عامر الراهب٢، انطلق إلى الشام، فقال الذين بنو مسجداً ضراراً٣ إنما

стр. 771

بنيناه ليصلي فيه أبو عامر١. ١٩٣- وقال الطبري: حدثنا ابن حميد٢ قال: ثنا سلمة٣، عن ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله ﷺ يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان٤؛ - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار-

стр. 772

وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله ﷺ إنا قد بنينا مسجداً لذي العِلّة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلى لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر وحال شغل - أو كما قال رسول الله ﷺ ولو قد قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله ﷺ مالكَ بنَ الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بنَ عديّ١ - أو أخاه عاصم بن عدي - أخا بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله فأخذ سَعَفَاً٢ من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالذِيْنَ اتَّخَذُوْا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً﴾ ٣ إلى آخر القصة٤.

стр. 773

المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع لتلقي رسول الله ﷺ عند رجوعه من تبوك ... المبحث الخامس: في خروج الغلمان إلى ثنية الوداع١ لتلقي النبي ﷺ عند رجوعه من تبوك ١٩٤- قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: سمعت الزهري، عن السائب بن يزيد، يقول: أذكر أني خرجت مع الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله ﷺ ، وقال سفيان - مرة -: "مع الصبيان"٢.

стр. 774

المبحث السادس: في سرية أسامة بن زيد إلى أُبْنَى ١. ١٩٥- قال أبو داود الطيالسي: حدثنا صالح بن أبي الأخضر٢، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة، قال: "أمرني٣ النبي ﷺ

стр. 775

أن أُغير على أُبْنَى صباحاً وأحرِّق"١.
следующие страницы →