عارية١ مضمونة حتى نؤديها عليك، ثم خرج رسول الله ﷺ سائراً.
زاد أبو عبد الله في روايته قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى حنين في ألفين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم٢.
стр. 702
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة .
١٦٤- قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة"١.
стр. 703
المبحث الثالث: في خروج النبي ﷺ إلى حنين ومروره بذات أنواط .
١٦٥- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن سنان بن
стр. 704
أبي سنان الديلي١، عن أبي واقد الليثي ٢، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قِبَل حنين فمررنا بالسِّدْرة٣ فقلنا: أي رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط٤ كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٥ إنكم تركبون سَنَن الذين من قبلكم"٦.
стр. 705
المبحث الرابع: في إعجاب المسلمين بكثرتهم .
١٦٦- وقال الواقدي: حدثني معمر، عن الزهري قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ والفَتْحُ﴾ ١ قالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، فأقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة٢ يصلي ركعتين، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شوال، واستعمل على مكة عتاب
стр. 706
ابن أسيد١ يصلي بهم، ومعاذ بن جبل يعلمهم السنن والفقه٢، قالوا: وخرج رسول الله ﷺ في اثني عشر ألفاً من المسلمين عشرة آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة، فلما فصل، قال رجل٣ من أصحابه: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُم﴾ ٤.
١٦٧- وأخرج الواقدي أيضاً من طريق موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: قال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول
стр. 707
الله، لا نغلب اليوم من قلة، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ... ﴾ الآية١.
стр. 708
المبحث الخامس: في وقائع المعركة .
١٦٨- قال الإمام مسلم١: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو ابن سَرْح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه، ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي٢، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق٣ رسول الله ﷺ يركض بغلته قِبَل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ
стр. 709
بلجام١ بغلة رسول الله ﷺ أَكُفُّها٢ إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب٣ رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أي عباس ناد أصحاب الشجرة" ٤، فقال عباس وكان رجلاً صَيِّتاً٥: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب الشجرة؟
قال: فوالله لكأَنَّ عَطْفَتَهم حين سمعوني عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج٦، فقالوا: يا بني
стр. 710
الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمي الوطيس" ١، قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: "انهزموا ورب الكعبة"٢، قال: فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم٣ كليلاً وأمرهم مدبراً٤.
стр. 711
١٦٩- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب٢ عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا أنا وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب فلزمنا رسول الله ﷺ فلم نفارقه وهو على بغلة
стр. 712
شهباء، وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته نحو الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ ألقفها١، وهو لا يألو ما أسرعَ نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغَرْز رسول الله ﷺ ، فقال: يا عباس ناد أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلاً صَيِّتاً فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، يقولون: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قُصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج، قال: فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : "هذا حين حمى الوطيس" قال: ثم أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله ﷺ بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله تعالى، قال: وكأني أنظر إلى النبي ﷺ يركض خلفهم على بغلة له٢.
стр. 713
١٧٠- قال الحميدي: حدثنا سفيان١، قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: جُرِح خالد بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أمشي بين يدي رسول الله ﷺ وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة، فجلس رسول الله ﷺ عنده ودعا له قال٢: وأرى فيه ونفث٣ عليه٤.
قال عبد الرزاق: قال الزهري: وكان عبد الرحمن بن أزهر٥ يحدث
стр. 714
أن خالد بن الوليد بن المغيرة يومئذ كان على الخيل، خيل رسول الله ﷺ ، فقال ابن أزهر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ بعدما هزم الله الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم، يمشي في المسلمين ويقول: من يدلُّني على رحل خالد بن الوليد؟ فمشيت حتى - أو قال: فسعيت - بين يديه وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد؟ حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى مؤخرة رحله، فأتاه رسول الله ﷺ فنظر إلى جرحه.
١٧١- وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود المهري١ - المصري ابن أخي رشدين بن سعد - أخبرنا ابن وهب٢، أخبرني أسامة بن زيد٣، أن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد فبينما هو كذلك إذ أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من
стр. 715
ضربه بالْمِيتَخَة١، قال ابن وهب: الجريدة الرطبة، ثم أخذ رسول الله ﷺ تراباً من الأرض فرمى به في وجهه٢.
стр. 716
المبحث السادس: في إعطاء المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين .
أولاً: إعطاؤه لصفوان بن أمية.
١٧٢- قال الإمام مسلم: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين، فاقتتلوا بحنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
قال ابن شهاب١: حدثني سعيد بن المسيب، أن صفوان قال: والله
стр. 717
لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ١.
١٧٣- وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أعطى النبي ﷺ حكيم بن حزام يوم حنين عطاءً فاستقله فزاده، فقال: يا رسول الله، أَيّ أُعْطِيَتِكَ خير؟ قال: الأولى. قال: فقال له النبي ﷺ : "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، وحسن أكلة، بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف٢ نفس وسوء أكلة، لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال: ومنك يا رسول الله؟ قال: (ومني) قال: فوالذي بعثك بالحق
стр. 718
لا أرزأ١ بعدك أحداً شيئاً أبداً، قال: فلم يقبل ديواناً ولا عطاءً حتى مات، قال: وكان عمر بن الخطاب يقول: اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني أدعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: إني والله لا أرزأك ولا غيرك شيئاً٢.
١٧٤- قال الواقدي: حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، قالا: حدثنا حكيم بن حزام: قال سألت رسول الله ﷺ بحنين مائة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله ﷺ : "يا حكيم بن حزام؛ إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".
قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوه إلى عطائه فيأبى يأخذه، فيقول
стр. 719
عمر: أيها الناس إني أشهدكم على حكيم أني أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه١.
стр. 720
١٧٥- وقال ابن هشام١: حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: بايع رسول الله ﷺ : من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل بن بَعْكَك بن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وخالد بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم٢.
стр. 721
ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم.
- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
- ومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي.
- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ودّ، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
- من بني بكر بن مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
- ومن بني قيس ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر أخو بني الحارث بن بُهْثَة بن سُليم.
- ومن بني غطفان؛ ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة
стр. 722
ابن بدر.
- ومن بني تميم، ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم.
стр. 723
المبحث السابع: في قدوم وفد هوازن على النبي ﷺ مسلمين ورد السبي إليهم
١٧٦- قال البخاري١: حدثنا سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل عن ابن شهاب قال: وزعم عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة٢ أخبراه أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : أحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، قد كنت استأنيت بهم، وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله ﷺ غير رادٍّ إليهم إلا إحدى الطائفتين قالوا: نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن
стр. 724
يطيب بذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفعوا إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا١.
стр. 725
قال عبد الرزاق: قال الزهري فأخبرني سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ سبى١ يومئذ ستة آلاف سبي من امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب.
стр. 726
قال الزهري١: وأخبرني عروة بن الزبير قال: لما رجعت هوازن إلى رسول الله ﷺ قالوا: أنت أبر الناس وأوصلهم، وقد سُبي موالينا ونساؤنا، وأخذت أموالنا، فقال رسول الله ﷺ : إني كنت استأنيت٢ بكم ومعي من ترون، وأحب القول لديّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما المال وإما السبي.
فقالوا: يا رسول الله أما إذا خيرتنا بين المال وبين الحسب، فإنا نختار الحسب، أو قال: ما كنا نعدل بالحسب شيئاً، فاختاروا نساءهم وأبناءهم.
فقام رسول الله ﷺ وخطب في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا مسلمين أو مستسلمين، وإنا قد خيرناهم بين الذراري والأموال، فلم يعدلوا بالأحساب، وإني قد رأيت أن تردوا لهم أبناءهم ونساءهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكتب علينا حصته من ذلك حتى نعطيه من بعض ما يفيئه الله علينا فليفعل"، قال: فقال المسلمون: طيَّبنا ذلك لرسول الله ﷺ .
стр. 727
قال: إني لا أدري من أذن في ذلك ممن لم يأذن، فأمروا عرفاءكم١ فليرفعوا ذلك إلينا، فلما رفعت العرفاء إلى رسول الله ﷺ أن الناس قد أسلموا ذلك، وأذنوا فيه رَدَّ رسول الله ﷺ إلى هوازن نساءهم وأبناءهم، وخيَّر رسول الله ﷺ نساءً كان أعطاهن رجالاً من قريش بين أن يلبثن عندهم وبين أن يرجعن إلى أهلهن، قال الزهري: فبلغني أن امرأة منهم كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، فخيرت فاختارت أن ترجع إلى أهلها وتركت عبد الرحمن، وكان معجباً بها، وأخرى عند صفوان بن أمية فاختارت أهلها.
قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب قال: قسم رسول الله ﷺ ما قسم بين المسلمين ثم اعتمر من الجِعِرانة٢ بعدما قفل من غزوة حنين، ثم انطلق إلى المدينة، ثم أمَّر أبا بكر على تلك الحجة٣.
стр. 728
١٧٧- قال أبو عبيد١: وأما أمر هوازن، فإن عبد الله بن صالح حدثنا عن الليث بن سعد قال: حدثني عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ رد ستة آلاف من سبي هوازن - من النساء والصبيان والرجال - إلى هوازن حين أسلموا وخيّر نساءً كن عند رجال من قريش، منهم عبد الرحمن بن عوف، وصفوان بن أمية، وقد كانا استسرَّا٢ المرأتين اللتين كانت عندهما، فخيرهما رسول الله ﷺ فاختارتا قومهما٣.
стр. 729
المبحث الثامن: في موقف الأنصار من تقسيم الغنائم
١٧٨- قال البخاري١:حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: قال ناس من الأنصار - حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي ﷺ يعطي رجالاً المائة٢ من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فَحُدِّث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة٣ من أدم٤، ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ
стр. 730
فقال: ما حديث بلغني عنكم؟ فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشاً ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال النبي ﷺ : فإني أعطي رجالاً حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير من مما ينقلبون به، قالوا: يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم النبي ﷺ : ستجدون أُثْرَة١ شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قال أنس: فلم يصبروا٢.
стр. 731
١٧٩- قال الطبراني١: حدثنا الحسن بن علي المعمري٢، ثنا أيوب بن محمد الوزان٣، ثنا عبد الله بن سليم٤ عن رِشْدين بن سعد٥، عن يونس بن يزيد٦ وعُقيل٧ عن الزهري، عن السائب بن
стр. 732
يزيد١، أن رسول الله ﷺ قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين من غنائم هوازن، فأفشى القسم في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضب الأنصار، فلما سمع ذلك النبي ﷺ أتاهم في منازلهم ثم قال: "من كان ههنا ليس من الأنصار فليخرج إلى رحله".
ثم تشهد رسول الله ﷺ وحمد الله عزوجل ثم قال: (يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام، لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم، وقد أدخل الله قلوبهم الإسلام) ثم قال: "يا معشر الأنصار ألم يَمُنّ الله عليكم بالإيمان وخصّكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم الشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ ؟ فلما سمعت الأنصار قول النبي ﷺ قالوا: رضينا، فقال النبي ﷺ : "أجيبوني فيما قلت: فقالت الأنصار: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار، فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك، فرضينا بالله رباًّ وبالإسلام ديناً
стр. 733
وبمحمد نبياً، فاصنع يا رسول الله ما شئت في أوسع الحل، فقال النبي ﷺ : "أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم، لو قلتم: ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم"، قالت الأنصار: بل لله ولرسوله المن، والفضل علينا وعلى غيرنا، ثم بكوا فكثر بكاؤهم، فبكى النبي ﷺ معهم ورضي عنهم، فكانوا بالذي قال لهم أشد اغتباطاً١ وأفضل عندهم من كل مال٢.
стр. 734
المبحث التاسع: في جفاء الأعراب وحلم النبي ﷺ .
١٨٠- قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنه بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مَقْفَلهُ من حنين، فعلقت١ الناس يسألونه حتى اضطروه إلى سَمُرة٢، فخطفت رداءه، فوقف النبي ﷺ فقال: أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العضاه٣ نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً٤.
стр. 735
١٨١- وقال البخاري١: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة والضحاك، عن أبي سعيد الخدري قال: بينما النبي ﷺ يقسم ذات يوم٢قسماً، فقال ذو الخويصرة٣- رجل من بني تميم٤: يا رسول الله؛ اعدل. فقال: ويلك، من يعدل إذا لم أعدل؟!
فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: لا، إن له أصحاباً يحقر
стр. 736
أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون١ من الدين كمروق السهم من الرميَّة٢، يُنْظَرُ إلى نصله٣ فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رصافه٤ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نَضِيِّه٥ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قَذَذِه٦ فلا يوجد فيه شيءٌ، سبق الفرث٧ والدم،
стр. 737
يخرجون على حين فرقة من الناس، آيتهم رجل إحدى يديه مثل ثدي المرأة - أو مثل البضعة - تدردر١.
قال أبو سعيد: أشهد لسمعته من رسول الله ﷺ ، وأشهد أني كنت مع علي حين قاتلهم، فالتمس في القتلى فأتي به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
стр. 738
المبحث العاشر: في حصار الطائف
١٨٢- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة (ح) قال: وحدثنا يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: وقاتل يوم حنين وحاصر الطائف٢ في شوال سنة ثمان٣.
стр. 739
_________
العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، ثم أمر الرسول ﷺ عمر أن يؤذن بالرحيل، وقد استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلاً، سبعة من قريش، وأربعة من الأنصار، ورجل من بني ليث".
ملخص ما ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية (ابن هشام ٢/ ٤٨٢، و ٤٨٧) بسند معضل، وقد أخرج أحمد في المسند (٢٠/ ٥٧ رقم [١٢٦٠٨] أرناؤوط) مدة الحصار، وأنها كانت أربعين ليلة، وسنده صحيح.
стр. 740
الفصل الخامس: غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة
...
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة.
١٨٣- قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁: "أن النبي ﷺ خرج يوم الخميس في غزوة تبوك١، وكان يحب أن