← Тараджим

Тараджим · id 27084

طبقات المفسرين للداوودي

الداوودي، شمس الدين

Полный текст (828 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

- أ - مقدّمة النّاشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه المنزل، وشرفنا بنبيه المرسل، نحمده على ما أولانا من منه، وخصنا به من جزيل نعمه. وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة، ومبلغ الحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد: فقد حظيت كتب الطبقات خلال العصور السابقة باهتمام كبير، نظرا لأهمية هذا النوع من الدراسة، والتي تلقي الأضواء على ترجمة مشاهير العلماء والباحثين والأدباء والمفسرين ووضعهم في إطار يتضمن كافة البارعين، والذين يسرّ الله لهم خدمة دينهم، وإنارة الطريق أمام مجتمعهم ... وقد صنفت كتب كثيرة، في تاريخ البلدان، وتراجم من نشأ فيها، واستوطن بها، من الصحابة والتابعين. كما صنفت الأسفار الحاوية على تراجم حفاظ الحديث ورواته، من عدول، وضعفاء، ومدلسين ووضاعين ... ونجد ذلك عند البخاري وغيره ... أما علم التفسير فهو مفتاح الكنوز والذخائر التي احتواها القرآن الكريم، لاصلاح البشر، وإنقاذ الأمم، وإعلاء كلمة الله في الأرض. والمفسرون هم رواد هذا العلم ورجاله الذين يعوّل عليهم في تبيان الحق ونشره بين الناس. فقد كان الاهتمام بتراجم رجاله، وتصنيف طبقاته، مبثوثا في ثنايا كتب الأدب والتاريخ، وكتب الطبقات الأخرى، إلى أن قيض الله لهذا الأمر الحافظ جلال الدين السيوطي- عبد الرحمن بن أبي بكر- الإمام الحافظ، المؤرخ، الأديب، الذي بلغت مصنفاته [٦٠٠] مصنف، توجّها بكتابه

стр. 2

- ب - (طبقات المفسرين) وقد بذل جهده أن يكون جامعا، يحدثنا عن المفسرين، والصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين. كما أورد فيه المفسرين المعتزلة، والشيعة ... ولكن هذا الكتاب لم يكتب له التمام ... حيث بلغ عدد التراجم فيه ١٣٦ ترجمة فقط. وهي لا تفي بحاجة العالم أو الباحث في هذا الموضوع الهام. كما صنف في هذا الموضوع أيضا العلامة أحمد بن محمد الأدنه وي، حيث ذكر في مصنفه تراجم المفسرين وبعض أخبارهم، وأسماء مؤلفاتهم- ورتبهم طبقات- كل طبقة مائة سنة، بادئا بأصحاب الرسول ﷺ إلى من كانت وفاتهم بعد المائة العاشرة ... وتوجد منه نسخة في دار الكتب المصرية في ٦٣ ورقة برقم/ ١٨٥٩/. غير أن هذا المؤلف غير كاف أيضا ولا يفي بحاجة الباحث. وأخيرا جاء العلامة الداوديّ وهو محمد بن أحمد،- شمس الدين- الداوديّ المالكي، شيخ أهل الحديث في عصره- مصري- من تلاميذ جلال الدين السيوطي. توفي بالقاهرة سنة (٩٤٥ هـ- ١٥٣٨ م) وله كتب كثيرة منها: ذيل طبقات الشافعية للسبكي. ترجمة الحافظ السيوطي- في مجلد ضخم. الاتحاف بتمييز ما اتبع فيه البيضاوي صاحب الكشاف. وبين أيدينا الآن كتابه النفيس: - طبقات المفسرين- جمع فيه بإسهاب تراجم أعلام المفسرين حتى أوائل القرن العاشر للهجرة، من كافة المصادر والمراجع التي توفرت لديه، ورتب كتابه هذا على حروف المعجم. وقد اعتمد المؤلف في هذا الكتاب على مصادر كثيرة منها: «الطبقات الكبرى» لابن السبكي. و «طبقات المالكية» لابن فرحون.

стр. 3

و «طبقات الحنفية» للقرشي. و «طبقات ابن قاضي شهبة». و «طبقات الحنابلة» لأبي يعلى، ولابن رجب. و «طبقات القراء للذهبي» و «الصلة» لابن بشكوال. و «طبقات الحفاظ» للذهبي. و «طبقات الحفاظ» للإمام جلال الدين السيوطي و «معجم» الشيخ برهان الدين البقاعي ... وغيرها من كتب التراجم والطبقات. هذا وتوجد نسخة مخطوطة- بخط المؤلف- سنة ٩٤١ هـ وتحوي على [١٩٣] ورقة فيها من: «عمر» إلى آخر الكتاب، موجودة في مكتبة أسعد أفندي، ومحفوظة في معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية برقم [٣٢٥]. وطبقات المفسرين هذا منقول بالنص عن الكتب التي ورد ذكرها آنفا، والتي استعان بها المؤلف في تصنيف الكتاب. ولقد بذلنا جهدنا في تقديم هذا المصنف بشكل ييسر للقاري الكريم دراسته والانتفاع منه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين الناشر

стр. 4

طبقات المفسّرين تصنيف الحافظ شمس الدّين محمّد بن علي بن أحمد الدّاودي المتوفي سنة ٩٤٥ هـ راجع النسخة وضبط أعلامها لجنة من العلماء بإشراف الناشر الجزء الأوّل دار الكتب العلمية بيروت- لبنان

стр. 5

بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي حرف الألف من اسمه أبان ١ - أبان بن تغلب (١): بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام من أهل الكوفة، سمع فضيل ابن عمرو الفقيميّ، والأعمش، والحكم بن عتيبة. روى عنه: شعبة، وإدريس الأودي، وسفيان بن عيينة، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وفيه تشيع مع ثقة. صنف كتاب «معاني القرآن» لطيف، «القراءات» روى له: مسلم والأربعة. من اسمه إبراهيم ٢ - إبراهيم بن أحمد بن علي بن أسلم أبو إسحاق الجبنيانيّ البكري المالكيّ (٢).

стр. 6

من بكر بن وائل، أحد أئمة المسلمين، وأبدال أولياء الله تعالى الصالحين وقد جمع الفقيه أبو القاسم اللّبيديّ (١)، وأبو بكر المالكيّ من أخباره وسيره كثيرا، وكان سلفه من أهل الخطط بالقيروان، وكان من أعلم الناس باختلاف العلماء، عالما بعبارة الرؤيا، ويعرف حظا من اللغة والعربية، حسن القراءة للقرآن يحسن تفسيره، وإعرابه، وناسخه ومنسوخه، لم يترك حظه من دراسة العلم بالليل إلا عند ضعفه قبل موته بقليل، وكان لا يفتي إلا أن يسمع أحدا يتكلم بما لا يجوز فيرد عليه، أو يرى من يخطئ في صلاته، فيرد عليه، وكان أبو الحسن القابسي (٢) يقول: الجبنيانيّ إمام يقتدى به، وكان أبو محمد بن أبي زيد يعظم شأنه ويقول: طريق أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، وكان أبو إسحاق قلما (٣) يتغير على أحد فيفلح، وكان إذا رئي ذكر الله تعالى من هيبته. قد جف جلده على عظمه، واسود لونه، كثير الصمت، قليل الكلام، فإذا تكلم نطق بالحكمة وكان قلما يترك ثلاث كلمات جامعة للخير، وهي: اتّبع ولا تبتدع، اتضع لا ترتفع، من ورع لم يقع، وكان له من الولد سبعة كلهم خير. توفي ﵀ سنة تسع وستين وثلاثمائة (٤)، وسنه تسعون سنة، وما وجد له من الدنيا قليل ولا كثير غير أمداد شعير في قلة مكسورة.

стр. 7

٣ - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد أبو طاهر السّلماسي الواعظ (١). كان علامة في علم الأدب، والتفسير، والحديث، ومعرفة الأسانيد والمتون وأوحد عصره في علم الوعظ والتذكير، أدرك جماعة من الأئمة، وكان من الورع والصدق بمكان. روى عن أبي القاسم بن عليّك النّيسابوريّ، وعنه هبة الله بن السّقطيّ. ولد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة. ومات بخويّ (٢) سنة ست وتسعين وأربعمائة، وسلماس بفتحات، مدينة بأذربيجان. ٤ - إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي بن محمد عبد الكريم الرّقيّ، الحنبلي الزاهد العالم، القدوة الربانيّ أبو إسحاق (٣). ولد سنة سبع وأربعين وستمائة- تقريبا- بالرّقة وقرأ ببغداد بالروايات العشر على يوسف بن جامع القفصي (٤) وسمع بها الحديث بعد الستين من الشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش، وصحبه. قال الشيخ الذهبي: وعني بتفسير القرآن، وبالفقه، وتقدم في علم الطب وشارك في علوم الإسلام، وبلغ في التذكير، وله المواعظ المحركة إلى الله، والنظم العذب، والعناية بالآثار النبوية، والتصانيف النافعة، وحسن التربية مع الزهد والقناعة باليسير في المطعم والملبس. وقال أيضا: كان إماما زاهدا، عارفا قدوة أهل زمانه.

стр. 8

له التصانيف الكثيرة في الوعظ والطريق إلى الله تعالى، والآثار والخطب. وله النظم الرائق، يستحق أن تطوى إلى لقيه مراحل. وكان كلمة إجماع. وربما حضر السماع وتواجد، وله اعتقاد في سليمان الكلاب- يعني رجلا كان يخالط الكلاب، ولا يصلي- وله يد طولى في علوم كثيرة، ولقد كتب شيخنا كمال الدين- يعني ابن الزملكاني- في شأنه وبالغ، وأحسن ترجمته. وقال البرزالي: كان رجلا صالحا، عالما، كثير الخير، قاصدا للنفع، كبير القدر، زاهدا في الدنيا، صابرا على مرّ العيش، عظيم السكون، ملازما للخشوع والانقطاع، قائما بعياله، وكان عارفا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وغير ذلك. ورزقه الله حسن العبارة، وسرعة الجواب. وله خطب حسنة، وأشعار في الزهد، ومواعظ ومجموعات. قال الحافظ زين الدين بن رجب في طبقات الحنابلة: صنف كثيرا في الرقائق والمواعظ. واختصر جملة من كتب الزهد، وصنف «تفسيرا للقرآن»، ولا أعلم هل أكمله أم لا. وسمع منه البرزاليّ، والذهبي، وغيرهما. وكان يسكن بأهله في أسفل المأذنة الشرقية بالجامع. وهناك: توفي ليلة الجمعة خامس عشر محرم سنة ثلاث وسبعمائة. وصلي عليه عقب الجمعة بالجامع، وحمل على الأعناق والرءوس إلى سفح قاسيون، فدفن بتربة الشيخ [أبي (١)] عمر. وتأسف المسلمون عليه رحمه الله تعالى.

стр. 9

٥ - إبراهيم بن إسحاق الحربيّ (١). إمام فاضل، له تصانيف كثيرة، منها «غريب الحديث» و «ناسخ القرآن ومنسوخه»، وغيرهما. ولد سنة ثمان وتسعين ومائة، وتوفي في ذي الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين (٢). ٦ - إبراهيم بن إسحاق أبي زرد، أبو إسحاق الطّليطلي (٣). كان فاضلا خيرا عابدا حافظا للتفسير، رحل إلى المشرق وسمع بها. وشهد جنازة النّسائيّ العابد بالقيروان، وحدث. توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. ٧ - إبراهيم بن إسحاق النّيسابوريّ الأنماطيّ الحافظ (٤). مصنّف «التفسير الكبير»، من كبار الرحالة، سمع إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة، وعبد الله بن الرّمّاح، ومحمد بن حميد الرازي ولوينا، وهارون الحمّال، وطبقتهم.

стр. 10

حدث عنه ابن الشّرقيّ (١)، وأبو عبد الله بن الأخرم، ويحيى بن محمد العنبري وآخرون، توفي سنة ثلاث وثلاثمائة. ٨ - إبراهيم بن حسين بن خالد أبو إسحاق القرطبي (٢). وهو ابن عم عبد الله بن مرتيل يكنى أبا إسحاق، كان خيرا فقيها عالما بالتفسير، رحل إلى المشرق، ولقي علي بن معبد، وعبد الملك بن هشام صاحب الشواهد، ومطرف بن عبد الله، صاحب مالك بن أنس، ولقي سحنونا وروى عنه، وألف «تفسيرا للقرآن» وولي الشرطة للأمير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس، وكان فهما ذكيّا بصيرا بطريق الحجة، كان يناظر يحيى بن مزين ويحيى بن يحيى، وكان صلبا في حكمه عدلا، ناظر سحنونا في الشاة إذا بقر السبع بطنها أنها تذكى وتؤكل وإن لم ترج لها حياة، وحاجّه في ذلك فظهر عليه، وأعجب ابن لبابة ذلك، وحكى أنه مذهب إسماعيل القاضي، واجتمع مرة في جنازة هو ويحيى فسأل يحيى عن النكاح بالأجرة، فقال: لا يجوز فقال له إبراهيم: فقد «جاء» (٣) في القرآن عن نبيين كريمين موسى وشعيب، إجازة ذلك. فقال يحيى قال الله تعالى: (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا (٤)) فقال إبراهيم: هذا إذا شرع لنا في

стр. 11

القرآن شرع آخر، وأما ما ذكر في القرآن ولم يشرع لنا خلافة، فقد أمر نبينا ﷺ أن نقتدي بهدي من ذكر من الأنبياء، فكيف وقد وجاء عن نبينا ﷺ موافقة موسى وشعيب، فسكت يحيى ولزمته الحجة. وحكى إبراهيم عن مطرف بن عبد الله ليس في الكرسفّة زكاة، وكان يذهب إلى النظر وترك التقليد. توفي في شهر رمضان سنة تسع وأربعين ومائتين. ٩ - إبراهيم بن خالد أبو ثور ................ ............ (١) له «كتاب أحكام القرآن» ................ ................ .... (٢) ١٠ - إبراهيم بن السّريّ بن سهل أبو إسحاق الزّجاج (٣). قال الخطيب: كان من أهل الفضل والدّين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب. كان يخرط الزّجاج، ثم مال إلى النّحو، فلزم المبرّد، وكان يعلّم بالأجرة، قال: فقال ما صنعتك؟ قلت: أخرط الزّجاج، وكسبي كلّ يوم درهم [ونصف، وأريد أن تبالغ في تعليمي، وأنا أعطيك كل يوم

стр. 12

درهما (١)] وأشرط لك أن أعطيك إياه أبدا حتى يفرق الموت بيننا. قال: فلزمته، وكنت أخدمه في أموره مع ذلك، فنصحني في العلم؛ حتى استقللت، فجاءه كتاب بعض بني مارقة (٢)، يلتمسون معلّما نحويا لأولادهم. فقلت له: أسمني لهم، فأسماني، فخرجت فكنت أعلّمهم وأنفذ إليه في كل شهر ثلاثين درهما، وأنفّله ما أقدر عليه فطلب منه عبيد الله بن سليمان مؤدّبا لابنه القاسم، فقال له: لا أعرف لك إلا رجلا زجّاجا عند بني فلان، فكتب إليهم عبيد الله، فاستنزلهم عنّي وأحضرت، وأسلم القاسم إليّ، وكنت أعطى المبرّد [الدرهم] (٣) كل يوم إلى أن مات، ولا أخليه من التفقّد، وكنت أقول للقاسم: إن بلغت مبلغ أبيك ووليت الوزارة ما تصنع بي؟ فيقول لي: ما أحببت، فأقول له: تعطيني عشرين ألف دينار- وكانت غاية أمنيتي- فما مضت إلا سنون حتى ولي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وصرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثم هبته، فلما كان في اليوم الثالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحاق لم أرك أذكرتني بالنّذر! فقلت: عولت على رعاية الوزير أيّده الله، وأنه لا يحتاج إلى إذكار بنذر عليه في أمر خادم واجب الحق، فقال لي: إنه المعتضد ولولاه ما تعاظمني دفع ذلك إليك دفعة، ولكني أخاف أن يصير لي معه حديث؛ فاسمح بأخذه متفرّقا. فقلت: أفعل. فقال: اجلس للناس وخذ رقاعهم في الحوائج الكبار، واستجعل (٤) عليها، ولا تمتنع من مسألتي في شيء إلى أن يحصل لك القدر. قال: ففعلت ذلك، وكنت أعرض عليه كلّ يوم رقاعا فيوقّع لي فيها، وربما قال لي: كم ضمن لك على هذا؟ فأقول: كذا وكذا،

стр. 13

فيقول لي: غبنت، هذا يساوي كذا وكذا، ارجع فاستردّ، فأراجع القوم وأماكسهم فيزيدونني، حتى أبلغ الحد الذي رسمه، فحصلت عشرين ألف دينار وأكثر في مديدة، فقال لي بعد شهور: حصل مال النذر؟ فقلت: لا، وجعل يسألني في كل شهر: هل حصل؟ فأقول [لا] (١) خوفا من انقطاع الكسب، إلى أن سألني يوما فاستحييت من الكذب المتصل، فقلت: قد حصل ببركة الوزير فقال: فرّجت والله عني فقد كنت مشغول القلب؛ ثم وقّع لي بثلاثة آلاف دينار صلة، فأخذتها، فلما كان من الغد جئته، ولم أعرض عليه شيئا، فقال: هات ما معك، فقلت: ما أخذت من أحد رقعة، لأن النذر وقع الوفاء به، ولم أدر كيف أقع [من] (٢) الوزير، فقال: سبحان الله! أتراني أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة، وعرفك به الناس، وصال لك به عندهم علم وجاه، ولا يعلم سبب انقطاعه، فيظنوا أن ذلك لضعف جاهك عندي، أعرض علي وخذ بلا حساب. فقبلت يده، وكنت أعرض عليه الرقاع إلى أن مات. وكان بين الزجاج ورجل من أهل العلم يسمى مسيند (٣) شر، فاتصل حتى خرج الزجاج إلى حد الشتم؛ فكتب إليه مسيند: أبى الزّجّاج إلا شتم عرضي ... لينفعه، فآثمه وضرّه وأقسم صادقا. ما كان حرّ ... ليطلق لفظه في شتم حره ولو أني كررت لفرّ مني ... ولكن للمنون على كرّه فأصبح قد وقاه الله شري ... ليوم لا وقاه الله شرّه فلما اتصل الشعر بالزجاج قصده راجلا، واعتذر إليه، وسأله الصفح.

стр. 14

أخذ الزجاج عن المبرد كما تقدم، وعن ثعلب أيضا، وعنه علي بن عبد الله ابن المغيرة الجوهري وغيره. وله من التصانيف: «معاني القرآن»، «الاشتقاق»، «خلق الإنسان» «فعلت وأفعلت»، «مختصر النحو»، «خلق الفرس»، «شرح أبيات سيبويه» «العروض»، «النوادر»، «تفسير جامع النطق»، «الفرق»، «ما ينصرف وما لا ينصرف»، وغير ذلك، مات ببغداد في جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وسئل عن سنه عند الوفاة فعقد سبعين. وآخر ما سمع منه: اللهم احشرني على مذهب أحمد بن حنبل. ١١ - إبراهيم بن طهمان الهرويّ أبو سعيد (١). سكن بنيسابور، ثم سكن مكة، سمع محمد بن زياد، ويونس بن عبيد، وأبا ضمرة، وحسينا المعلم، وحجاج بن حجاج، وأبا الحصين، وأبا الزبير، وسماكا. روي عنه أبو عامر العقديّ، ومعن، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن عبد الله ويحيى بن الضريس، ويحيى بن سابق، ويحيى بن أبي بكير (٢). ثقة، يغرب، وتكلّم فيه للإرجاء، ويقال: رجع عنه، مات سنة بضع وستين ومائة، أخرج له الأئمة الستة.

стр. 15

صنف: «التفسير» و «السنن» و «المناقب»، و «العيدين». ١٢ - إبراهيم بن عبد الله بن علي بن يحيى بن خلف المقرئ النحوي برهان الدين الحكري (١). كان إماما في القراءات، نحويا مفسرا، يضرب به المثل في حسن التلاوة أخذ العربية عن البهاء بن النحّاس، وتلا على التقي الصائغ، وابن الكفتي ولازم درس أبي حيان، وأخذ عنه الناس. وكان حسن التعليم، وسمع الحديث من الدمياطي، والأبرقوهي. مولده سنة نيف وسبعين وستمائة، ومات في الطاعون العام في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة. ١٣ - إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن باغر (٢) بن كش الكجي الكشي (٣). بنى دارا بالبصرة بالكجة (٤) فقيل له: الكجي، لإكثاره ذكره والكشّي [نسبة] (٥) إلى جده كش المذكور له «ناسخ» القرآن ومنسوخه». ١٤ - إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة (٦) بن حازم بن صخر الكتاني الحموي الأصل ثم المقدسي، قاضي

стр. 16

القضاة، خطيب الخطباء، شيخ الشيوخ، كبير طائفة الفقهاء الشافعية، وبقية رؤساء الزمان برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الخطيب زين الدين أبي محمد [بن (١)] قاضي القضاة [أبي (٢)] عبد الله [بن (٣)] الشيخ القدوة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم [بن سعد الله (٤)] بن جماعة المصري المولد، الدمشقي الوفاة، قاضي قضاة مصر والشام. ولد في منتصف ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وقدم دمشق صغيرا فنشأ عند أقاربه بالمزة وحضر على جده، وسمع على أبيه وعمه، وطلب الحديث بنفسه في حدود الأربعين، وسمع من شيوخ مصر كيحيى المصري، ويوسف الدلاصي «الشّفاء» (٥) وغيره، وأبي نعيم الأسعردي، والميدومي، وطبقتهم ورحل إلى دمشق، وسمع من زينب بنت الكمال، ولازم المزّي والذهبي فأكثر عنهما، وولى خطابة القدس عن والده. ثم أضيف إليه تدريس الصلاحية بعد وفاة الحافظ صلاح الدين العلائي، وولي نظر القدس والخليل، ثم استدعي لقضاء الديار المصرية فوليه بعفة ونزاهة وحرمة، ذكره الذهبي في المعجم المختصّ وقال فيه: الإمام الفقيه المحدث المفيد. أحد من طلب وعني بتحصيل الأجزاء، وقرأ وتميّز وهو في ازدياد من الفضائل، ولي خطابة القدس بعد والده، وسمع من جده، ويحيى المصري، وعلي بن عمر الواني، وبدمشق من ابن تمام، والمزي وقرأ عليه كثيرا، وسمع من المجد بن فضل الله، وأجاز له أبو العباس الحجّار وجماعة. وقال في الدرر الكامنة: كان محببا إلى الناس، وإليه انتهت رئاسة العلماء في زمانه ولم يكن أحد يدانيه في سعة الصدر وكثرة البذل وقيام

стр. 17

الحرمة والصدع بالحق وقمع الفساد مع المشاركة الجيدة في العلوم واقتنى من الكتب النفيسة بخطوط مصنفيها وغيرهم ما لم يتهيأ لغيره (١). وقال ابن قاضي شهبة: وقفت له على مجاميع وفوائد، وجمع تفسيرا في عشر مجلدات بخطه. وفيه غرائب وفوائد. توفي ليلة الجمعة ثامن عشر شعبان سنة تسعين وسبعمائة ببستانه بالمزة ودفن بتربة أقاربه بني الرحبي عن خمس وستين سنة وأربعة أشهر ويومين (٢). قال في الإنباء: وكان قوالا بالحق، معظما لحرمات الشرع، محبّا في السنة وأهلها، لم يأت بعده له نظير ولا قريب من طريقته. وخلف من الكتب النفيسة ما يعز اجتماع مثله لغيره، لأنه كان مغرما بها، وكان يشتري النسخة من الكتاب التي إليها المنتهى في الحسن، ثم يقع له ذلك الكتاب بخط مصنفه فيشتريه ولا يترك الأول، إلى أن اقتنى بخطوط المصنفين ما لا يعبر عنه كثرة، ثم صار أكثرها لجمال الدين محمود الأستادار بمدرسته (٣) بالموازنيين، وانتفع بها الطلبة إلى هذا الوقت (٤). ١٥ - إبراهيم بن علي بن الحسين الإمام أبو إسحاق الشّيبانيّ الطبريّ الشافعي (٥).

стр. 18

إمام في المذهب، والفرائض، والتفسير، له تصانيف مفيدة، ولي قضاء مكة، وحدث عن أبي علي الحدّاد، روى عنه الصائن بن عساكر. مات في رجب سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وله إحدى وأربعون سنة. ١٦ - إبراهيم بن علي بن عمر برهان الدين بن الفهّاد القوصي الشافعي (١). كان فقيها نحويا، يعرف الحديث والتفسير والأصول، ولي قضاء دمامين فسار في الأحكام أحسن سيرة، وسلك فيها ما يرضي عالم العلانية والسريرة، وكان قليل الرزق لا يجد في كثير من الأوقات القوت، ويقنع في ملبسه بما يجد من غير تكلف مع ملازمة التقوى والورع الشديد والانجماع عن الناس وقلة الكلام والقوة في ذات الله، وقدم القاهرة ومات بقوص في تاسع عشر شوال سنة خمس عشرة وسبعمائة. ١٧ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عليب أبو إسحاق الطائي (٢). من أهل قيجاطة من الأندلس، رحل فحج صغيرا وعاد، صحب الشيخ أبا إسحاق بن الحاج ولازمه، فظهرت بركته عليه، وسمع الحديث من جماعة من أهل الأندلس، وعرف القراءات، وأقرأ ببلده جماعة، وكان عارفا بها وبالعربية صالحا عالما له دراية. ألّف «أربعين حديثا» و «كتابا في الأدعية» و «اختصر تفسير أبي محمد بن عطية» وكان جليلا في دينه وحاله. توفي عن نحو خمس وأربعين سنة في عشرين وستمائة.

стр. 19

١٨ - إبراهيم بن فائد بن موسى بن عمر بن سعيد بن علّال بن سعيد النبروني الزواوي النجار القسنطيني الدار المالكي (١). ولد في سنة ست وتسعين وسبعمائة في جبل جرجرا، ثم انتقل إلى بجاية فقرأ بها القرآن- ظنا- واشتغل بها في الفقه على أبي الحسن علي بن عثمان، ثم رحل إلى تونس فأخذ الفقه أيضا وكذا التفسير عن القاضي أبي عبد الله القلشانيّ والفقه وحده عن يعقوب الزعبي، والأصول عن عبد الواحد الفرّياني (٢) ثم رجع إلى جبال بجاية، فأخذ العربية عن الأستاذ عبد العال ابن فراج، ثم انتقل إلى قسنطينة فقطنها وأخذ بها الأصلين والمنطق عن حافظ المذهب أبي زيد عبد الرحمن الملقب بالباز. والمعاني والبيان عن [أبي] (٣) عبد الله اللبسّيّ (٤) الحكمي الأندلسي ورد عليهم حاجا، والأصلين والمنطق والمعاني والبيان مع الفقه وغالب العلوم المتداولة، عن أبي عبد الله بن مرزوق عالم المغرب، قدم عليهم قسنطينة ولم ينفك عن الاشتغال والأشغال حتى برع في هذه الفنون لا سيما الفقه وعمل «تفسيرا» و «شرح ألفية ابن مالك» في مجلد، و «تلخيص المفتاح» في مجلد أيضا وسماه «تلخيص التلخيص» و «مختصر الشيخ خليل» في ثلاث مجلدات، سماه «تسهيل السبيل في مختصر الشيخ خليل» وكذا في آخر إن كمل كان في مجلدين، سماه «فيض النيل» وحج مرارا، وتلا لنافع، على: الزين بن عياش، بل حضر مجلس ابن الجزري في سنة ثمان وعشرين، وممن أخذ عنه الشهاب بن يونس، وكان عليه سمت الزهاد وسكونهم. مات في سنة سبع وخمسين وثمانمائة.

стр. 20

١٩ - إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن علي بن مسعود بن رضوان المري [بالمهملة] (١) القدسي الشافعي قاضي القضاة برهان الدين بن أبي شريف (٢). ولد في ليلة الثلاثاء ثامن عشر ذي القعدة سنة ست وثلاثين وثمانمائة ببيت المقدس، فحفظ القرآن المجيد وهو ابن سبع، وتلاه تجويدا لابن كثير، وأبي عمرو، على الشيخ شمس الدين بن عمران، ودأب في العلم، فأخذ عن الأشياخ كالجلال المحليّ والعلم البلقينيّ، والزين الأبوتيجيّ، والأمين الأقصرائيّ (٣) والسعد الدّيريّ، والشهاب الإبشيطيّ (٤)، وأخيه الكمال، ومعظم انتفاعه به. وسمع الحديث على التقي القلقشنديّ، والزين ماهر، وغيرهما. وأجاز له باستدعاء أخيه جماعة، منهم الحافظ ابن حجر، وبرع في الفنون، وتصدى للإقراء والإفتاء، وشرح «الحاوي» مزجا في مجلدين، وكذا «المنهاج الفقهي» و «قواعد ابن هشام» و «عقائد ابن دقيق العيد» و «التحفة القدسية في الفرائض» نظم ابن الهائم، و «قطعة من البهجة» و «ونظم

стр. 21

رواية أبي عمرو» في نحو خمسمائة بيت، «والنخبة» للحافظ ابن حجر، وهما [على] (١) روي الشاطبية وبحرها ونظم «لقطة العجلان» للزركشي، و «الجمل في المنطق» و «منطق التهذيب» للتفتازاني، و «الورقات» لإمام الحرمين، و «شذور الذهب» و «عقائد النسفي» وله «حواش على شرح العقائد» للتفتازاني، وله «تفسير سورة الكوثر» وسورة الإخلاص، والكلام على البسملة، وعلى خواتيم سورة البقرة، وعلى قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (٢) ٢٢٢ إلى قوله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣) وشرع في نظم «جامع المختصرات في الفقه» وكذا في «مختصر في الفقه» و «اختصر رسالة القشيري» وقطن القاهرة، واختص بالشرف المناوي، وحضر درسه وصاهره على ابنته، ودرس بالجامع الأزهر وغيره في فنون، واستقر في تدريس التفسير بالجامع الطولوني، وفي الفقه والميعاد والخطابة بالحجازية (٤) ٤٤٤، وعرف بالملاءة مع الفضل والبراعة والعقل والدين والسكون. ومات منفصلا عن القضاء في يوم الجمعة ليومين بقيا من محرم سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ودفن بالقرب من ضريح الإمام الشافعي ﵁. ومن شعره:

стр. 22

تحكم في قلبي هواكم أحبتي ... فأنحل جسمي بل أذاب فؤادي (١) عصيت عذولي في المحبة فيكم ... وقلت هم عيشي وكل مرادي سكنتم سويدا القلب يا خير سادة ... ومن مقلتي أيضا سواد سوادي جرى عن دم دمعي فأشبه عند ما ... لطول صدود منكم وبعاد فبالله منّوا أوعدوني بوصلكم ... فإني المحبّ المستمرّ ودادي ٢٠ - إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي (٢). يروي عن إسماعيل بن أبان وغيره. قال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: كان غاليا في الرفض، ترك حديثه، وذكره الطوسي في رجال الشيعة، وقال: كان أولا زيديا ثم صار إماميا. قال: وكان سبب خروجه من الكوفة إلى أصبهان أنه صنف «كتاب المناقب والمثالب»، فأشار عليه بعض أهل الكوفة أن يظهره ولا يخفيه، فقال أي البلاد تبعد عن التشيع؟ فقالوا له أصبهان، فحلف أن لا يخرجه ويحدث به إلا بأصبهان، ثقة منه بصحة ما أخرج فيه، فتحول إلى أصبهان، وحدث به فيها. قال: ومات بأصبهان سنة نيف وثمانين ومائتين. حدث عن أبي نعيم، وعباد بن يعقوب، والعباس بن بكار وهذه الطبقة. ومن تآليفه: «المغازي»، «السقيفة»، «الرّدة»، «الشورى» «مقتل عثمان» صغير «والحكمين (٣)»، «النهروان»، «مقتل علي» «مقتل الحسين»، كتاب «التّوّابين» «أخبار المختار»، «السرائر»، «المعرفة»، «الجامع الكبير في الفقه»، «فضل الكوفة ومن نزلها من الصحابة»

стр. 23

«الدلائل»، «من قتل من آل محمد ﷺ »، «كتاب التفسير» وغير ذلك. روى عنه أحمد بن علي الأصبهاني، والحسين بن علي بن محمد الزعفراني، ومحمد بن يزيد الرطال، وآخرون، وكان أخوه قد هجره وباينه بسبب الرفض، قال الحافظ ابن حجر في اللسان: وأرّخ الطوسي وفاته سنة ثلاث [وثمانين ومائتين (١)]. ٢١ - إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة العتكيّ الأزديّ الواسطيّ (٢). أبو عبد الله الملقب نفطويه. لشبهه بالنفط لدمامته وأدمته، وجعل على مثال سيبويه لانتسابه في النحو إليه، قال ياقوت: وقد جعله ابن بسام بضم الطاء وتسكين الواو وفتح الباء فقال: رأيت في النّوم أبي آدما ... صلى عليه الله ذو الفضل (٣) فقال أبلغ ولدي كلّهم ... من كان في حزن وفي سهل بأنّ حوّا أمّهم طالق ... إن كان نفطويه من نسلي قال شيخنا الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي ﵀ في طبقات النحاة: هذا اصطلاح لأهل الحديث في كل اسم بهذه الصيغة، وإنما عدلوا إلى ذلك لحديث ورد أنّ «ويه» اسم شيطان، فعدلوا عنه كراهة له. قال ياقوت: كان نفطويه عالما بالعربية، واللغة والحديث؛ أخذ عن

стр. 24

ثعلب والمبرّد، وكان طاهر الأخلاق، حسن المجالسة، صادقا فيما يرويه حافظا للقرآن، فقيها على مذهب داود الظاهري رأسا فيه؛ مسندا في الحديث حافظا للسّير وأيام الناس والتواريخ والوفيات، ذا مروءة وظرف جلس للإقراء أكثر من خمسين سنة، وكان يبتدئ في مجلسه بالقرآن على رواية عاصم، ثم يقرئ الكتب، وكان يقول: سائر العلوم إذا متّ، هنا من يقوم بها، وأمّا الشعر، فإذا متّ مات على الحقيقة، وقال: من أغرب عليّ ببيت لجرير لا أعرفه فأنا عبده. قال الزّبيديّ: وكان غير مكترث بإصلاح نفسه يفرط به الصّنان (١) فلا يغيّره، حضر مجلس وزير المقتدر فتأذّى هو وجلساؤه بكثرة صنانه؛ فقال يا غلام، أحضر لنا مرتكا (٢) فجاء به فبدأ الوزير بنفسه فتمرتك، وأداره على جلسائه؛ وفطنوا لما أراد بنفطويه؛ فقال نفطويه: لا حاجة لي به فراجعه فأبى، فاحتدّ الوزير، وقال يا عاضّ بظر أمّه إنما تمرتكنا كلّنا لأجلك؛ قم لا أقام الله لك وزنا! أبعدوه عني إلى حيث لا أتأذّى به. وكان بينه وبين محمد بن داود الظاهري مودة أكيدة. فلما مات ابن داود حزن عليه، وانقطع لا يظهر للناس، ثم ظهر، فقيل له في ذلك؛ فقال؛ إن ابن داود قال لي يوما: أقل ما يجب على الصديق أن يحزن على صديقه سنة كاملة عملا بقول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (٣) فحزنّا عليه كما شرط.

стр. 25

وكان بينه وبين [ابن (١)] دريد منافرة، وهو القائل فيه: ابن دريد بقره وقال فيه ابن دريد: لو أنزل النحو على نفطويه ... لكان ذاك الوحي سخطا عليه (٢) وشاعر يدعى بنصف اسمه ... مستأهل للصّفع في أخدعيه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصيّر الباقي صراخا عليه صنف: «إعراب القرآن» و «غريب القرآن»، «الرد على من قال بخلق القرآن» «الاستثناء والشروط في القراءات»، «الاقتصارات»، «التاريخ»، «المقنع في النحو»، «أمثال القرآن»، «المصادر»، «القوافي»، «الشهادات»، «الرد على المفضّل في نقضه على الخليل»، «كتاب في أن العرب تتكلم طبعا لا تعلما» وغير ذلك. مات يوم الأربعاء ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. وذكره الدّاني في طبقات القراء وقال: أخذ القراءة عرضا عن أبي عون محمد بن عمرو بن عون الواسطيّ، وشعيب بن أيوب الصّريفينيّ (٣) وعنه محمد بن أحمد الشّنبوذيّ، وذكر وفاته كما تقدم، وقال: في خامس صفر، وقيل مات سنة أربع وعشرين.

стр. 26

ومن شعره: تشكو الفراق وأنت تزمع رحلة ... هلا أقمت ولو على جمر الغضى (١) فالآن عد للصبر أو مت حسرة ... فعسى يرد لك النّوى ما قد مضى ٢٢ - إبراهيم بن معقل بن الحاج الحافظ العلامة أبو إسحاق النسفي (٢). قاضي نسف، وعالمها ومصنف «المسند الكبير» و «التفسير» وغير ذلك سمع قتيبة بن سعد، وجبارة بن المغلّس، وهشام بن عمّار، وطبقتهم. وحدث بصحيح البخاري عنه، وكان فقيها حافظا بصيرا باختلاف العلماء روى عنه ابنه سعيد، ومحمد بن زكريا، وعبد المؤمن بن خلف النسفيون. مات في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ومائتين. قاتل الخليلي: هو حافظ ثقة. ٢٣ - إبراهيم بن موسى بن بلال بن عمر بن مسعود بن دمج (٣) بتحريك الدال المهملة [والميم] (٤) وآخره جيم الشيخ برهان الدين الكركي الشافعي (٥). ولد بالكرك سنة ست وسبعين وسبعمائة، وتلا بالسبع على التقي العسقلانيّ إمام جامع ابن طولون، والبرهان الشّاميّ، وغيرهما، وأجاز له الحافظ زين الدين العراقيّ، وسمع البخاري على البرهان ابن صديق،

стр. 27

وحضر دروس السراج البلقينيّ، واشتغل في الفقه والنحو وغيرهما من الفنون على الطنبذيّ البدر، والولي العراقيّ، والبرهان البيجوريّ (١)، والشمس البرماويّ (٢) وابن الهائم. أثنى عليه البقاعي في معجمه فقال: كان إماما عالما بارعا مفتنّا متضلعا من العلم، كان الشيخ تاج الدين الغرابيلي يقول: ما وعيت الدنيا إلا والشيخ برهان الدين يشار إليه في العلوم. وصنف كتبا منها «الإسعاف في معرفة القطع والاستئناف» و «لحظة الطرف في معرفة الوقف» و «نكت على الشاطية» و «الآلة في معرفة الوقف والإمالة» و «حل الرمز في وقف حمزة وهشام على الهمز» و «درة القارئ المجيد في أحكام القراءة والتجويد» و «شرح ألفية ابن مالك» و «إعراب المفصّل من الحجرات إلى آخر القرآن» و «مرقاة اللبيب إلى علم الأعاريب» و «نثر الألفية» و «شرح فصول ابن معطي» و «مختصر الورقات» و «حاشية على تفسير القاضي علاء الدين التركماني» و «توضيح على مولدات ابن الحدّاد» و «مختصر الروضة»، و «شرح تنقيح اللباب»، وغير ذلك. مات في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ٢٤ - إبراهيم بن يحيى بن المبارك اليزيديّ أبو إسحاق بن أبي محمد النحويّ بن النحويّ (٣).

стр. 28

قال ابن عساكر: كان عالما بالأدب شاعرا مجيدا، نادم الخلفاء، وقدم إلى دمشق في صحبة المأمون. وكان [قد] (١) سمع أباه، وأبا زيد، والأصمعيّ، روى عنه أخوه إسماعيل وابنا أخيه [أحمد] (٢) وعبيد الله ابنا محمد. وقال الخطيب: بصريّ سكن بغداد، وكان ذا قدر وفضل وحظّ وافر من الأدب. وصنّف: «ما اتفق لفظه واختلف معناه»؛ ابتدأ فيه وهو ابن سبع عشرة سنة، ولم يزل يعمل فيه إلى أن أتت عليه ستون سنة، وبه يفتخر اليزيديون وله «مصادر القرآن» بلغ فيه إلى سورة الم (٣)، ومات، و «النّقط والشكل» و «المقصور والممدود» وغير ذلك. وحضر مرة عند المأمون وعنده يحيى بن أكثم وهم على الشّراب، فقال له يحيى يمازحه: ما بال المعلمين يلوطون بالصّبيان؟ فرفع إبراهيم رأسه، فإذا المأمون يحرّض على العبث به، فغاظه ذلك، وقال: أمير المؤمنين أعلم خلق الله بهذا، فإنّ أبي أدّبه، فقام المأمون من مجلسه مغضبا، ورفعت الملاهي، فأقبل يحيى على إبراهيم، وقال: أتدري ما خرج من رأسك؟ إني لأرى هذه الكلمة سببا لانقراضكم يا آل اليزيديّ، قال إبراهيم: فزال عني السكر، وكتبت إلى المأمون: أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو (٤) سكرت فأبدت منّي الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السّكر والصّحو

стр. 29

في أبيات أخر. فرضي عنه وعفا عنه، ووقع في أبيات على ظهر أبياته: إنّما مجلس النّدامى بساط ... للمودّات بينهم وضعوه (١) فإذا ما انتهى إلى ما أرادوا ... من حديث ولذّة رفعوه مات إبراهيم سنة خمس وعشرين ومائتين. قاله ابن الجوزي. من اسمه أحمد ٢٥ - أحمد بن إبراهيم بن الزّبير بن محمد بن إبراهيم بن الزّبير بن الحسن بن الحسين الثقفيّ العاصمي الجيّاني المولد، الغرناطيّ المنشأ، الأستاذ أبو جعفر (٢). قال تلميذه أبو حيان في النّضار: كان محدثا جليلا، ماهرا، نحويا، فصيحا، مفوّها حسن الخطّ، مقرئا مفسرا مؤرخا، أقرأ القرآن والنحو والحديث بمالقة وغرناطة وغيرهما؛ وكان كثير الإنصاف، ناصحا في الإقراء، خرج من مالقة ومن طلبته أربعة يقرءون كتاب سيبويه، ثم عرض له أن السلطان تغيّر عليه، فجعل سجنه داره، وأذن له في حضور الجمعة، فلما مات شيوخ غرناطة وشغر البلد عن عالم رضى عليه، وقعد بالجامع يفيد الناس. وولي الخطابة والإمامة بالجامع الكبير، وقضاء الأنكحة، وتخرّج عليه جماعة، و [به] (٣) أبقى الله ما بأيدي الطلبة من العربية وغيرها.

стр. 30

وكان محدث الأندلس بل المغرب في زمانه، خيّرا، صالحا، كثير الصدقة معظّما عند الخاصة والعامة، أمّارا بالمعروف، نهّاء عن المنكر، لا ينقل قدمه إلى أحد، جرت له أمور مع الملوك صبر فيها، ونطق فيها بالحق بحيث أدّى إلى التضييق عليه، وحبسه. روى عن أبي الخطاب بن خليل، وعبد الرحمن بن الفرس، وابن فرتون وأجاز له من المشرق أبو اليمن بن عساكر وغيره. وصنف: «تعليقا على كتاب سيبويه»، و «الذيل على صلة ابن بشكوال» و «ملاك التأويل في المتشابه اللفظ من التنزيل» غريب في معناه و «البرهان في ترتيب سور القرآن» و «شرح الإشارة للباجي في الأصول» و «سبيل الرشاد في فضل الجهاد» و «ردع الجاهل عن اعتساف المجاهل» في الرد على الشوذية (١). ولد سنة سبع وعشرين وستمائة، ومات يوم الثلاثاء ثامن ربيع الأول سنة ثمان وسبعمائة. ومن شعره: ما لي وللتّسآل لا أمّ لي ... إن سلت من يعزل أو من يلي (٢) حسبي ذنوبي أثقلت كاهلي ... ما إن أرى غماءها تنجلي ٢٦ - [أحمد] (٣) بن إبراهيم بن الفرج بن أحمد بن سابور بن علي بن

стр. 31

غنيمة (١) عز الدين أبو العباس بن الإمام محيي الدين الفاروثيّ (٢) الواسطيّ (٣). المقرئ المفسر الشافعيّ الخطيب الصوفي، أحد الأعلام. قال الذّهبي في طبقات القراء: ولد سنة أربع عشرة وستمائة بواسط، قرأ القرآن على والده، وعلى الحسين بن أبي [الحسن بن] (٤) ثابت الطّيبي كلاهما عن أبي بكر بن الباقلاني. وقدم بغداد سنة تسع وعشرين، فسمع الحديث من عمر بن كرم، والشيخ شهاب الدين السّهروردي، ولبس منه الخرقة، وأبي الحسين القطيعي وخلق سواهم. وكان فقيها علامة، عارفا بالقراءات ووجوهها، بصيرا بالعربية واللغة، عالما بالتفسير، خيرا، صاحب أوراد وتهجد، ومروءة وفتوة، وكان له أصحاب ومريدون انتفعوا بصحبته في دينهم ودنياهم. قرأ عليه طائفة، منهم الشيخ أحمد الحراني، والشيخ جمال الدين البدوي

стр. 32

وشمس الدين محمد بن أحمد الرقى، وشمس الدين بن غدير، وقرأ عليه- كتاب القلانسي (١) - أبو عبد الله القصاع (٢). وسمع منه خلق بدمشق والحرمين والعراق، وكان له القبول التام من الخاص والعام. قدم دمشق سنة تسعين فولي مشيخة الحديث بالظاهرية، وإعادة الناصرية وتدريس النجيبية، ثم ولي خطابة البلد، وكان يخطب من غير تكلف. ويذهب من صلاة الجمعة فيشيع جنازة أو يعود صاحبا، وكان طيب الأخلاق. وكان يمضي إلى دار نائب السلطنة الشجاعي فكان يحترمه ويحبه، فلما عزل من الخطابة بموفق الدين الحموي وعزل الشجاعي عن الشام، تألم الشيخ لذلك وسار مع الوفد سنة إحدى وتسعين، وأودع كتبه وحمل بعضها. وكانت كبيرة إلى الغاية، ثم سار إلى واسط. وكان لطيف الشكل، صغير العمامة، مطرح التكلف، له رداء أبيض. قال الذّهبي (٣): وقد سلمت عليه وحدثته، ولم يقض لي أن آخذ عنه شيئا. سألت الشيخ عليّا الواسطي الزاهد عن الفاروثي نسبته المصطفوي (٤)

стр. 33

فقال: كان أبوه الشيخ محيي الدين يذكر أنه رأى النبي ﷺ في النوم فواخاه فلهذا كان يكتب المصطفوي (١). توفي في ذي الحجة [سنة أربع وتسعين وستمائة] (٢). ٢٧ - أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العالي (٣) الشيخ شهاب الدين. أبو العباس بن الإمام العلامة عماد الدين بن الحسباني الشافعي (٤). مولده سنة تسع وأربعين وسبعمائة، واشتغل في صباه بعلم الفرائض وأتقنها ثم اشتغل بالعربية على أبي العباس العنّابي فبرع فيها، وسمع الكثير من أصحاب الفخر بن البخاري وغيرهم، فطلب الحديث، وقرأ قراءة حسنة، وحصل الكتب وفضل في هذا العلم. ورحل إلى القاهرة، فسمع بها وبدمشق من جماعة، وحصل الأجزاء، وضبط الأسماء، واعتنى بتحرير المشتبه، وكتب بخطه أشياء نسخا وتصنيفا، وشرع في «تفسير كبير» وقف عليه البلقيني وأثنى عليه. قال الحافظ ابن حجر ومن خطه نقلت: كان موصوفا بالذكاء وجمع أشياء حسنة، منها «تفسير القرآن» وعلق على «الحاوي» وكتب من «تخريج أحاديث الرافعي» و «شرح ألفية ابن مالك» انتهى.

стр. 34

وكان يحضر عند والده في حلقة الفقه، وفهمه جيد صحيح. ودرّس بالأمينية والإقبالية وغيرهما، وخطب بجامع التوبة، وأفتى وحكم نيابة مدة، ثم بعد الفتنة ولي قضاء القضاة استقلالا، وشارك في الخطابة ومشيخة الشيوخ. وكانت نفسه سامية، وامتحن من جهة الدولة وكاد يهلك، وجرى له مع القاضي برهان الدين بن جماعة فتنة وآذاه ابن جماعة كثيرا، وكان عليه مآخذ في دينه، وكان الفقهاء يكرهونه. مات في عاشر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، ودفن بسفح قاسيون (١) رحمة الله عليه. ٢٨ - أحمد بن إسماعيل بن عيسى أبو بكر الغزنويّ الجوهري المفسر (٢). أحد أئمة غزنة وفضلائهم، سافر إلى خراسان، والحجاز، والعراق، ولقي أبا القاسم القشيري، وسمع منه، وعاش إلى بعد العشرين وخمسمائة. ٢٩ - أحمد بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن العباس أبو الخير الطّالقاني القزويني الشافعي (٣).

стр. 35

رضي الدين، أحد الأعلام، قال ابن النجار: كان رئيس أصحاب الشافعي وكان إماما في المذهب، والخلاف، والأصول، والتفسير، والوعظ كثير المحفوظ. أملى الحديث، ووعظ، وصنف الكثير في التفسير والحديث والفقه وغيرها مطولا ومختصرا، وانتفع بعلمه أهل العلم وعوام المسلمين. وسمع الكثير من أبي عبد الله الفراويّ (١)، وزاهر الشّحّاميّ، وهبة الله السّيّديّ، وأبي الفتح بن البطّيّ. وتفقه على ملكداد، ومحمد بن يحيى، ودرس ببلده، وببغداد، وحدث بالكتب الكبار، وولي تدريس النظامية، وكان كثير العبادة والصلاة، دائم الذكر، دائم الصوم، له كل يوم ختمة. وقال ابن الدّبيثي: كان له يد باسطة في النظر والاطلاع على العلوم والمعرفة بالحديث، وكان جمّاعة للفنون. وقال الموفّق عبد اللطيف البغدادي: كان يعمل في اليوم والليلة ما يعجز المجتهد عن عمله في شهر. ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ومات في المحرم سنة تسعين. ٣٠ - أحمد بن بقيّ بن مخلد المالكي (٢). من أهل قرطبة، يكنى أبا عبد الله، سمع من أبيه، وكان زاهدا فاضلا مشاورا في الأحكام، وولي قضاء الجماعة مع الصلاة والخطبة. كان حافظا للقرآن عالما بتفسيره وعلومه، قوي المعرفة باختلاف العلماء

стр. 36

فيه وكان أحمد بن عبد ربه يعده من عجائب الدنيا، كان نسيج وحده جامعا للخلال الرفيعة منفردا بها. توفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ٣١ - أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب القزويني الحنفي أبو عبد الله بديع الدين العلامة (١). قال الشيخ عبد القادر القرشي في طبقات الحنفية: رأيت له «الجامع الحريز الحاوي لعلوم كتاب الله العزيز» كان مقيما بسيواس في سنة عشرين وستمائة. ٣٢ - أحمد بن أبي بكر بن عمر أبو العباس المعروف بالأحنف (٢). قال الخزرجي: كان فقيها ماهرا حافظا عارفا، صنف في التفسير والحديث واللغة، ودرس بالمدرسة الشرفية ثم المؤيدية بتعز، وانتفع به الناس. مولده سنة إحدى وأربعين وستمائة، ومات لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة. ٣٣ - أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن صبيح يعرف بابن المنادي أبو الحسين البغدادي (٣).

стр. 37

قال الداني: مقرئ جليل، غاية في الضبط والإتقان، فصيح اللسان، عالم بالآثار، ونهاية في علم العربيّة، صاحب سنة، ثقة مأمون. سمع جدّه وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأخذ القراءة عن عبيد الله بن محمد بن أبي محمد اليزيديّ، والفضل بن مخلد الدقاق، وأبي أيوب الضبي، وغيرهم. وعنه [أحمد بن] (١) نصر الشّذائيّ، وعبد الواحد بن عمر وجماعة. وله مائة ونيف وعشرون كتابا في علوم متفرقة، وكان الغالب عليه علوم القرآن. مات قبل سنة عشرين وثلاثمائة. ومن تأليفه كتاب «دعاء أنواع الاستعاذات من سائر الآفات والعاهات» و «كتاب اختلاف العدد» (٢). ٣٤ - أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان قاضي القضاة جلال الدين أبو المفاخر ابن قاضي [القضاة] (٣) حسام الدين ابن قاضي القضاة تاج الدين أبو المفاخر الرّازيّ ثم الرّومي الحنفي (٤).

стр. 38

مولده في سنة إحدى وخمسين وستمائة، بمدينة أنكوريّة (١) من بلاد الرّوم. وتفقه على أبيه وغيره، وبرع في الفقه والتفسير والنحو، وولي القضاء بخرت برت (٢)، وعمره سبع عشرة سنة. وقدم مع أبيه دمشق واستقر في قضاء قضاة الحنفية بها عوضا عن أبيه لما توجه إلى مصر في ثاني صفر سنة ست وتسعين وستمائة، ودرس وأفتى وعمي في آخر عمره. وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر شهر رجب سنة خمس وأربعين وسبعمائة. قال الشهاب أحمد (٣) بن يحيى بن فضل الله العمري: وهو كبير المروءة لقصّاده، حسن المعاشرة، طيب الأخلاق، طيب النفس جدا. وله نيف وسبعون سنة يدرس بدمشق، وغالب مفتي مذهبه من الحكّام والمدرسين كانوا فقهاء عنده، وقل منهم من درس وأفتى بغير خطه. حكى لي أعجوبة جرت له، قال: كان والدي [قد] (٤) سفرني

стр. 39

لإحضار أهله من الشرق، فلما جزت البيرة ألجأنا المطر إلى أن نمنا في مغارة، وكنت في جماعة، فبينما أنا نائم إذا بشيء يوقظني، فانتبهت فإذا بامرأة وسط من النساء لها عين واحدة مشقوقة بالطول، فارتعت، فقالت ما عليك، إنما أتيتك لتتزوج ابنة لي كالقمر، فقلت لخوفي منها: على خيرة الله، ثم نظرت، فإذا برجال قد أقبلوا كهيئة المرأة التي أتتني، عيونهم كلّهم مشقوقة بالطول في هيئة قاض وشهود، فخطب القاضي، وعقد، فقبلت. ثم نهضوا، وعادت المرأة، ومعها جارية حسناء إلا أن عينها مثل عين أمها، وتركتها عندي وانصرفت، فزاد خوفي واستيحاشي، وبقيت أرمي من معي بالحجارة لينتبهوا فما انتبه والله واحد منهم (١)، فأقبلت علي بالدعاء والتضرع، ثم آن الرحيل فرحلنا وتلك الشابة لا تفارقني، فدمت على هذا ثلاثة أيام وأنا مقبل على الدعاء والتضرع، فلما كان في اليوم الرابع أتتني المرأة، وقالت: كأنّ هذه الشّابّة ما أعجبتك؟ وكأنك تختار فراقها، فقلت أي والله، فقالت: طلقها فطلقتها فانصرفتا ثم [لم] (٢) أرهما، قال: فسألته إن كان أفضى إليها فزعم أن لا. ولما قدم السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك سنة تسع وسبعمائة (٣) تردد إليه ونفق عليه، فجلس مرة هو والقضاة إلى جانبه وقت صلاة الجمعة بالميدان الصغير، فقرأ القارئ عشرا، فسأل السلطان عن معنى آية منه فلم يحر القضاة جوابا، فقال هو للسلطان بالتركي: هؤلاء حمير، ما فيهم من يعرف التفسير، ثم أخذ يفسرها له بالتركي، فقال له: لم لا تقول بالعربي؟ فقال: لأن هؤلاء ما هم أهل لأن أعلمهم، وإنما الخطيب يعرف،

стр. 40

يريد جلال الدين القزوينيّ، وسيتفرج مولانا السلطان عليّ وعليه، ويظهر له ذلك الوقت جهل هؤلاء القضاة، فضحك السلطان وجميع من حضر، ثم نزل الخطيب وصلى، فلما فرع طلبه السلطان، وأعاد السلطان (١). فتكلم هو والرازي وتناظرا والقضاة سكوت وقد سقطوا من الأعين كلها، وكان الاستظهار للرازي. ٣٥ - أحمد بن حسين بن علي بن رسلان الشيخ شهاب الدين الرملي الشهير بابن رسلان الشافعي (٢). الإمام العالم العلامة الزاهد الرباني العارف بالله المنقطع [إليه] (٣) بركة البلاد القدسية. ولد سنة ثلاث أو خمس وسبعين وسبعمائة بالرملة، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وكان أبوه تاجرا وأجلسه في حانوت ليبيع البز فيها، وكان يقبل على المطالعة ويهمل أمرها فظهرت فيها الخسارة، فلامه والده على ذلك، فقال: أنا لا أصلح إلا للمطالعة. فأسلم إليه قياده ولازم الاشتغال، فأخذ النحو عن شخص مغربي قدم عليهم، وتفقه على [الشيخ شمس الدين] (٤) القلقشندي. وشارك في جميع الفنون إلى أن صار إماما عالما في كل منها؛ لكثرة مذاكرته بما يعرفه، وقصده الخير، وهو مع ذلك شديد الملازمة للخيرات والعبادة، لا تعرف له صبوة، وهو تارة في القدس، وتارة في الرملة، لا تخلو سنة من السنين عن المرابطة على جانب البحر بالأسلحة الجيدة، ويحث
следующие страницы →