Полный текст (62 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
رسالة الإمام أبي بكر البيهقي
إلى الإمام أبي محمد الجويني
تحوي مسائل في علم الحديث وغيره
برواية ولده شيخ القضاة أبي علي إسماعيل البيهقي
نفذها إليه مستدركا فيها عليه في تصنيف شرع فيه سماه المحيط
استدراكا فيما يتعلق بعلم الحديث وغيره
اعتنى بها
أبو عبيد الله فراس بن خليل مشعل
دار البشائر الإسلامية
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وبه العون والتوفيق]
أخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو بكر، محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب البغدادي.
قال: حدثنا الإمام شيخ القضاة، أبو علي، إسماعيل بن أحمد البيهقي.
قال: حدثنا الإمام والدي، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي. قال:
стр. 3
سلام الله ورحمته على الشيخ الإمام، وإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، وأصلي على رسوله محمد، وعلى آله، أما بعد -عصمنا الله تعالى بطاعته، وأكرمنا بالاعتصام بسنة خيرته من بريته، ﷺ ، وأعاننا على الاقتداء بالسلف الصالحين من أمته، وعافانا في ديننا ودنيانا، وكفانا كل هول دون الجنة، بفضله ورحمته، إنه واسع المغفرة والرحمة، وبه التوفيق والعصمة-: فقلبي للشيخ -أدام الله عصمته- وادٍ، وبأيامه معتد، ولساني له بالخير ذاكر، ولله تعالى على حسن توفيقه إياه شاكر، والله -جل ثناؤه- يزيده توفيقاً وتأييداً وتسديداً.
وقد علم الشيخ -أدام الله توفيقه- اشتغالي بالحديث، واجتهادي في طلبه. [و] معظم مقصودي منه في الابتداء: التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار، وبين ما لا يصح، حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها.
ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله، أخذوا في تعليله، بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليداً.
ولو عرفوه معرفتهم، لميزوا صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به، وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم فشرطه فيمن يقبل خبره عند من يعتني بمعرفته- مشهور، وهو بشرحه في كتاب «الرسالة» مسطور، وما ورد
стр. 4
من الأخبار بضعف رواته أو انقطاع إسناده كثير، والعلم به على من جاهد فيه سهل يسير.
وقد احتج في ترك الاحتجاج [برواية] المجهولين، بما:
١ - أخبرنا أبو عبد الله، محمد بن عبد الله، الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي، قال: أخبرنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:
«حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عني، ولا تكذبوا علي».
قال الشافعي:
«أحاط العلم أن النبي ﷺ لا يأمر أحداً بحالٍ أن يكذب على بني إسرائيل، ولا على غيرهم، فإذا أباح الحديث عن بني إسرائيل، فليس أن يقبلوا الحديث الكذب على بني إسرائيل .. .. .. لأنه يروى عنه ﷺ أنه قال:
стр. 5
«من حدث بحديثٍ وهو يراه كذباً، فهو أحد الكاذبين».
وإنما أباح قبول ذلك عمن حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه».
قال: «وإذا فرق بين الحديث عنه، والحديث عن بني إسرائيل، فقال: «حدثوا عني، ولا تكذبوا علي».
فالعلم -إن شاء الله- يحيط: أن الكذب الذي نهاهم عنه: هو الكذب الخفي، وذلك: الحديث عمن لا يعرف صدقه».
ثم حكى الشافعي [مذهبه في ذلك، و] في رد حديث الضعفاء عن: ابنٍ [لابن] عمر، وعن عروة بن الزبير، وسعد بن إبراهيم.
стр. 6
وحكاه في «كتاب العمرى» عن: عطاء بن أبي رباح، وطاوس، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي.
ثم قال: «وما لقيت، ولا علمت أحداً من أهل العلم بالحديث، يخالف هذا المذهب».
قال الشيخ الفقيه أحمد ﵀:
وإنما يخالفه بعض من لا يعد من أهل الحديث، فيرى (قبول رواية المجهولين، ما لم يعلم ما يوجب رد خبرهم) .
وقد قال الشافعي ﵀ في أول «كتاب الطهارة» -حين ذكر ما تكون به الطهارة من الماء، واعتمد فيه على ظاهر القرآن-:
«وقد روي فيه عن النبي ﷺ حديث -يوافق ظاهر القرآن- في إسناده من لا أعرفه».
стр. 7
ثم ذكر حديثه عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، في البحر.
وعسى لم يخطر ببال فقيه من فقهاء عصرنا ريب في صحة هذا الحديث، وإمامه يقول: «في إسناده من لا أعرفه»!
وإنما قال ذلك:
- لاختلافٍ وقع في اسم المغيرة بن أبي بردة.
стр. 8
- ثم في وصله بذكر أبي هريرة.
مع إيداع مالك بن أنس إياه كتابه «الموطأ».
стр. 9
ومشهور فيما بين الحفاظ، أنه لم يودعه رواية من يرغب عنه، إلا رواية: عبد الكريم أبي أمية، وعطاء الخراساني، فقد رغب عنهما غيره.
وتوقف الشافعي في (إيجاب الغسل من غسل الميت) . واعتذر:
«بأن بعض الحفاظ أدخل بين أبي صالح، وبين أبي هريرة: إسحاق -مولى زائدة-، وأنه لا يعرفه، ولعله أن يكون ثقة».
стр. 10
وتوقف في إثبات (الوقت الثاني لصلاة المغرب)، مع أحاديث صحاح رويت فيه بعد إمامة جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ؛ حين لم يثبت عنده من عدالة رواتها ما يوجب قبول خيرهم.
стр. 11
وكأنه وقع لمحمد بن إسماعيل البخاري ﵀ بعده ما وقع له؛ حتى لم يخرج شيئاً من تلك الأحاديث في «كتابه».
ووقف مسلم بن الحجاج ﵀ على ما يوجب قبول خبرهم، ووثق بحفظ من رفع المختلف في رفعه منها، فقبله، وأخرجها في «الصحيح»، وهي: حديث أبي موسى، وبريدة، وعبد الله بن عمرو.
واحتج الشافعي ﵀ في كتاب «أحكام القرآن» برواية عائشة في أن (زوج بريرة كان عبداً).
وإن بعض من تكلم معه قال له: هل تروون عن غير عائشة أنه كان عبداً؟
قال الشافعي:
«هي المعتقة، وهي أعلم به من غيرها!
وقد روي من وجهين، قد ثبَّتَّ أنت ما هو أضعف منهما، ونحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما».
стр. 12
فذكر:
- حديث عكرمة، عن ابن عباس.
- وحديث القاسم العمري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: «أن زوج بريرة كان عبداً».
و (حديث عكرمة) عن ابن عباس قد أخرجه البخاري في «الصحيح».
إلا أن عكرمة مختلفٌ في عدالته.
-كان مالك بن أنس -رحمنا الله وإياه- لا يرضاه.
стр. 13
- وتكلم فيه: سعيد بن المسيب، وعطاء، وجماعة من أهل العلم بالحديث.
- ولذلك ترك مسلم بن الحجاج الاحتجاج بروايته في «كتابه».
و (القاسم العمري): ضعيف عندهم.
فقال الشافعي لخصمه:
«نحن إنما نثبت ما هو أقوى منهما».
وقال في أثرين ذكرهما في «كتاب الحدود»:
«وهاتان الروايتان، وإن لم تخالفانا، غير معروفتين، ونحن نرجو أن لا نكون ممن تدعوه الحجة على من خالفه إلى قبول خبر من لا يثبت خبره بمعرفته عنده».
وله من هذا أشياء كثيرة، يكتفي بأقل من هذا من سلك سبيل النصفة.
فهذا مذهبه في قبول الأخبار، وهو مذهب القدماء من أهل الآثار.
стр. 14
قال الفقيه ﵁:
وكنت أسمع رغبة الشيخ -أدام الله أيامه- في سماع الحديث ، والنظر في كتب أهله، فأسكن إليه، وأشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي، ثم فيما بين الناس:
قد جاء الله بمن يرغب في الحديث، ويرغب فيه من بين الفقهاء، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء.
وأرجو من الله تعالى: أن يحيي [به] سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار، بعد من مضى من الأئمة الكبار، الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار.
ثم لم يرض بعضهم بالجهل به، حتى رأيته حمل [على] العالم به بالوقوع فيه، والإزراء به، والضحك منه، وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله، ويزعم: أنه لا يفارق في منصوصاته قوله! ثم يدع في كيفية قبول الحديث ورده طريقته، ولا يسلك فيها سيرته؛ لقلة معرفته بما عرف، وكثرة غفلته عما عليه وقف.
هلا نظر في كتبه، ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره، واعتماد فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره؟! فيرى سلوك مذهبه -مع دلالة
стр. 15
العقل والسمع- واجباً على كل من انتصب للفتيا:
- فإما أن يجتهد في تعلمه
- أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه.
فلا يجتمع عليه وزران، حيث فاته الأجران!
والله المستعان، وعليه التكلان.
стр. 16
ثم إن بعض أصحاب الشيخ -أدام الله عزه- وقع إلى هذه الناحية، فعرض علي أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى بـ: «المحيط» ، فسررت به، ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار، لائقاً بما خص به من علم الأصل والفرع، موافقاً لما ميز به من فضل العلم والورع، فإذا أول حديث وقع عليه بصري: الحديث المرفوع في (النهي عن الاغتسال بالماء المشمس)!
فقلت -في نفسي-: يورده، ثم يضعفه، أو يضجع القول فيه.
فرأيته قد أملى:
«والخبر فيه: ما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة»!
فقلت: هلا قال:
- روي عن عائشة؟
- أو: روي عن ابن وهب، عن مالك؟
- أو: روي عن إسماعيل بن عمر الكوفي، عن ابن وهب، عن مالك؟
стр. 17
- أو: روى خالد بن إسماعيل، أو وهب بن وهب أبو البختري، عن هشام بن عروة؟
- أو: روى عمرو بن محمد الأعسم، عن فليح، عن الزهري، عن عروة؟
стр. 18
ليكون الحديث مضافاً إلى من يليق به مثل هذه الرواية، ولا يكون شاهداً على مالك بن أنس بما أظنه يبرأ إلى الله تعالى من روايته، ظناً مقروناً بعلم.
[والله أعلم].
стр. 19
ثم إني رأيته -أدام الله عصمته-: أوَّل (حديث التسمية) ، وضعف ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن في تأويله، بحديث شهد به على الأعمش أنه رواه عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ : فيمن توضأ وسمى، وفيمن توضأ ولم يسم.
وهذا حديث تفرد به يحيى بن هاشم السمسار، عن الأعمش.
ولا يشك حديثي في ضعفه.
- ورواه أيضاً عبد الله بن حكيم، أبو بكر الداهري، عن عاصم بن محمد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً.
وأبو بكر الداهري: ضعيف، لا يحتج بخبره.
- وروي من وجه آخر مجهول، عن أبي هريرة.
стр. 20
ولا يثبت.
وحديث التسمية قد روي من أوجهٍ، ما وجه من وجوهها إلا وهو أمثل إسناداً من أسانيد ما روي في مقابلته، ومع ذاك فأحمد بن حنبل ﵀ يقول:
«لا أعلم فيه حديثاً ثابتاً».
стр. 21
فقلت -في نفسي-:
قد شرك الشيخ -حرس الله مهجته- القوم فيما أحدثوا من المساهلة في رواية الأحاديث.
وحسبته سلك هذه الطريقة فيما حكي لي عنه من مسحه وجهه بيديه في قنوت صلاة الصبح ؛ وأحسن الظن برواية من روى: (مسح الوجه باليدين بعد الدعاء)، مع ما:
٢ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو بكر الجراحي، قال حدثنا [يحيى بن] ساسويه، حدثنا عبد الكريم السكري، قال: حدثنا وهب بن زمعة، قال: أخبرني علي الباشاني، قال:
«سألت عبد الله بن المبارك: عن الذي إذا دعا مسح وجهه.
فلم أجد [له ثبتاً]».
стр. 22
قال علي: «ولم أره يفعل ذلك».
قال علي: «وكان عبد الله يقنت بعد الركوع في الوتر، وكان يرفع يديه في القنوت».
٣ - وأخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسه، قال: قال أبو داود السجستاني:
«روي هذا الحديث من غير وجه، عن محمد بن كعب، كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضاً».
يريد به: حديث عبد الله بن يعقوب، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ :
« .. .. سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم؛ فامسحوا بها وجوهكم».
стр. 23
وروي ذلك من أوجه أخر، كلها أضعف من رواية من رواها عن ابن عباس.
وكان أحمد بن حنبل ينكرها.
وحكي عنه أنه قال: «في الصلاة لا، ولا بأس به في غير الصلاة».
قال الفقيه:
وهذا لما في استعماله في الصلاة من إدخال عمل عليها لم يثبت به أثر.
وقد يدعو في آخر تشهده، ولا يرفع يديه، ولا يمسحهما بوجهه، إذ لم يرد بهما أثر؛ فكذا في دعاء القنوت، يرفع يديه؛ لورود الأثر به، ولا يمسح بهما وجهه؛ إذا لم يثبت فيه أثر.
وبالله التوفيق!
стр. 24
وعندي: أن (من سلك من الفقهاء هذه الطريقة في المساهلة، أنكر عليه قوله).
مع كثرة ما روي من الأحاديث في خلافه.
وإذ كان هذا اختياره، فسبيله -أدام الله توفيقه-: يملي في مثل هذه الأحاديث: «روي عن فلان، ولا يقول: «روى فلان»؛ لئلا يكون شاهداً على فلان بروايته من غير ثبتٍ.
وهو إن فعل ذلك وجد لفعله متبعاً؛ فقد:
٤ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الوليد الفقيه، يقول:
«لما سمع أبو عثمان الحيري من أبي جعفر بن حمدان كتابه «المخرج على كتاب مسلم»، كان يديم النظر فيه، فكان إذا جلس للذكر:
- يقول في بعض ما يذكر من الحديث: قال رسول الله ﷺ .
- ويقول في بعضه: روي عن رسول الله ﷺ .
قال: فنظرنا، فإذا إنه قد حفظ ما في الكتاب، حتى ميز بين صحيح الأخبار وسقيمها».
فأبو عثمان الحيري -رحمنا الله وإياه- يحتاط -هذا النوع من
стр. 25
الاحتياط- فيما يدير من الأخبار في المواعظ، وفي فضائل الأعمال، فالذي يديرها في الفرض والندب، ويحتج بها في الحرام والحلال، أولى بالاحتياط وأحوج إليه.
وبالله التوفيق!
قال الفقيه:
وقد رأيت بعض من أوردت عليه شيئاً من هذه الطريقة، (فزع في ردها إلى اختلاف الحفاظ في تصحيح الأخبار وتضعيفها) .
ولو عرف حقيقة اختلافهم، لعلم أن لا فرج له في الاحتجاج به، كما لا فرج لمن خالفنا في أصول الديانات، في الاحتجاج علينا باختلافنا في المجتهدات.
واختلاف الحفاظ في ذلك لا يوجب رد الجميع، ولا قبول الجميع.
وكان من سبيله أن يعلم أن الأحاديث المروية على ثلاثة أنواع:
- نوع اتفق أهل العلم به على صحته.
- ونوع اتفقوا على ضعفه.
- ونوع اختلفوا في ثبوته، فبعضهم يضعف بعض رواته:
لجرح ظهر له، وخفي على غيره.
стр. 26
أو لم يظهر له من عدالته ما يوجب قبول خبره، وقد ظهر لغيره.
أو عرف منه معنىً يوجب عنده رد خبره، وذلك المعنى لا يوجبه عند غيره.
أو عرف أحدهما علة حديث ظهر بها: انقطاعه، أو انقطاع بعض ألفاظه، أو إدراج لفظ من ألفاظ من رواه في متنه، أو دخول إسناد حديث في إسناد [حديث] غيره، خفيت تلك العلة على غيره.
فإذا علم هذا، وعرف معنى رد من رد منهم خبراً، أو قبول من قبله منهم؛ هداه الوقوف عليه، والمعرفة به، إلى اختيار أصح القولين -إن شاء الله-.
стр. 27
قال الفقيه ﵀:
وكنت -أدام الله عز الشيخ- أنظر في كتب بعض أصحابنا، وحكايات من حكي منهم عن الشافعي ﵁ نصاً، وأبصر اختلافهم في بعضها، فيضيق قلبي بالاختلاف، مع كراهية الحكاية من غير ثبت، فحملني ذلك على نقل «مبسوط ما اختصره المزني ﵀ على ترتيب «المختصر».
ثم نظرت في كتاب: «التقريب»، وكتاب
стр. 28
«جمع الجوامع»، و «عيون المسائل»، وغيرها فلم أر أحداً منهم فيما حكاه
стр. 29
أوثق من صاحب «التقريب» -رحمنا الله وإياه-، وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكايةً لألفاظ الشافعي ﵀ منه في النصف الآخر، وقد غفل في النصفين جميعاً -مع اجتماع الكتب له أو أكثرها، وذهاب بعضها في عصرنا- عن حكاية ألفاظ، لا بد لنا من معرفتها:
- لئلا نجترئ على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه، وهو عنه بريء.
- ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا.
(ومثال ذلك):
من الأجزاء التي رأيتها من كتاب «المحيط» -من أوله إلى «مسألة التفريق» -:
أن أكثر أصحابنا، والشيخ -أدام الله عزه- معهم، يوركون الذنب (في تسمية البحر بالمالح) أبا إبراهيم المزني .
ويزعمون: (أنها لم توجد للشافعي ﵀)!
стр. 30
قد سمى الشافعي ﵀ البحر مالحاً في كتابين:
- قال الشافعي في «أمالي الحج» -في مسألة كون المحروم في صيد البحر كالحلال-:
«والبحر: الماء: العذب والمالح؛ قال الله –تعالى-:
﴿هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاجٌ﴾».
- وقال في كتاب «المناسك الكبير».
«في الآية دليلٌ أن البحر: العذب والمالح».
стр. 31
وذكر الشيخ -أبقاه الله-: بناء الشيخ الإمام أبي بكر ﵀ أحد قولي الشافعي في (أكل الجلد المدبوغ) على ما بنى عليه .
ثم ذكر الشيخ -حفظه الله- تصحيح القول: (بمنع الأكل) من عند نفسه، بإيراد حجته!
وقد نص الشافعي في: «القديم»، وفي رواية حرملة، على ما هداه إليه خاطره المتين:
قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي -في كلام ذكره-:
«يحل أن يتوضأ في جلدها، إذا دبغ [فطهر]، وذلك الذي أباح رسول الله ﷺ منه، فأبحناه كما أباحه، ونهينا عن أكله بجملة أنه من ميتة، ولم نرخص في غير ما رخص فيه خاصة».
ثم قال:
«وليس ما حل لنا الاستماع ببعضه بخبر، بالذي يبيح لنا ما نهينا عنه من ذلك الشيء بعينه بخبر.
ألا ترى أنا لا نعلم اختلافاً في أنه يحل شراء الحمر والهر والاستمتاع
стр. 32
بها، ولا نبيح أكلها؟!
وإنما نبيح ما أبيح، ونحظر ما حظر».
وقال في رواية حرملة:
«يحل الاستمتاع به بالحديث، ولا يحل أكله بأصل أنه من ميتة».
стр. 33
ورأيته -أدام الله عصمته-: اختار في (تحلية الدابة بالفضة) جوازها .
وأظنه علم قول الشافعي ﵀ في كتاب «مختصر البويطي»، والربيع، ورواية موسى بن أبي الجارود ﵏، حيث قال:
«وإن اتخذ رجل أو امرأة آنية من فضة أو ذهب، أو ضببا به آنية، أو ركباه على مشجب أو سرج؛ فعليهما الزكاة، وكذلك اللجم، والركب».
هذا مع قوله -في روايتهم-:
«لا زكاة في الحلي المباح».
وحيث لم يخص به الذهب بعينه، فالظاهر: أنه أراد به كليهما جميعاً. وإن كانت الكناية بالتذكير يحتمل أن تكون راجعة إلى الذهب دون الفضة؛ كما قال الله :
﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾.
فالظاهر عند أكثر أهل العلم: أنه أراد به كليهما معاً، وإن كانت الكناية بالتأنيث يحتمل أن تكون راجعة إلى الفضة دون الذهب.
стр. 34
وقد علم الشيخ -أبقاه الله-: ورود التحريم في [استعمال] الأواني المتخذة من الذهب والفضة عامة، ثم ورود الإباحة في تحلية النساء بهما، وتختم الرجال بالفضة خاصة، ووقف على اختلاف الصدر الأول ﵃ في حلية السيوف، واحتجاج كل فريق منهم لقوله بخبر.
فنحن وإن رجحنا قول من قال بإباحتها بنوع من وجوه الترجيحات، ثم حظرنا تحلية السقف والسرير وسائر الآلات، ولم نقسها على التختم بالفضة، ولا على حلية السيوف؛ فتصحيح إباحة تحلية الدابة بالفضة من غير ورود أثر صحيح مما يشق ويتعذر، وهو -أدام الله توفيقه- أهل أن يجتهد ويتخير.
وما استدل به من الخبر بأن:
«أبا سفيان أهدى إلى رسول الله ﷺ بعيراً برته
стр. 35
من فضة».
فغير مشتهر.
وهو إن كان، فلا دلالة في فعل أبي سفيان، إذ لم يثبت عن النبي ﷺ أنه تركها ثم ركبه، أو أركبه غيره.
وإنما الحديث المشهور عندنا: ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال:
«أهدى رسول الله ﷺ في هديه جملاً لأبي جهل، في أنفه برة فضة؛ ليغيظ به المشركين».
٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق .. .. الحديث.
وكان علي بن المديني يقول: «كنت أرى هذا من صحيح حديث ابن إسحاق؛ فإذا هو قد دلسه:
حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.
فإذا الحديث مضطرب».
стр. 36
٦ - أخبرنا بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن صالح الهاشمي، قال: حدثنا أبو جعفر المستعيني: حدثنا عبد الله بن علي المديني، قال: حدثني أبي، فذكرها.
وقد روي الحديث عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح.
стр. 37
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وليس بالقوي.
٧ - وقد أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: أخبرنا أبو عبد الله الصفار: حدثنا أحمد بن محمد البرتي القاضي: حدثنا محمد بن المنهال: حدثنا يزيد بن زريع: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس:
«أن رسول الله ﷺ أهدى جملاً لأبي جهل يوم الحديبية كان استلبه يوم بدر، وفي أنفه برةٌ من ذهب».
وكذلك رواه أبو داود السجستاني في كتاب «السنن»، عن محمد بن المنهال: «برة من ذهب»:
٨ - أخبرنا أبو علي الروذباري: أخبرنا أبو بكر بن داسة: حدثنا أبو داود.
стр. 38
فذكره، وقال: «عام الحديبية»، ولم يذكر قصة بدر.
وقد أجمعنا على منع تحلية الدابة بالذهب، ولم ندع ظاهر الكتاب بإيجاب الزكاة فيه، وعده إذا لم يخرجها من الكنوز، بهذا الخبر.
وكذلك لا ندعه في الفضة.
وليس في الخبر -إن ثبت في الفضة- صريح دلالة في المسألة.
وبالله التوفيق والعصمة!
стр. 39
وقد حكي لي عن الشيخ -أدام الله عزه-: أنه اختار: (جواز المكتوبة على الراحلة الواقفة، إذا تمكن من الإتيان بشرائطها) .
مع ما في النزول للمكتوبة في غير شدة الخوف من الأخبار والآثار الثابتة، وعدم ثبوت ما روي في مقابلتها دون الشرائط التي اعتبرها!
وقد قال الشافعي في «الإملاء»:
«ولا يصلي المسافر المكتوبة بحال أبداً إلا حالاً واحداً: إلا نازلاً في الأرض، أو على ما هو ثابت على الأرض، لا يزول بنفسه، مثل: البساط، والسرير، والسفينة في البحر.
ولا يصلي على محملٍ موقوف -لأنه على ما يزول [بنفسه] من ذوات الأرواح- مريضاً كان أو صحيحاً، لا رخصة له حتى ينزل عن البعير».
стр. 40
ورأيت في الفصول التي أملاها في الأصول -من هذه الأجزاء- حكايةً عن بعض أصحاب الحديث: أنه اشترط في قبول الأخبار:
(أن يروي عدلان، عن عدلين، [عن عدلين]، حتى يتصل مثنىً مثنىً برسول الله ﷺ )
ولم يذكر قائله!
следующие страницы →