Полный текст (154 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يعني له موعد مع الله -جل وعلا-، ثلاثين، ثم زيد عشر: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [(١٤٢) سورة الأعراف] "وموعد وسماع" موسى الكليم، يعني من أعظم فضائل موسى أن الله -جل وعلا- كلمه بدون واسطة.
وسماع منه للكلم، سمع من الله -جل وعلا- كلامه بصوت وحرف يُسمع.
وقدّم المصطفى بالعلم حامله ... أعظم بذلك تقديماً لذي قدمِ
حامل العلم لا شك أنه مقدم على غيره، مقدم في كل مجال، في الإمامة الصغرى والكبرى ((يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله)) ثم ثم ثم، وكذلك الكبرى، وغير ذلك من المواقف، يعني في الجنائز أمام الإمام، من الذي يقدم؟ من الذي يؤخر؟ كل هذه الأمور تقديم فيها في جميع أمور الحياة إنما هو بالعلم.
وقدّم المصطفى بالعلم حامله ... أعظم بذلك تقديماً لذي قدمِ
"أعظم بذلك تقديماً لذي قدم" يعني صاحب قدم صدق، رسوخ في هذا الباب.
كفاهمو أن غدوا للوحي أوعية ... . . . . . . . . .
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت].
كفاهمو أن غدوا للوحي أوعية ... وأضحت الآي منه. . . . . . . . .
آي القرآن، آيات القرآن "في صدورهم".
وأن غدوا وكلاء في القيام به ... قولاً وفعلاً وتعليماً لغيرهمِ
وكلاء ينوبون عن صاحب الرسالة، فهم وراثه، يقومون بالعلم، يقومون بالتعليم، بتعليم الكتاب، وما ورثوه عن النبي ﷺ بقولهم، بأقوالهم، بأفعالهم، ويعلمون غيرهم ذلك.
وأن غدوا وكلاء في القيام به ... وخصهم ربنا قصراً بخشيته
قولاً وفعلاً وتعليماً لغيرهمِ ... وعقل أمثاله في أصدق الكلمِ
стр. 37
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] (إنما) أداة قصر وحصر، فالذي لا يعلم عظمة الله -جل وعلا-، وما جاء عن الله فإنه لن يصل إلى هذه الغاية وهي خشية الله -جل وعلا-، كما أنه أيضاً على طريق إيش؟ الطرد والعكس، يعني الذي لا يعلم لا يخشى الله -جل وعلا-، والذي لا يخشى الله -جل وعلا- ليس من أهل العلم؛ لأن الله -جل وعلا- قصر الصفة على الموصوف والموصوف على الصفة ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] فالذي لا يعلم لا يخشى، من أين؟ موارد الخشية مورد الخشية هو العلم، والذي لا يخشى على طريق العكس أيضاً لا يستحق أن يسمى عالماً.
وخصهم ربنا قصراً بخشيته ... وعقل أمثاله. . . . . . . . .
الأمثال لا يعقلها إلا العالمون، ولذا كثير من أهل العلم إذا استغلق عليه فهم مَثَل من الأمثال اتهم نفسه بقلة العلم؛ لأن الله -جل وعلا- ذكر ذلك ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت] فدل على أن الذي لا يعقل هذه الأمثال التي ضربها الله -جل وعلا- في كتابه، وعلى لسان نبيه ﵊ الذي لا يعقل هذه الأمثال ليس بعالم، ولذا هذه الأمثال ينبغي أن تكون محل عناية واهتمام من طالب العلم؛ لأنها ما ضربت عبث.
. . . . . . . . . ... وعقل أمثاله في أصدق الكلمِ
ومع شهادته جاءت شهادتهم ... . . . . . . . . .
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [(١٨) سورة آل عمران].
ومع شهادته جاءت شهادتهم ... حيث استجابوا. . . . . . . . .
حيث استجابوا لأمر الله -جل وعلا-، وأمر رسوله ﵊، وامتثلوا، لزموا وسلكوا طريق العلم.
. . . . . . . . . ... حيث استجابوا وأهل الجهل في صممِ
أعرضوا وأصموا آذانهم عن هذا النداء الإلهي والنداء الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، والحث العظيم على طلب العلم، أهل الجهل صموا آذانهم، وأهل العلم استجابوا فتعلموا وعملوا وعلموا "وأهل الجهل في صممِ".
ويشهدون على أهل الجهالة بالـ ... مولى إذا اجتمعوا في يوم حشرهمِ
стр. 38
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [(١٤٣) سورة البقرة] من أجل إيش؟ ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [(١٤٣) سورة البقرة] لكن الذي لا يدري ما يشهد به كيف يشهد؟ إنما الذي يشهد من عنده العلم بما يشهد به، والجاهل لا يستطيع أن يشهد؛ لأن الشهادة إنما تكون على معلوم لا على مجهول، والجاهل لا يستطيع أن يشهد على مجهول، إذاً لا يشهد إلا العالم.
نكتفي بهذا، نقتصر على هذا القدر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول: البعض ممن يقرؤون ويكتبون يلتفتون بين الأذان والإقامة، فما هو الفرق بين العامي والمتعلم في الانشغال عن فضيلة الزمان والمكان؟
نعم يوجد التفريط من بعض المتعلمين، التفريط موجود من بعض المتعلمين، والسبب في ذلك أنهم فرطوا في وقت السعة، ولو حفظوا أوقاتهم في السعة لحفظت عليهم في أوقات الحاجة، إذا اشتدت الحاجة إلى مثل هذا العمل الصالح في الأماكن في الأزمان الفاضلة إذا كانوا قد تعرفوا على الله -جل وعلا- في رخائهم عُرفوا في شدتهم، وإلا فالوصية لطالب العلم أن يستغل أنفاسه بما ينفعه في آخرته، ويوصله إلى مرضاة ربه، فقد يقول قائل: والله الآن ما بقي على الإقامة إلا شيء يسير الآن حانت الإقامة، فما يمديني أقوم وأخذ مصحف وأقرأ، يا أخي مد يدك إلى المصحف، وافتح المصحف، وانظر في عهد ربك، واقرأ ما تيسر لك، وما يدريك لعل الإمام يتأخر، فتكون كسبت لك كم آية، وفي كل حرف عشر حسنات، يعني الصفحة الواحدة كم فيها من حسنة؟ الجزء الواحد فيه مائة ألف حسنة، إذا قسمت المائة ألف على العشرين ظهر في الصفحة الواحدة التي تقرأ في دقيقة خمسة آلاف حسنة، يعني حرمان، في دقيقة واحدة تكسب خمسة آلاف حسنة ويقول: لا، ما يمدينا، هذا حرم نفسه، والله المستعان.
стр. 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية للعلامة حافظ حكمي (٣)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يقول: هل يمكن لطالب العلم أن يكتفي بكتب الحديث عن كتب الفقه؟
لا شك أن المعول على النصوص، على الكتاب والسنة، المعول عليهما، لكن لا بد من مقدمات وعلوم تعين على فهم الكتاب والسنة، النصوص فيها العام والخاص، وفيها المطلق، وفيها المقيد، وفيها المحكم، وفيها المتشابه، وفيها المجمل، وفيها المبين، وفيها الناسخ، وفيها المنسوخ، لا بد من معرفة العلوم التي تعين على فهم النصوص، علوم العربية بفروعها الاثني عشر، أصول وقواعد التفسير، وأصول المصطلح، وعلوم الحديث، وأصول الفقه كلها طالب العلم بأمس الحاجة إليها، والنظر في أقوال الأئمة من أهل العلم، ومواضع الاختلاف، ومواضع الاتفاق؛ لئلا يخالف إجماع؛ ولئلا يبتدع قول لم يقل به من سبق، فلا بد من الاطلاع على أقوال الأئمة، والاحتذاء بهم، والاقتداء بهم في كيفية الاستنباط، وليسلم قوله واختياره عن الشذوذ والشواذ، كم من شخص اعتمد على نفسه غير مقتدٍ بغيره، وإن كانت عمدته ومعوله على الكتاب والسنة، لكنه لم يستطع أن يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، لا بد أن يعرف الجادة المعروفة عند أهل العلم.
والمثال الذي ذكرناه في مناسبات كثيرة شخص يعتني بالسنة ولا علم له بأقوال أهل العلم، ولا كيفية الاستنباط عند أهل العلم، قرأ في صحيح مسلم: باب ما جاء في قتل الكلاب، فأخذ المسدس وكل ما رأى من كلب قتله، والدرس الذي يليه باب: ما جاء في نسخ قتل الكلاب، ماذا يصنع؟ لكن لو قرأ هذه المسألة في كتاب فقهي لن يحصل له مثل هذا؛ لأن كتب الفقه هي خلاصة وعصارة لهذه النصوص وهذه الأدلة، نعم فيها القول الراجح وهو الكثير، وفيها الأقوال المرجوحة، فيها الاعتماد على الأحاديث الصحيحة، وفيه أيضاً اعتماد على أحاديث ضعيفة، لكنه بمجموع النظر يتكامل النظر في الأصول في الأصل الأصيل الذي هو القرآن، وما يبينه ويوضحه وهو السنة، مع أقوال أهل العلم تتكامل الرؤية وتتضح، فلا بد من التوفيق بين الفقه والحديث.
سم.
стр. 40
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين يا ذا الجلال والإكرام.
قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى-:
والعالمون على العباد فضلهم ... كالبدر فضلاً على الدري فاغتنمِ
وعالم من أولي التقوى أشد على ... الشيطان من ألف عباد بجمعهم
وموت قوم كثير العد أيسر من ... حبر يموت مصاب واسع الألم
كما منافعه في العالم اتسعت ... وللشياطين أفراح بموتهم
تالله لو علموا شيئاً لما فرحوا ... لأن ذلك من أعلام حتفهم
هم الرجوم بحق كل مسترقٍ ... سمعاًَ كشهب السماء أعظم بشهبهم
لأنها لكلا الجنسين صائبة ... شيطان إنس وجن دون بعضهم
هم الهداة إلى أهدى السبيل وأهـ ... ـل الجهل عن هديهم ضلوا لجهلهم
وفضلهم جاء في نص الكتاب وفي الـ ... حديث أشهر من نار على علم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى- في فضل العلم وحملته:
"والعالمون" العلماء "على العباد فضلهم * كالبدر فضلاً على الدري" يعني على الكوكب الدري "فاغتنمِ" إذا كان فضل العلماء على العباد فما فضلهم على سائر الناس؟
روى الدارمي عن الحسن مرسلاً قال: ((فضل العالم على العابد)) الذي يصوم النهار، فضل العالم يعني الذي يؤدي الواجبات فقط ((على العابد)) الذي يصوم النهار ويقوم الليل ((كفضلي على أدناكم)) فضل عظيم، وجاء أيضاً ما يدل على أن العلماء أفضل من العباد، والنسبة بينهم كالبدر كنسبة البدر إلى نسبة الكوكب الدري.
стр. 41
أقول: هذا إذا كان بالنسبة لمن أمضى وقته، وقضى أنفاسه فيما يرضي الله -جل وعلا- وهو العبادة التي من أجلها خُلق، هذا على العباد، فماذا عن فضل العلماء على سائر الناس غير العباد؟ فضلاً عن من دونهم من أهل التفريط، وهذا كما قال المؤلف ﵀: "فاغتنمِ" اغتنم فرصة العمر ليحصل لك هذا الفضل، على هذا تبعاً للقاعدة المقررة عند أهل العلم أن النفع إذا كان متعدياً كان فضله وأجره أكثر من النفع القاصر، فالعلم فضله يتعدى إلى غيره، وقلنا: إن الثواب المرتب على العلم أشبه ما يكون بالهرمي، مثل ما قلنا: تعلم على يديك شخص وهذا الشخص علم آخر، والآخر علم ثالث، والثلاثة علموا ثلاثة، والستة علموا ضعفهم إلى أن يصل العدد إلى ما لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-، إضافة إلى التأليف إن وجد يعني مع التعليم، أجور أجور عظيمة، لا يقدر قدرها إلا الله -جل وعلا-، فعلى الإنسان أن يغتنم كل لحظة في عمره للاكتساب من العلوم التي تزيده معرفة بالله -جل وعلا-، وعملاً بدينه، وتعليماً لخلقه.
وعالم من أولي التقوى أشد على ... الشيطان من ألف عبّاد بجمعهمِ
عباد: جمع عابد أو صيغة مبالغة فعال؟ نعم صيغة مبالغة (فعال) عباد "من ألف عباد بجمعهمِ" يعني من ألف عابد، لكنه جاء بها بصيغة المبالغة، وقد روى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد)) لكنه بسند ضعيف، سنده ضعيف "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" لماذا؟ معناه صحيح وإلا غير صحيح؟ معناه صحيح، سنده ضعيف، لكن معناه صحيح؛ لماذا؟ لأن وظيفة الشيطان إغواء الناس، ووظيفة العالم ضد وظيفة الشيطان هداية الناس، والعابد هذا إذا اهتدى بنفسه يكون فرداً واحداً، لكن العالم إذا بذل واستحق أن يكون عالماً بحق، عالماً ربانياً، هادياً مهدياً فإنه يناقض وظيفة الشيطان، هذا وظيفته إغواء الناس، وهذا وظيفته هداية الناس، فجاء أمره أشد على الشيطان من العابد الذي يقتصر على نفسه دون أن ينفع غيره.
وموت قوم كثير العد أيسر من ... جج حبر يموت مصاب واسع الألمِ
стр. 42
موت العالم ثلمة لا تسد، فلا شك أن مصاب الناس بالعالم الذي يهديهم ويدلهم إلى الصراط المستقيم، وإلى الطريق الأقوم لا شك أنه أمره عظيم جداً، وخسارة فادحة لا تعوض، وأدركتم شيئاً من ذلك، يعني خسرت الأمة بفقد علمائها بما لا يمكن تعويضه، ولا شك أن موت العالم ثلمة.
وموت قوم كثير العد أيسر من ... حبر يموت مصاب واسع الألمِ
الحبر: واحد الأحبار، وأهل اللغة يقولونه بالكسر، وأهل الحديث يقولونه بالفتح.
يقول:
كما منافعه في العالم اتسعت ... وللشياطين أفراح بموتهمِ
منافع العالم اتسعت، وإذا كان اتساع منفعة العالم في أزمان مضت اتساع محدود في بلده، وبواسطة من ينقل عنه العلم من طلابه، أو بواسطة كتبه التي ألفها، وسارت في الآفاق، منافعه اتسعت بهذه الطريقة، يأتي طلاب من الآفاق يحملون عنه، ويبلغون أقوامهم، أو بمؤلفاته التي تنتشر ويعم نفعها، لكن الآن اتسع الانتشار اتساعاً لا يجعل لأحد أدنى حجة من البذل، يعني بعض الناس كان يتعذر بأنه لا يرى السفر مثلاً، أو يشق عليه السفر، الآن ما له حجة وهو في بيته في مكتبه في مكتبته في بيته يبلغ إلى الآفاق بواسطة هذه الآلات، والأشرطة وصلت إلى أقاصي الدنيا، والبث أيضاً وصل، والأسئلة ترد من الشرق ومن الغرب في وقت واحد، من استراليا ومن كندا في ظرف واحد ترد.
كما منافعه في العالم اتسعت ... وللشياطين أفراح بموتهمِ
стр. 43
يعني كم فرح الشياطين بموت الأئمة العلماء الربانيين أمثال الشيخ ابن باز والألباني والشيخ ابن عثيمين، هؤلاء وصلت علومهم إلى جميع أصقاع الأرض، وجاء من يبلغهم بهذا، ويسألهم هل نحن من الطلاب أو لا؟ فاختبروهم فوجدوهم كما أمّلوا، اختبروهم، قالوا: تخرجنا على الأشرطة، فوجدوا أضبط من بعض من يحضر الدروس، هذا خير عظيم، هذه منة من الله -جل وعلا-، وآية من آيات الله -جل وعلا- أن يصل العلم في آن واحد في وقت واحد من غير سفر، ومن غير عناء، ومن غير رحلة، كان السلف يرحلون الآلاف من الكيلوات، آلاف الأميال من أجل أن يلتقوا بالعالم فلان، ويأخذوا عنه علمه، ثم يرجعون إلى بلدانهم بعد سنين، الآن بالإمكان أن يرحل في يوم ويرجع، هذا إذا ارتحل، أو يصل إليه علم فلان وعلان من أقصى الدنيا في ضغطة زر، فما بقي الآن لأحد حجة، فاتسع النفع واتسع الانتفاع، والحمد لله.
كما منافعه في العالم اتسعت ... وللشياطين أفراح بموتهمِ
تالله لو علموا شيئاً لما فرحوا ... لأن ذلك من أعلام حتفهمِ
حتى الشياطين لو علموا بأن موت هذا العالم علامة لحتفهم كيف؟ لأن قبض العلماء علامة على قرب الساعة، وقرب الساعة ليس من مصلحة هؤلاء الشياطين؛ لأنهم يؤولون إلى دار الجزاء التي ليس لهم فيها إلا النار -نسأل الله السلامة والعافية-.
تالله لو علموا شيئاً لما فرحوا ... لأن ذلك من أعلام حتفهمِ
هم الرجوم بحق كل مسترقٍ ... سمعاًَ كشهب السماء أعظم بشهبهمِ
هم الذين يحرقون هؤلاء الشياطين، ويقضون على شبههم وتلبيسهم، فهم الرجوم لهؤلاء الشياطين، كما أنهم أيضاً هم الماحق والساحق لهذه الشبه التي يلقيها شياطين الإنس والجن.
لأنها لكلا الجنسين صائبة ... . . . . . . . . .
هذه الشهب وهذه السهام سهام الحق التي تصدر من أهل العلم المحققين لأهل الشبه.
لأنها لكلا الجنسين صائبة ... شيطان إنس وجن دون بعضهم
لا شك أنهم شجىً في حلوق الشياطين شياطين الإنس وشياطين الجن.
ثم قال:
"هم الهداة" يعني العلماء.
هم الهداة إلى أهدى السبيل وأهـ ... ـل الجهل عن هديهم ضلوا لجهلهمِ
стр. 44
وذكرنا ما ذكره أبو بكر الآجري في كتابه (أخلاق العلماء في منة أهل العلم على أهل الجهل) يعني تصور أنك في بلد ما فيه عالم، وأشكل عليك أدنى مسألة من مسائل الدين أو من مسائل الدنيا، كيف تنحل هذه المسألة؟ كيف تنحل هذه المشكلة؟
هم الهداة إلى أهدى السبيل وأهـ ... ـل الجهل عن هديهم ضلوا لجهلهمِ
وفضلهم جاء في نص الكتاب وفي ... الحديث أشهر من نار على علمِ
النار إذا كانت في بطن وادي ما ترى، لكن إذا كان على علم، على رأس جبل يراها الناظر من بعيد، فالنصوص نصوص الكتاب والسنة التي جاءت في فضل العلم وفضل العلماء أشهر من نار على علم، يعني من النار التي توقد فوق رأس جبل.
نعم.
نبذة في وصية طالب العلم
يا طالب العلم لا تبغي به بدلاً ... فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ
وقدس العلم واعرف قدر حرمته ... في القول والفعل والآداب فالتزم
واجهد بعزم قوي لا انثناء له ... لو يعلم المرء قدر العلم لم ينم
والنصح فابذله للطلاب محتسباً ... في السر والجهر والأستاذ فاحترم
ومرحباً قل لمن يأتيك يطلبه ... وفيهم احفظ وصايا المصطفى بهم
والنية اجعل لوجه الله خالصة ... إن البناء بدون الأصل لم يقم
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندم
ومن به يبتغي الدنيا فليس له ... يوم القيامة من حظ ولا قسم
كفى به من كان في شورى وهود وفي الـ ... إسراء موعظة للحاذق الفهم
إياك واحذر مماراة السفيه به ... كذا مباهاة أهل العلم لا ترم
فإن أبغض كل الخلق أجمعهم ... إلى الإله ألد الناس في الخصم
والعجب فاحذره إن العجب مجترف ... أعمال صاحبه في سيله العرم
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص والآراء فاتهم
قدم وجوباً علوم الدين إن بها ... يبين نهج الهدى من موجب النقم
وكل كسر الفتى فالدين جابره ... والكسر في الدين صعب غير ملتئم
دع عنك ما قاله العصري منتحلاً ... وبالعتيق تمسك قط واعتصم
يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
"نبذة" قليلة مختصرة يستفيد منها طالب العلم، وهي عبارة عن مجموعة وصايا لطالب العلم، يحثه على الازدياد من طلب العلم، وينير له الطريق، ويرسم له بعض المعالم التي عليه أن يسلكها.
يقول:
نبذة في وصية طالب العلم
стр. 45
يقول:
يا طالب العلم لا تبغي به بدلاً ... فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ
لأنك في طريقك إلى أن تكون من الهداة من العلماء الذين تقدم ذكر فضلهم في النصوص، وفي كلامه السابق ﵀.
"لا تبغي به بدلاً" ويوجد -ولله الحمد- من طلاب العلم من صبروا وصابروا وثابروا واستمروا السنين كما أنه وجد من ترك الطلب لا سيما لما شاعت واشتهرت التجارة الرابحة في أسرع مدة وأقصر وقت، كتجارة الأسهم، يعني فقدنا بعض الطلبة، يعني لا ننكر أننا خسرنا بعض الطلبة، فقد تركوا وابتغوا بدلاً من العلم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وانساقوا وراء الأسهم، ثم بعد ذلك حصل ما حصل من الكوارث والخسائر الفادحة، وندموا ولات ساعة مندم، وصعب عليهم الرجوع، وبعضهم رجع، ولذا يقول:
يا طالب العلم لا تبغي به بدلاً ... فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ
ما الذي كسبه من أعرض عن العلم بعد أن حفظ كتاب الله وشيئاً من سنة نبيه ﵊، وحفظ بعض المتون، ثم انصرف عنها إلى البديل إلى الحطام الفاني، ثم نسي ما حفظ، ما نسبة ربحه إلى خسارته، لا نسبة بين الخسارة والربح في هذه الصورة ألبتة، لا نسبة بين خسارته وربحه، افترض أنه كسب الدنيا بحذافيرها، ولا يعرف قدر الدنيا إلا العارفون بالله -جل وعلا- وبموعوده، وما ثبت عنه وعن نبيه ﵊، المطلعون على سيرة النبي ﵊ وكيفية عيشه ونظرته إلى هذه الدنيا.
سعيد بن المسيب لما جاءه الخاطب يخطب ابنته للوليد بن عبد الملك ابن الخليفة، وقال له: جاءتك الدنيا بحذافيرها، ما قال: فرصة، نتفرغ للعلم، والدنيا تأتي من هذا الطريق، قال: لا، جاءتك الدنيا بحذافيرها، قال: إذا كانت الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة فماذا ترى يقص لي من هذا الجناح، هؤلاء هم الذين يعرفون قدر الدنيا.
يا طالب العلم لا تبغي به بدلاً ... فقد ظفرت ورب اللوح والقلمِ
وقدس العلم. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
العلم جاءت النصوص بتقديسه وتعظيمه والرفع من شأنه، فارفع من شأنه وقدسه وعظمه في نفسك وفي غيرك.
وقدس العلم واعرف قدر حرمته ... في القول والفعل والآداب فالتزمِ
стр. 46
في القول والفعل، لا يكون تقديسك للعلم وحثك على العلم والتعلم والتعليم بمجرد القول، لكنك أعمالك تخالف ما تقول، فكأنك تدعو بقولك، وتصد بعملك، كما هو حالنا وحال كثير ممن يتصدى لهذا الأمر، إذا قارنت بين العلم والعمل وجدت البون شاسعاً، فكأن من يتحدث في هذه الموضوعات يحث الناس بلسانه، لكن ماذا عن العمل، ولا شك أن صرف الناس بالعمل أعظم من جلبهم بالعلم والقول فقط؛ لأن الناظر إلى العمل يقول: لو كان العمل بهذا العلم نافعاً لما ترك العمل به، ولكان أولى الناس بالعمل به لمعرفته، وتمام خبرته بفضل هذا العلم لا بد أن يعمل به، وما دام لا يعمل به هو فلا شك أن العمل به غير مجدٍ، إذاً تعلمه ليس بمجدٍ، فهو يحث الناس بقوله، ويصرفهم بعمله، نظير ذلك الطبيب مهما نصح في التحذير من الدخان وهو يدخن ما يستفاد منه، يستفيد المريض إذا قال له: لا تدخن وهو يدخن؟ ما يستفاد منه، ومهما قال العالم: احرصوا على الأوقات، واغتنموا الأوقات وهو يضيع أوقاته يمين وشمال وفي القيل والقال، واحرصوا على قيام الليل وهو ما يقوم الليل، احرصوا على الصوم وهو ما يصوم هذا ما فيه فائدة.
وقد العلم واعرف قدر حرمته ... في القول والفعل والآداب فالتزم
يعني تأدب بأدب العلم، يعني لا يليق بطالب علم أو بعالم أن يكون وضعه مثل وضع عامة الناس، ويوجد ممن يحمل شيئاً من العلم، وإذا جلست في مجلس لا تجد أي فرق بينه وبين العوام.
واجهد بعزم قوي لا انثناء له ... . . . . . . . . .
اجهد في تحصيل العلم والعمل به بعزم قوي لا انثناء له، لا تنثني لا يثنيك أي شيء من المغريات، لا يثنيك لين الفراش، ولا جمال الزوجة، ولا طيب الهواء والجو، ولا متعة التنزهات والرحلات.
واجهد بعزم قوي لا انثناء له ... لو يعلم المرء قدر العلم لم ينمِ
يعني لو أن الإنسان يدرك حقيقة هذا العلم ما تهنأ بنوم؛ لماذا؟ يريد أن يستغل هذه الساعات التي ينامها في تحصيل أكبر قدر ممكن من العلم.
والنصح فابذله للطلاب محتسباً ... . . . . . . . . .
стр. 47
يعني على العالم أن يبذل النصح لطلابه، على العالم أن ينصح لطلابه، والنصيحة كما جاء في الحديث: ((الدين النصيحة)) وأولى الناس بنصحك أهل بيتك ومعارفك وأقاربك وجيرانك وطلابك، الأقربون أولى بالمعروف ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [(٢١٤) سورة الشعراء] والطلاب بمنزلة الأولاد، فعلى العالم أن يبذل النصيحة لهم، كما أن على الطالب ألا يضجر الشيخ، إذا رأى أن الوقت غير مناسب، أو أن الشيخ غير متهيئ للإكثار من الأسئلة يترك، تجد بعض الطلاب –هداهم الله- ولا شك أن هذا باعثه الحرص على الإفادة والاستفادة من الشيخ، مجرد ما يسلم الشيخ من الصلاة قبل أن يؤدي الأذكار يأتي ليسأل، ويصعب أن يقول الشيخ باستمرار: انتظر قليلاً، دعنا نذكر الله وكذا، تجد بعض أهل العلم إذا سلم جهر بالذكر على غير عادته ليخبر الطالب اللي بجنبه ومن عن يمينه واللي بيساره أن المسألة ما زالت يعني، انتظر قليلاً، وبعض الطلاب ما يقدر هذه الأمور، وبعضهم إذا رأى الشيخ يقرأ قرآن، جالس في المسجد يقرأ القرآن، أكثر عليه من الأسئلة وأنهى الوقت بأسئلته وبمشاكله وقضاياه، وإذا قال له الشيخ: أنا والله مشغول الآن، قال: كيف مشغول؟ جالس يقرأ قرآن ومشغول؟ ويش معنى مشغول؟ يعني ما يقدرون المسائل قدرها، وهذا فيه إحراج للشيوخ، وبعض الطلاب ما يدرك مثل هذه الأمور، يريد أن يأخذ حاجته، والمطالبة من الطرفين، لا يطالب طرف على حساب طرف آخر، الشيخ عليه أن يبذل، على الشيخ أن يبذل، وعلى الطالب أن يرفق بشيخه، ولا يضجر شيخه؛ لأن الشيخ ظروفه مثل ظروف غيره، أحياناً يأتي بعد درس وينصرف إلى بيته فيتبعه بعض الطلاب ويوقفونه عند الباب، يمكنه محتاج للدورة، والطالب ما يقدر هذه الأمور، أو يكون بعد صلاة ظهر أو عصر والشمس محرقة، ويوقف الشيخ في الشمس، هذا موجود من كثير من الطلاب، فيصعب على الشيخ أن يصرفهم بأسلوب غير مناسب، وبعض الطلاب لا يفيد به إلا التصريح، فكما أن الشيخ مطالب بالبذل والصبر على الطلاب ومحض النصح للطلاب، أيضاً الطرف الآخر مطالب، وفي آداب العالم والمتعلم ما يكفي ويشفي، لكن كثير من طلاب العلم في غفلة عن دراية هذه الأمور، ومراجعة هذه الأمور، والصحابة
стр. 48
كانوا على أدب رفيع قوي مع النبي ﵊، وقد نهوا عن الإكثار من الأسئلة، أسئلة يستفيدون منها، وقد أمر الله -جل وعلا- بالسؤال ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [(٤٣) سورة النحل] لكنهم نهوا عن الإكثار من الأسئلة التي تضجر، ابن آدم مركب من أمور من لحم ودم ومشاعر ومن .. ، المقصود أنه يضجر مهما كان، إنما أنا بشر ﵊ مع ما جُبل عليه من خلق ومن حلم ومن تواضع لكن مع ذلك نهوا عن الإكثار من المسائل لهذا الأمر، فكانوا يفرحون إذا جاء الرجل العاقل من أهل البادية ليسأل النبي ﵊ من أجل أن يستفيدوا.
فعلى طالب العلم أن يتحين الأوقات المناسبة، ولا يضجر الشيخ، كما أن على الطرف الآخر على الشيخ أن يبذل، أخذ الله عليه العهد والميثاق أن يبين ولا يكتم، على ما ستأتي الإشارة إليه في هذه المنظومة -إن شاء الله تعالى-.
والنصح فابذله للطلاب محتسباً ... في السر والجهر والأستاذ فاحترمِ
النصح للطلاب لا بد منه، إذا جاء طالب يستشير في كتاب يقرأ على العالم أن ينظر مستوى هذا الطالب ويشير إليه بما يناسبه، ولا ينظر إلى مصلحته هو، إنما ينظر إلى مصلحة الطالب وينصح للطالب، بعض الشيوخ إذا جاءه الطالب قال: أريد أن أقرأ عليك، ويش تختار لي أي كتاب؟ فبعض الشيوخ يختار ما يحتاجه من الكتب هو، هذا ليس من النصح للطالب، وقد يكون هذا الكتاب غير مناسب للطالب، فمن باب النصيحة وبذل النصيحة لهذا الطالب أن ينظر الشيخ فيما ينفع الطالب.
والنصح فابذله للطلاب محتسباً ... في السر والجهر والأستاذ فاحترمِ
ومرحباً قل لمن يأتيك يطلبه ... وفيهم احفظ وصايا المصطفى بهمِ
من يأتيك يطلبه من أهل البلد، وليكن عنايتك وترحيبك بمن هو أبعد فأبعد عن أهل البلد؛ لأن أهل البلد ما تعبوا مثل تعب من جاء من الآفاق، فهؤلاء لا شك أنهم أهل للعناية والرعاية.
ومرحباً قل لمن يأتيك يطلبه ... وفيهم احفظ وصايا المصطفى بهمِ
стр. 49
أخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري بسند فيه كلام لأهل العلم عن رسول الله ﷺ قال: ((سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ )) والحديث لا يسلم من ضعف.
والنية اجعل لوجه الله خالصة ... إن البناء بدون الأصل لم يقمِ
ما في بناء بدون قاعدة وبدون أساس، والنية هي الأصل، والإنسان يؤجر على نيته أكثر من أجره على عمله، العمل المجرد عن النية لا أجر فيه، بينما النية المجردة عن العمل إذا وجد ما يمنع منه يرتب عليها الأثر.
والنية اجعل لوجه الله خالصة ... إن البناء بدون الأصل لم يقمِ
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندمِ
أول من تسعر بهم النار ثلاثة: رجل تعلم العلم وتعب في تحصيله ثم علم الناس، فيجاء به يوم القيامة فيقال: ماذا صنعت؟ فيقول: والله تعلمت وتعبت وسهرت وبذلت ثم علمت الناس، وهديت الناس، وأرشدت الناس ثم يقال له: كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال: عالم، ثم يسحب على وجهه ويلقى في النار، والثاني المجاهد يؤتى به فيقال له: ماذا صنعت؟ فيقول: جاهدت في سبيلك حتى استشهدت، فيقال: كذبت، إنما قاتلت ليقال: جريء شجاع، وقد قيل، ثم يسحب على وجهه فيلقى في النار، والثالث: المنفق صاحب الأموال الذي ينفقها في وجوه الخير فيما يبدو للناس، ثم يقال له: ماذا صنعت؟ فيقال: جمعت الأموال وأنفقتها .. ، ما من سبيل ترضاه إلا وقد أنفقت فيه، فيقال له: كذبت، إنما أنفقت ليقال: جواد، فيسحب على وجهه فيلقى في النار.
فهؤلاء الثلاثة هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، فالأمر عظيم جد خطير، يعني ما هي المسألة سهلة لا يمكن أن تخرج من هذا الشأن كفافاً لا عليك ولا لك، لا، فإما أن تكون في الدرجات العليا يتراءك أهل الجنة كالكوكب الدري الغابر في السماء من عظم المنزلة ورفعت الدرجات، أو تكون أول من تسعر به النار يوم القيامة، فاختر لنفسك.
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندمِ
حين لا ينفع الندم.
ومن به يبتغي الدنيا فليس له ... يوم القيامة من حظ ولا قسمِ
كفى به من كان في شورى وهود وفي الـ ... إسراء موعظة للحاذق الفهمِ
стр. 50
الذي في الشورى قول الله -جل وعلا-: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [(٢٠) سورة الشورى] معلق بالإرادة، الإرادة هي النية، والتي في هود قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [(١٥ - ١٦) سورة هود].
كفى به من كان في شورى وهود وفي الـ ... إسراء موعظة للحاذق الفهمِ
والذي في الإسراء: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء﴾ [(١٨ - ٢٠) سورة الإسراء] يعني بعد أن بين للفريقين طريق النجاة وطريق الشقاء ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [(١٠) سورة البلد] ولم يبق لأحد ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [(٢٠) سورة الإسراء].
إياك واحذر مماراة السفيه به ... كذا مباهاة أهل العلم لا ترمِ
روى ابن ماجه والترمذي بسند فيه كلام عن ابن عمر مرفوعاً: ((من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار)) نسأل الله العافية.
فإن أبغض كل الخلق أجمعهم ... إلى الإله ألد الناس في الخصمِ
في صحيح البخاري من حديث عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) الخصم دائم الخصومة (فعل) صيغة مبالغة (فعل) مثل حذر، الدائم الخصومة، والألد هو الذي يدعي الباطل ولا يقبل الحق، يجادل عن الباطل بقوة، وإذا عرض عليه الحق وبين له لم يقبله.
стр. 51
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
لماذا؟ لأن المعجب بعمله مزكٍ لنفسه ولعمله، مترفع عن الخلق، متكبر عليهم، يرى أن له فضل على الناس.
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
محبط للأعمال -نسأل الله السلامة والعافية-.
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... . . . . . . . . .
يعني العلم كثير.
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... . . . . . . . . .
لأن العلم بحور، لا يمكن أن يحاط به، إذا كان علم موسى والخضر في علم الله -جل وعلا- مثل ما نقر العصفور من البحر، والله -جل وعلا- يقول لجميع المخلوقين: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] يعني إذا ضم علم جميع المخلوقين ما هو بالنسبة لعلم الله -جل وعلا- إلا شيء يسير، فعلى طالب العلم أن يبدأ بالمهم المهم، وتجد بعض الطلاب عندهم كتب كثيرة جداً، والتحصيل أقل، وكثرة الكتب ليست علامة على كثرة العلم أبداً، بل هي في الغالب مشغلة عن التحصيل، تجده هذا اليوم يأخذ الكتاب يقرأ له كلمة، يأخذ هذا الكتاب ويقرأ صفحة، ثم يتنقل من علم إلى علم، ينظر في علوم لا حاجة له بها، ويترك الأهم فلا يلتفت إليه، فيكون هذا على حساب هذا، والواقع يشهد بهذا، يعني إذا ذهبتم إلى المكتبات تجدون كتب تُحقق من قبل طلاب علم، هي أبعد ما تكون عن الأهمية، يعنى بعض الطلاب بجزء بيبي، وجزء الألف دينار، وجزء كذا، وإذا سألته عن أوضح حديث في صحيح البخاري ما يدري، ليست له عناية في البخاري، هذا ابتدأ بالمهم المهم؟ لا، هذا اشتغل بالمفضول عن الفاضل.
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... . . . . . . . . .
لأن المسألة مسألة صعود وترقي، يبدأ بالمهم فالمهم؛ لأن العمر لا يستوعب كل شيء، ما يقول: والله أنا با أخر هذا العلم إلى أن أفرغ له، عليه أن يقدم ما يحتاج إليه في كل علم من العلوم، بدءاً من الدرجة الأولى، ثم الثانية، ثم إلى أن يصعد إلى السلم الذي أو رأس السلم الذي رتبه أهل العلم لطبقات المتعلمين.
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص. . . . . . . . .
النص من الكتاب والسنة يقدم على قول كل أحد.
стр. 52
"والآراء فاتهمِ" يعني بدلاً من أن تقدم هذه الآراء، ويحكم بها على النصوص قدم النصوص واتهم الآراء، يعني بعض المقلدة إذا أحضر له أو ذكر له الدليل الصحيح من الكتاب أو من السنة قال: ولو، لو كان .. ، يعني أنت أعرف من الإمام أحمد، أو من الإمام أبي حنيفة أو من الإمام مالك، أنت أعرف منهم؟ يعني يخفى عليهم هذا الدليل؟ ما يمكن يخفى، تعرفه أنت، أو فهمك أفضل من فهم الإمام أحمد أو غير الإمام أحمد؟
المقصود أن الإنسان إذا سمع قال الله وقال رسوله يقف، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفانِ
وبالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص والآراء فاتهمِ
الآراء التي تخالف النصوص اتهمها لا تتهم النص؛ لأن بعض الناس يتهم النص أنه يحتمل تأويل، يحتمل نسخ، يحتمل أنه مخصص، يحتمل أنه مقيد، ومع ذلك يعمل بأقوال الأئمة، ولا يعني هذا أن أقوال الأئمة تهدر، لا، يستفاد منها، لكن الأقوال والاجتهادات والأقيسة في مقابل النصوص فاسدة الاعتبار عند أهل العلم، "والآراء فاتهمِ".
قدم وجوباً علوم الدين إن بها ... يبين نهج الهدى من موجب النقمِ
قدم علوم الدين، يعني طالب العلم عنده مكتبة فيها كل الفنون، فيها التفسير، وفيها الحديث، وفيها العقيدة، وفيها الفقه، وفيها التاريخ، وفيها الأدب، وفيها وفيها وفيها، فيها الطب، فيها رحلات، وفيها موسوعات، كل العلوم موجودة، فيها الدواوين، فيها الشعر والنثر والقصص وغيرها، والمجلات، والذكريات، وفيها من كل شيء، ما الذي العناية به أهم؟ يقول:
стр. 53
"قدم وجوباً علوم الدين" علوم الدين هي التي جاءت النصوص بمدحها، ومدح أربابها وحامليها، أما العلوم الأخرى فهي قد تكون مما يعين، قد يكون فيها إعانة على التحصيل من بعض الوجوه، يعني تقرأ في كتب التاريخ؛ لأن فيها متعة وفيها عبرة، فيها عبرة التاريخ كما يقولون: يعيد نفسه، والأسباب التي انعقدت لهلاك الأمم السابقة إذا وجد نظائرها النتائج واحدة، السنن الكونية لا تتغير، ولذا إذا لو قرأ طالب العلم في الجزء السادس من نفح الطيب وطبق على وضعنا الحالي القائم يضع يده على قلبه، يقول: اللهم سلم سلم، التاريخ يعيد نفسه، بنفس الأسلوب الذي نعيشه الآن، وذهب أولئك نهباً للأعداء وفريسة للأعداء، استولي على محارمهم وعلى أملاكهم، وشردوا وقتلوا، والنتائج واحدة، السنن الكونية لا تتغير ولا تتبدل، ونعيش ما يقرب من عيشهم الآن.
قدم وجوباً علوم الدين إن بها ... يبين نهج الهدى من موجب النقمِ
طالب العلم أيضاً قد يحتاج إلى شيء من الاستجمام والراحة والاطلاع على أخبار الأمم الماضية واللاحقة والمعاصرة يحتاج إلى أن يخرج قليلاً من باب الاستجمام، ومن باب توسيع الأفق؛ لأن بعض المسائل تحتاج إلى شيء من السعة، يعني لو ضربت مثال واحد لبان لنا أن أهل العلم لم يهملوا العلوم الأخرى، لكن يجعلونها خادمة لعلوم الدين، لا يجعلونها أصول قائمة برأسها ينبغي أن تخدم، لا، يجعلونها خادمة لعلوم الدين، فالمثال الذي تقدم في ألفاظ الجرح والتعديل قول أبي حاتم الرازي في جبارة بن المغلس بين يدي عدل، الحافظ العراقي يقول: هذا تعديل، يعني أبو حاتم يوثقه، ويقرأها: "بين يديَّ عدلٌ" وهذا توثيق، لكن الحافظ ابن حجر أوجس خيفة من هذه اللفظة؛ لماذا؟ لأنها من بين أقوال أهل العلم التي كلها تنصب في تضعيف هذا الرجل، فكيف يقول أبو حاتم وهو أشدهم: "بين يدي عدل" فصار يبحث، فوجد في أدب الكاتب ما فيه طرف الخيط، وأن شخصاً يقال له: العدل بن جزء بن سعد العشيرة على شرطة تبع، ثم وجد أيضاً في الأغاني ما يدل على ذلك بزيادة، وأن تبع إذا أراد قتل شخص قال: استلمه يا العدل، وهو على شرطته، فيقول الناس: "بين يدي عدل" يعني هلك، خلاص انتهى.
стр. 54
وفي الأغاني أيضاً قصة أخرى إبراهيم بن هارون الرشيد كان على مأدبة، ومعه القائد طاهر، فأخذ هذا الصبي هندبات إما كوسة وإلا قرع وإلا شيء من هذا، أخذها من الطعام فضرب بها عين طاهر، طاهر أعور، ضرب العين السليمة، فذهب يشكوه إلى والده، فقال: هذا ما فعل هذا الصبي بعيني السليمة، والأخرى بين يدي عدل، يعني تالفة، يعني صرنا نستفيد من هذه الكتب، لكن فائدة يعني فائدة لا تعادل حجم هذه الكتب وما فيها من شرور، فيها شرور، وفيها أيضاً فيها مجون، وفيها كلام سخيف ومخل بالأدب، ولا يليق بطالب العلم، لكن مع ذلك يستفاد منها على إقلال، يعني ما يوغل فيها، وتجعل ديدن وإلا ورد كما يفعله بعض الناس، بعض الناس يقرأ الأغاني مراراً، أو يقرأ مثلاً كتب الأدب المطولة والمختصرة، ويعنى بالموسوعات وبالرحلات وبالذكريات، ويترك قال الله قال الرسول، هذا ليس بصحيح، ولذا قال:
قدم وجوباً علوم الدين إن بها ... يبين نهج الهدى من موجب النقمِ
وكل كسر الفتى فالدين جابره ... والكسر في الدين صعب غير ملتئمِ
كل كسر سواءً كان حسي أو معنوي، سواء انكسر أحد أعضائه ينجبر هذا، والدين يعوض، وسواء كان معنوي أيضاً وجد من يسخر منه، وجد من يهزأ به، هذا أمره يسير؛ لأنه معلق بالدنيا، والدنيا ليست شيء ممر.
وكل كسر الفتى فالدين جابره ... والكسر في الدين صعب غير ملتئمِ
لا سيما إذا لم يتدارك بتوبة وأوبة ورجعة.
دع عنك ما قاله العصري منتحلاً ... وبالعتيق تمسك قط واعتصمِ
стр. 55
"دع عنك ما قاله العصري منتحلاً" يعني من علومهم المعاصرة التي لا تعين على ما يورث الخشية لله -جل وعلا- من علوم الكتاب والسنة وعلوم الدين التي جاء الحث عليها، فعلوم المعاصرين يستفاد منها في أمور الدنيا، يعني لو أن الإنسان أفنى عمره وتخصص في الطب أو في الهندسة أو في الزراعة أو في الكيمياء أو في غيرها من العلوم هذا يستفيد في أمور دنياه، كأنه نجار، كأنه مزارع، وأيضاً النية لا تؤثر فيها، لا تؤثر سلباً، يعني لو قصدها، قال: أنا أتعلم الطب أتكسب، لا أريد إلا الدنيا ما عليه شيء، يعني مثل المزارع ومثل التاجر ومثل الصانع هذه أصلها للدنيا، لكن إذا نوى بذلك التقرب إلى الله -جل وعلا- ونفع العباد يؤجر على هذه النية.
دع عنك ما قاله العصري منتحلاً ... وبالعتيق تمسك قط واعتصمِ
يعني في وقت من الأوقات يقال لطلاب العلم وقد سمعناه وقيلت لنا: اترك تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، هذه مضى وقتها، عليك بما كتبه المعاصرون، الذين يعرفون مشاكل العصر، وقضايا العصر، وينزلون عليها، اترك كتب المتقدمين نقول: لا "وبالعتيق تمسك" ما في علم إلا بكتب المتقدمين، يعني كون الإنسان يطلع على ما كتبه المعاصرين طيب وجيد، يطلع على ما كتبه العلماء المعاصرين، لا سيما من كانت عنده شيء من الالتزام بالقواعد، قواعد العلم والتعليم، أما من انسلخ مما ينبغي أن يزاوله شارح الكتاب أو شارح السنة هذا لا يلتفت إليه، يعني مثل تفسير طنطاوي جوهري الذي كأنه كتاب علوم، كله رسوم لذوات الأرواح، وكله نظريات، وكله نقول عن يهود ونصارى وكفار، وتجارب أمم، يعني كلها .. ، الكتاب محشو بمثل هذا، والفائدة في جانب هذه الأمور قليلة جداً.
стр. 56
يعني من الطرائف التي ذكرها، يعني استدل على جواز التصوير: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾ [(٤٣) سورة الأنفال] يقول: هو يرى العدو على حقيقته، ولا يمكن أن يرى حقيقة أقل مما هو عليه إلا بصورة، ليست حقيقة، أوروا العدد قليل بصورة لا بالحقيقة، فهذا يدل على جواز التصوير، يقول: فعرضت هذا .... ، قلت: هذا يدل على جواز التفسير، فعرضت هذا الاستنباط على شيخ من شيوخ الأزهر، فقال: أنا أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن هذا يدل على وجوب التصوير، يعني مثل هؤلاء يؤخذ عنهم علم، أو تضاع الأوقات في قراءة كتبهم! وعندنا أئمة إمام المفسرين على الإطلاق الطبري، وشيخهم ابن كثير، وهذه الكتب التي هي من مشكاة النبوة، التفسير بالأثر، بأقوال النبي .. ، تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، بأقوال الصحابة والتابعين، باستنباط على الوجه الشرعي المعروف، على الجادة المعروفة عند أهل العلم، أهل علم وعمل، أهل تقوى، أهل ورع، ولا يمنع أن تأخذ من التفاسير الأخرى ما يعينك على الاستنباط من الكتاب، وما يدلك على إعجاز القرآن وبلاغة القرآن، تأخذ من كل اتجاه بطرف، يعني تأخذ من أحكام القرآن، تقرأ في الكتب التي أعربت القرآن، تقرأ في الكتب التي بينت وجوه إعجاز القرآن، تقرأ في شروح الأحاديث التي تعينك على فهم كلام النبي ﵊.
. . . . . . . . . ... وبالعتيق تمسك قط واعتصمِ
لتلزم الجادة، يعني كتابات المعاصرين ومن بيئات وثقافات متفاوتة ومتباينة لا بد أن يوجد عندك شيء من الاضطراب، أما إذا كنت على الجادة في تلقيك عن كتب الأئمة من أهل العلم فهذا بإذن الله -جل وعلا- تكون النتيجة مضمونة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية - للعلامة حافظ حكمي (٤)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول: ما أفضل طبعات هذه المنظومة؟
لعله يقصد المنظومة الميمية للشيخ حافظ، المنظومة طبعت في حياته على نفقة الملك سعود طبعة جيدة، فيها أخطاء يسيرة يمكن أن تستدرك، ثم طبعت بعد ذلك مراراً، وباعتبار أن الكتاب ما تداوله النساخ، فأخطاؤه طفيفة.
يقول: هل يجوز للرجل أن يأخذ زوجته إلى حمام عام به غرف خاصة للاستحمام معاً؟
هذا إن كان في بيته متسع فالأصل أن يستحم مع زوجته أو بمفرده، وتستحم بمفردها في بيت يكنهما، أما إذا كانت البيوت تضيق عن هذا، وهم بحاجة إلى الاستحمام، فإذا ذهبت الزوجة إلى حمامات النساء، وذهب هو إلى حمامات الرجال فهذا هو الأصل؛ لأن الاختلاط ولو في الممرات لا شك أنه يترتب عليه أمور لا تحمد، لا سيما في الحمامات التي تتطلب شيء من التكشف، لا أقول: كشف عورات مغلظة وإلا شيء، إنما لوجود المياه ووجود المنظفات وكذا قد يحتاج الإنسان إلى رفع ثوبه فيبدو شيء من جسده.
يقول: عند متابعتي للدروس العلمية الشرعية عبر الإنترنت هل تحصل لي فضيلة الأجر كالذي يحضر في المسجد؟
لا، أنت الآن حديث: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)) أنت جالس في بيتك ما سلكت الطريق، لكنك مع ذلك تعد من طلاب العلم، ولك أجر عظيم -إن شاء الله تعالى-، وصرفك لهذا الوقت وهذا الجهد أيضاً تؤجر عليه، لكن يختلف الوضع بين كون الطالب يأخذ من الشيوخ مشافهة ومباشرة ويجثو بين أيديهم، ويتكلف عناء الطريق، وعناء الظروف من حر وبرد يختلف اختلافاً كبيراً عن شخص جالس في بيته ويسمع من جهاز أو آلة أو شريط، أو ما أشبه ذلك، وعلى كل حال هو مأجور، إذا لم يتيسر له سلوك الطريق والحضور بين يدي الشيوخ فيرجى.
هذا يقول: أنا صاحب السؤال أمس هل يكتفى بكتب الحديث عن الفقه، فبماذا يبدأ طالب العلم هل يبدأ بكتب الحديث أم يبدأ بكتب الفقه؟ وما هو الكتاب الذي يمكن أن يكتفي به في الفقه، خاصة للطالب المتقدم في السن؟
стр. 58
عرفنا بالأمس أن كتب الحديث متون الحديث المرتبة لطلاب العلم لا بد مما يواكبها من المتون الفقهية، فالمتن الفقهي بحاجة ماسة إلى كتب الحديث، لا سيما كتب أحاديث الأحكام، وأيضاً كتب أحاديث الأحكام بحاجة ماسة إلى كيفية الاستنباط عند أهل العلم، والتصرف في النصوص المتعارضة، فتجد في كلام أهل العلم ما يحل لك إشكال في حديثين متعارضين، فيمشيان معاً يتواكبان أعني متون الفقه مع متون الحديث، وكلها مرتبة عند أهل العلم، لا متون الحديث ولا متون الفقه، يعني لو أن الطالب مثلاً بدأ بعمدة الأحكام مع عمدة الفقه، أو بدأ ببلوغ المرام مع زاد المستنقع؟ هذا يخدم هذا، وهذا يخدم هذا.
يقول: ماذا يفعل من كان لديه زوجة ينصحها زوجها عن مشاهدة المسلسلات والأفلام والأغاني فلا تمتثل لأمره، وينصحها دائماً ولكن لا تستجيب، والأدهى من ذلك أن أمها تشجعها على ذلك، هل يتركها أم ماذا يفعل بها؟
على كل حال هذه مخالفات ومعاصي، فعليك أن تستمر في نصحها، وتوجيهها بالرفق واللين، وبيان الأضرار الناتجة والناجمة عن مشاهدة هذه الأفلام وهذه المسلسلات وهذه الأغاني، وتحضر لها البديل، والرفق ما دخل شيئاً إلا زانه، وعليك أن تصبر وتجتهد في نصحها، وتغيير مسارها ومسلكها، ومثل هذه الأمور لا توجب طلاق ولا تقتضيه؛ لأنها مخالفات ومعاصي تتحملها هي، فإذا أبرأت ذمتك بنصحها ومنعت من دخول هذه الأشياء إلى بيتك؛ لأنك أنت صاحب السلطان، لك أن تمنع هذه الآلات من دخول البيت، هذا إذا لم تستجب بالرفق واللين وتتركها قناعة، تتركها بشيء من الحزم.
يقول: إني أستمع إليك عن طريق البث، فهل يحصل لي فضل ما ورد في حديث: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله))؟
يعني أنت تستمع في بيت من بيوت الله أو في بيتك؟ لأنه يوجد في بلدان أخرى يجتمعون في مسجد ويستمعون هؤلاء اجتمعوا في بيت من بيوت الله، لكن إذا كنت تستمع وأنت في بيتك فأنت في بيتك، ولست في بيت من بيوت الله، وأجرك عند الله عظيم، إلا أنه لا يصل إلى حد الأجر المرتب على التعني لحضور الدروس.
يقول: هل الأفضل بالنسبة لي أن أجلس في مصلاي، وأن أقرأ القرآن حتى تطلع الشمس، أو الخروج من المسجد لأجل الاستماع إليكم؟
стр. 59
الأفضل أن تجمع بينهما، فتجلس في مصلاك تذكر الله وتقرأ القرآن حتى ترتفع الشمس، ثم بعد ذلك تخرج إلى بيتك لاستماع الدروس، وإذا نظرنا في الموازنة بين هذه الأعمال الصالحة فتعلم العلم أفضل من نوافل العبادة، هذا إذا كانت قراءة القرآن لمجرد تحصيل الثواب المرتب على الحروف، أما إذا كانت قراءة القرآن على الوجه المأمور به للتعلم والتفقه والإفادة من كتاب الله فهذا أعظم وجوه الطلب.
سم.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى-:
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ ... يجلو بنور هداه كل منبهمِ
ما ثم علم سوى الوحي المبين وما ... منه استمد ألا طوبى لمغتنم
والكتم للعلم فاحذر إن كاتمه ... في لعنة الله والأقوام كلهم
ومن عقوبته أن في المعاد له من ... الجحيم لجاماً ليس كاللجم
وصائن العلم عمن ليس يحمله ... ماذا بكتمان بل صون فلا تلم
وإنما الكتم منع العلم طالبه ... من مستحقٍ له فافهم ولا تهم
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى ... سبيل ربك بالتبيان والحكم
واصبر على لاحق من فتنة وأذى ... فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهم
لواحد بك يهديه الإله لذا ... خير غدا لك من حمر من النعم
واسلك سواء الصراط المستقيم ولا ... تعدل وقل: ربي الرحمن واستقم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ ... يجلو بنور هداه كل منبهمِ
العلم: قال الله قال رسوله، وأصل العلوم، وأس العلوم كتاب الله -جل وعلا-، وما جاء في بيانه على لسان نبيه ﵊.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ ... . . . . . . . . .
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم أولو العرفان
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين القرآن وبين قول فلان
стр. 60
المقصود أن العلم المعول فيه أولاً وآخراً على نصوص الوحيين، وما يقرأ وما يدرس من علوم أخرى إنما هي من أجل الإعانة على فهم الوحيين، قد يقول قائل: إن من طلاب العلم الآن من ينفق أوقاته بل عمره في علوم فيها شيء من البعد عن كتاب الله وسنة نبيه ﷺ يتخصص في اللغة العربية، وينفق عمره ويموت على هذه الحالة، أو يتخصص في أصول الفقه مثلاً، أو يتخصص في أي علم من العلوم، أما إذا تخصص في الحديث أو تخصص في الفقه، واستند في فقهه على نصوص الوحيين هذا متخصص في الوحيين ولا إشكال فيه، إذا كان تخصصه في فقه الكتاب والسنة لا في الفقه الذي هو الرأي المجرد، فقه المقلدة، وإضاعة العمر في كتب التقليد، يدرس روضة الطالبين مثلاً للنووي سنين، أو يدرس الإنصاف اثنا عشر مجلد في سنين، هذا لا شك أنه بعيد عن الوحيين، عن علم الكتاب والسنة، اللهم إلا إذا اتخذ هذا الكتاب الفقهي منهج، وخطة بحث يسير عليها، فينظر في مسائل هذا الكتاب، ويسعى جاهداً للاستدلال لها من الكتاب والسنة، فيكون حينئذٍ يتفقه على الكتاب والسنة بواسطة هذين الكتابين، وإلا بعض الناس يتخصص في الفقه وتعرفون فقهاء المذاهب تنتهي أعمارهم وهم يجعلون أئمتهم هم الأصول، وإذا خالف قول الإمام نصاً من الكتاب والسنة فالمقدم قول الإمام، والنص إما مؤول أو منسوخ، فهل مثل هذا وإن تخصص في الفقه وزعم أنه يدخل في حديث: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) هل يدخل في الحديث؟ لا، لا يدخل يا أخي، هذا يتخصص في آراء الناس، الذي يتخصص في التفسير ومعوله وعمدته في تفسير كلام الله -جل وعلا- على كتب التفسير بالرأي، يمضي عمره في تفسير الرازي، تفسير الزمخشري، تفسير فلان، تفسير .. ، نعم إذا تخصص في التفسير بالأثر، فتخصص في التفسير من خلال تفسير الطبري، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن كثير، تفاسير الأئمة، تفاسير السلف، فهذا يدور في فلك الكتاب والسنة، فمعوله على الكتاب والسنة، وقد حضرت مجادلة بين شخص تخصصه في القرآن وعلوم القرآن، وآخر تخصصه في السنة، فقال صاحب القرآن اللي في قسم القرآن قال: يا أخي نحن أهل الله وخاصته، وقال الثاني لأنه يعرف أن زميله هذا وإن تخصص
стр. 61
في التفسير وعلوم القرآن إلا أنه إنما يدرس الطلاب التفسير من كتب التفسير بالرأي، يعني لا يوجد من يدرس التفسير في الدراسات المنهجية الأكاديمية من خلال تفسير الطبري أو ابن كثير، يعني دُرس ابن كثير سنين في كلية الشريعة، وانتقل منه إلى تفسير الشوكاني، لكن معول المتأخرين ممن يتصدى للتفسير الكتب التي فيها الطرائف، وفيها الاستنباطات الدقيقة، والأقوال العجيبة والغريبة، كتفسير الزمخشري، تفسير الرازي، التفاسير المعروفة عند أهل هذا الشأن.
قال له صاحب الحديث: أنتم أصحاب الرأي، يعني لا فرق بينكم وبين أهل الرأي، ونحن أهل الأثر، التفسير الحقيقي تبعنا ما هو تبعكم؛ لأنه ما التفسير إلا ببيان النبي ﵊، فإذا تطاول المتخصص في التفسير وهو بعيد كل البعد عن كتاب الله -جل وعلا- بما يعانيه ويزاوله من تفاسير بالرأي، وهي مشحونة بالآراء المخالفة لما جاء عن الله وعن رسوله من اعتقاد خلف يخالف ما عليه السلف، فمثل هذا لا يقال: إنه من أهل القرآن، أو من أهل الله وخاصته.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ ... . . . . . . . . .
стр. 62
نعم التفسير بالأثر يجمع لك الأمرين، التفقه في فقه الكتاب والسنة يجمع لك الأمرين، لكن مع ذلك لو أن طالب علم اعتمد على كتاب فقهي مجرد عن الدليل، يعني يقال: الإنصاف مثلاً اثنا عشر مجلد ما في عدد المجلدات ﷺ نعم هذا كتاب فقه محض، لكن هذه المسائل لها أدلتها، فإذا حرص طالب العلم الذي يتفقه على هذا الكتاب للاستدلال لمسائل الكتاب هذا يتفقه من الكتاب والسنة، ومعوله على الكتاب والسنة، وإن اتخذ هذا الكتاب وسيلة لهذا التفقه كما شرحنا مراراً التفقه عن طريق الزاد مثلاً، قد يقول قائل: والله الزاد ما فيه أدلة لا في كتاب ولا سنة، فيه أقوال المؤلف وفيها ما يخالف الدليل وفيها ما يخالف المذهب، نقول: لا مانع أن يتفقه طالب العلم على كتاب مختصر في مذهب معين من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم، ويجمع أدلة هذه المسائل ويعنى بها، ويقارن بينها، ويذكر من وافق ومن خالف، وأدلة الموافق .. ، يتفقه على الكتاب والسنة بهذه الطريقة؛ لأن المسألة تحتاج إلى دقة في النظر، بعض الناس يلوم من يتفقه أو يتخصص في الفقه أو الأصول أو اللغة إذا سخر اللغة وقد تخصص فيها لخدمة الكتاب والسنة هذا يتعلم الكتاب والسنة ويعلم الكتاب والسنة، ويؤثر عن إمام من أئمة المسلمين أنه يقول: أخذت ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه، يعني هل كتاب سيبويه فيه أحكام الصلاة وأحكام الزكاة؟ لا، فيه مسائل توضح له النصوص من الكتاب والسنة، فالذي يعنى باللغة العربية لخدمة الكتاب والسنة هذا على خير، هذا يدرس الكتاب والسنة، يعني ماذا لو شرح شخص كتاب مختصر في النحو الأجرومية مثلاً، ثم قال للطالب فلان: أعرب لي الفاتحة من خلال دراستك للأجرومية، أعرب لي سورة الناس من خلال .. ، وأعرب لي كذا، الطالب يفهم القرآن ويرتبط بالقرآن ويفهم اللغة، ومثله لو قال: في مشكلات في الأحاديث من حيث الإعراب، جمعها ووزعها على الطلاب فاستفادوا الأمرين العربية واستفادوا ما يتعلق بالسنة، وصلة الوحيين باللغة العربية قوية جداً، حتى أن بعض الأحكام اختلف فيها أهل العلم للاختلاف في إعرابها، فمعرفة العربية في غاية الأهمية لطالب الكتاب والسنة.
стр. 63
يعني من أوضح الأمثلة ما يُذكر في هذا الباب ((ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه)) والرواية الأخرى وهي ضعيفة: ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) الجمهور أخذوا بالرواية الأولى وقالوا: إن الجنين ذكاته هي ذكاة أمه، فإذا ذكيت الأم كفى، الحنفية قالوا: لا ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) يعني كذكاة أمه يذكى، لا بد أن يذكى مثل أمه، اختلف الحكم الشرعي.
أيضاً في مسائل الاعتقاد ما معوله على العربية، في مسائل كثيرة جداً مرجعها إلى العربية، لكن ماذا عن شخص تخصص في العربية ولم تكن النصوص على باله، وأمضى عمره في شرح المفصل لابن يعيش، كتاب مطول جداً، وفيه القيل والقال، وكلام كثير جداً، مفيد في بابه، لكنه مع ذلك عائق عن الأهم.
"وبالمهم المهم ابدأ لتدركه" كما في درس الأمس "وقدم النص" لا بد من تقديم النصوص، لا بد أن يكون السائق والحادي هو النص، لا بد أن يكون السائق والحادي لطالب العلم هو النص، وأما أقوال الرجال يستفاد منها في فهم النص، لا سيما أهل التحقيق منهم.
ما العلم إلا كتاب الله أو أثرٌ ... يجلو بنور هداه كل منبهمِ
ما ثم علم سوى الوحي المبين وما ... منه استمد ألا طوبى لمغتنمِ
ما في علم إلا عن طريق الوحيين، والذي يزعم أنه يتلقى العلم عن غير طريق النبي ﵊ هذا ضال -نسأل الله السلامة والعافية-، فلا طريق موصل إلى الله -جل وعلا- إلا عن طريقه ﵊، فالعناية بأقواله وأفعاله وسيرته وشمائله من خير ما يعين على العلم والعمل.
والكتم للعلم فاحذر إن كاتمه ... في لعنة الله والأقوام كلهمِ
عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
. . . . . . . . . ... في لعنة الله والأقوام كلهمِ
إذا كانت عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين من بقي؟
стр. 64
"والكتم للعلم فاحذر" ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ [(١٥٩ - ١٦٠) سورة البقرة] قد يمر بالإنسان ظرف، قد يمر به خوف، قد يمر به كذا، ثم يحتاج إلى بيان فيكتم، ثم إذا ندم على ذلك وتاب تاب الله عليه، لكن مع ذلك ليحذر طالب العلم الكتم له.
"ومن عقوبته" يعني عقوبة الكاتم.
. . . . . . . . . أن في المعاد له ... من الجحيم لجاماً ليس كاللجمِ
ما هو بمثل لجام فرس وإلا لجام بعير وإلا لجام حمار، لا، ما هو بعبارة عن حبل تلجم به الدابة، لا "ليس كاللجم".
أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجماً بلجام من النار)) وهذا الحديث أقل أحواله الحسن؛ لأن له طرق يشد بعضه بعضاً، وفي لفظ: ((من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار)) -نسأل الله السلامة والعافية-.
وصائن العلم عمن ليس يحمله ... . . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
العلم الوارد في النصوص الحث عليه والتحذير من كتمه أو الإخلال بالنية فيه إنما المراد به العلم الشرعي، لكن من باب النصيحة والدين النصيحة أن الإنسان إذا جاء يستشير ويستنصح في علوم الدنيا تبذل له النصيحة، يعني لو أن طبيباً صلى بمسجد من المساجد وقال له واحد: والله يا فلان أنت تخصصك في كذا، وأنا عندي هذه المشكلة، يقال له: تعال للعيادة، وامثل أمام الكونتر وقص الفاتورة وادفع القيمة، هذا ليس مما ينبغي أن يسود بين المسلمين، لكنه إن فعل ذلك لا يأثم، مثل المزارع ومثل الصانع؛ لأن الذي يأثم به العلم الذي يبتغى به وجه الله -جل وعلا-.
وصائن العلم عمن ليس يحمله ... ماذا بكتمان بل صون فلا تلمِ
стр. 65
يعني لو جاء شخص عليه أمارات أنه ليس من أهل العلم، ويسأل عن مسألة لا تهمه، ولا يحتاج إليها، مثل هذا لو لم يجب، وصُرف عما هو أهم بالنسبة له بأسلوب يسميه أهل البلاغة أسلوب الحكيم؛ لأن الإنسان قد يسأل عن شيء فيرى المسئول أن هذا السائل حاجته أمس إلى غيره، فيرشده إلى هذا الغير الذي هو أحوج إليه وأمس، هذا لا شك أنه ليس بكاتم.
وصائن العلم عمن ليس يحمله ... ماذا بكتمان بل صون فلا تلمِ
جاء في سنن ابن ماجه بسند ضعيف مرفوعاً: ((واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب)) ولذا لا يحسن أن يؤتى بكتاب ويقرأ على أناس لا يستفيدون منه، فالناس منازل، ولهم عقول، فلا بد أن يفادوا بما يفيدهم، وما يناسب عقولهم، وأما الذي يكون لبعضهم فتنة، وبعضهم لا يفهم، وبعضهم يقع في العلم وأهله بسبب ذلك هذا لا يحسن أن يلقى على غير أهله.
وإنما الكتم منع العلم طالبه ... من مستحقٍ له فافهم ولا تهمِ
"الكتم منع العلم طالبه" يعني إذا جاء الطالب للشيخ واستفتى وسأل لا يكتم، وإذا أراد أن يقرأ لا يُمنع، لكن بحدود طاقة الشيخ؛ لأن طلاب العلم فيهم كثرة، والفنون كثيرة، والكتب كثيرة، ولو جاء كل واحد ولزمت إجابته لشق ذلك، بل لاستحال تلبية رغبات جميع طلاب العلم، يعني افترض أنك في منتصف كتاب، ويأتي طالب علم يقول: والله ودنا نبدأ من أول الكتاب، هل منعك لهذا الطالب أو عدم استجابتك لرغبته هذا كتم للعلم؟ لا، هذا ليس بكتم للعلم، الشيخ باذل ولا قصر، وإذا أراد أن يستجيب لكل طالب ما وفى بحاجة ولا واحد منهم؛ لأن كل واحد حاجته تختلف عن حاجة غيره.
وإنما الكتم منع العلم طالبه ... من مستحقٍ له فافهم ولا تهمِ
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى ... سبيل ربك بالتبيان والحكمِ
تعلم واعمل وعلم وادع وأمر وانه، إذا تعلمت العلم اعمل بهذا العلم، إذا تعلمت وعملت علم هذا العلم، وادع إلى ربك بالتبيان والحكم، مر بالمعروف، وانه عن المنكر، كل هذه من وظائف العالم والمتعلم على حد سواء.
وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى ... سبيل ربك بالتبيان والحكمِ
واصبر على لاحق من فتنة وأذى ... فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
стр. 66
فاقتده بهم، واصبر لا بد أن يعترضك في طريقك شيء من الأذى، ولذا في المسائل الأربع للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب المسائل الأربع: الأولى العلم، الثانية: العمل بالعلم، والثالثة: الدعوة إليه، والرابعة: الصبر على الأذى فيه ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [(١ - ٢) سورة العصر] إلا من استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [(٣) سورة العصر] لا بد من توفر هذه الأمور، لا بد من الأذى، لا يظن الإنسان أنه يصل إلى المراتب والمنازل العليا ولا يحصل له شيء، ولا إمامة إلا بابتلاء وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ما في نبي ما ابتلي، ولا إمام من أئمة المسلمين سهلت له الطرق منذ أن ولد إلى أن مات أبداً، والإمام لا تنال بالراحة، بل لا بد من التعب ولا بد من العناء ولا بد من الأذى؛ لأن لك خصوم، فالمتعلم يعترضه ما يعترضه، وقد يعترضه أقرب الناس إليه من الوالدين والإخوة والأقارب، وما أشبه ذلك، المعلم كذلك يعترضه من يعترضه، وهذا كثير ومشاهد على مر العصور إذا كان الأنبياء ما سلموا من هذه الاعتراضات فأتباعهم على سننهم ونهجهم، ولذا يقول:
"وفي الرسل ذكرى" يعني تذكر، الرسول ﵊ لما دعا قومه ماذا حصل له؟ آذوه ورموه بأبشع الأوصاف، وأدموا قدميه، وكسروا ثنيته.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
اقتده هذه هاء السكت ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [(٩٠) سورة الأنعام] هذه هاء السكت.
واصبر على لاحق من فتنة وأذى ... فيه وفي الرسل ذكرى فاقتده بهمِ
لواحد. . . . . . . . . ... . . . . . . . . .
يعني لشخص واحد، واللام هذه مؤكدة، وواقعة في جواب قسم محذوف، والله
لواحد بك يهديه الإله لذا ... خير غدا لك من حمر من النعمِ
стр. 67
قال النبي ﵊ لعلي: ((لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) واحد، ومعلم الناس الخير كم يهتدي على يديه، لا سيما إذا كان علمه وعمله وتوجيهه وتعليمه نابع من إخلاص لله -جل وعلا-، وإلا فكم ترون وتسمعون ممن يعلم ومن يفتي ومن يوجه وينصح، تجد الكلام لا أثر له، وهذا مرده إلى الإخلاص، والقبول من الله -جل وعلا-.
لواحد بك يهديه الإله لذا ... خير غدا لك من حمر من النعمِ
((لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) والدال على الخير كفاعله، ومن دل على هدى فله مثل أجر فاعله.
واسلك سواء الصراط المستقيم ولا ... تعدل. . . . . . . . .
عليك بالصراط المستقيم، واسأل الله -جل وعلا- حيث أمرك في كل ركعة من ركعات الصلاة أن يهديك الصراط المستقيم، وأنت على الصراط المستقيم اسأل الله -جل وعلا- أن يثبتك على الصراط المستقيم، ولا تعدل عنه، لا يميناً ولا شمالاً، لا تعدل عن الصراط المستقيم "ولا تعدل" لا تميل عن هذا الصراط المستقيم.
"وقل ربي الرحمن واستقمِ" ((قل آمنت بالله ثم استقم)) "قل ربي الرحمن واستقمِ" يعني على دينه وعلى صراطه المستقيم.
نعم.
الوصية بكتاب الله -
وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... ب الله لا سيما في حندس الظلمِ
حكم براهينه واعمل بمحكمه ... حلا وحظراً وما قد حده أقم
واطلب معانيه بالنقل الصريح ولا ... تخض برأيك واحذر بطش منتقم
فما علمت بمحض النقل منه فقل ... وكل إلى الله معنى كل منبهم
ثم المرا فيه كفر فاحذرنه ولا ... يستهوينك أقوام بزيغهم
وعن مناهيه كن يا صاح منزجراً ... والأمر منه بلا ترداد فالتزم
وما تشابه فوض للإله ولا ... تخض فخوضك فيه موجب النقم
ولا تطع قول ذي زيغ يزخرفه ... من كل مبتدع في الدين متهم
حيران ضل عن الحق المبين فلا ... ينفك منحرفاً معوج لم يقم
هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلم
هو الصراط هو الحبل المتين هو الـ ... ميزان والعروة الوثقى لمعتصم
هو البيان هو الذكر الحكيم هو التـ ... تفصيل فاقنع به في كل منبهم
هو البصائر والذكرى لمدكر ... هو المواعظ والبشرى لغير عمي
стр. 68
هو المنزل نوراً بيناً وهدىً ... وهو الشفاء لما في القلب من سقم
لكنه لأولي الإيمان إذ عملوا ... بما أتى فيه من علم ومن حكم
أما على من تولى عنه فهو عمى ... لكونه عن هداه المستنير عمي
فمن يقمه يكن يوم المعاد له ... خير الإمام إلى الفردوس والنعم
كما يسوق أولي الإعراض عنه إلى ... دار المقامع والأنكال والألم
وقد أتى النص في الطولين أنهما ... ظل لتاليهما في موقف الغمم
وأنه في غد يأتي لصاحبه ... مبشراً وحجيجاً عنه إن يقم
والملك والخلد يعطيه ويلبسه ... تاج الوقار الإله الحق ذو الكرم
يقال: اقرأ ورتل وارق في غرف الـ ... جنات كي تنتهي للمنزل النعم
وحلتان من الفردوس قد كسيت ... لوالديه لها الأكوان لم تقم
قالا: بماذا كسيناها؟ فقيل: بما ... أقرأتما ابنكما فاشكر لذي النعم
لما انتهى الناظم -رحمه الله تعالى- من الوصايا العامة لطالب العلم أوصى بكتاب الله -جل وعلا-، ثم أردف ذلك بالوصية بالسنة، فقال -رحمه الله تعالى-:
الوصية بكتاب الله
وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... الله لا سيما في حندس الظلمِ
جاء الترغيب في قراءة القرآن، وأن لقارئه بكل حرف عشر حسنات ((لا أقول: آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) فـ (آلم) ثلاثة حروف، فيها ثلاثون حسنة، وهذا على أقل تقدير، والمضاعفة من الله -جل وعلا- بكرمه الواسع الذي لا يحد تصل إلى سبعمائة ضعف، وجاء في حديث تكلم فيه أهل العلم في المسند: ((إن الله ليضاعف لبعض عباده إلى ألفي ألف حسنة)) الحسنة إلى مليونين حسنة، إذا قرأت القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل حصل لك من الأجور الشيء الذي لا يخطر على بالك، ولا على بال غيرك، يعني أقل تقدير الختمة الواحدة فيها ثلاثة ملايين حسنة، وعند جمع من أهل العلم أن أجر الحروف يثبت بمجرد القراءة، ولذا يرجح بعضهم السرعة في القراءة كسباً لأجر الحروف، وهذا قول معروف عند الشافعية، ومنهم من يقول: لا، القراءة على الوجه المأمور به أعظم أجراً من السرعة، ولو قلت الحروف، الناظم -رحمه الله تعالى- يقول:
وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... ب الله لا سيما في حندس الظلمِ
стр. 69
إذا قرأت في ساعة جزءاً واحداً بالتدبر والترتيل، وقرأ غيرك في الساعة خمسة أجزاء بالهذ أيهما أفضل؟ الخلاف معروف بين أهل العلم، الجمهور على أنك بالتدبر والترتيل تنال من الأجر أعظم مما يقرأه غيرك هذاً، ولو كان أكثر منك حروفاً، هذا قول الجمهور، وعند الشافعية أن تحصيل أجر الحروف أعظم، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه معروف هذا، يعني افترض أن شخصاً يختم في الشهر عشر مرات، وآخر يختم في الشهر مرة واحدة، هذا الذي يختم عشر مرات أجره مضروبة الواحدة في ثلاثة ملايين، ثلاثين مليون حسنة في الشهر، والثاني الذي يتدبر ويرتل هذا أجر ختمة واحدة، لكنه أعظم في الكيفية وإن قلت الكمية.
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآنِ
شيخ الإسلام ﵀ يقول: قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب من العلم والإيمان والطمأنينة ما لا يدركه من لا يفعل هذا الفعل، فهذا أمر فائدته .. ، كثيراً ما يذكر ابن القيم ﵀ مواقف حصلت له بسبب هذا، وفي أول فائدة من كتاب الفوائد ذكر أنموذج للتدبر وفهم القرآن، كتاب الفوائد لابن القيم أول فائدة ذكر أنموذجاً للتدبر، لتدبر كلام الله -جل وعلا- من خلال سورة (ق) ابن القيم ﵀ في الهدي يقول: هذا الذي يختم عشر مرات في الشهر، وذاك الذي يختم مرة واحدة في الشهر مثاله كمن أهدى درة واحدة، وهذا أهدى عشر درر، أهدى عشر، وهذا أهدى درة واحدة، أو هذا حصل له عشر، وهذا حصل له درة واحدة، فذهبا إلى السوق وعرضا ما معهما من هذه الجواهر الثمينة، هذه العشر الواحدة بألف، المجموع عشرة آلاف، وهذه الواحدة بمائة ألف، هذه باع العشر بعشرة آلاف، وهذا باع الواحدة بمائة ألف، هذا تنظير لمن يقرأ بالتدبر والترتيل مع قلة الحروف، والثاني مع كثرة الحروف.
стр. 70
بعضهم يقول: إن الذي يقرأ ولا يفقه ولا يعقل هذا مذموم، وجاء عن ابن مسعود وغيره ذم هذه الطريقة، لا شك أنها في مقابل التدبر والترتيل المأمور به، يعني التدبر جاء في أربعة مواضع من القرآن، جاء في سورة النساء، وجاء في سورة المؤمنون، وجاء في (ص) وجاء في (محمد) القتال، والترتيل جاء في المزمل، وجاء في أيضاً نصوص أخرى من السنة.
المقصود أن الوجه المأمور به لقراءة القرآن بالتدبر والترتيل، لكن ماذا عن شخص اعتاد السرعة والهذ وحاول مراراً أن يتدبر ويرتل وعجز؟ لأن العادة لا شك أنها تملك الإنسان، يعني هؤلاء الذين يسرعون في السيارات إذا ركب السيارة صار يمشي على ما يقولون: طبلون السيارة يمشي مائتين مائة وثمانين، ثم بعد ذلك يرى حادث ويتأثر، ثم يرفق قليلاً قليلاً ثم يرجع إلى ما تعود، هذا نظير من تعود السرعة في القرآن، تجده يسرع، ثم إذا مر عليه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [(٢٤) سورة محمد] هدأ، وصار يرتل إلى أن يكمل السورة بعد يمكن يكمل أو لا يكمل ثم يعود إلى طريقته، وهذا الذي يسرع في السيارة يسرع يمشي مائة وثمانين مائتين، فإذا رأى حادث هدأ، صار يمشي سبعين ثمانين، ثم ينسى يزيد إلى المائة مائة وعشرين وخمس عشر دقائق ورجع إلى طريقته، فالمسألة مسألة تعود، فالذي لا يستطيع أن يقرأ القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل خير علاج له أن يسمع، يسمع القراءات المؤثرة من القراء المعروفين بصلاحهم، ويجاهد نفسه في التدبر والترتيل، وعرف من المتقدمين من تختلف عنده القراءة، فعنده القراءات لتحصيل الحروف، وكان يختم في كل يوم، وقراءة للتدبر مكث فيها أكثر من عشرين سنة، يمكن كل يوم آية، يتدبر كل يوم آية، ويمكن يراجع عليها كل التفاسير، فلا شك أن الوجه المأمور به هو التدبر والترتيل كما قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... ب الله لا سيما في حندس الظلمِ
стр. 71
في الليل؛ لأنه أبعد عن المشاغل، وأفرغ للقلب، والمشاغل أكثر ما تكون في النهار، وإن كان ظرفنا الذي نعيشه قد يكون انعكس، يعني عندك من الساعة الثامنة إلى أذان الظهر هذا في الظرف الذي نعيشه مثل حندس الظلم في السابق، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم تخلو الشوارع ولا أحد يتصل، ولا أحد يعترض على أحد، نعم.
стр. 72
على كل حال المستمع ما هو بالسامع، المستمع أجره عظيم، ويشتركان في الأجر إلا أن معاناة القراءة يختص بها القارئ، لا سيما في حندس الظلم لأنه أخفى، وأفرغ إلى القلب والبال، وأحضر للقلب، لكن ماذا عن حديث: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة))؟ لأن بعض الناس طريقته في القراءة سراً، لا يسمع منه ولا حرف، وبعض الناس يجهر، أيهما أفضل؟ يعني ما جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [(١١٠) سورة الإسراء] يدل على أن التوسط هو المطلوب، لكن هذا الحديث يدل على أن المسر بالقراءة أفضل، لكن هل المسر بالقراءة والجاهر بها في الحديث يعني في كيفية الأداء أو في الاستخفاء عن الناس؟ نعم الاستخفاء عن الناس، المقصود أن يقرأ في مكان يستخفي به عن الناس، كما أنه يتصدق بصدقة لا يعلمها أحد، كما جاء في حديث السبعة: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) فالمسر بالقرآن الذي يتخذ مكاناً بعيداً عن نظر الناس لا شك أنه أقرب إلى الإخلاص، وأدعى إلى حضور القلب، بخلاف من كانت قراءته في مجامع الناس، لكن إذا كان ممن يقتدى به، وطلاب العلم يرون أهل العلم ليس هناك وقت لقراءة القرآن عندهم، يعني يخيل لطلاب العلم الآن أن المشايخ ما يقرؤون قرآن، أول النهار في الدوام، ثم بعد ذلك يرتاحون، ثم دروس، ثم اجتماعات، ثم نوم وهكذا، هم لهم نصيب من التعبد من قيام ومن تلاوة ما في إشكال، لكن أين هذا من عمل المتقدمين الذين ديدنهم النظر في عهد الله والنظر في كتابه؟ يوجد من شيوخنا المعاصرين الآن من يضاهي المتقدمين في تلاوة القرآن، مع أنه قائم بأعمال كبيرة جداً، يداوم دوام كامل، وله أيضاً دروس، وله ارتباطات واجتماعات، ومع ذلك يقرأ القرآن في ثلاث، لكن ما يلزم أن يكون على مرأى من طلاب العلم، نعم طلاب العلم يحتاجون إلى قدوات، ولذلك نجد كثير من الحفاظ قراءة القرآن ليس لها نصيب عندهم، يقرؤون في العلوم الأخرى أضعاف أضعاف ما يقرؤون القرآن، بل يتعجب بعضهم إذا جاء إلى المسجد ووجد الشيخ يقرأ فقال له: أنا أريد معي كتاب اقرأ عليك،
стр. 73
فيقول الشيخ: والله أنا مشغول، ثم يتعجب هذا الطالب يقول: مشغول وهو جالس يقرأ قرآن! يعني سمعت هذه بالحرف، سمعت ما هي افتراضيه، كأن القرآن لا نصيب له من عمر الإنسان، فإذا كانت قراءة القرآن في المجامع في المساجد في المواضع الذي يجتمع فيها الناس من قبل القارئ ليقتدى به، يقتدي به طلاب العلم، يقتدي به عامة الناس، يقتدي به أهل الغفلة، فلا شك أن له من الأجر مثل أجورهم، وهذا قد يعرض للأمر المفوق ما يجعله فائقاً.
لعلنا نستأنف الوصية بكتاب الله غداً -إن شاء الله تعالى-.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد ...
стр. 74
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المنظومة الميمية في الآداب الشرعية للعلامة حافظ حكمي (٥)
الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ في وصيته النافعة الماتعة الجامعة الميمية، في وصيته لطالب العلم بكتاب الله الذي قرأنا منه ما قرأنا بالأمس، وبدأنا بشرحه ولم نكمل، يقول:
وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... ب الله لا سيما في حندس الظلمِ
هذا وقفنا عنده بالأمس وقفة مناسبة، وفيه الحث على قراءة القرآن على ما جاء في النصوص، وبينا بعض ذلك، وقلنا: إن التدبر والترتيل هو الوجه المأمور به، يعني قراءة القرآن على الوجه المأمور به، يعني بالتدبر والترتيل، وأما من قرأ بخلاف ذلك دون تدبر ولا ترتيل فقد يحصل له أجر الحروف؛ لأن أجر الحروف مرتب على مجرد القراءة ((من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) فـ (الم) فيها ثلاثون حسنة.
стр. 75
والخلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف هل هو حرف المبنى أو حرف المعنى؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، والأثر المترتب على الخلاف كبير؛ لأنه إذا قلنا: إن المراد بالحرف حرف المبنى فالختمة الواحدة كما ذكرنا بالأمس فيها أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، وإذا قلنا: إن المراد الحرف حرف المعنى قلنا: إنه لا يثبت ولا الربع من هذا الأجر، يعني سبعمائة ألف حسنة الربع تقريباً، وكثير من أهل العلم يرجح حرف المبنى، وهذا الذي يتمناه كل قارئ للقرآن لتكثر حسناته، ومنهم من يقول: إن المراد بالحرف حرف المعنى، وكلام شيخ الإسلام يومئ ويرشد إليه، كأنه يميل إلى أن المراد بالحرف حرف المعنى، وابن الجزري في النشر أيضاً كأنه يميل إليه، بدليل المثال الذي ذكره النبي ﵊ (الم) كم حرف هذه؟ في الحديث ثلاثة حروف، لكن لو نظرنها من حيث المبنى وجدناها تسعة حروف، ألف حرف، لكن فيها الهمزة واللام والفاء، لو أردنا حروف المبنى صارت ثلاثة حروف، وهي في الحديث حرف واحد، ألف حرف، لام حرف، وهي من حروف المبنى ثلاثة حروف، ميم حرف مثلها، فإذا قلنا: إن المراد بالحرف حرف المبنى قلنا: تسعة حروف وليست ثلاثة حروف، ولذلك هناك فرق بين أن تقول: (الم) و (ألم) ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل] ألم ثلاثة حروف مبنى، لكنها في حروف المعاني اثنان، الهمز همزة الاستفهام و (لم) النافية، حرفان.
(كيف) حرف واحد باعتبار المعنى، وثلاثة حروف باعتبار المبنى، والترجيح في مثل هذا فيه صعوبة؛ لأن الحرف كما يطلق على هذا يطلق على هذا على حد سواء، لكن ثقتنا بفضل الله -جل وعلا- وجوده وكرمه أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام، ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا، فعلى الإنسان أن يستكثر وأجره على الله -جل وعلا-، ولن يقف الأمر عند هذا، يعني المسألة تحتاج تتوقف على القدر الذي يقر في قلب الإنسان من تعظيم لكلام الله تعالى، ومن تدبر وترتيل وفهم واعتبار، تصل المضاعفات إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة.
يقول -رحمه الله تعالى-:
حكم براهينه واعمل بمحكمه ... . . . . . . . . .
следующие страницы →