← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 27194

شرح المنظومة الميمية في الآداب الشرعية

عبد الكريم الخضير

Полный текст (154 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

في الليل؛ لأنه أبعد عن المشاغل، وأفرغ للقلب، والمشاغل أكثر ما تكون في النهار، وإن كان ظرفنا الذي نعيشه قد يكون انعكس، يعني عندك من الساعة الثامنة إلى أذان الظهر هذا في الظرف الذي نعيشه مثل حندس الظلم في السابق، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نعم تخلو الشوارع ولا أحد يتصل، ولا أحد يعترض على أحد، نعم.

стр. 72

على كل حال المستمع ما هو بالسامع، المستمع أجره عظيم، ويشتركان في الأجر إلا أن معاناة القراءة يختص بها القارئ، لا سيما في حندس الظلم لأنه أخفى، وأفرغ إلى القلب والبال، وأحضر للقلب، لكن ماذا عن حديث: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة))؟ لأن بعض الناس طريقته في القراءة سراً، لا يسمع منه ولا حرف، وبعض الناس يجهر، أيهما أفضل؟ يعني ما جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [(١١٠) سورة الإسراء] يدل على أن التوسط هو المطلوب، لكن هذا الحديث يدل على أن المسر بالقراءة أفضل، لكن هل المسر بالقراءة والجاهر بها في الحديث يعني في كيفية الأداء أو في الاستخفاء عن الناس؟ نعم الاستخفاء عن الناس، المقصود أن يقرأ في مكان يستخفي به عن الناس، كما أنه يتصدق بصدقة لا يعلمها أحد، كما جاء في حديث السبعة: ((رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) فالمسر بالقرآن الذي يتخذ مكاناً بعيداً عن نظر الناس لا شك أنه أقرب إلى الإخلاص، وأدعى إلى حضور القلب، بخلاف من كانت قراءته في مجامع الناس، لكن إذا كان ممن يقتدى به، وطلاب العلم يرون أهل العلم ليس هناك وقت لقراءة القرآن عندهم، يعني يخيل لطلاب العلم الآن أن المشايخ ما يقرؤون قرآن، أول النهار في الدوام، ثم بعد ذلك يرتاحون، ثم دروس، ثم اجتماعات، ثم نوم وهكذا، هم لهم نصيب من التعبد من قيام ومن تلاوة ما في إشكال، لكن أين هذا من عمل المتقدمين الذين ديدنهم النظر في عهد الله والنظر في كتابه؟ يوجد من شيوخنا المعاصرين الآن من يضاهي المتقدمين في تلاوة القرآن، مع أنه قائم بأعمال كبيرة جداً، يداوم دوام كامل، وله أيضاً دروس، وله ارتباطات واجتماعات، ومع ذلك يقرأ القرآن في ثلاث، لكن ما يلزم أن يكون على مرأى من طلاب العلم، نعم طلاب العلم يحتاجون إلى قدوات، ولذلك نجد كثير من الحفاظ قراءة القرآن ليس لها نصيب عندهم، يقرؤون في العلوم الأخرى أضعاف أضعاف ما يقرؤون القرآن، بل يتعجب بعضهم إذا جاء إلى المسجد ووجد الشيخ يقرأ فقال له: أنا أريد معي كتاب اقرأ عليك،

стр. 73

فيقول الشيخ: والله أنا مشغول، ثم يتعجب هذا الطالب يقول: مشغول وهو جالس يقرأ قرآن! يعني سمعت هذه بالحرف، سمعت ما هي افتراضيه، كأن القرآن لا نصيب له من عمر الإنسان، فإذا كانت قراءة القرآن في المجامع في المساجد في المواضع الذي يجتمع فيها الناس من قبل القارئ ليقتدى به، يقتدي به طلاب العلم، يقتدي به عامة الناس، يقتدي به أهل الغفلة، فلا شك أن له من الأجر مثل أجورهم، وهذا قد يعرض للأمر المفوق ما يجعله فائقاً. لعلنا نستأنف الوصية بكتاب الله غداً -إن شاء الله تعالى-. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد ...

стр. 74

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المنظومة الميمية في الآداب الشرعية للعلامة حافظ حكمي (٥) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول الناظم الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي ﵀ في وصيته النافعة الماتعة الجامعة الميمية، في وصيته لطالب العلم بكتاب الله الذي قرأنا منه ما قرأنا بالأمس، وبدأنا بشرحه ولم نكمل، يقول: وبالتدبر والترتيل فاتلُ كتا ... ب الله لا سيما في حندس الظلمِ هذا وقفنا عنده بالأمس وقفة مناسبة، وفيه الحث على قراءة القرآن على ما جاء في النصوص، وبينا بعض ذلك، وقلنا: إن التدبر والترتيل هو الوجه المأمور به، يعني قراءة القرآن على الوجه المأمور به، يعني بالتدبر والترتيل، وأما من قرأ بخلاف ذلك دون تدبر ولا ترتيل فقد يحصل له أجر الحروف؛ لأن أجر الحروف مرتب على مجرد القراءة ((من قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) فـ (الم) فيها ثلاثون حسنة.

стр. 75

والخلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف هل هو حرف المبنى أو حرف المعنى؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، والأثر المترتب على الخلاف كبير؛ لأنه إذا قلنا: إن المراد بالحرف حرف المبنى فالختمة الواحدة كما ذكرنا بالأمس فيها أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، وإذا قلنا: إن المراد الحرف حرف المعنى قلنا: إنه لا يثبت ولا الربع من هذا الأجر، يعني سبعمائة ألف حسنة الربع تقريباً، وكثير من أهل العلم يرجح حرف المبنى، وهذا الذي يتمناه كل قارئ للقرآن لتكثر حسناته، ومنهم من يقول: إن المراد بالحرف حرف المعنى، وكلام شيخ الإسلام يومئ ويرشد إليه، كأنه يميل إلى أن المراد بالحرف حرف المعنى، وابن الجزري في النشر أيضاً كأنه يميل إليه، بدليل المثال الذي ذكره النبي ﵊ (الم) كم حرف هذه؟ في الحديث ثلاثة حروف، لكن لو نظرنها من حيث المبنى وجدناها تسعة حروف، ألف حرف، لكن فيها الهمزة واللام والفاء، لو أردنا حروف المبنى صارت ثلاثة حروف، وهي في الحديث حرف واحد، ألف حرف، لام حرف، وهي من حروف المبنى ثلاثة حروف، ميم حرف مثلها، فإذا قلنا: إن المراد بالحرف حرف المبنى قلنا: تسعة حروف وليست ثلاثة حروف، ولذلك هناك فرق بين أن تقول: (الم) و (ألم) ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل] ألم ثلاثة حروف مبنى، لكنها في حروف المعاني اثنان، الهمز همزة الاستفهام و (لم) النافية، حرفان. (كيف) حرف واحد باعتبار المعنى، وثلاثة حروف باعتبار المبنى، والترجيح في مثل هذا فيه صعوبة؛ لأن الحرف كما يطلق على هذا يطلق على هذا على حد سواء، لكن ثقتنا بفضل الله -جل وعلا- وجوده وكرمه أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام، ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا، فعلى الإنسان أن يستكثر وأجره على الله -جل وعلا-، ولن يقف الأمر عند هذا، يعني المسألة تحتاج تتوقف على القدر الذي يقر في قلب الإنسان من تعظيم لكلام الله تعالى، ومن تدبر وترتيل وفهم واعتبار، تصل المضاعفات إلى سبعمائة، إلى أضعاف كثيرة. يقول -رحمه الله تعالى-: حكم براهينه واعمل بمحكمه ... . . . . . . . . .

стр. 76

"حكم براهينه" الأدلة التي تدلك على ما يطلب منك، عليك أن تحكمها في نفسك وفي غيرك. "واعمل بمحكمه" المحكم الواضح البين "واعمل بمحكمه" النصوص المحكمة الواضحة البينة التي لا خفاء فيها عليك أن تعمل بها، بخلاف المتشابه، فسلم ولا تتبع هذا المتشابه كما يفعل أهل الزيغ فتهلك. . . . . . . . . . واعمل بمحكمه ... حلاً وحظراً وما قد حده أقمِ "وما قد حده أقمِ" يعني أقم حدوده ولا تتعد حدوده. واطلب معانيه بالنقل الصريح ولا ... تخض برأيك واحذر بطش منتقمِ "واطلب معانيه بالنقل الصريح" مثل ما ذكرنا بالأمس أن التفسير ينبغي أن يكون على الجادة عند أهل التحقيق يُفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقاويل السلف من الصحابة والتابعين والأئمة. واطلب معانيه بالنقل الصريح ولا ... تخض برأيك. . . . . . . . . لأن التفسير بالرأي مذموم. . . . . . . . . . ولا ... تخض برأيك واحذر بطش منتقمِ وتكلمنا أمس عن التفسير بالرأي والتفسير بالأثر، وجاء في الحديث: ((من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)) خرجه الترمذي عن ابن عباس، وعن جندب قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ". فما علمتَ بمحض النقل منه فقل ... . . . . . . . . .

стр. 77

يعني بمحض النقل لا تقل برأيك يعني المجرد؛ لأنه فرق بين أن يفسر القرآن من لا عنده شيء من الآلة التي يجب أن تتوافر في مفسر القرآن، هذا لا يجوز له أن يفسر، لكن شخص قرأ التفاسير، وعنده من العلوم ما يؤهله للتفسير، قرأ التفاسير، تفاسير السلف، والتفاسير الأخرى المتعلقة بفنون من فنون القرآن، متعلق بإعجاز، متعلق بإعراب، متعلق بأحكام، متعلق بالفروع الكثيرة التي فُسر بها القرآن، قرأ منها ما يكفيه، فهذا إذا سُئل عن معنى آية ولم يستحضر ما قاله شخص بعينه إنما تكوّن لديه ملكة من خلال نظره في التفاسير الموثوقة عند أهل العلم تتكون لديه ملكة يستطيع أن يفهم القرآن بها، ولو لم يستطع أن يرد كل كلمة استفادها إلى مصدرها، يعني فرق بين هذا وبين من يأتي ولا علاقة له بالقرآن، ولا بالعلم الشرعي، ثم يقول: الكلام عربي ونحن نفهم، نقول: لا، فرق بين هذا وهذا، يعني إدامة النظر في كلام أهل العلم في تفسير كلام الله -جل وعلا- أو في شرح كلام رسوله ﵊ هذه تولد ملكة عند طالب العلم يستطيع أن يتعامل مع النصوص من خلالها، لا سيما إذا كانت لديه الأهلية، يعني أخذ من كل فن ما يكفيه، وصار يضرب من الفنون بما يعينه على فهم كلام الله وكلام رسوله ﵊، ولو قال في القرآن من خلال هذه الملكة بكلام لم يُسبق إليه، ويدل على هذا: ((رب مبلغ أوعى من سامع)) لكن لا يأتينا من لا علاقة له بالعلم لا من قبيل ولا من دبير، ويقول: الكلام عربي، ونحن عرب ونفهم، ثم ينزل الحقائق العرفية في بلده بعد المسخ وبعد الاختلاط بالأمم الأخرى، وينزل هذه الحقائق على الحقائق الشرعية التي قد تكون موافقة للحقائق اللغوية، وقد تكون مخالفة، ووجد من بعض المفسرين المعاصرين الذين فسروا القرآن بالرأي العجائب؛ لماذا؟ لأنهم لم ينطلقوا من تفاسير الأئمة، لكن طالب العلم الذي له عناية بتفاسير الأئمة وسُئل عن معنى آية وأجاب هذا عنده الأهلية، ولو لم يُسبق إلى هذا القول، لكن لا يأتي من فراغ، والأحوط في حقه أن يقول: لعل المراد كذا؛ لأن الإتيان بحرف الترجي يُخرج من العهدة؛ لأن النبي ﵊ لما ذكر السبعين الألف الذين يدخلون

стр. 78

الجنة بغير حساب ولا عذاب، ودخل ولم يبين الصحابة منهم من قال: لعلهم كذا، ومنهم من قال: لعلهم من ولد في الإسلام، ولعلهم من صحب النبي، ولعلهم كذا، فخرج عليهم النبي ﵊ ولم يثرب عليهم؛ لأن الإتيان بحرف الترجي لا يعني الجزم، الإشكال في الجزم بمراد الله -جل وعلا-، المقصود أنه يفرق بين من له عناية بكتاب الله -جل وعلا-، وتكونت لديه الأهلية من خلال الخبرة والدربة والممارسة لكلام الأئمة، وبين شخص ليس له أدنى ارتباط بكلام الأئمة. فما علمتَ بمحض النقل منه فقل ... وكل إلى الله معنى كل منبهمِ يعني فوض الأمر إلى الله -جل وعلا-، لا تخض في الأمور المنبهمة المستغلقة التي لا تستطيع أن تدرك كنهها ومداها، هذا اتركه إلى الله -جل وعلا-، فلا تقل برأيك ((فمن قال في القرآن -برأيه- بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)). ثم المرا فيه كفر فاحذرنه ولا ... يستهوينك أقوام بزيغهم "ثم المرا فيه كفر" وجاء في الحديث: ((المراء في القرآن كفر)) خرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة، والمراد بالمراء إما الامتراء وهو الشك، الامتراء فيه والشك، والقرآن لا ريب فيه، ولا شك ولا ارتياب، أو المراء الجدال العقيم الذي يوصل في نهايته إلى جحد ما أثبته الله -جل وعلا- في كتابه. ثم المرا فيه كفر فاحذرنه ولا ... يستهوينك أقوام بزيغهم أهل الزيغ الذين يتتبعون المتشابه، أو الذين أشار إليهم فيما تقدم. دع عنك ما قاله العصري منتحلاً ... . . . . . . . . . يعني بعض المعاصرين أعمل رأيه في النصوص، فصار يضرب يميناً وشمالاً ولا يصيب المراد، قد يصيب المراد لكن هذا بغير علم يتخبط في كلام الله -جل وعلا-، وكلامه قد يستهوي السامع، يكون لديه من البيان ولديه من البلاغة ما يستطيع فيه سبك الكلام وضبط الكلام، فالقارئ يستهويه مثل هذا الكلام، وإن كان في الحقيقة زائغاً. وعن مناهيه كن يا صاح منزجراً ... . . . . . . . . . يعني يا صاحبي، ورخم فحذفت الياء ياء المتكلم وآخر الكلمة التي هي الباء. وعن مناهيه كن يا صاح منزجراً ... والأمر منه بلا ترداد فالتزمِ

стр. 79

"بلا ترداد فالتزم" يعني امتثل الأمر بدون تردد، واجتنب النهي بدون خيرة، كما قال ابن مسعود وغيره: "إذا سمعت الله -جل وعلا- يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فإنما هو إما أن يكون خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه" وحينئذٍ لا تتردد في الامتثال. وما تشابه فوض للإله ولا ... تخض فخوضك فيه موجب النقم وما تشابه، المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله هذا لا تتعب في إدراكه، فالقول في المتشابه وإن اختلف أهل العلم يعني هل الراسخون في العلم يعلمون المتشابه أو لا يعلمون؟ وهذا يتبع الوقف في ﴿إِلاَّ اللهُ﴾ وهل الواو في ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [(٧) سورة آل عمران] عاطفة أو استئنافية؟ فالذي يقول: عاطفة يقول: الراسخون في العلم يعلمون المتشابه، والذي يقول: استئنافية يقول: لا يعلم المتشابه إلا الله -جل وعلا-، حتى الراسخين في العلم دورهم يقولون: آمنا به فقط، وعلى كل حال التشابه والإحكام أمور نسبية، فينظر في أقوال أهل العلم في مراد الله -جل وعلا- في هذه الآية، فإذا استغلقت عليه، ولم يستطع الوصول إلى قول راجح صائب فيها، صارت بالنسبة له من المتشابه، وإذا بان له معناها من خلال كلام أهل العلم صارت من المحكم. وما تشابه فوض للإله ولا ... تخض فخوضك فيه موجب النقمِ ولا تطع قول ذي زيغ يزخرفه ... من كل مبتدع في الدين متهمِ يعني البدع لها بريق، ولها نفوذ إلى القلوب، وأهل البدع وأهل الزيغ تجد كثيراً منهم قد أعطي من الذكاء ما يستطيع به الولوج إلى القلوب، لكنه لم يعطَ الزكاء الذي به يفرق بين القول الحق والباطل، وإذا قرأت في كلام أهل الكلام انبهرت، لكن إذا عرضته على ميزان الكتاب والسنة ما وجدت شيء، ووجدت في نهايته الضلال المبين، حتى أن هؤلاء المتكلمين كثير منهم رجع، كثير منهم ندم عند موته. ولا تطع قول ذي زيغ يزخرفه ... من كل مبتدع في الدين متهمِ حيران ضل عن الحق المبين فلا ... ينفك منحرفاً معوج لم يَقُمِ

стр. 80

أو لم يُقم، المعوج يحتاج إلى إقامة، ويحتاج إلى استقامة، لكنه مع ذلك اتباعه للمتشابه وانصرافه عن النصوص المحكمة عن نصوص الوحيين، وعنايته بغيرهما، وطلبه الحق من غيرهما، يجعله يصل إلى هذا الحد حيران، كثير منهم أعلن الحيرة في آخر حياته. حيران ضل عن الحق المبين فلا ... ينفك منحرفاً معوج لم يَقُم هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... . . . . . . . . . القرآن كلام الله. هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ يعني وأنت تقرأ القرآن كأنك تخاطب الرحمن لأنه كلامه، يعني إذا أرسل لك شخص كتاب خط رسالة أرسلها لك بخطه وقلمه ووجهها إليك من فلان إلى فلان هو يخاطبك بهذا الكلام، الله -جل وعلا- يخاطبك بكلامه، بكتابه. هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ كأنه يشافه الرحمن لأنه كلامه، فأنت تقرأ كلام الله بدون واسطة منه إليك، لكن مع الأسف أننا لا نقيم وزناً لهذا الكلام، ونقرأه ولا نتأثر، ولا يحرك فينا ساكناً، ولا فرق بين أن نقرأ سورة هود أو أي سورة من القرآن، أو نقرأ في جريدة أو نسمع شريط، أو نسمع أخبار ما في فرق عندنا، نقرأ القرآن وكأنه لا يعنينا، وقلت مراراً: إن المسئولين إذا جاءهم نظام جديد ممن فوقهم يرسل هذا النظام إلى الجهات الرسمية للعمل بموجبه، يستلمه مدير هذه الجهة، يستلمه في آخر الدوام، يقول: نتركه إلى الغد؟ لا، مباشرة يفتحه ويشوف هذا جاء من الجهات العليا، ويتأمله حرفاً حرفاً، هذا في آخر الدوام، من الغد يجمع له الوكلاء ورؤساء الأقسام يقرأ عليهم ويقرؤون عليه، ويتدارسونه فيما بينهم، إن فهموه بها ونعمت وإلا طلبوا اللوائح التفسيرية، هذا ما هو الواقع؟ هذا الواقع، لكن جاءنا هذا الكتاب من الله -جل وعلا- هل نصنع فيه شيء مما نصنعه في مثل هذه الأنظمة؟ هذه أنظمة مخلوقين، وقد يبدو لك ملاحظات على هذا النظام ترفعها إلى الجهات يدرسونها ويعدلون، لكن هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلمِ هو الصراط هو الحبل المتين هو الـ ... ميزان والعروة الوثقى لمعتصمِ

стр. 81

هذه صفاته، الصراط المستقيم القرآن، فإذا امتثلت القرآن فأنت على الجادة على الصراط المستقيم، والمستقيم أقرب طريق يصل بين نقطتين، يعني بدلاً من أن تذهب يمين وشمال، وتطلب مرضاة الله -جل وعلا- في كتب فلان وعلان من أهل العلم، فأقرب طريق يوصل إلى الله -جل وعلا- إلى الصراط المستقيم هو القرآن "هو الصراط هو الحبل المتين" الذي من تمسك به لن يضل ولن يقطع لأنه متين. . . . . . . . . . هو الحبل المتين هو الـ ... ميزان والعروة الوثقى لمعتصمِ هو الميزان الذي توزن به الأعمال بدقة، ولما كانت الموازين شرعية صارت الرفعة لأهل الدين وأهل الفضل وأهل الخير، ولما اختلت الموازين اختلت النتائج تبعاً لها، فرفع الأسافل ووضع الأعالي، والله المستعان. "هو الـ * ميزان والعروة الوثقى لمعتصمِ" والاعتصام به مع السنة هو الكفيل بالثبات للإنسان على الجادة. هو البيان هو الذكر الحكيم هو التـ ... تفصيل فاقنع به في كل منبهمِ البيان قد يكون فيه إجمال، لكن من أين نطلب البيان؟ نطلب البيان من القرآن في موضع آخر، فإن لم نجد فمن سنة النبي ﵊ الذي وظيفته البيان، بيان ما جاء عن الله -جل وعلا-. هو البصائر والذكرى لمدكرٍ ... هو المواعظ والبشرى لغير عمي ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [(٤٥) سورة ق] لكن من؟ ﴿مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق]. هو المنزل نوراً بيناً وهدى ... وهو الشفاء لما في القلب من سقمِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ [(٨٢) سورة الإسراء] ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [(٤٤) سورة فصلت]. لكنه لأولي الإيمان إذ عملوا ... بما أتى فيه من علم ومن حكمِ ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [(٤٤) سورة فصلت] ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما جاء ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [(٤٤) سورة فصلت]. أما على من تولى عنه فهو عمىً ... لكونه عن هداه المستنير عمي

стр. 82

الذي يعمى عن القرآن يحشر يوم القيامة أعمى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [(١٢٤) سورة طه] يعني وإن كان مبصراً في الدنيا يحشر يوم القيامة أعمى؛ لأنه عمي عن القرآن وأعرض عن القرآن، كما أن من حارب الله -جل وعلا- هذا يبعث أعمى، ومن حارب الله -جل وعلا- بالربا يبعث يوم القيامة مجنوناً كالذي يتخبطه الشيطان من المس. فمن يقمه يكن يوم المعاد له ... خير الإمام إلى الفردوس والنعمِ يعني يقوده إلى جنات النعيم، يكون القرآن قائداً له إلى الفردوس وجنات النعيم. كما يسوق أولي الإعراض عنه إلى ... دار المقامع والأنكال والألمِ إما أن يكون سائقاً وقائداً إلى جنات النعيم، أو يكون يتبع المعرض عنه فيزج في قفاه إلى النار -نسأل الله العافية-. وقد أتى النص في الطولين أنهما ... ظل لتاليهما في موقف الغممِ أخرج الإمام مسلم وأحمد والترمذي عن النواس بن سمعان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة وآل عمران)) قال: وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد، قال: ((كأنهما غمامتان)) أو ((كأنهما غيايتان)) أو ((كأنهما ظلتان سوداوان)) أو ((كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما)). وحلتان من الفردوس قد كُسيت ... لوالديه لهما الأكوان لم تقمِ يعني من حرص على أن يحفظ ولده القرآن يكسى يوم القيامة حلتان من الفردوس. وحلتان من الفردوس قد كسيت ... لوالديه لهما الأكوان لم تقمِ

стр. 83

هذا إذا سعيا في حفظه للقرآن، ولا شك أن الله -جل وعلا- لا يخيب الآمال ولا يضيع الأعمال؛ لأن بعض الناس يحرص أشد الحرص، ويبذل جميع الأسباب من أجل أن يحفظ ولده القرآن ولا يتم ذلك، وله أجر المجاهدة، وبعض الناس مهمل لأولاده، وقد حدثني بنفسه يقول: والله ما علمت أن الأولاد يحفظون القرآن حتى دعيت إلى الحفل وكُرمت وكان من بين الحفظة اثنان من أولاده، على كل حال فضل الله لا يحد، لكن الذي لا يبذل لا يستحق، والذي يبذل ويعجز ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] والنتائج بيد الله -جل وعلا-. قالا: بماذا كسيناها؟ فقيل: بما ... أقرأتما ابنكما فاشكر لذي النعمِ الولد حينما يدعو لوالديه، وجاء في الحديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)) ومنها: ((أو ولد صالح يدعو له)) إذا لم يكن بذل السبب في صلاح هذا الولد أو العكس بذل ما يعينه على الفساد، فالوصف الذي هو الصلاح لا شك أن الولد إذا كان صالحاً مظنة أن تجاب دعوته، ما لم يكن ثم مانع من قبل الوالد، ولذا جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [(٢٤) سورة الإسراء] يعني لهذه العلة، لكن إذا كان الوالد ما رباه صغيراً، أهمله وضيعه، وخان الأمانة فيه، لا يستحق مثل هذه الدعوة، وإن وجد السبب بدعوة الولد لكن المانع من قبل الأب قد يُحول دون الاستجابة، فهناك أسباب وهناك موانع. انتهى المقروء؟ طالب:. . . . . . . . . إلى أين قرأت؟ طالب:. . . . . . . . . قالا: بماذا كسيناها؟ فقيل: بما ... أقرأتما ابنكما فاشكر لذي النعمِ كمل. طالب:. . . . . . . . . إي نعم. وقد أتى النص في الطولين أنهما ... ظل لتاليهما في موقف الغممِ وأنه في غد يأتي لصاحبه ... مبشراً وحجيجاً عنه إن يقمِ أن يقم بحدوده، ويقم به ولا ينام عنه، يأتي حجيجاً عنه مخاصماً يوم القيامة، وكما جاء في سورتي البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما، والقرآن إما حجة لك أو حجة عليك. والملك والخلد يعطيه ويلبسه تاج ... الوقار الإله الحق ذو الكرمِ يلبس تاج الوقار كما أن الوالدين أيضاً يكسون الحلتين اللتين سبق الكلام عنهما.

стр. 84

يقال: اقرأ ورتل وارق في غرف الـ جنات كي تنتهي للمنزل النعمِ المنزل الذي فيه النعم النعيم المقيم، يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه، ويقال لصاحب القرآن أيضاً: ((اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها)) فالذي معه من القرآن الكثير يستمر يقرأ ويرقى ويرتل كما كان يرتل في الدنيا، والذي معه من القرآن ويسرع في قراءته في الدنيا يسرع في قراءته في الآخرة، ولا شك أن القرآن بالترتيل تطول مدته، فتطول مدة الصعود، والذي يقرأ في القرآن هذاً في الدنيا يقرأه في الآخرة هذاً فينتهي ما عنده، أو يكون ما عنده إلا شيء يسير، فينتهي ما عنده في مدة يسيرة، فلا يستمر صعوده، وقد جاء في الحديث عند أحمد والدرامي: ((اقرأ كما كنت تقرأ في الدنيا هذاًَ كان أو ترتيلاً)) لا شك أن الذي يقرأ ترتيلاً يستمر يقرأ لأنه تطول القراءة كما كان يقرأ في الدنيا، لكن الذي يقرأ هذاً تنتهي القراءة عنده بسبب سرعته أو بسبب قلة ما عنده من القرآن، فلا يستمر في صعوده مثل الذي يقرأ القرآن كاملاً على طريق الترتيل، نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نعم هذا سؤال وارد، يقول: من الذي يقال له: اقرأ وارق ورتل؟ هل هو الحافظ أو غير الحافظ أو الجميع؟ يعني هل يوجد هناك لغير الحفاظ مصاحف يقرؤون وهم يرقون ويصعدون؟ يعني لا شك أن ظاهر اللفظ أنه للحافظ، لكن من كانت له عناية في القرآن، وحاول حفظ القرآن وعجز، لا شك أن فضل الله -جل وعلا- لن يقصر دون هذا، لكن عليه أن يبذل السبب، نعم. سم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى- في ميميته: كفى وحسبك بالقرآن معجزة ... دامت لدينا دوماً غير منصرمِ لم يعتره قط تبديل ولا غير ... وجل في كثرة الترداد عن سأم مهيمناً عربياً غير ذي عوج ... مصدقاً جاء في التنزيل في القدم فيه التفاصيل للأحكام مع نبأ ... عما سيأتي وعن ماض من الأمم فانظر قوارع آيات المعاد به ... وانظر لما قص عن عادٍ وعن إرم

стр. 85

وانظر به شرح أحكام الشريعة هل ... ترى بها من عويص غير منفصم أم من صلاح ولم يهدِ الأنام له ... أم باب هلك ولم يزجر ولم يلم أم كان يغني نقيراً عن هدايته ... جميع ما عند أهل الأرض من نظم أخباره عظة أمثاله عبر ... وكله عجب سحقاً لذي صمم لم تلبث الجن إذ أصغت لتسمعه ... إن بادروا نذراً منهم لقومهم الله أكبر ما قد حاز من عبر ... ومن بيان وإعجاز ومن حكم والله أكبر إذ أعيت بلاغته ... وحسن تركيبه للعرب والعجم كم ملحد رام أن يبدي معارضة ... جفعاد بالذل والخسران والرغم هيهات بعداً لما راموا وما قصدوا ... وما تمنوا لقد باؤوا بذلهم خابت أمانيهم شاهت وجوههم ... زاغت قلوبهم عن هديه القيم كم قد تحدى قريشاً في القديم وهم ... أهل البلاغة بين الخلق كلهم بمثله وبعشر ثم واحدة ... فلم يروموه إذ ذا الأمر لم يرم الجن والإنس لم يأتوا لو اجتمعوا ... بمثله ولو انضموا لمثلهم أنى وكيف ورب العرش قائله ... سبحانه جل عن شبه له وسمي ما كان خلقاً ولا فيضاً تصوره ... نبيناً لا ولا تعبير ذي نسم بل قاله ربنا قولاً وأنزله ... وحياً على قلبه المستيقظ الفهم والله يشهد والأملاك شاهدة ... والرسل مع مؤمني العربان والعجم يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: كفى وحسبك بالقرآن معجزة ... . . . . . . . . .

стр. 86

الإعجاز في القرآن أمر أذعن له كل فصيح، وطأطأ رأسه كل بليغ، والعرب عرفوا بالبلاغة والفصاحة، وتحداهم الله -جل وعلا- أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا، ولو كان بمقدورهم مجتمعين أن يأتوا بمثله ما قصروا؛ لأن الإنسان في موضع التحدي لا سيما من مخالفه لا شك أنه سوف يبذل أقصى ما يستطيع، ومع ذلك أعلنوا العجز ولم يستطيعوا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، لو تظاهروا، لو اجتمعوا، لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله ما استطاعوا، فهو معجزة النبي ﵊ الخالدة، وهو المناسب لنبوته التي لها البقاء إلى يوم القيامة، الدائمة المستمرة إلى قيام الساعة، والأنبياء لهم معجزات تناسب أوقاتهم، وتناسب عصورهم، وتنقضي بانقضاء أدوارهم، لكن لما كانت رسالة النبي ﵊ خالدة إلى قيام الساعة، وإلى الناس أجمعين صارت المعجزة الكبرى هذه المعجزة القرآن الكريم الخالد إلى قيام .. ، إلى أن يرفع في آخر الزمان، قد يقول قائل: الله -جل وعلا- تحدى بالقرآن، وتحدى بعشر سور، وتحدى بسورة، لماذا لم يتحدى بآية؟ لأن الآية منها القصيرة جداً ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [(٢١) سورة المدثر] ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [(٦٤) سورة الرحمن] يعني العربي لا يعجز أن يقول: ثم نظر، ولا يعجز أن يقول: مدهامتان، فلم يقع التحدي بآية، لكن آية بقدر أقصر السور يقع التحدي بها، وأيضاً ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [(٢١) سورة المدثر] في موضعها لا يمكن أن يقوم غيرها مقامها، فهي معجزة من هذه الحيثية، وكل من حاول معارضة القرآن والإتيان بمثله أتى بما يضحك منه الصبيان، وما يؤثر عن مسيلمة شيء لا يقوله ولا المجانين، ويذكر عن أبي العلاء المعري أنه ألف كتاباً أسماه: الفصول والغايات في معارضة الآيات، كتاب مطبوع، لكنه عُدل اسمه إلى (الفصول والغايات في مواعظ البريات) قالوا: إنه أراد أن يعارض به القرآن، وهو ملحد يعني معروف.

стр. 87

على كل حال من قرأ الكتاب يجزم بأنه ليس في مقدور أبرع الناس وأفصح الناس معارضة شيء يسير من القرآن الكريم، وإعجاز القرآن بجميع نواحيه، إعجازه بنظمه، إعجازه بحكمه، إعجازه بأحكامه، إعجازه بقصصه، فهو معجز من كل وجه، ومع ذلك طلب وتحدي العرب أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه فلم يستطيعوا. كفى وحسبك بالقرآن معجزة ... دامت لدينا دوماً غير منصرمِ إلى الآن والتحدي قائم إلى الآن والتحدي قائم. لم يعتره قط تبديل ولا غير ... وجل في كثرة الترداد عن سأم القرآن محفوظ عن التبديل والتحريف والزيادة والنقصان ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر]. لم يعتره قط تبديل ولا غير ... . . . . . . . . . ما غُير، كما حصل للكتب السابقة؛ لأنهم استحفظوا فلم يحفظوا، وكتابنا تولى الله -جل وعلا- حفظه، والقصة التي حصلت على يد يحيى بن أكثم حينما دعا اليهودي فلم يسلم، وجاء بعد سنة معلناً إسلامه فسأله يحيى بن أكثم فقال: ما الذي جعلك ترفض الإسلام في العام الماضي وتأتي مسلماً طائعاً مختاراً في هذا العام؟ قال: نعم، أنا خلال العام المنصرم نسخت نسخ من التوراة وحرفت وزدت ونقصت وقدمت وأخرت فتلقفها مني أحبار اليهود دون تردد، وصاروا يقرؤونها ويعملون بها، ثم فعلت مثل هذا في الإنجيل كتبت نسخ من الإنجيل وقدمت وأخرت وزدت ونقصت ونفس الشيء اشتراها أحبار النصارى وعملوا بها، وقرؤوها فأتيت إلى المصحف فغيرت تغييراً يسيراً جداً لا يدركه إلا الحذاق، فلما جئت به إلى سوق الوراقين من المسلمين وعرضت عليهم، كل من نظر فيه رماه في وجهي، فعرفت أن هذا هو الدين الحق المحفوظ بالعناية الإلهية، ثم حج يحيى بن أكثم والتقى بسفيان بن عيينة، وذكر له القصة، قال: هذه في القرآن، ما تحتاج إلى يهودي ولا غير يهودي، الله -جل وعلا- قال عن الكتب السابقة ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء﴾ [(٤٤) سورة المائدة] وكل إليهم الحفظ فما حفظوا، وقال في كتابنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] تكفل الله بحفظه، فلا يستطيع أحد أن يعتدي عليه أو يحرف.

стр. 88

لم يعتره قط تبديل ولا غير ... وجل في كثرة الترداد عن سأمِ يعني أهل القرآن الذين لهم عناية بتلاوة القرآن منهم من يختم كل يوم، ومنهم من يختم كل ثلاث، ومنهم من يختم كل سبع، فالذي يختم كل سبع يقرأ القرآن في السنة خمسين مرة، والذي يختم في ثلاث يختم في السنة أكثر من مائة وعشرين مرة، والذي يختم في كل يوم يختم ثلاثمائة وخمسين مرة، ومع ذلك كلما قرأ كأنه يقرأ جديد، يعني أنت لو تمسك أي كلام من كلام البشر فتقرأه مرة قد تتلذذ به، تقرأه ثانية تستفيد منه، ثالثة خلاص تمله، ما يمكن تقرأ رابعة. . . . . . . . . . ... وجل في كثرة الترداد عن سأمِ وجاء في الخبر: ((لا يخلق)) يعني لا يقدم كالثوب الخلق البالي الذي يمل ((مع كثرة الترداد)). مهيمناً عربياً غير ذي عوج ... . . . . . . . . . مهيمن على جميع الكتب السابقة، محتوٍ عليها، مشتمل على جميع ما فيها "عربياً" بلسان عربي مبين غير ذي عوج. . . . . . . . . . ... مصدقاً جاء في التنزيل في القدمِ يعني تصدقه جميع الكتب السماوية. فيه التفاصيل للأحكام مع نبأ ... . . . . . . . . . الأحكام مفصلة في القرآن تفصيلاً نسبياً، وإن كان في بعضها شيء من الإجمال جاء بيانه بالوحي الثاني السنة، ولا أدل على هذا التفصيل لهذه الأحكام من كتب آيات الأحكام، وتفاسير آيات الأحكام التي بلغ بعضها العشرين مجلداً، يعني الجامع لأحكام القرآن للقرطبي في عشرين مجلداً، وكتب أحكام القرآن كثيرة جداً تبين عناية القرآن بالأحكام. فيه التفاصيل للأحكام مع نبأ ... . . . . . . . . . يعني من الأخبار أخبار الأمم السابقة وأخبار ما سيأتي. . . . . . . . . . مع نبأ ... عما سيأتي وعن ماض من الأمم فانظر قوارع آيات المعاد به ... . . . . . . . . . يعني ما يكون في الآخرة، القوارع التي تقرع القلوب بأهوالها، مما يقصه الله -جل وعلا- مما يحصل في يوم القيامة "وانظر لما قص" عن الأمم السابقة "عن عاد وعن إرمٍ". وانظر به شرح أحكام الشريعة هل ... ترى بها من عويص غير منفصمِ

стр. 89

الظاهر أنه غير منفهم، نعم "من عويص غير منفهم" كأن هذا أقرب، العويص المستغلق الذي لا يفهم، يعني آيات الأحكام هل أشكلت على أهل العلم؟ ما وجدوا لها حل؟ وقفوا أمامها حائرين؟ أبداً، تكلموا فيها، وإن اختلفت فهومهم، لكنهم يفهمون. أم من صلاح ولم يهدِ الأنام له ... . . . . . . . . . لا خير إلا دل الأمة عليه، لا خير إلا دل عليه. . . . . . . . . . ... أم باب هُلكٍ ولم يزجر ولم يلمِ وهذا في القرآن واضح، أبواب الخير دل الناس عليها، وأرشدهم إليها، وأبواب الشر أوصدها، وزجر عنها. . . . . . . . . . ... أم باب هلك ولم يزجر ولم يلمِ أم كان يغني نقيراً عن هدايته ... جميع ما عند أهل الأرض من نظمِ من نَظم أو من نُظم، أما ما نظمه البشر في كلامهم ومؤلفاتهم المنظومة والمنثورة، أو من نُظم تفرض على الناس وتسن على الناس هذه لا تغني نقيراً عما جاء في القرآن. أخباره عظة أمثاله عبرٌ ... وكله عجب سحقاً لذي صممِ يعني من صم أذنيه عن سماع القرآن وعن فهم القرآن. لم تلبث الجن إذ أصغت لتسمعه ... إن بادروا نذراً منهم لقومهم يعني في سورة الأحقاف، نعم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ [(٢٩) سورة الأحقاف] يقول: لم تلبث الجن إذ أصغت لتسمعه ... إن بادروا نذراً منهم لقومهمِ الله أكبر ما قد حاز من عبر ... ومن بيان وإعجاز ومن حكمِ الله أكبر ما قد حاز القرآن من عبر وعظات ومن بيان وبلاغة وإعجاز، ومن حكم وأحكام. والله أكبر إذ أعيت بلاغته ... وحسن تركيبه للعرب والعجمِ "الله أكبر" تعجب. . . . . . . . . . إذ أعيت بلاغته ... وحسن تركيبه للعرب والعجمِ ما استطاع، وكل ينهل من معينه ولم ينضب، وكل من جاء على تتابع العصور وعلى مر القرون والدهور كل من جاء فسر القرآن وأتى بالعجائب ولن تنقضي هذه العجائب. كم ملحد رام أن يبدي معارضة ... فعاد بالذل والخسران والرغمِ وذكرنا ما أثر عن مسيلمة، وما ألفه أبو العلاء المعري في هذا الباب وغيرهما. هيهات بعداً لما راموا وما قصدوا ... . . . . . . . . .

стр. 90

هيهات مستحيل بعيد. هيهات بعداً لما راموا وما قصدوا ... وما تمنوا لقد باؤوا بذلهمِ خابت أمانيهم شاهت وجوههم ... زاغت قلوبهم عن هديه القيمِ "خابت أمانيهم" خابوا وخسروا حينما قصدوا إلى المعارضة "وشاهت وجوههم". "زاغت قلوبهم عن هديه القيمِ" مثل هؤلاء لا يوفقون إذا كان مجرد الإعراض عنه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [(١٢٤) سورة طه] فكيف بمن تصدى لمعارضته أو لنقده؟! وقد أثر عن بعض الأدباء المعاصرين من يقول: إن قلمي الأحمر معه قلم أحمر يعدل فيه الكتب يصحح، ومن حقه أن يصحح؛ لأنه متمكن في علمه في الأدب في العربية في غيرها يصحح، يقول: لم يسلم من قلمي الأحمر ولا القرآن -نسأل الله السلامة والعافية-، هذا ضلال، وهذا زيغ، نسأل الله الثبات. كم قد تحدى قريشاً في القديم وهم ... أهل البلاغة بين الخلق كلهمِ تحداهم فلم يستطيعوا أن يعارضوه، وأعلنوا الفلس والعجز، وهو معجز بذاته لا بما تقوله المعتزلة أنه معجز بالصرفة، هم قادرون على معارضته، لكن الله صرفهم عن ذلك، إذا كانوا قادرين ما صار معجزاً، يعني كعجز الأعمى عن القراءة القراءة في مقدور الناس كلهم، لكن الأعمى مصروف عن القراءة، فيكون العرب عن معارضته بمثابة الأعمى، هو ممكن معارضته والإتيان بمثله ممكن لكن الله -جل وعلا- صرفهم، هذا ما يصير فيه إعجاز للقرآن، هذا قول باطل. بمثله وبعشر ثم واحدة ... . . . . . . . . . "بمثله" أن يأتوا بمثله، أو يأتوا بعشر سور، أو يأتوا بسورة واحدة. . . . . . . . . . ... فلم يروموه إذ ذا الأمر لم يرمِ لم يقصد مثل هذا الأمر؛ لأنهم عجزوا وأعلنوا عجزهم. الجن والإنس لم يأتوا لو اجتمعوا ... . . . . . . . . . ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [(٨٨) سورة الإسراء]. الجن والإنس لم يأتوا لو اجتمعوا ... بمثله ولو انضموا لمثلهم يعني ولو مثلهم معهم ما استطاعوا. أنى وكيف ورب العرش قائله! ... . . . . . . . . . يعني شخص يخفى عليه ما بين يديه وما بين جنبيه كيف يأتي بكلام يعارض فيه كلام من يعلم السر وأخفى، ومن خلق الخلق وعرف ما جبلهم عليه كيف يقارن هذا كلامه بكلام الله -جل وعلا-.

стр. 91

أنى وكيف ورب العرش قائله! ... سبحانه جل عن شبه له وسمي "ما كان خلقاً" يعني ما كان القرآن خلقه الله في شيء ثم نطق به، أبداً، بل هو كلامه المسموع بحرف وصوت، قديم النوع، تكلم في الأزل، حادث متجدد الآحاد، يتكلم متى شاء إذا شاء بما شاء. "ما كان خلقاً" يعني ما كان مخلوقاً كما تقول الجهمية والمعتزلة. "ولا فيضاً تصوره نبينا" كما تقول الفلاسفة أنه فاض على قلبه من العقل الفياض الذي هو جبريل. . . . . . . . . . ولا فيضاً تصوره ... نبينا لا ولا تعبير ذي نسمِ ليس من كلام المخلوق، ولا من كلام البشر "ولا من تعبير ذي نسم" ذي نفس من المخلوقين. بل قاله ربنا قولاً وأنزله ... وحياً على قلبه المستيقظ الفهمِ على قلب محمد بواسطة جبريل -عليهما الصلاة والسلام-. والله يشهد والأملاك شاهدة ... والرسل مع مؤمني العربان والعجمِ الكل يعترف بهذا ويشهد به، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 92

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المنظومة الميمية في الآداب الشرعية للعلامة حافظ حكمي (٦) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال العلامة حافظ -رحمه الله تعالى-: الوصية بالسنة: اروِ الحديث ولازم أهله فهم الـ ... ناجون نصاً صريحاً للرسول نمي سامت منابرهم واحمل محابرهم ... والزم أكابرهم في كل مزدحم اسلك منارهمو والزم شعارهم ... واحطط رحالك إن تنزل بسوحهم هم العدول لحمل العلم كيف وهم ... أولو المكارم والأخلاق والشيم هم الأفاضل حازوا خير منقبة ... هم الأولى بهم الدين الحنيف حمي هم الجهابذة الأعلام تعرفهم ... بين الأنام بسيماهم ووسمهم هم ناصرو الدين والحامون حوزته ... من العدو بجيش غير منهزم هم البدور ولكن لا أفول لهم ... بل الشموس وقد فاقوا بنورهم لم يبق للشمس من نور إذا أفلت ... ونورهم مشرق من بعد رمسهم لهم مقام رفيع ليس يدركه ... من العباد سوى الساعي كسعيهم أبلغ بحجتهم أرجح بكفتهم ... في الفضل إن قستهم وزناً بغيرهم كفاهمو شرفاً أن أصبحوا خلفاً ... لسيد الحنفا في دينه القيم يحيون سنته من بعده فلهم ... أولى به من جميع الخلق كلهم يروون عنه أحاديث الشريعة لا ... يألون حفظاً لها بالصدر والقلم ينفون عنها انتحال المبطلين وتح ... ريف الغلاة وتأويل الغوي اللئم أدوا مقالته نصحاً لأمته ... صانوا روايتها عن كل متهم لم يلههم قط من مال ولا خول ... ولا ابتياع ولا حرث ولا نعم هذا هو المجد لا ملك ولا نسب ... كلا ولا الجمع للأموال والخدم فكل مجد وضيع عند مجدهمو ... وكل ملك فخدام لملكهم والأمن والنور والفوز العظيم لهم ... يوم القيامة والبشرى لحزبهم فإن أردت رقياً نحو رتبتهم ... ورمت مجداً رفيعاً مثل مجدهم فاعمد إلى سلم التقوى الذي نصبوا ... واصعد بعزم وجد مثل جدهم واعكف على السنة المثلى كما عكفوا ... حفظاً مع الكشف عن تفسيرها ودم واقرأ كتاباً يفيد الاصطلاح به ... تدري الصحيح من الموصوف بالسقم

стр. 93

فهي المحجة فاسلك غير منحرف ... وهي الحنيفية السمحاء فاعتصم وحي من الله كالقرآن شاهده ... في سورة النجم فاحفظه ولا تهم خير الكلام ومن خير الأنام بدا ... من خير قلب به قد فاه خير فم هي البيان لأسرار الكتاب فبالـ ... وإعراض عن حكمها كن غير متسم حكم نبيك وانقد وارض سنته ... مع اليقين وحول الشك لا تحم واعضض عليها وجانب كل محدثة ... وقل لذي بدعة يدعوك لا نعم فما لذي ريبة في نفسه حرج ... مما قضى قط في الإيمان من قسم (فلا وربك) أقوى زاجراً لأولي الـ ... ألباب والملحد الزنديق في صمم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فلما أنهى الناظم -رحمه الله تعالى- الوصية بالقرآن بعد الوصايا العامة التي أسداها لطلاب العلم، وبعد أن أوصى بكتاب الله -جل وعلا- أوصى بسنة نبيه ﵊، وهما المصدران الأصلان الأصيلان للتشريع، فالسنة شقيقة القرآن وهي صنو القرآن، وتثبت بها الأحكام الزائدة على ما في القرآن، وهي بمنزلته من حيث الاحتجاج، وإن جعلها أهل العلم تالية له باعتبار القائل، فالقرآن كلام الله -جل وعلا-، والسنة كلام نبيه ﵊، وأيضاً باعتبار الثبوت، فثبوت القرآن قطعي، وثبوت السنة منه ومنه، كما هو معلوم. قال -رحمه الله تعالى-: الوصية بالسنة: السنة: ما يضاف إلى النبي ﵊ من قول أو فعل أو وصف أو تقرير، كل هذا يسمى سنة، وأكثر ما تطلق السنة على العملية، والحديث ما يتحدث به أكثر ما يطلق على القول، وعلى كل حال السنة تشمل القول والعمل، وإن كان إطلاقها على العمل أكثر، والحديث أيضاً يشمل القول والعمل، وإن كان إطلاقه على القول أكثر. يقول -رحمه الله تعالى-: اروِ الحديث ولازم أهله فهم الـ ... ناجون نصاً صريحاً للرسول نمي

стр. 94

"اروِ الحديث" يعني اعتني بالحديث من حيث الرواية، فعليك أن تعنى به وبأسانيده، وبدرجاته من حيث الثبوت وعدمه، ترويه بإسنادك إن تيسر، ولم يشغلك ذلك عن تحصيل المهمات؛ لأن بعض الناس يحرص على رواية الحديث، ويجمع الأجايز الكثيرة، ويكون على حساب تحصيل متين العلم لمجرد اسم الرواية، وتجده ينتقل من بلد إلى بلد من أجل أن يروي بالإجازة عن فلان أو فلان المرضي وغير المرضي، فإذا أدرك الإنسان إجازة من شيخ يتشرف بالانتساب إليه تكفيه، أما أن يضيع عمره وأوقاته وجهده في التنقل من بلد إلى بلد من أجل أن يقال: والله عنده مائة إجازة، أو أكثر أو أقل هذه حقيقة مرة. اروِ الحديث ولازم أهله فهم الـ ... ناجون نصاً صريحاً للرسول نمي وأهله المراد به من يعتني به علماً وعملاً وتعليماً، لا يكفي أن يكون حافظاً للحديث من دون علم، ومن دون عمل، لا بد أن يكون عالماً بما يحفظ عاملاً به. اروِ الحديث ولازم أهله فهم الـ ... ناجون نصاً صريحاً للرسول نمي فلما ذكر النبي ﵊ الفرقة الناجية، وذكر أن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، وأن هناك الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، وجاء تفسيرهم بمن كان على ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه، قال الإمام أحمد وغيره: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم؟ فعامة أهل العلم على أن المراد بهم أهل الحديث. "نصاً صريحاً للرسول نمي" يعني رفع إلى النبي ﵊ هم ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)) يعني المقتدون به، العاملون بما يسمعون من أقواله، المقتدون بما ينقل من أفعاله ﵊. سامت منابرهم واحمل محابرهم ... . . . . . . . . . "سامت منابرهم" سمت يسمت بالضم أي قصد، يعني اقصد منابرهم "واحمل محابرهم" "سامت منابرهم" يعني اقصدها، ولو قرئ: سامَت يعني: ارتفعت منابرهم، لكن العطف عطف الأمر عليه يدل على أنه أمر لتتم المقابلة "سامِت منابرهم واحمل محابرهم" والمسامتة هذه إما أن تكون بالقصد، أو ليكون على سمتها قريباً منها؛ لأن ما كان على سمت الشيء فهو محاذياً له، مقارباً له.

стр. 95

سامت منابرهم واحمل محابرهم ... . . . . . . . . . محابرهم الذي يكتبون فيها، فاخدمهم بحمل محابرهم، واصبر على ذلك، والعلم لا يستطاع براحة جسم، ولا يستطاع بادعاء الندية أبداً، مهما بلغ طالب العلم فلا بد أن يتواضع ويحمل محابر الشيخ، أو الذي يكتب فيها، أو يحمل متاعه إن كان معه متاع، أو شيء من ذلك، لا بد أن يعرف الطالب منزلته من منازل شيخه، واحمل أيضاً المحبرة التي تجعلك شبيهاً بهم، فهم يكتبون وأنت معك محبرة مثل محابرهم تكتب عنهم ما ينطقون به. "واحمل محابرهم" يعني محبرة مثل محابرهم "والزم أكابرهم" فالعلم إنما هو عند الكبار، العلم عند الجلة، عند الكبار، ما دام يوجد في البلد من الكبار أحد فلا تبغي به بدلاً من الصغار، ولو أعجبك بريق لفظه؛ لأن بعض الناس من طلاب العلم الصغار يكون عنده أسلوب وعنده طريقة، وعنده تفنن في العبارات يجلب طلاب العلم، ومع ذلك تجد الكبير ممن هو فوقه بمراحل في العلم والعمل لا يوجد عنده شيء من ذلك، فطلاب العلم تجدهم يعزفون عنه. على كل حال يقول: . . . . . . . . . ... والزم أكابرهم في كل مزدحمِ

стр. 96

ما تقول: والله الشيخ هذا زحام ما نلقى عمود نتركى عليه، لا ما يصلح، ويش يقول؟ "في كل مزدحمِ" لأن بعض الناس يؤثر الراحة، فتجده يعزف عن المكان الذي فيه أدنى كلفة، فإذا كان الشيخ عنده جموع غفيرة قال: والله ما أنا رايح نزاحم الناس، لا نلقى موقف، وإذا بغينا نطلع تعبنا، وإذا بغينا ندخل تعبنا، إن أردنا عمود نتكئ عليه ما وجدنا، نروح للمقلين الذي نستطيع أن نتفاهم معهم، ونسألهم ويجيبونا بكل راحة وبساطة، وليس قصده ذلك والله أعلم، قصده أنه يبي راحة، يبي عمود يتركى عليه، ومتى ما بغى طلع، ومتى ما بغى دخل، وإن تيسر له نوم بعد غفا، وبعضهم يفعل هذا في الجمعة في صلاة الجمعة تجده يقصد المسجد اللي ما فيه عدد كبير؛ لأنه يبي يوقف عند باب المسجد ما هو موقف بعيد، ويبي مكان يتكئ عليه، ويبي مكان بارد، قد لا يجد في المساجد المزدحمة التي فيها الخطباء الذين يفيدونه المكان المناسب، وقد يضطر الإنسان إلى هذا أحياناً، فمثلاً في رمضان والجو حار، والمسجد الحرام اللي فيه الصلاة بمائة ألف صلاة، يعني قد لا يجد مكان إلا في درج أو في شمس، يقول: أذهب إلى أي مسجد ثاني، ومكة كلها حرم، وأجلس في الصف الأول، ومكان بارد واتكئ وأسمع الخطبة والحمد لله، وخطبة الحرم تعاد، هذا إن كان حريص بعد على خطبة الحرم، المقصود أن الإنسان ينظر في الباعث، ما الذي جعله يترك هذا المكان ويذهب إلى ذلك المكان؟ إن كانت المصلحة الراجحة لعلمه ودينه أجر عليها؛ لأنه ما يلزم من الكثرة من كثرة الحضور أن يكون أعلم من غيره، قد تكون الكثرة لأن هذا الشخص عنده شيء من المخالفة، عنده شيء من الإثارة، عنده شيء من كذا، والناس تشرئب نفوسهم إلى مثل هذا، وتجد القلة عند هذا العالم؛ لأنه على الجادة يقول: درب معروف، وماشيين عليه الناس، وما عنده جديد، اجلس واستفد وافهم حتى تكون مثله، جدد أنت. "في كل مزدحمِ". اسلك منارهمو والزم شعارهم ... . . . . . . . . . "اسلك منارهم" منار العلم؛ لأن العلم عند هؤلاء الأئمة الذين هم كالمنار الذي ينير الطريق للسالكين.

стр. 97

"والزم شعارهم" الذي هو العلم والتعليم، فأولاً تتعلم، ثم بعد ذلك تعمل وتعلم، وشعارهم العلم، وتعليم الناس، وهداية الناس، وإرشاد الناس، فاقتفي آثارهم بأن تخلص نفسك من ظلمة الجهل، وتتنور بالعلم الشرعي، ثم بعد ذلك تعمل بما علمت، وتعلم الناس وتوجه الناس إليه. . . . . . . . . . ... واحطط رحالك إن تنزل بسوحهم "واحطط رحالك" خلاص هم بغيتك، أهل الحديث هم بغيتك، ماذا تريد من العلم؟ تريد حديث هم أهل الحديث، تريد فقه ما في فقه إلا بحديث، تريد تفسير ما في علم تفسير إلا بالمنقول والمأثور، كل شيء عندهم. . . . . . . . . . ... واحطط رحالك إن تنزل بسوحهم هم العدول. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)). هم العدول لحمل العلم كيف وهم ... أولو المكارم والأخلاق والشيمِ! هذه صفة أهل الحديث. . . . . . . . . . كيف وهم ... أولو المكارم والأخلاق والشيمِ! نعم الناس يتفاوتون في طباعهم، فقد تجد في من يحمل العلم من جبل على شيء من شدة الطبع، هذا عليك أن تصبر عليه، تصبر على جفائه، لكن الغالب أن أهل العلم هم أهل العمل، والعلم بالتعلم كما أن الحلم بالتحلم، فالغالب أنهم هم أهل العمل، وهم الذين يمتثلون الأوامر والنواهي، تعلم يتعلم، لا تغضب ما يغضب هذا الأصل، لكن يتعلم العلم ويقول الرسول ﵊: ((لا تغضب)) ثم يغضب، هذا ما هو بعلم، العلم الذي لا يتوج بالعمل ليس بعلم حقيقة. هم الأفاضل حازوا خير منقبة ... . . . . . . . . . يعني حازوا الفضائل والمناقب، ولو لم يكن لهم إلا نسبتهم إلى النبي ﵊ هم حملة علمه ﵊ حملة حديثه وكلامه، والمهتمون بسيرته وشمائله، ويكفيهم أنه إمامهم، ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [(٧١) سورة الإسراء] فإمامهم من؟ النبي ﵊. هم الأفاضل حازوا خير منقبة ... هم الأولى بهم الدين الحنيف حمي

стр. 98

الدين لا يحمى إلا بالنصوص، لا يحمى بالكلام والجدل الخالي من الأدلة الصحيحة الصريحة لا، فإذا كانوا هم أهل النصوص والمفترض في كل من يتصدى لعلم الحديث أن يكون على ذكر من كلام الله -جل وعلا-، أن تكون له عناية بكتاب الله -جل وعلا- امتثالاً للنصوص الواردة فيما هو بصدد العناية به من السنة في الحث على كتاب الله -جل وعلا-. هم الجهابذة الأعلام تعرفهم ... بين الأنام بسيماهم ووسمهم هم الجهابذة، الجهبذ الجهابذة: جمع جهبذ، وهو النقاد الخبير، يعني هم أهل النقد، غيرهم لا يعنى بنقد، غيرهم لا يعنى بالنقد، وإنما الذي يعنى بالنقد هم أهل الحديث، يعني أهل القرآن، وأهل التفسير يعنون بالنقد، لا حاجة لهم إلى النقد، هم ما يحتاجون النقد لأن القرآن ثابت ثبوت قطعي، ما يمكن يعرض للموازين للنقد لإثباته أو رده، فليسوا بحاجة إلى النقد في الجملة، يعني إذا كان اهتمامهم بالقرآن محض، نعم أهل الفقه تعرفون وضع أهل الفقه، يستدلون بالأحاديث من غير تمحيص ولا نظر ولا روية، وهكذا سائر العلوم، لكن أهل السنة أهل الحديث هم أهل النقد، هم الذين إن ثبت الحديث فهو عمدتهم ومعولهم، وإن لم يثبت ردوه ورفضوه، وليس هذا الأمر إلا لهم، يعني ما يمكن أن يأتي مفسر ويصحح ويضعف بالأحاديث إن لم يكن من أهل الحديث، لا يمكن أن يأتي فقيه ويصحح ويضعف في الأحاديث إن لم تكن له عناية بالحديث. هم الجهابذة الأعلام تعرفهم ... بين الأنام. . . . . . . . .

стр. 99

بين الناس كلهم "بسيماهم ووسمهمِ" لا شك أن السنة لها نور في الوجه لكل واحد يهتم بما يسمعه عن رسول الله ﷺ ، له نصيبه بحسب اتباعه واقتدائه، وترون بعض الناس ممن له اقتداء واتباع له هيبة في النفوس، له نصيب من: ((نصرتُ بالرعب)) بقدر ما عنده من الاقتداء بالنبي ﵊ "بسيماهم ووسمهم" لأنهم تصلهم ويطلعون أكثر من غيرهم على أوصافه ﵊ وعلى شمائله فيقتدون به، فتكون سيماهم مطابقة لسيما النبي ﵊ في الأمور الاختيارية، أما في الأمور الإجبارية ما يمكن أحد يقول: والله الرسول أزهر اللون لازم أصير أزهر اللون، أو ربعة لا بد أن أكون ربعة، هذا ما يمكن، لكن في الأمور الاختيارية يقتدون به ﵊، ولذلكم من خير ما يعين طالب العلم على الاقتداء بالنبي ﵊ والاهتداء بهديه، والاستنان بسنته معرفة خصائصه وشمائله وفضائله ومعجزاته هذه التي تقربه إلى القلوب، وأخلاقه ﵊. هم ناصرو الدين والحامون حوزته ... من العدو بجيش غير منهزمِ "هم ناصروا الدين" يعني الذي ليس عنده رصيد من النصوص كيف ينصر الدين؟ كيف يستطيع أن ينصر الدين؟ لا يستطيع إلا إذا كان عنده نصوص الكتاب والسنة. . . . . . . . . . والحامون حوزته ... من العدو بجيش غير منهزمِ هم البدور ولكن لا أفول لهم ... . . . . . . . . . البدور، الأقمار، والقمر كما هو معروف يأفل ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [(٧٧) سورة الأنعام] القمر يأفل. هم البدور ولكن لا أفول لهم ... . . . . . . . . . موجودون في الوقت كله، لكن لا يأفلون، لا يغيبون على الأنظار. بل الشموس وقد فاقوا بنورهم ... . . . . . . . . . هم الأقمار وهم الشموس، لكن الأقمار تغيب، والشموس تغيب وتأفل. لم يبق للشمس من نور إذا أفلت ... . . . . . . . . . يعني بالليل تطلب الشمس تجد؟ ما تجد، لكن العالم تجده بالليل، القمر تطلبه بالنهار لا تجده، لكن تجد العالم بالنهار. لم يبق للشمس من نور إذا أفلت ... ونورهم مشرق من بعد رمسهمِ

стр. 100

حتى لو ماتوا ورمسوا في قبورهم، لو ناموا لو ماتوا هم موجودون، بآثارهم موجودون، بمؤلفاتهم، بطلابهم، بعلمهم الذي نشروه، وبلغوه الآفاق. . . . . . . . . . ... ونورهم مشرق من بعد رمسهم حتى بعد موتهم وإدخالهم ورمسهم في قبورهم. لهم مقام رفيع ليس يدركه ... . . . . . . . . . لا يدرك مقامهم أحد. . . . . . . . . . ... من العباد سوى الساعي كسعيهم ما يمكن أن يلحق بأهل الحديث شخص بمجرد التمني، ومجرد التشبه الظاهر من غير بذل، من غير تعب كما تعبوا، فهذا العلم لا يُستطاع براحة الجسم، فتعب القوم فاتعب، إن أردت أن تكون مثلهم أو قريباً منهم فاتعب مثل تعبهم. أبلغ بحجتهم أرجح بكفتهم ... . . . . . . . . . "أبلغ بحجتهم" حجتهم بالغة؛ لماذا؟ لأنها مستقاة من مشكاة النبوة. "أرجح بكفتهم" يعني إذا وزن المحدث بغيره رجحت كفته؛ لماذا؟ لأنه يعتني بخير الكلام، بخير الهدي. . . . . . . . . . أرجح بكفتهم ... في الفضل إن قستهم وزناً بغيرهم قد يقول قائل: إن أهل القرآن أرجح من أهل الحديث، لكن ما يتصور أن صاحب حديث ليس من أهل القرآن، يعني في أحد من الأئمة ليست له عناية بالقرآن؟ لا يوجد، إذاً هم أهل القرآن وزيادة، لكن قد يوجد من يعتني بالقرآن ولا صلة له بالحديث. . . . . . . . . . ... في الفضل إن قستهم وزناً بغيرهم كفاهمو شرفاً أن أصبحوا خلفاً ... لسيد الحنفا في دينه القيمِ هؤلاء هم الذين يخلفون النبي ﵊ في تبليغ سنته لمن يأتي. كفاهمو شرفاً أن أصبحوا خلفاً ... لسيد الحنفا في دينه القيمِ يحيون سنته من بعده فلهم ... أولى به من جميع الخلق كلهمِ

стр. 101

يحيون السنة، ومن أحيا سنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، يحيون السنة، يعني السنة أفلت وغابت شمسها قرون من بعد القرن العاشر إلى أن قيض الله -جل وعلا- لها في العصور المتأخرة من يحييها، فقيض الله للسنة في باب الرواية والتصحيح والتضعيف الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى-، وقيض الله لمن يعمل بها ويطبقها ويتفقه من خلالها الشيخ ابن باز في هذا الباب ما له نظير، يعني فقهه فقه السنة، وقيض الله أيضاً من يحفظها الناس بعد أن أيس الناس من الحفظ من قيض من الإخوة المشايخ الفضلاء، فالله -جل وعلا- لا يحرمهم أجر هذه السنة، وأجر من عمل بها. يحيون سنته من بعده فلهم ... أولى به من جميع الخلق كلهمِ هم أولى الناس بالنبي ﵊، وهم صحابته الحقيقيون "إن لم يصحب نفسه أنفاسه صحبوا" يروون عنه أحاديث الشريعة لا ... يألون حفظاً لها بالصدر والقلمِ "يروون عنه أحاديث الشريعة لا * يألون حفظاً" يعني لا يألون جهداً في حفظها بالصدر وبالكتابة بالقلم، يضبطونها ويتقنونها ويحفظونها في صدورهم إن تيسر وإلا ففي كتبهم. ينفون عنها انتحال المبطلين وتحـ ... ريف الغلاة وتأويل الغوي اللئمِ يعني اللئيم، جاء في الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين)) هكذا جاء الحديث، والحديث لا يسلم من كلام، وحسنه جمع من الأئمة، وأثبتت صحته عن الإمام أحمد وغيره، وفيه أيضاً في هذا الحديث بيان لشرف أهل الحديث. أدوا مقالته نصحاً لأمته ... صانوا روايتها عن كل متهمِ أدوا مقالته كما سمعوها نصحاً للأمة، ولم يبخلوا، ولم يكتموا شيئاً من العلم. أدوا مقالته نصحاً لأمته ... صانوا روايتها عن كل متهمِ يبذلون العلم لمن يستحقه، ولا يكتمونه كما تقدم، نصحاً للأمة، وإبراءً للذمة من معرة الكتمان. . . . . . . . . . ... صانوا روايتها عن كل متهمِ

стр. 102

بينوا أحوال الرواة، فبينوا من يحمل عنه العلم من الثقات، وبينوا من لا يستحق الحمل، ومن له أثر في رد الأخبار، فقاموا بكل حزم وعزم وقوة في نفي ما ألصق بالسنة من غيرها، ووضعوا القواعد للجرح والتعديل، وعدلوا وجرحوا، وحفظوا وبلغوا، فلم يألوا جهداً في ذلك. . . . . . . . . . ... صانوا روايتها عن كل متهمِ لم يلههم قط من مال ولا خول ... . . . . . . . . . (من) هذه زائدة لتأكيد النفي؟ لم يلههم قط من مال ولا خول ... . . . . . . . . . يعني ما اشتغلوا بمال وانصرفوا عن السنة، جندوا أنفسهم للسنة حفظاً وتعليماً وشرحاً وتحفيظاً، وعملاً بها، ودلالة للناس عليها. "لم يلههم قط من مال" ما اشتغلوا بأموالهم "ولا خول" يعني لا نسب، لا ولد، لا زوجات ولا شيء، ما لهم أي شيء من متع الدنيا، كل ما يتخول من متع الدنيا تركوه اهتماماً بالسنة. "ولا ابتياع" صفق بالأسواق "ولا حرث ولا نعم" تفرغوا للسنة، وعلموها وتعلموها وعلموها الناس، وجندوا أنفسهم للعناية بها "ولا نعم" لا حرث ولا زراعة ولا ماشية ولا إبل ولا بقر ولا غنم، ولا غيرها من سائر الأموال. هذا هو المجد، هذا هو الرفعة في الدنيا والآخرة، هذه هي الرفعة. هذا هو المجد لا ملك ولا نسب ... . . . . . . . . . يعني هذا هو المجد الحقيقي لا ملك، وإن ادعى المجد وادعي له، إلا أنها في النظرة القريبة يعني في نظرة الدنيا وأهل الدنيا، لكن الكلام في المجد الدائم. هذا هو المجد لا ملك ولا نسب ... . . . . . . . . . افترض أنه ملك نصف قرن، ثم النهاية أنها ((نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة)) التبعات عظيمة ليست سهلة. "لا ملك ولا نسب" افترض أن هذا الشخص من نسل محمد ﵊ ثم بعد ذلك بطأ به عمله، لم يرفع بهذا العلم رأساً، ولا عمل به ما يستفيد، هذا ليس عنده شيء من المجد، نعم ينتسب إلى النبي ﵊ ويتشرف بالانتساب إليه، وهو من ذوي القربى، لكن الكلام على ذوي القربى أهل الاتباع الذي يحبون في الله وفي رسوله ﵊. هذا هو المجد لا ملك ولا نسب ... كلا ولا الجمع للأموال والخدمِ

стр. 103

ثم ماذا إذا عد من أثرياء العالم وصار يتخبط بهذا المال يقوي جوانب الشرور، ويستعمله في إضعاف الخير وأهله؟ إن دعي إلى خير امتنع، وإن دعي إلى مخالفة بادر -نسأل الله السلامة والعافية- كما هو حال كثير ممن رأى نفسه قد استغنى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [(٦ - ٧) سورة العلق] وهذا هو حال كثير من الناس، كثير من الناس ابتلي بالمال لكنه أخفق، وكثير من الناس ابتلي بالفقر وصبر، والصبر على الفقر أسهل من الصبر على توجيه الأموال فيما يرضي الله -جل وعلا-، وإن كان يوجد ممن استغل هذا المال في مراضي الله -جل وعلا-. . . . . . . . . . ... كلا ولا الجمع للأموال والخدمِ فكل مجد وضيع عند مجدهمو ... . . . . . . . . . يعني تنظر إلى العالم في ثيابه الرثة، في هيئته المتواضعة، في جسمه، وتنظر أصحاب الأموال في أبهاتهم، وتنظر أصحاب المناصب العالية في أبهة، وفي غاية من المجد القريب الذي يراه الناس. "فكل مجد وضيع" هذا هو الحاصل، تجد الله -جل وعلا- يزرع الهيبة في قلوب أرباب الدنيا لأهل العلم، الواقع شاهد بذلك، ولا شك أن أصحاب المناصب العالية لا سيما إذا كان عندهم شيء من العقل، وشيء من الحكمة يقدمون أهل العلم، إما ابتغاءً لوجه الله -جل وعلا- يتقربون بذلك قربة، وهذا موجود، أو لجعلهم واسطة بينهم وبين عامة الناس؛ لأن عامة الناس يثقون بأهل العلم، فإذا رأوا هذا الوالي يقدر أهل العلم قرب من قلوبهم؛ لأنه إذا كان يقدر من تحب فلا شك أنك سوف تحبه وتجله وتقدره، يعني إذا رأيت من يحترم والدك، يعني الأصل أنك ما تعرفه، أو حتى بينك وبينه خلاف، ثم رأيت هذا الشخص يقدر والدك ويعظمه ويحترمه، لا شك أنك تميل إليه، فإذا كان الوالي يقدم هذا العالم قربة إلى الله -جل وعلا- هذا ما فيه إشكال، وهو المفترض في والٍ مسلم، لكن إذا كان يقدمه ليجعله واسطة بينه وبين الناس يرضي به الناس، هذا أيضاً موجود، هذا من العقل، هذا من الحكمة، بخلاف ما إذا نفض يده من أهل العلم، ومن أهل الخير والصلاح، هذا ليست عنده شيء من الحكمة. فكل مجد وضيع عند مجدهمو ... وكل ملك فخدام لملكهمِ

стр. 104

كل ملك خدام للملك، والوالي العاقل من يجعل نفسه خادم للعالم، بمعنى إيش؟ أنه ينفذ ما يحكم به العالم، يعني فرق بين والٍ إذا صدر الحكم الشرعي من العالم بادر ونفذ، ما له خيار، وبهذا حينئذٍ يكون ملكه لخدمة الدين وخدمة الشرع، وهذا هو الأصل في الوالي، لكن إذا كان الوالي ينازع العالم، وبينه وبين العالم جفوة، وإذا حكم العالم بحكم وهو الذي ولاه وقلده هذا الأمر، ناقضه واعترض عليه، هذا لا يستقيم الملك مع مثل هذا، فوظيفة الوالي وكان يسمى في الأزمان السابقة عامل، كان عامل لعمر على كذا، ومع ذلك هم في الحقيقة خدام للشرع، وبهذا يشرفون، وبهذا ينالون المنازل العالية في الدنيا والآخرة. والأمن والنور والفوز العظيم لهم ... . . . . . . . . . لأهل العلم. والأمن والنور والفوز العظيم لهم ... . . . . . . . . . لا سيما العلماء بالسنة؛ لأن لهم النصيب الأوفر من هذه الأوصاف التي كمالها للنبي ﵊ وبقدر اقتداء العالم بالنبي ﵊ وبقدر إرثه من ميراث النبوة يكون نصيبه من هذه الأوصاف. والأمن والنور والفوز العظيم لهم ... يوم القيامة والبشرى لحزبهمِ فإن أردت رقياً نحو رتبتهم ... ورمت مجداً رفيعاً مثل مجدهم والله أنت تتمنى تكون مثل فلان، أن تكون مثل فلان، ما في أحد يتمنى أن يكون مثل الإمام أحمد أو مثل سفيان أو مثل علي بن المديني؟ حتى المتأخرين مثل ابن باز أو ابن عثيمين أو الألباني، كل طالب علم يتمنى أن يصل، طيب اسلك المسالك التي سلكوها، هم بشر مثلك، وقد يوجد في أوساط طلاب العلم من أعطي من الحفظ والفهم يمكن أكثر منهم، لكن اسلك مثل ما سلكوا. يقول: فإن أردت رقياً نحو رتبتهم ... ورمت مجداً رفيعاً مثل مجدهمِ فاعمد إلى سلم التقوى الذي نصبوا ... واصعد بعزم وجد مثل جدهمِ

стр. 105

والله تسترخي وتقول: أنا أصير مثلهم، وأحتاج إلى الراحة، وأنا والله الوقت وقت وناسة وهذا ربيع، وهذه استراحات، وهذه ما أدري إيش؟ لا، العلم لا ينال براحة الجسم، لا ينال العلم براحة الجسم، وهذا الأثر عن يحيى بن أبي كثير أورده الإمام مسلم بين أحاديث مواقيت الصلاة، ساق جملة من أحاديث مواقيت الصلاة، ثم قال: وقال يحيى بن أبي كثير: "لا يستطاع العلم براحة الجسم" ثم أكمل أحاديث مواقيت الصلاة، والشراح كل ضرب وادياً وفجاً لإيجاد المناسبة لهذا الكلام، لا ينال العلم أو لا يستطاع العلم براحة الجسم. يعني الدقة في سياق المتون والأسانيد في باب المواقيت من كتاب الصلاة من صحيح مسلم تجعل الإنسان ينبهر، الإمام مسلم انبهر، فأورد هذا الأثر بين أحاديث يتصل بعضها ببعض، أخذته الحال، يعني كأنه فرض نفسه هذا الخبر بين هذه النصوص "لا يستطاع العلم براحة الجسم" وينبه بهذا سائر طلاب العلم أن يتعبوا، العلم ما يأتي بالراحة، والعلماء يقولون: العلم أعطه كلك، لتنال بعضه، لكن إذا ما أعطيته كلك يمكن ما تنال شيء. . . . . . . . . . ... واصعد بعزم وجد مثل جدهمِ "واعكف" لازم؛ لأن العكوف والاعتكاف الملازمة ملازمة الشيء، يعني ما يقال: والله فلان ذهب إلى فلان وجلس عنده ساعة وعكف عنده ساعة، أو دخل المسجد، وأخذ غرض واعتكف، لا، إنما العكوف والاعتكاف طول الملازمة. واعكف على السنة المثلى كما عكفوا ... . . . . . . . . . شخص يدعي أنه من أهل السنة وليس في جوفه منها شيء، أو لا عناية له بكتب السنة، ولا يقرأ في كتب السنة، ولا في شروح السنة، ولا، هذه دعوى. واعكف على السنة المثلى كما عكفوا ... حفظاً. . . . . . . . . الأئمة حفاظ، ما ينال الإنسان الوصف إلا إذا حفظ وفهم، اللهم إلا إذا حاول الحفظ وعجز يعذر، ويبقى أن الفهم ويبقى أن التدوين والتصريف أيضاً مما يجعل الإنسان يوصف بهذا الوصف. واعكف على السنة المثلى كما عكفوا حفظاً مع الكشف عن تفسيرها ودمِ

стр. 106

بعض الناس له عناية بالمتون لكن ليست له عناية بالشروح، وإدامة النظر في الشروح تعطي طالب العلم ملكة يفهم بها السنة، ويستطيع من خلال هذه الملكة أن يشرح من السنة ما لم يشرح قبل؛ لأنه يأتيك أحاديث ما شرحت، يعني إذا كان الحديث مخرج في البخاري ترتاح، شروحه كثيرة وموجودة، مخرج في مسلم نعم، الكتب الستة مخدومة، لكن قد يعوزك حديث في الطبراني مثلاً، أو في مسند أحمد، ما سبق أن شرح، تقف تقول: هذا طلاسم ما شرحه أهل العلم؟ تشرحه أنت؛ لماذا؟ لأنه تولد عندك ملكة، وصرت بحسك وملكتك هذه تستطيع أن تتعامل مع النصوص، كما قلنا في نظيره بالأمس بالنسبة لمن يديم النظر في كلام السلف في تفسير كلام الله -جل وعلا-. . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . مع الكشف عن تفسيرها ودمِ واقرأ كتاباً يفيد الاصطلاح به ... تدري الصحيح من الموصوف بالسقمِ يعني ما يعقل أن طالب حديث ما يعرف المصطلح، مستحيل؛ لأن معرفة المصطلح والمصطلح هو القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي لا بد من معرفتها، ولا بد من التدرج، الشيخ يقول: "اقرأ كتاباً" نقول: ما يكفي كتاب، لا بد أن تتدرج؛ لأن كتاب واحد إن قرأت من الكبار ما فهمته إلا بقراءة كتاب قبله، لا بد أن تتدرج في ثلاث كتب أو أربعة واحدة تلو الآخر، ما يناسب المبتدي، ثم بعد ذلك ما يناسب المتوسط، ثم بعد ذلك ما يناسب المتقدم والمنتهي في طريقة ذكرناها في مقدمة الألفية، يرجع إليها من أرادها، وذكرناها باختصار يعني يناسب التقديم. واقرأ كتاباً يفيد الاصطلاح به ... تدري الصحيح من الموصوف بالسقمِ "فهي المحجة" الطريق الواضح البين. فهي المحجة فاسلك غير منحرفٍ ... . . . . . . . . . لا يمين ولا شمال، اسلك الصراط المستقيم، اسلك هذه المحجة البيضاء ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها)). فهي المحجة فاسلك غير منحرفٍ ... وهي الحنيفية السمحاء فاعتصمِ اعتصم بدينك، اعتصم بكتاب ربك وسنة نبيك ﵊. وحيٌ من الله كالقرآن شاهده ... في سورة النجم فاحفظه ولا تهمِ السنة وحي من الله -جل وعلا- كالقرآن ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم].

стр. 107

. . . ... خير الكلام ومن خير الأنام بدا في سورة النجم فاحفظه ولا تهمِ ... . . . . . . . . . ((أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ )) خير الكلام كلام الله، وإذا قلنا: إن السنة وحي فهي مثل كلام الله، إذاً هي خير الكلام بعد كلام الله. خير الكلام ومن خير الأنام بدا ... من خير قلب. . . . . . . . . ومن أسلم قلب، ومن أطهر قلب ومن أنصح قلب. . . . . . . . . . ... من خير قلب به قد فاه خير فمِ من أطيب الأفواه فمه ﵊. وهي البيان لأسرار الكتاب فبالـ ... إعراض عن حكمها كن غير متسمِ هي البيان، يعني ما جاء مجملاً في القرآن يبينه النبي ﵊ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [(٤٤) سورة النحل] فوظيفته ﵊ البيان، فالسنة هي البيان لأسرار الكتاب فبالـ ... إعراض عن حكمها كن غير متسمِ لا تتسم بالإعراض؛ لأنك إذا أعرضت عن المبِين فلن تفهم المبيَن، ولا ادعيت أنك من أهل الله وخاصته ومن أهل العناية بالقرآن؛ لأنه يرد عليك أشياء تحتاج إلى بيان بيانها في السنة، فالمفترض أن تعتني بالسنة كعنايتك بالقرآن. "حكم نبيك" يعني إذا قال: افعل افعل، إذا قال: لا تفعل لا تفعل، إذا قال: حب فلان حب فلان، إذا قال: حب العمل كذا، إذا قال: أبغض أبغض، حكم نبيك، لا يكن لك خيار ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [(٣٦) سورة الأحزاب] ما لك خيار، ليس لك خيار، إذا قضى الله ورسوله أمر سمعنا وأطعنا. حكم نبيك وانقد وارض سنته ... . . . . . . . . . "وانقد" انقد غيرك تبعاً لما جاء في حكم نبيك ﵊ يعني زن الناس وانقدهم، امدح هذا وذم هذا بقدر الموافقة والمخالفة لسنة النبي ﵊.

стр. 108

"وارض سنته" ارض بها، لا تبغي بها بديل ولا تخالفها، يعني حكمها في نفسك وفي غيرك، وأول ما يحكم به الإنسان على نفسه؛ ليكون قدوة للناس، والنبي ﵊ في خطبة الوداع لما وضع الدماء ووضع الربا قال: ((أول دم أضعه دمنا دم الحارث بن ربيعة بن عبد المطلب، وأول رباًَ أضعه ربانا ربا العباس)) لأنه ما يمكن أن يكون قدوة وهو يفرض على الناس ويترك نفسه، أو يفرض على أولاد الناس ويترك أهله وأولاده، ما يكن قدوه بهذا حتى يبدأ بنفسه. حكم نبيك وانقد وارض سنته ... مع اليقين. . . . . . . . . مع اليقين بدون تردد. . . . . . . . . . ... مع اليقين وحول الشك لا تحمِ أبعد عن الشك والريب، وألزم نفسك باليقين الذي لا تردد فيه ولا ريب. "واعضض عليها" بنواجذك، عض على سنة نبيك بنواجذك، إذا سمعت حديثاً فيه أمر بادر للعمل، إذا سمعت حديثاً فيه نهي عن شيء بادر بتركه والبعد عنه. واعضض عليها وجانب كل محدثة ... . . . . . . . . . يعني التزم بالسنة وجانب البدعة: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور)) إياكم، تحذير من محدثات الأمور ومن البدع، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. واعضض عليها وجانب كل محدثة ... وقل لذي بدعة يدعوك لا نعمِ يدعوك المبتدع إلى بدعته قل: لا سمع ولا طاعة، أنا صاحب سنة، وبلغني عن النبي ﵊ كذا، وأنت تدعوني إلى خلاف ما عرف عنه ﵊، وعن أتباعه من سلف هذه الأمة وأئمتها. فما لذي ريبة في نفسه حرجٌ ... مما قضى قط في الإيمان من قسمِ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [(٦٥) سورة النساء]. فما لذي ريبة في نفسه حرجٌ ... مما قضى قط في الإيمان من قسمِ ليس له قسم، ليس له نصيب ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ﴾ [(٦٥) سورة النساء] ... الآية. . . . . . . . . . أقوى زاجراً لأولي الـ ... ألباب. . . . . . . . .

стр. 109

أقوى زاجراً لأولي الألباب يعني الشخص العاقل ذو اللب ذو العقل السليم الذي يحرص على نجاة نفسه، أقوى زاجراً قوله -جل وعلا-: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] شخص كبير السن صارت له خصومة عند قاضي من القضاة، فلما انتهت وحكم عليه، قيل له: هذه لائحة إن أردت أن تعترض وترفع للتمييز، فطأطأ رأسه وبكى، كيف أعترض على حكم الله، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [(٦٥) سورة النساء] كيف أعترض على حكم؟ يعني افترض أن الحكم صائب أو مخطئ لكن مقدماته شرعية فهي ملزمة لي ولغيري، ولا يعني هذا أن وجود المحاكم العليا من التمييز ومجلس القضاء أنه خطأ، لا؛ لأن كثرة المشاكل وكثرة الناس تستدعي كثرة القضاة، وكثرة القضاة تستدعي التفاوت بينهم التفاوت كبير، فلا شك أن صنيع هذا الرجل مما يحمد عليه لتسليمه التام، لكن لو وجد والله قال: أنا أشوف القضاة متفاوتين، متفاوتين القضاة، ويمكن هذا القاضي الحدث السن الجديد على القضاء يمكن إنه أخطأ، والمجال مفتوح، وليس فيه اعتراض لحكم الله -جل وعلا-، فأرفع للتمييز، يعني ليس وجود المحاكم العليا مخالف لمثل هذا، وكلها في دائرة حكم الله، الإشكال لو لم يرض بحكم القاضي وانتقل إلى حكم ثاني، انتقل إلى الحكم المدني على ما يقولون، حكم القانون، هذا الذي فيه الإشكال، نعم مثل الذي لم يرض بالنبي ﵊ ورضي بفلان من اليهود المنافق الذي فعل كذا، فكونه ينتقل من حكم الله إلى حكم الله، حكم الله على يد هذا القاضي الصغير على يد قاضٍ هو أكبر منه هو ما زال في دائرة حكم الله، والمجال مفتوح، والحاجة داعية لما ذكرنا، أما كونه يقول: والله أنا ما أرض بحكم القاضي هذا؛ لماذا؟ لا لا، الحاكم المدني هذا عنده قوانين ثابتة ومضبوطة ومتقنة علي وعلى غيري، نقول: هذا الذي يقع في الآية: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ﴾ [(٦٥) سورة النساء]. (فلا وربك) أقوى زاجراً لأولي الـ ... ألباب والملحد الزنديق في صممِ

стр. 110

أصحاب العقول يسلمون ويرضون كما فعل هذا الشخص كبير السن، وهذا في أيامنا، يعني الخير موجود في أمة محمد إلى قيام الساعة. والملحد الزنديق الذي في صمم عن سماع الحق لا يسمع الحق، ومن باب أولى لا يعمل به، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →