الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم
رسالة مقدمة لنيل درجة العالمية (الماجستير)
إعداد الطالب: أبو بكر بن محمد فوزي
إشراف الدكتور: عبد الله بن محمد الأمين الشنقيطي
العام الجامعي: ١٤٢٧ - ١٤٢٨ هـ
стр. 2
مقدمة
الحمد لله العزيز الوهاب، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، الذي أنزل القرآن تبصرة لمن أناب، وقال في محكم الكتاب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] , والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبد الله وعلى جميع الآل والأصحاب وسلم تسليما كثيرا إلى يوم المآب.
أما بعد:
فإن أولى ما أفنى فيه المكلف عمره، وعلق به خاطره وأعمل فيه فكره, تحصيل العلوم النافعة الشرعية، واستعمالها في الأعمال المرضية، وأهم ذلك علم كتاب الله تعالى، الذي تولى سبحانه حفظه بفضله, وأعجز الخلائق أن يأتوا بمثله, وجعل ذلك برهانا لتصديق رسالة من أنزل عليه، وأخبر أن الباطل لا يأتيه من خلفه ولا من بين يديه، ثم العلوم المتعلقة به كثيرة، وفوائد كل علم منها غزيرة (١) , وأعظم العلوم به تعلقا وأشدهم به ارتباطا موَثَّقا, علم التفسير الذي بيّن ما أُنزِل على نبينا ﷺ أعظم بيان, فبه حصل التيسير الذي أنعم الله به على الأمة, والتدبر الذي وصف الله به أهل العلم والحكمة, قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
وإن مما أنعم الله به على الأمة، أن جعل الكتاب الذي أُنزِل عليها مشتملا على ما يصلحها في جميع شؤونها، في دينها ودنياها، ومعاشها ومعادها، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
стр. 3
ومما اشتمل عليه القرآن الكريم، آيات المعاملات التي بين الله فيها أحكامه وحد فيها حدوده، وشرع فيها ما يُصلِح الفرد والمجتمع، فلم يشرِّع الله تعالى هذه الأحكام للحفاظ على النظام فحسب، بل شرعها سبحانه لحياة كريمة يصلح فيها حال الأمة جمعاء في الدنيا والآخرة.
وقد اعتنى القرآن الكريم في دعوته للخير ونهيه عن الشر بذكر آثار الخير وعواقبه الحميدة، العاجلة والآجلة، وبذكر آثار الشر وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة. (١)
فهو إن أمر بالأوامر الشرعية ونحوها، نبه العقول النيرة على ما اشتملت عليه من المصالح الضرورية المحتاج إليها في المعاش والمعاد، ما يُجزَم بأنه لا أحسن منها، وأن الحكمة تقتضي الأمر بها، وإن نهى عن المحارم والقبائح أخبر بما في ضمنها من الفساد والضرر والشر الحاصل بتناولها، وأن نعمة الله علينا بتحريمها، وتنزيهنا عنها وتكريمنا، وتعلية أقدارنا عن التلبس بها فوق كل نعمة. (٢)
والبحث عن هذه الحِكم وإبرازها مطلب مهم تجدر العناية به, ذلك أن النصوص جاءت متضافرة في الكتاب والسنة لبيان هذه الحكم.
ومع كثرة الآيات التي بينت هذه الحكم إلا أنها جاءت بأساليب شتى وطرق متنوعة حتى لا تملها الأسماع ولا تسأم منها النفوس.
فتراه مرة يذكر مع الحكم سببه مقرونا بحرف السببية مقدما أو مؤخرا كما في قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩] وقوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠] وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ... الآية﴾ [المائدة: ٣٢].
стр. 4
وتارة يأمر بشيء ويردفه بوصف يبين عاقبته حسنة كانت أم قبيحة كما في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقوله:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقوله تعالى في الخمر مبينا عاقبته السيئة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩١].
وحيناً يذكر الحُكم معللا إياه بحرف من حروف التعليل كما في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وأخرى يبين الحُكم وأثره بأسلوب السؤال والجواب كما في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
وإذا تأملت السنة النبوية تجدها كذلك مليئة بتبيين الحِكم وإظهارها, ومن ذلك قوله ﷺ للرجل الذي اطلع عليه من جحر في حجرته: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (١).
وكذلك ما روته عائشة ﵂ قالت: دف أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ (ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي) فلما كان بعد ذلك قالوا يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك فقال رسول الله ﷺ (وما ذاك؟) قالوا نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال: ... (إنما نهيتكم من أجل الدافة (٢) التي دفت فكلوا وادخروا وتصدقوا) (٣).
стр. 5
وقوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) (١) , إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي بينت الحِكم من الأوامر والنواهي (٢).
وقد سار على ذلك الصحابة ﵃ في بيان الأحكام مع ذكر عللها وحِكمها
فقد كان جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ بعد أن كثر القتل في القراء في معركة اليمامة خشية ضياع القرآن وحفظا للدين.
كما نفى عمر الفاروق ﵁ نصر بن حجاج (٣) خشية افتتان الناس به لجماله حفظا للعرض والنسل.
وفي زمن عثمان ﵁ شُرِع الأذان الأول للجمعة ليتهيأ الناس للصلاة حتى لا تفوتهم وذلك لما كثر الناس, فإذا أذن المؤذن بين يدي الخطيب وإذا هم قد تهيؤا للخطبة وحين أتم في السفر قال: (ولكني إمام الناس فينظر إلي الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولوا: هكذا فرضت) إلى غير ذلك من الأمثلة (٤).
وعلى ذلك سار سلف الأمة من التابعين ومن بعدهم وذلك ببيان حكمة النص أو بالنظر في النوازل وما فيها من مصالح لتطبيقها بين الناس.
стр. 6
فحين روى الإمام مالك بن أنس (١) حديث رسول الله ﷺ أنه: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) بين الحكمة من ذلك فقال: (إنما ذلك مخافة أن يناله العدو) (٢).
وتأمل فتواه ﵀ حين أراد الخليفة أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: (لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله) (٣).
وهذا أبو يوسف (٤) صاحب الإمام أبي حنيفة (٥) يستدرك على شيخه في حديث رسول الله ﷺ : (أنه جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما) (٦) , وذلك أن أبا حنيفة قضى للفرس بسهم معللا ذلك بقوله: (لا أفضل بهيمة على رجل مسلم) فاستدرك عليه أبو يوسف بقوله: (ليس ذلك على وجه التفضيل ولو كان على وجه التفضيل ما كان ينبغي أن يكون للفرس سهم وللرجل سهم لأنه قد سوّى بهيمة برجل, إنما هذا على
стр. 7
أن يكون عدة الرجل أكثر من عدة الآخر, وليرغب الناس في ارتباط الخيل في سبيل الله, ألا ترى سهم الفرس إنما يرد على صاحب الفرس فلا يكون للفرس دونه) فبين ﵀ أن الحكمة في ذلك هو ترغيب الناس في تكثير العدة وتقوية المسلمين (١).
ومما يبين أهمية هذه الحكم كذلك: أننا مأمورون بالتأمل والتفكر فالله لم يخلق الخلق عبثا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [٢٧] بل خلقهم لحكمة عظيمة. وأمرنا جل وعلا بالتدبر والتأمل في آياته الشرعية والكونية فقال:
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩] ومدح الله أصحاب العقول وأرباب الحِكم بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] فالبحث عن الحِكم وتلمسها من التفكر والتأمل الذي أمر الله به, وهما كذلك وسيلة لبيان هذه الحِكم وإظهارها (٢).
وبهذا تتبين أهمية الحِكم وعناية السلف ﵏ في إعمال فكرهم واجتهادهم في تحصيلها وذلك باستقرائهم لنصوص الوحي أو بالنظر في النصوص ودلالات الألفاظ والسياق, أو بالاستنباط والتأمل مما جاء فيه النص بحكم وسكت عن حكمته إلى غير ذلك من الطرق التي تعرف بها الحِكم (٣).
стр. 8
وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام (١): (ويستدل على الأحكام تارة بالصيغة وهو ظاهر وتارة بالإخبار، وتارة بما رتب عليها في العاجل والآجل من خير أو شر أو نفع أو ضر وقد نوع الشارع ذلك أنواعا كثيرة ترغيبا للعباد وترهيبا وتقريبا إلى أفهامهم، فكل فعل عظمه الشرع أو مدحه أو مدح فاعله، أو أحبه أو أحب فاعله، أو رضي به أو رضي عن فاعله, أو وصفه بالاستقامة أو بالبركة أو الطيب، أو أقسم به أو بفاعله، أو نصبه سببا لذكره لعبده أو لمحبته أو للثواب عاجلا أو آجلا، أو لشكره له أو لهدايته إياه، أو لإرضاء فاعله أو لمغفرة ذنبه أو تكفير سيئاته، فهو دليل على مشروعيته المشتركة بين الوجوب والندب, وكل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو ذم فاعله أو عتب عليه أو مقت فاعله أو لعنه أو نفى محبته أو محبة فاعله أو الرضا به أو الرضا عن فاعله أو شبه فاعله بالبهائم والشياطين أو جعله مانعا من الهدى والقبول أو وصفه بسوء أو كراهة, أو استعاذ الأنبياء منه أو أبغضوه أو جعله سببا لنفي الفلاح أو لعذاب آجل أو عاجل أو لذم أو لوم أو ضلاله أو معصية, فهو دليل المنع من الفعل ودلالته على التحريم أظهر من دلالته على مجرد الكراهة) (٢).
ولما كان أمر الحكم بهذه المثابة اعتنى العلماء من بعدهم به وأولوه اهتماما وحرصا بالحديث عنه في ثنايا كتبهم أو بإفراد مؤلف خاص به.
ومن أمثلة هذه الكتب ما كتبه القفال الشاشي في كتابه (محاسن الشريعة في فروع الشافعية) (٣)
стр. 9
وللراغب الأصفهاني كتاب موسوم بـ (الذريعة إلى مكارم الشريعة) (١).
وكذلك ما كتبه محمد بن عبد الرحمن البخاري (٢) في كتابه (محاسن الإسلام).
ومن الكتب التي أصّلت وعرفت بهذا الفن كتاب (الموافقات في أصول الشريعة) للإمام الشاطبي (٣) , وقد أسماه قبل ذلك (التعريف بأسرار التكليف) (٤) , كما ألف العز بن عبد السلام كتابه (قواعد الأحكام).
ومن هذه الكتب التي عنيت ببيان الحِكم: (حجة الله البالغة) لِشاه ولي الله الدهلوي (٥).
وهكذا استمر العلماء ﵏ يألفون في بيان حكمة التشريع وبيان أسراره حتى وقتنا الحاضر, وما ذاك إلا لأهميته وعناية القرآن به.
قال الشاطبي: (والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد) (٦).
وقال: (وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى) (٧).
وهكذا نجد كلام العلماء عن الحكم واضحا جليا.
وممن تطرق لهذا الموضوع من المعاصرين على سبيل التمثيل لا الحصر:
стр. 10
١ - علي أحمد الجرجاوي (١) أحد علماء الأزهر, له كتاب بعنوان (حكمة التشريع وفلسفته).
٢ - الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي, له رسالة لطيفة موسومة بـ (منهج التشريع الإسلامي وحكمته) (٢).
٣ - الطاهر ابن عاشور (٣) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية).
٤ - علال الفاسي (٤) في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها).
كما أن في بيان الحِكم من الفوائد ما يؤكد أهميتها ويدعو إلى الاهتمام بها (٥).
ومن أهم هذه الحِكم التي ينبغي معرفتها: الحِكم المتعلقة بأبواب المعاملات وذلك أن الشريعة توسعت في بيان الحكم والعلل في تشريع هذه الأحكام ببيان مصلحتها للعباد وتتميمها لمكارم الأخلاق ومحاسن العادات, فإذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول والانقياد (٦).
стр. 11
وتزداد أهمية هذا الموضوع في هذا الزمان التي ظهرت فيه القوانين الوضعية، وارتفعت فيه النداءات بإقصاء الشريعة عن الحياة، وأنها لا تصلح لهذه العصور الحديثة، ولم يعلم أصحاب تلك الشعارات أن أي قانون أو أي حكم وضعي غير حكم الله إنما هو قانون نفعي، ويحاولون بذلك استقرار المجتمع زعموا، مع إهدارهم لمبادئ الأخلاق والدين.
(أما الأحكام التي شرعها الله للناس فتحرص على رعاية الفضيلة والأخلاق القويمة, فتحريم الربا مثلاً قصد منه بث روح التعاطف والتعاون بين الناس، وحماية المحتاجين من جشع أصحاب المال, والمنع من التغرير والغش في العقود، من أجل إشاعة المحبة وتوفير الثقة ومنع المنازعة بين الناس، والسمو عن أدران المادة واحترام حقوق الآخرين وتحريم الخمر من أجل الحفاظ على مقياس الخير والشر وهو العقل, وإذا تآزر الدين والخلق مع التعامل تحقق صلاح الفرد والمجتمع وسعادتهما معا). (١)
ومن هنا يتبين أهمية إبراز هذه الحكم المتعلقة بأبواب المعاملات.
وبعد أن أجلت النظر في الآيات المتعلقة بأبواب المعاملات، استخرت الله تعالى واستعنت به في أن أبرز الحكم المتعلقة بالمعاملات المالية، والمواريث، والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم وكان اختياري لهذه الأبواب الفقهية حسب ترتيب الإمام ابن قدامة المقدسي (٢) لها في عمدة الفقه, وهو من علماء الحنابلة.
стр. 12
أسباب اختيار الموضوع
١ - تعلقه الوثيق بكتاب الله جل وعلا. وذلك لما فيه من إدامة النظر في كتاب الله تعالى وتفهمه وتدبره، والانتفاع به.
٢ - أهمية هذا الموضوع، وخصوصا في هذا الزمان الذي ظهرت فيه القوانين الوضعية.
٣ - إن هذا الموضوع يعتبر من التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ولا تخفى أهمية هذا النوع من التفسير، لما فيه من صياغة حياة الأمة والرقي بها وإسعادها في ضوء القرآن الكريم.
٤ - حاجة الفرد والأمة إلى معرفة الحكم من المعاملات التي قصد الشارع تحقيقها في المكلف، لما يترتب على ذلك من صلاح الفرد والأمة وتهذيب الأخلاق والنفوس.
٥ - إن إبراز الحكم من طرق القرآن الكريم في أمر المؤمنين وخطابهم، كما قال ابن سعدي (١) ﵀: (أن من طريقته العناية بمثل هذه الحكم والآثار) (٢) وفي هذا البحث تطبيق عملي لهذه الطريقة الجليلة.
جمادى ثان - التعرف على المصادر، والتمرس في الرجوع إليها في علم التفسير.
стр. 13
خطة البحث
ويشتمل البحث على مقدمة وتمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة وفهارس.
• المقدمة: وتشتمل على:
أهمية الموضوع
أسباب اختيار الموضوع
خطة البحث.
منهج كتابة البحث.
• التمهيد (الغاية من تكليف الله للعبد, وفوائد معرفة الحكم) وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد.
المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم.
• الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.
وفيه أربعة فصول:
• الفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تقوى الله .
المبحث الثاني: مراقبة الله .
المبحث الثالث: تحقيق الفلاح.
المبحث الرابع: التسليم بالقضاء والقدر.
المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا.
المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة.
стр. 14
• الفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث, وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تقوى الله .
المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته.
• الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح, وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى.
المبحث الثاني: تقوى الله تعالى.
المبحث الثالث: مراقبة الله .
المبحث الرابع: شكر الله .
المبحث الخامس: التوكل على الله.
المبحث السادس: التربية على الصبر.
المبحث السابع: البعد عن قول الزور.
المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة.
• الفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة, وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: تقوى الله .
المبحث الثاني: مراقبة الله .
المبحث الثالث: شكر الله .
المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله.
المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية, وفيه مطلبان:
المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان.
المطلب الثاني: اجتناب الفسق.
стр. 15
• الباب الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.
وفيه أربعة فصول:
• الفصل الأول: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المعاملات, وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: التعامل بالمعروف.
المبحث الثاني: تحقيق العدل.
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.
المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة.
المبحث الخامس: حفظ الحقوق.
• الفصل الثاني: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات المواريث, وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه.
المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي.
المبحث الثالث: صلة الرحم.
المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة.
المبحث الخامس: حفظ الحقوق.
стр. 16
• الفصل الثالث: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات النكاح, وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها.
المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة.
المبحث الثالث: التكاثر والتناسل
المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن.
المبحث الخامس: التعامل بالمعروف
المبحث السادس: التكافل الاجتماعي.
المبحث السابع: حفظ الأعراض.
المبحث الثامن: حفظ الحقوق.
المبحث التاسع: إشاعة العفة ومحاربة الرذيلة.
• الفصل الرابع: بناء المجتمع المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة, وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: إقامة شعائر الله.
المبحث الثاني: حفظ الحقوق.
المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة.
стр. 17
• الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة.
وفيه أربعة فصول:
• الفصل الأول: التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات, وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عنه.
المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم.
• الفصل الثاني: التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث.
• الفصل الثالث: التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح, وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تيسير أمر النكاح.
المبحث الثاني:. التيسير في إباحة الطلاق.
المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية.
• الفصل الرابع: التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة, وفيه مبحثان:
المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات.
المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر.
• الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث.
• الفهارس: وتشتمل على:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث والآثار.
فهرس الأعلام.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
стр. 18
شكر وتقدير
هذا وأشكر الله العلي القدير بمنه وفضله أن يسّر لي إتمام هذه الرسالة مع اعترافي بالعجز والتقصير, فما كان فيه من صواب فمن الله, وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان.
ثم أشكر الجامعة الإسلامية التي شرفت بالانتماء إليها وتلقي العلم فيها لما تميزت به من المنهج العذب الصافي المستمد من الكتاب والسنة, كما أشكر كلية القرآن الكريم وقسم التفسير متمثلا في مشايخه على ما أسدوه لي من نصح وتوجيه في هذا البحث.
كما أشكر شيخي وأستاذي الذي أشرف عليّ أثناء البحث, فضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله بن الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على ما قدمه لي من نصح وتوجيه, فأسأل الله أن يبارك له في علمه وعمره.
وأتقدم بالشكر الجزيل للشيخين الكريمين والأستاذين الفاضلين اللذين تفضلا بقبول قراءة هذه الرسالة.
وأسال الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل
إنه على كل شيء قدير.
стр. 19
منهج كتابة البحث
١ - جمع الآيات المتعلقة بالموضوع، وهي آيات المعاملات المالية، والمواريث، والنكاح، والأطعمة من القرآن الكريم، وذلك حسب ترتيب ابن قدامة ﵀ في عمدة الفقه كما ذكرت.
٢ - استخراج الحكم، من هذه الآيات المباركات، من منطوق الآية أو مفهومها وذلك من خلال الرجوع إلى كلام المفسرين خاصة، وسائر العلماء عامة في حديثهم عن هذه الحكم, وسواء كانت هذه الحكم عاجلة أو آجلة، ولا أدعي الاستيعاب لجميع تلك الحكم، وإنما جمعت الغالب منها.
٣ - رتبت الأبواب في البحث بطريقة مناسبة، وهي: ذكر الحكم العامة التي اشتملت عليها آيات المعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة كلها أو جلها، وذلك ليتسنى معرفة الحكم على وجه الإجمال و العموم
٤ - ذكرت تحت هذه الأبواب ما يتعلق بالمعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة على حدة، وذلك ليسهل الرجوع إلى الحِكم لكل باب من هذه الأبواب في مظانها.
٥ - قسمت هذه الفصول إلى مباحث ومطالب تضمنت ذكر ما تحتها من الحكم المتعلقة بالمعاملات، والمواريث، والنكاح، والأطعمة وذلك حسب ما يتفق ويتسق مع المادة الموضوعة للبحث.
٦ - عزو الآيات القرآنية بعد ذكرها مباشرة في صلب البحث، كي لا تكثر هوامش البحث.
٧ - تخريج الأحاديث النبوية تخريجا يبين درجتها فما كان في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بالعزو إليه وما كان في غيرهما من كتب السنة عزوته لمصدره مع بيان درجته, معتمدا في ذلك على كلام أهل العلم المحققين.
стр. 20
٨ - توثيق الأبيات الشعرية ونسبتها إلى قائليها, وذلك من خلال دواوين الشعر وكتب اللغة.
٩ - ضبط ما يحتاج إلى ضبط، مع الالتزام بعلامات الترقيم.
١٠ - الترجمة الموجزة للأعلام غير المشهورين.
١١ - القيام بوضع الفهارس اللازمة.
أسأل الله سبحانه أن يوفقنا لما يحب ويرضى
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
стр. 21
تمهيد
ويشتمل على:
المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد.
المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم.
стр. 22
تمهيد
قبل الحديث عن الغاية من التكليف وفوائد معرفة الحكم, يحسن في هذا المقام تعريف الحكمة والمراد بها وما تتضمنها من معان وأقسام لها تعلق بالبحث وارتباط به.
• تعريف الحكمة:
الحاء والكاف والميم أصلٌ واحد، وهو المنْع. وأوّل ذلك الحُكْم، وهو المَنْع من الظُّلْم.
وهي في اللغة: عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم (١).
والحكمة في الاصطلاح: هي المصلحة المقصودة من تشريع الحكم من جلب نفع أو دفع مضرة ورفع حرج (٢).
وهذا التعريف يشمل ثلاثة أمور:
١ - درء المفسدة وهو ما يعبر عنه الأصوليون بالضروريات.
٢ - جلب المصلحة وهو ما يعبر عنه بالحاجيات.
٣ - الجري على مكارم الأخلاق واتباع أحسن المناهج في العادات وهو ما يعبر عنه بالتحسينات والتتميميات (٣).
• علاقة الحكمة بالمقصد والعلة:
وإذا تأملت في هذا التعريف ترى مدى ارتباطه بمقاصد الشريعة, فكثير من العلماء يعبر عن المقصد بالحكمة, فيقال هذه حكمته كذا, وهذا مقصوده كذا, وقد عرف الطاهر ابن
стр. 23
عاشور المقاصد بالحكم فقال: (مقاصد التشريع العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها) (١).
كما أن للحكمة علاقة بالعلة, وذلك أن العلة تطلق ويراد بها عدة اصطلاحات:
الأول: ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر.
الثاني: ما يترتب على تشريع الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة.
الثالث: الوصف الظاهر المنضبط الذي يترتب على تشريع الحكم عنده مصلحة للعباد.
وكل هذه الاصطلاحات يصح أن يطلق عليها علة, إلا أنهم اصطلحوا فيما بعد على قصر العلة على الوصف الظاهر المنضبط, وأما ما يترتب على الفعل من نفع أو ضرر فقالوا عنه حكمة مع اعترافهم بكونها علة (٢).
• أقسام الحِكم:
ومن خلال هذا التعريف فقد قسّم العلماء الحِكم إلى أقسام باعتبارات عدة:
فقُسمَت باعتبار الزمان, فقسموها إلى حِكم دنيوية وإلى حِكم أخروية والحِكم الدنيوية تؤدي إلى الحكم الأخروية, كما تسمى (بالحكم العاجلة والآجلة) (٣).
وقُسمَت باعتبار تعلقها بعموم الأمة وأفرادها فقسموها إلى حِكم كلية وهي الحِكم التي تعود على المجتمع, وإلى حِكم جزئية وهي الحِكم التي تعود على آحاد الأفراد أو المجموعة الصغيرة منهم.
وقسمت باعتبار شمولها لمجالات التشريع, فقسموها إلى حِكم عامة تُلحظ في جميع أنواع التشريع أو معظمها, وإلى حِكم خاصة تلحظ في جملة من الأبواب المتقاربة والمتجانسة وإلى حِكم جزئية عند كل حُكْم.
стр. 24
كما قسمت باعتبار آثارها على الأمة إلى حِكم ضرورية يختل نظام الحياة باختلالها وإلى حِكم حاجية تحتاج الأمة إليها لانتظام مصالحها وأمورها, وإلى حِكم تحسينية يكون بها كمال الأمة في نظامها, فتبلغ بها مرتبة عالية من الرقي والتحضر, وحسن المعاملة والمظهر (١).
المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد .
من المعلوم أن الله جل وعلا خلقنا وأوجدنا من العدم, فقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣] وهو أعلم بما يصلح عباده وما هو نافع لهم , وما هو ضار عليهم.
ولما كان الأمر كذلك, أَمَرَهم ونَهاهم, وشرع لهم دينه ليقوموا به حق قيام كما
قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] , وقد كان هذا الدين الذي رضيه الله لنا وشرعه, لغاية عظمى ومقصد أسمى ألا وهو: طاعته وامتثال ما أمر به والتعبد له بما شرع فقد قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] بمعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودية, كما قال ابن عباس ﵁ في هذه الآية: (إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها) (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه :
(ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك, وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك) (٢).
стр. 25
ولقد تضافرت أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في تقرير هذه المسألة وبيان سر العبودية لله تعالى, وأن التكاليف الشرعية هي سر سعادة العبد وفلاحه, لأنها تخرجه من داعية الهوى حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا (١).
فبيّن ابن قدامة ﵀, أن مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال (٢).
وأكد الإمام الشاطبي ﵀ على هذا وبين أن الشرع إنما جاء بالتعبد وأنه المقصود من بعثة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ثم حشد أدلة كثيرة من كتاب الله على ذلك ومنها قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾ [هود: ١, ٢] وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] (٣).
فالعبد مجبول على التعبد محتاج له، بل مفتقر إليه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤): (واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبده ولا يشرك به شيئا ليس له نظير فيقاس به لكن يشبه من بعض الوجوه, حاجة الجسد إلى الطعام والشراب و بينهما فروق كثيرة, فإن حقيقة العبد قلبه وروحه وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو, فلا
стр. 26
تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته, ولا بد لها من لقائه, ولا صلاح لها إلا بلقائه) (٢).
فيا حرمان من انصرف عن عبودية الله تعالى إلى عبودية غيره مما لا ينفع ولا يضر, بل يجلب الحسرة والندامة, وقد ترى في عبادة من صرف عن الله من المشقة والعنت ما لم يكلفهم الله به , ولكن حين انصرفوا عن شرع الله صرف الله عقولهم وأبصارهم عن الحق, وانطبق عليهم قول الحق: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤]
وما أبلغ ما وصفهم به ابن القيم (٣) ﵀، إذ يقول:
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... فبلوا برق النفس والشيطان
لا ترض ما اختاروه هم لنفوسهم ... فقد ارتضوا بالذل والحرمان (٤)
فسِرُّ سعادة العبد هو في التعبد لله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا والمنزه عن النقائص والعيوب, ولهذا قال إبراهيم الخليل ﵇: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦] وكان أعظم آية في القرآن: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الدائم الباقي الذي لا يزول ولا ويعدم ولا يفنى بوجه من الوجوه, فالتعبد لله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه.
стр. 27
وآيات القرآن الكريم قد بينت هذا المعنى وقررته، بالأمر به تارة، وبيان حال الممتثلين لأمر الله ورسوله ﷺ تارة, وذم من خالفوا أمره تعالى والتحذير من سوء عاقبتهم تارة أخرى.
ومن ذلك قول الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠] فهي الشريعة التي وضع الله تعالى في قلوب الخلق الميل إليها والتوجه لإقامتها وهذه هي الفطرة (١).
ويقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي: مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله (٢).
ويقول الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: (٣) (إن الله تعالى خلق الخلق عبيدا ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فإن عبدوه فهم اليوم له عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ملوك في دار الإسلام وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أباق سقاط لئام وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران) (٤).
وقد أمر جل وعلا أمرا أكيدا على الاستجابة والامتثال لأمره وأمر رسوله ﷺ وأن هذه الاستجابة فيها حياة النفوس، فقال الحق : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤] فناداهم الله تعالى بوصف الإيمان وهو الذي يقتضي أن
стр. 28
يثقوا بعناية الله بهم فيمتثلوا أمره إذا دعاهم, والإحياء مستعار لما يشبه إحياء الميت، وهو إعطاء الإنسان ما به كماله، فيعم كل ما به ذلك الكمال من إنارة العقول بالاعتقاد الصحيح والخلق الكريم والدلالة على الأعمال الصالحة وصلاح الفرد والمجتمع, ولما كان الرسول ﷺ لا يخلوا عن إفادة شيء من معاني هذه الحياة, أمر الله الأمة بالاستجابة له، فالآية تقتضي الأمر بالامتثال لما يدعو له الرسول ﷺ . (١)
بل أتى النهي الأكيد والوعيد الشديد على تقديم أمر أي أحد على أمر الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦] ولما حصل من بعض أهل النفاق, والكفرة من اليهود ارتياب وشك، وأرادوا لمز أهل الإيمان في حادثة تحويل القبلة حين حكى الله عنهم قولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢] وبيّن أن البر والإيمان في الطاعة والامتثال فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ... الآية﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: أن الشأن كله في امتثال أوامر الله فحيثما وجهَنا توجهنا فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصرفه وخدامه, حيثما وجهَنا توجهْنا. (٢)
لقد وعى صحابة رسول الله ﷺ هذه الغاية العظمى وتربوا عليها ولا أدل على ذلك من سرعة إذعانهم واستجابتهم لأمر الله ورسوله حين نزل تحريم الخمر فلم يتباطؤوا ولم يتكاسلوا بل أراقوا شرابهم ومجوا ما كان في أفواههم.
شتان بينهم رضي الله تعالى عنهم وبين بني إسرائيل حين قال لهم نبي الله موسى ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فكان جوابهم: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة:٦٧].
стр. 29
أو ما حكى الله عنهم حين قال لهم موسى ﵇: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾ [المائدة: ٢١] فأجابوا:
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] فنسأل الله تعالى السلامة والعافية، وأن يجعلنا من الممتثلين لأمر الله وأمر رسوله ﷺ .
إذا تبين هذا فعلى العبد أن يمتثل أمر الله تعالى فور سماعه وعلمه به سواء ظهرت له الحكمة أم لم تظهر لأنه تعالى أحكم الحاكمين كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾ [التين: ٨] , وهو سبحانه أعلم بخلقه, ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤] فهو لطيف بهم خبير بشؤونهم, "فحسب العقول الكاملة أن تستدل بما عرفت من حكمته على ما غاب عنها وتعلم أن له حكمة في كل ما خلقه وأمر به وشرعه" (١).
ولن يجد العالم شريعة أكمل ولا أحسن من شريعة الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠] "ولو لم يأت الرسول ﷺ ببرهان عليها لكفى بها برهانا وآية وشاهدا على أنها من عند الله, وكلها شاهدة له بكمال العلم وكمال الحكمة وسعة الرحمة والبر والإحسان و الإحاطة بالغيب والشهادة والعلم بالمباديء والعواقب, وأنها من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عباده فما أنعم عليهم بنعمة أجل من أن هداهم لها وجعلهم من أهلها وممن ارتضاهم لها. " (٢)
وأما من رد حكم الله وشرعه لأنه لم تظهر له الحكمة من الأوامر الشرعية، فهذا زيغ وضلال والعياذ بالله وانسلاخ من دين الله جل وعلا، وعدم إيمان بأسماء الله وصفاته التي منها: الحكيم، والخبير، والعليم.
فوا عجبا ممن يرد حكم الله ودينه حيث لم يظهر لعقله القاصر حسنها! وهو الدين الذي فُطرَ الناس إلى الميل له، فأي خير وحسن لم يأمر به الله؟! وأي شر لم ينه عنه؟!
стр. 30
وما أحسن ما رد به الإمام القرطبي (٢) ﵀ على الملحدة حين أنكروا الحج وزعموا أن تجريد الثياب يخالف الحياء, والسعي يناقض الوقار، ورمي الجمار لغير مرمى يضاد العقل.
فقال ﵀: (فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ولا أن يطلع على فائدة تكليفه وإنما يتعين عليه الامتثال ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود ولهذا المعنى كان ﵇ يقول في تلبيته: لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق) (١).
فالواجب على المكلف أن يتبع أهل الإيمان الذين وصفهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
فالله له الملك النافذ والتصرف التام وهو سبحانه أعلم بما يصلح عباده في أي زمان أو مكان, ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾ [البقرة: ١٠٧]
стр. 31
المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم:
إن معرفة حِكم أوامر الله وشريعته لها فوائد كثيرة وغايات نبيلة وسأورد في هذا المبحث بإذن الله ما يسعني جمعه، إذ لا يدرك أحد مرام هذه الفوائد ولا يحيط بجميع تلك المقاصد فهي في سعتها كالبحر الزاخر، وفي حسنها كاللآلئ والجواهر ومن تلك الفوائد ما يلي:
١ - إن معرفة الحِكم من أجل المسائل الإلهية (١):
فحين يكون العبد على علم بتلك الحكم، ويعلم أن الشريعة ما جاءت إلا بجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ويعلم أن الزكاة فيها تطهير للنفس والمال، كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣] وأن تحريم الربا مثلا فيه صيانة المجتمع عن جشع أصحاب الأموال و غير ذلك من الحِكم الكثيرة, ترسخ يقينه أن مالك الملك وخالقه هو المتصرف في الكون فأي نفع وضر أو خير أو بلاء، وأي تصريف وتقدير هو من عند الله تعالى، فيوقن أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
حينها تنكشف للعبد أسرار الربوبية ومعانيها، فلا يحب إلا الله ولا يرجو سواه ولا يخاف إلا منه, ولا يتوكل إلا عليه, ولا يوقن إلا بوعده، ولا يدعو إلا إياه, ولا يراقب سواه وهذا هو التأله الحق والتعبد لله (٢) , فيجب أن يكون المكلف على علم به إذ هو من أسنى المقاصد و هو قطب رحى التوحيد ونظامه ومبدأ الدين المبين وختامه. (٣)
стр. 32
٢ - تحقيق مراد الله تعالى من الحُكْم:
إن المكلف حين يكون على علم بالحكمة التي تتعلق بما شرعه الله تعالى فإن ذلك يكون أدعى له في تحقيق مراد الله منه في هذه المسألة. ففرق بين عبد يقوم للصلاة ينقرها نقر الديك، ويؤدي حركات بلا تفكر في هذه الصلاة, وبين عبد يقوم للصلاة مستشعرا أنه بين يدي الله تعالى، وأن هذه الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وشتان بين صائم عن الأكل والشرب والجماع، وجوارحه تطيش في الحرام وتعمل فيه وبين من صامت جوارحه عما حرم الله قبل أن يصوم عن الأكل والشرب.
يبين هذا ما ورد عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليصلى الصلاة ما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها) (١) , فبيّن الحديث أن العبد يصلي الصلاة الواحدة بأركانها ولكن يقبل منه على قدر ما وعى منها.
وكذلك في الصيام فقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) (٢) فأي صوم هذا الذي لم يمنع الإنسان عن ارتكاب ما حرم الله.
وكذلك النكاح فإن من حكمه: الإحصان والبعد عما حرم الله كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر الشباب من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) (٣) , فما بالك برجل قد أنعم الله عليه بالزواج ثم هو يرتكب ما حرم الله من الفاحشة والعياذ بالله!!! ولذلك كانت عقوبة الزاني المحصن أشد من الزاني غير المحصن.
стр. 33
فإذا علم المكلف هذه الحِكم واستشعرها أقبل على ربه حين يصلي خاشعا متخشعا سائلا مولاه أن تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر, وصام حتى تصوم نفسه وجوارحه عما حرم الله, وإذا أراد النكاح كانت نيته أن يعف نفسه، وأن يرزقه الله ذرية طيبة، فإن لم يستطع بَذَل جميع الوسائل في إعفاف نفسه, وهكذا يكون حاله في جميع ما أمر الله به أو نهى عنه بعيدا عن التخبط قريبا إلى الصواب، إذا وفقه الله وكان على علم بهذه الحكم. (١)
٣ - إن معرفة الحكم من الأمور التي تعين العبد على شكر ربه وذكر آلائه:
فإن الله تعالى كما خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكما يسر الله له من أمور معاشه ما يقتات به ويصلح أمره، فقد جعل شريعته ودينه أكمل الشرائع وأعظمها وأحسنها وأحكمها, فقد كمل لنا الدين وأتم لنا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا كما قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وامتن علينا في غير ما آية بهذا الدين القويم والرسول الأمين ﷺ فقال: ﴿﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢] وهذه المنة بهذا الشريعة الغراء التي هي شاهدة على كمالها بذاتها تستوجب من العباد شكر معبودهم جل وعلا, فكيف بمن اطلع على شيء من حكمته تعالى في دينه, وعلم بعضا من أسرار شريعته أفلا يجدر به - بطريق الأوْلى - أن يكون من الشاكرين؟! (٢)
٤ - زيادة الإيمان واطمئنان القلب:
وذلك أن الحُكْم إذا أتى من الشارع سلّم العبد وانقاد للعمل به لأنه تنزيل من حكيم حميد كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ
стр. 34
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، فإذا علم الحكمة والفائدة من العمل ازداد إيمانه وترسخ يقينه واطمئن قلبه، حيث تكثر بذلك الدلائل وتكثر طرق العلم وهما يثلجان الصدر ويزيلان اضطراب القلب. (١)
ويقول التفتازاني (٢): وبه أي التعليل يكون سرعة الإذعان وزيادة الاطمئنان بالأحكام (٣).
٥ - بيان أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان: (٤)
فمعرفة الحِكَم مما يكفل استمرار الشريعة وديمومتها في كل زمان ومكان, منذ زمن النبي ﷺ إلى وقتنا هذا وحتى تقوم الساعة، وما تنزل على الأمة نازلة أو تطرأ عليهم مسألة إلا وهم بحاجة إلى النظر في الحكمة والمقصد من التشريع, في القياس واستنباط الأحكام الشرعية من الوقائع المستجدة التي لم يدل عليها دليل, وذلك أن هذه الحكم إنما هي مستخلصة من الأدلة الشرعية (٥)
٦ - معرفة الحِكَم فيه رد على المبتدعين، وحصانة من الوقوع في شراك الكائدين.
فإن كثيرا من المبتدعة والملاحدة ردوا قدرا كبيرا من الأحكام وأصول الدين بحجة مخالفتها للعقل- زعموا-، وقاموا على هذه الأحكام بالإنكار والتأويل.
ولا سبيل إلى مجابهة بهتانهم وضلالهم إلا بمعرفة أوجه الحكمة من الأحكام وتبيينها فإذا تبين للمكلف ذلك استطاع أن يظهر ما أخفوه من محاسن الشريعة, وأن يكون متحصنا من الشبهات والشعارات التي ينادي بها من أرادوا أن يحكموا قوانين البشر بحجة عدم ملائمة الشريعة لهذا الزمان, وأن يكشف زيفهم وما تبطن قوانينهم من الظلم والجهل (٦).
стр. 35
٧ - معرفة الحكم تعين على فهم الأدلة والأحكام الشرعية (١)
فمن المعلوم أن دلائل الألفاظ تتفاوت، فمن المتكلمين من هو أقدر على نصب العلامات على المراد من كلامه منه من بعض آخر, ومنهم من يتطرق الاحتمال في كلامه أكثر مما يتطرق إلى شخص آخر, ولذلك فإن الكلام لا يستغني أن تحفه ملامح من السياق ومبينات الألفاظ، ومقامات الخطاب فتكون معينة على فهم مراد المتكلم. وإزالة الاحتمالات المتطرقة له.
وإن أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها هو مقام التشريع، فلابد أن يستعين الفقيه في فهم الأدلة بما يحيط بها من قرائن، ولذلك لم يستغن الفقهاء عن استقصاء تصرفات الرسول ﷺ ولا عن استنباط العلل والحكم، بل كان بعضهم يرحل إلى مدينة النبي ﷺ حتى يتضح له ما يستنبط من العلل تبعا لمعرفة الحِكَم والمقاصد.
ومن ذلك قول ابن عمر ﵁: (ما أُرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم) (٢) لأنه كان لا يرى مزية في التفريق بين الركن اليماني وغيره من الأركان غير الحجر الأسود حتى سمع من عائشة ﵂ قول النبي ﷺ : (ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم) (٣). فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم قال: (لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت) , فعَلِم بذلك الحكمة من تركه ﷺ استلام الركنين اللذين يليان الحِجر.
٨ - معرفة الحِكم وسيلة ضرورية في الدعوة إلى الله تعالى:
فبمعرفتها يتم تذكير الناس وإرشادهم بحكمة خلقهم، وحثّهم على تطبيق الشريعة لما فيها من المصالح العظيمة, وتتبيَّن لهم المصالح والحكم المترتبة على ما يقومون به من المأمورات والمفاسد التي تُدرأ حين يمتنعون عن المنهيات, فالطبيعة البشرية تحب ما يجلب لها الخير وتميل نفوسهم إلى ما ظهر لهم حكمته.
стр. 36
وهي مهمة كذلك في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام, فإذا تبين للكافر محاسن دين الإسلام، وما يدعو إليه من العدل والحكمة، وإشباع الروح بالطمأنينة والخشوع والطهر والتعلق بالله، وتنظيم أمورهم في جميع شؤون الحياة، وحرصه على استقرار الأسرة من التشرد والضياع، مقارنة بما يعانونه في مجتمعاتهم الكافرة من خواء الروح، والظلم وتفرق الأسرة وتشرذمها, كان أدعى لهم في الدخول إلى الإسلام إذا وفقهم الله لذلك.
وهي مهمة كذلك للداعية في ترتيب أولوياته في الدعوة، واختياره الأنسب فيما يبدأ به، فيقدم المصالح العامة على المصالح الخاصة، ويقدم الضروريات على الحاجيات والتحسينيات, ويحذر من المفسدة العظمى قبل المفسدة الصغرى.
يقول الشوكاني (١) ﵀: (فالعالم المرتاض بما جاءنا من الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم الأخلاق، إذا جعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم، كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجح الحاملين لحجج رب العالمين). (٢)
стр. 37
الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة .
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات
الفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث.
الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح.
الفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة
стр. 38
الفصل الأول
بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تقوى الله .
المبحث الثاني: مراقبة الله .
المبحث الثالث: تحقيق الفلاح.
المبحث الرابع: التسليم بالقضاء والقدر.
المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا.
المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة.
стр. 39
المبحث الأول: تقوى الله
تقوى الله من الحِكم التي ذكرها الله تعالى وكررها في كتابه الكريم في كثير من الأحوال وذلك لإنها من الأسباب التي تعين على صلاح العبد واستقامته
والتقوى في اللغة بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية (١) , ويراد بها: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه (٢).
ولما كانت المعاملات المالية مظنة لهضم الحقوق أو التحايل أو التعامل فيه بما حرم الله فقد قرن تقواه بالآيات التي تحدثت عن هذه المعاملات, وسأبين ذلك من خلال المطالب التالية:
• المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا .
فأمر الله بتقواه في الآيات التي تحدثت عن الربا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠].
فذكر - جل وعلا - التقوى في هذه الآية والآيات التي تليها ثلاث مرات، فذكّرهم في هذه الآية بتقواه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ثم حذرهم وأمرهم باتقاء النار فقال في الآية التي تليها: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] ثم بيّن ما أعدّ للمتقين فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣].
فأكّد تعالى أن البعد عن أكل الربا حال كونها أضعافا مضاعفة - وهو ربا الجاهلية- خصلة من خصال التقوى (٣) وذلك: أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى
стр. 40
أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له الذي عليه المال: أخّر عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك (١).
فالتقوى حينئذ تكون رادعة من الوقوع في هذه المعاملة لأنها من صفات الجاهلية ولذلك جعل العقوبة لمن لم يرتدع النار التي أعدت للكافرين.
كان أبو حنيفة ﵀ يقول: (هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين
بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه). (٢)
وكما أمر الله المؤمنين بتقواه في مبدأ تحريم الربا (٣)، فقد أمرهم بها كذلك حينما أغلق باب المعذرة في أكله فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨].
فأمرهم الله بتقواه قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب وترك الربا من جملتها (٤).
وقد ختم الله هذه الآيات بالأمر بتقواه كذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] , فهذه الآية آخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا) وسماها آية الربا لأنها جاءت في ختامها معطوفة عليها فدخلت في حكمها ووصفها (٥) وجعلت هذه الآية خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي لأن فيها الوعد على الخير والوعيد على فعل الشر (٦). فتكرير الأمر بالتقوى في هذه الآيات، تقطع أي طريق للتحايل أو التلاعب, وإن سمي