← Тафсир

Тафсир · id 272

الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

أبو بكر فوزي

Полный текст (355 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهي مهمة كذلك في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام, فإذا تبين للكافر محاسن دين الإسلام، وما يدعو إليه من العدل والحكمة، وإشباع الروح بالطمأنينة والخشوع والطهر والتعلق بالله، وتنظيم أمورهم في جميع شؤون الحياة، وحرصه على استقرار الأسرة من التشرد والضياع، مقارنة بما يعانونه في مجتمعاتهم الكافرة من خواء الروح، والظلم وتفرق الأسرة وتشرذمها, كان أدعى لهم في الدخول إلى الإسلام إذا وفقهم الله لذلك. وهي مهمة كذلك للداعية في ترتيب أولوياته في الدعوة، واختياره الأنسب فيما يبدأ به، فيقدم المصالح العامة على المصالح الخاصة، ويقدم الضروريات على الحاجيات والتحسينيات, ويحذر من المفسدة العظمى قبل المفسدة الصغرى. يقول الشوكاني (١) ﵀: (فالعالم المرتاض بما جاءنا من الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم الأخلاق، إذا جعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية للعباد ودفع المفاسد عنهم، كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجح الحاملين لحجج رب العالمين). (٢)

стр. 37

الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة . وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات الفصل الثاني: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المواريث. الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح. الفصل الرابع: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات الأطعمة

стр. 38

الفصل الأول بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: تقوى الله . المبحث الثاني: مراقبة الله . المبحث الثالث: تحقيق الفلاح. المبحث الرابع: التسليم بالقضاء والقدر. المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا. المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة.

стр. 39

المبحث الأول: تقوى الله تقوى الله من الحِكم التي ذكرها الله تعالى وكررها في كتابه الكريم في كثير من الأحوال وذلك لإنها من الأسباب التي تعين على صلاح العبد واستقامته والتقوى في اللغة بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية (١) , ويراد بها: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه (٢). ولما كانت المعاملات المالية مظنة لهضم الحقوق أو التحايل أو التعامل فيه بما حرم الله فقد قرن تقواه بالآيات التي تحدثت عن هذه المعاملات, وسأبين ذلك من خلال المطالب التالية: • المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا . فأمر الله بتقواه في الآيات التي تحدثت عن الربا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]. فذكر - جل وعلا - التقوى في هذه الآية والآيات التي تليها ثلاث مرات، فذكّرهم في هذه الآية بتقواه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ثم حذرهم وأمرهم باتقاء النار فقال في الآية التي تليها: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١] ثم بيّن ما أعدّ للمتقين فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فأكّد تعالى أن البعد عن أكل الربا حال كونها أضعافا مضاعفة - وهو ربا الجاهلية- خصلة من خصال التقوى (٣) وذلك: أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى

стр. 40

أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له الذي عليه المال: أخّر عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك (١). فالتقوى حينئذ تكون رادعة من الوقوع في هذه المعاملة لأنها من صفات الجاهلية ولذلك جعل العقوبة لمن لم يرتدع النار التي أعدت للكافرين. كان أبو حنيفة ﵀ يقول: (هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه). (٢) وكما أمر الله المؤمنين بتقواه في مبدأ تحريم الربا (٣)، فقد أمرهم بها كذلك حينما أغلق باب المعذرة في أكله فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]. فأمرهم الله بتقواه قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب وترك الربا من جملتها (٤). وقد ختم الله هذه الآيات بالأمر بتقواه كذلك فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١] , فهذه الآية آخر ما نزل على رسول الله ﷺ كما صح عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا) وسماها آية الربا لأنها جاءت في ختامها معطوفة عليها فدخلت في حكمها ووصفها (٥) وجعلت هذه الآية خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي لأن فيها الوعد على الخير والوعيد على فعل الشر (٦). فتكرير الأمر بالتقوى في هذه الآيات، تقطع أي طريق للتحايل أو التلاعب, وإن سمي

стр. 41

الربا بغير اسمه، فتقوى الله سبحانه هي الزاجر الرادع و السياج المانع من الولوج في هذا الباب سواء من يتعامل بهذه المعاملات من أصحاب الأموال أو من يفتي ويبين للناس أحكام الله وشرعه تجاه هذه القضايا. • المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الديْن . أمر الله تعالى بتقواه في آية الدَّيْن فقال تعالى في مطْلع الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فأمر الله جل وعلا المدين بتقواه عند إملاء الدَّيْن والإخبار به، لأنها تدفعه إلى أداء ما عليه من الحق و تردعه عن بخس صاحب الحق حقه. وكذلك فإن الأمر بالتقوى ملازم للكاتب في قيامه بالكتابة ابتداءً، وعند أدائه للكتابة لئلا يكتب غير الحق. وكذا الشاهد فإنه مخاطب بالتقوى في هذه الآية حتى لا يكتم شهادته فيبخس الدائن حقه أو يزيد على المدين ما لم يستدنه، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ والضمير في منه عائد إلى الحق، وهو حق لكلا المتداينين فإذا بخس الكاتب أو الشاهد منه شيئا أضر بأحدهما لا محالة (١).

стр. 42

وأخرج الطبري (١) بسنده عن قتادة (٢) قال: (اتقى الله شاهدٌ في شهادته، لا ينقص منها حقًّا ولا يزيد فيها باطلا. اتقى الله كاتب في كتابه، فلا يَدَعنَّ منه حقًّا ولا يزيدنَّ فيه باطلا) (٣) ثم ختم الله جل وعلا هذه الآية وما فيها من أحكام في الإشهاد والكتابة والنهي عن الإضرار بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢] , فأمرهم بالتقوى وبين ثمرتها المترتبة عليها وأن التقوى سبب من أسباب إفاضة العلوم (٤). وختْم الآية بتقوى الله وإحاطته وعلمه بجميع الأمور في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من الحيل التي يحاول كل واحد منهم أن يبخس غيره ويجلب الحظ لنفسه، كما في الختْم بالتقوى ترغيب في امتثال ما أمر الله به من أحكام في هذه الآية, وهذا الختم جامع لبُشرَى التعليم ونذارة التهديد. (٥)

стр. 43

ولذا فإن من اتقى الله في أداء دَيْنه أو قيامه بالكتابة والشهادة فإن الله يهديه لما فيه الخير والنجاة, فعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ) (١). ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح (٢) عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ, فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا, قَالَ: فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ, قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى, فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلَا: فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِكَ, وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِكَ, وَإنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا, فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ, فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ, ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ فَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ, قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ, قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِالْأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا). ولما كانت التقوى ملاك الخير كله فقد أمر الله بها في الآية التي تليها فقال ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]

стр. 44

فكرر الخطاب للمدين بتقوى الله في رد الأمانة وهي الدَّيْن, وخوطب الدائن كذلك بتقوى الله في رد الأمانة وهي الرهن، وقد عبر الله جل وعلا بالأمانة لما في هذا الاسم من مهابة في النفوس، ولأن عدم الوفاء بالأمانة يعتبر خيانة وذلك ما تستنكره النفس أن توصف به (١) , وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (٢) ,والتقوى مانعة من بخس الحق ومن ضياع الأمانة (٣). وقد أكد النبي ﷺ على تقوى الله في جميع المعاملات المالية، فعن أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُه). (٤) فقوله: (التقوى ههنا) إشارة لكونها تحجز العباد عن هذه المعاملات المشينة. وهكذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتأكيد على التقوى في المعاملات المالية وذلك أن المال مادة البدن، والبدن تابع للقلب، فإذا صلح القلب بالتقوى صلح سائر البدن وإذا فسد القلب فسد سائر البدن فيحصل التعدي والظلم الذي هو خلاف التقوى (٥) وقد قال

стр. 45

النبي ﷺ : (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْب) (١). • ومن تقوى الله جل وعلا في هذا الباب: العلم بأبواب المعاملات المالية، فيعلم العبد ما هو واجب عليه وما هو محرم، وما ينبغي عليه اجتنابه وما يجوز له الإقدام عليه، حتى يكون على بينة وبصيرة فلا يدخل إلى جسده مال حرام بسبب جهله. • ومن تقوى الله كذلك أن يتقي العبد مواطن الشبهات والريبة، وأن يستفتي قلبه فإن ارتاب في سلعة أو معاملة سأل عنها واستبان حالها، و عليه أن يأخذ بفتوى من يثق بدينه من أهل العلم (٢)، وخصوصا إذا اختلط الحلال بالحرام، فتقوى الله هي النجاة والمخرج، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢،٣].

стр. 46

المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى المراقبة: استدامة علم العبد باطلاع الرب عليه في جميع أحواله, (١) وراقبَ اللّهَ تعالى في أَمرِهِ أَي خافَه. (٢) ومن المراقبة ما ثبت عن النبي ﷺ لما سأله جبريل ﵇ عن الإحسان قال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (٣) والمراقبة من أسباب صلاح العبد واستقامته, وهي سياج للعبد أن يقع فيما حرم الله ونهى عنه, خصوصا حين تقوى دوافع الظلم والغش. • المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم فقد ذكّر الله عباده بمراقبته حين أمر بحفظ مال اليتيم ونهى عن التصرف فيه بما يعود عليه بالضرر فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ١ - ٦].

стр. 47

فأخبر تعالى في بداية هذه الآيات أنه رقيب مطلع على أحوال العباد حال تصرفهم في أموال اليتامى إذ لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة، لأنه لا ناصر لهم، وقد يكونون من ذوي الأرحام. (١) فقد يتحايل الولي و يأخذ المال الجيد من مال اليتيم ويقوم بإعطائه المال الرديء بحجة الاستبدال, وقد يجمع مال اليتيم إلى ماله دون حاجة لذلك, ولم يعلم أن الله مطلع عليه عالم بنواياه ولذلك فقد أشار الله إلى اطلاعه وعلمه فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٠]. وقد يتصرف الولي في مال اليتيم فينفق منه كيف شاء ويضعه في غير موضعه متعللا بإنفاقه على اليتيم قبل بلوغه, إذ لو بلغ اليتيم الحلم لما استطاع أن يتنعم الولي بالمال فنهى جل وعلا عن هذا التصرف, فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ وأمر الغني بالتعفف، وأوصى الفقير أن يأخذ ما يكفيه بالمعروف فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وقد اختلف العلماء في قوله: (فليأكل بالمعروف) هل هو على سبيل القرض ويقضي إذا أيسر أم لا؟ فمن العلماء من قال أنه على سبيل القرض (٣) , فعن علي بن أبي طلحة (٤) عن ابن عباس ﵁ قال: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

стр. 48

يعني القرض. (١) , وعلى هذا القول يجب على الولي مراقبة الله تعالى في رد القرض, لأنه جل وعلا هو المطلع عليه في أخذه لمال اليتيم ورده له. من العلماء من قال: لا يلزم الفقير العوض، وهو الصحيح (٢) لأنه عوض عن عمله فلم يلزمه بدله، وعلى هذا فيجب على الولي الفقير أن يراقب الله تعالى في أخذ ما يكفيه بالمعروف. فعن عمرو بن شعيب (٣) عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم, قال: فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل (٤)) (٥) وعن عائشة ﵂ قالت: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ

стр. 49

فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيرا أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. (١). وقد أمر الله - جل وعلا- الوليَّ بألا يتسرع في التخلص من مال اليتيم بدفعه إليه قبل أن يتحقق في اليتيم شرطان: الأول: البلوغ. والثاني: إيناس الرشد (٢). فإذا لم يكن عند ولي اليتيم خوف من الله تعالى فإنه يرى في مال اليتيم فرصة وغنيمة يتعجل فيها المال (٣) , ولذا فإن الله كما أخبر في أول الآيات أنه مراقب لهم ومطلع عليهم ختم هذه الآيات بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦] أي: وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله. (٤) لأنه لا ضمان لهذه الأموال إلا بوازع مراقبة الله تعالى والخوف منه, إذ لا يستطيع اليتيم أن يطالب بحقه وخصوصا إذا كان وليه ذا قرابة له. وكما نهى الله عن ظلم اليتيم, فقد أمر الله بالإحسان إليه فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وذلك بالمحافظة على أموال اليتامى وتنميتها وتثميرها له بالتجارة في مواقع النظر والسداد التي يغلب على الظن فيها السلامة والتنمية، ويأمن عليها من الضياع والتلف (٥) , وهذه

стр. 50

المرتبة من أعظم مراتب المراقبة, لما فيها من الإحسان إلى اليتيم بتثمير ماله والاتجار به دون ظلمه أو الأخذ منه. • المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات . ومن المواضع التي أشارت إلى مراقبة الله, قوله جل وعلا في الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨] ويدخل في هذه الآية كل من هو مؤتمن على أمانة في دِين أو دنيا, ومن ذلك قضاء الدين ورد الحقوق إلى أصحابها, لأن (الأمانة) جاءت بلفظ الجمع فيدخل فيها كل ما يمكن أن يؤتمن الإنسان عليه (١). وقد ختمت الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وهذان الاسمان يستلزمان مراقبة الله تعالى إذ هو سميع لما نقول, بصير بما نفعل, فمن تعبد الله تعالى بهذين الاسمين حصلت له المراقبة (٢) وعن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ هذه الآية ثم قال: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ) (٣). والإحسان في أداء الدين من المراقبة, وهو أن يؤدي العبد الدّيْن على الوجه الأكمل فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَقَالَ اشْتَرُوا لَهُ سِنًّا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَقَالُوا إِنَّا لَا نَجِدُ سِنًّا إِلَّا سِنًّا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ سِنِّهِ قَالَ: (فَاشْتَرُوهَا فَأَعْطُوهَا إِيَّاهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً) (٤).

стр. 51

ومن المراقبة أن يُنظِر الدائن مدينه في أداء دينه إن كان معسرا, فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه) (٢) , فكان إنظاره للناس بما قام في قلبه من مراقبة الله تعالى, فتجاوز الله عنه لما كان يتجاوز عن الناس. فيجب على العبد أن يستحضر مراقبة الله له وأنه مطلع عليه في معاملته للناس خصوصا تلك التي تتعلق بالحقوق المالية, فإن الله وحده هو المحيط بعباده, ويعلم السر وأخفى. فمراقبة الله إن غابت من قلب العبد فسد قلبه, وأصبح غاشا لنفسه وللمجتمع, فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ مر على صَبِرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله, قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني) (٢). وهكذا فإن مراقبة الله تعالى تجعل العبد مرتبطا بخالقه, مستحضرا عظمته في كل موقف فيدفعه ذلك إلى العدل في معاملته, وألا يظلم من ظلمه, بل قد يتجاوز ويعفو, فيصلح قلبه ويرتقي إلى درجات الكمال.

стр. 52

المبحث الثالث: تحقيق الفلاح أصل الفلاح البقاء, ومعناه: الفوز والنجاة والبقاء في النعيم والخير. (١) فالفلاح يكون في الدنيا ويكون في الآخرة, قال ابن كثير (٢) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥] , أي: في الدنيا والآخرة (٣). وعلى هذا فصلاح المسلم يكون بفوزه وفلاحه في الدنيا بطاعة الله وفي الآخرة بالفوز بالجنة. وفي آيات المعاملات المالية من التشريعات والأحكام ما إن طبقها العبد المسلم وامتثل ما أمر الله به كان عونا له على الفوز والنجاة والفلاح. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]. فبين أن امتثال أمره في ترك الربا سبب للفوز والفلاح, ولا غرو أن يكون هذا الفلاح في الدنيا قبل الآخرة, فإن الله جل وعلا يبارك لمن يطيع أمره فيبيع ويشتري ويتاجر بالمال الحلال, وقد حصل هذا لعبد الرحمن بن عوف ﵁ أول قدومه المدينة فعن أنس بن مالك ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ, قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ, دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ فَمَا رَجَعَ حَتَّى

стр. 53

اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ فَمَكَثْنَا يَسِيرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَهْيَمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ مَا سُقْتَ إِلَيْهَا قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (١). قال عبد الرحمن: فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَلَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيب ذَهَبًا أَوْ فِضَّة. (٢) وفي الصحيح أن النبي ﷺ أعطى عروة بن الجعد دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيه (٣). وهكذا كل بيع أو معاملة تكون مبنية على امتثال شرع الله فإن عاقبتها إلى فلاح وبركة فعن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) (٤). فإذا حرص العبد المسلم على اكتساب ماله بالحلال فليبشر بالبركة و الفلاح، فإن النبي ﷺ قال لعمرو بن العاص ﵁: (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح) (٥).

стр. 54

أما من عصى الله ﵎ وتمادى في أكل الربا فإنه بعيد كل البعد عن هذا الفوز, بل إن عاقبة ماله إلى خسارة واضمحلال, قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦] وهذا دليل على أن متعاطي الربا بعيد عن الفلاح بل إن ماله قد يذهب عنه بالكلية فتحصل له الآفات وتأتيه الجوائح , فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) (١). وقد تذهب بركته فلا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، فإذا تصدق من ماله الخبيث لا يقبل منه, لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا, كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)﴾ [المائدة: ١٠٠] ,وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] فما أبعد الفلاح عن أولئك الذين يجمعون المال ويتكسبونه بالمعاملات المحرمه, فهم في شقاء في جمع المال، وفي شقاء عند المحافظة عليه, فقلوبهم له متشوقة, وعلى ذهابه وضياعه متخوفه, قد انصرفت عن تذكر الله والدار والآخرة، فمشقتهم في جمعه أعظم من التنعم به, فأي فوز نالوه بهذا المال؟ بل هو غاية الخسران والعياذ بالله. وقد أخبر تعالى عن بني إسرائيل أنه حرم عليهم طيبات قد أحلت لهم، ومن أسباب ذلك تعاملهم بالربا وأكل أموال الناس بالباطل, فقال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. وبهذا يتبين أن الفلاح كل الفلاح في البعد عن المعاملات المالية التي حرمها الله ونهى عنها وخصوصا في هذا الزمن الذي انتشر فيه الربا وأصبح الاقتصاد العالمي لا يتحاشى عن التعامل بالربا, فإن الله تعالى يبارك في القليل إن كان حلالا, هذا في الدنيا, أما في الآخرة

стр. 55

فالفلاح هو الفوز بالأجر العظيم والأمن من الخوف والحزن يوم الفزع الأكبر, فإن الله تعالى لما أخبر أن المرابي ممحوق البركة وعد من آمن به وتخلى عن الربا فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧] (١).

стр. 56

المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره الإيمان بالقضاء والقدر من أصول الدين وأركان الإيمان, ولا يصح إيمان عبد حتى يسلِّم به, وقد بين النبي ﷺ أركان الإيمان حين سأله جبريل ﵇ عن الإيمان فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) قال عبد الله ابن عمر ﵄ بعد أن حدث بهذا الحديث: لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَر. (١) وكما أن العبد يجب عليه التسليم بالقدر فيجب عليه الإذعان لأمر الله وشرعه فكله من قضاء الله, كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. فالله جل وعلا قد قضى آجال العباد و قسم أرزاقهم, قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] , وبين النبي ﷺ أن العبد لن يحصل إلا على ما قدِّر له , فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنه ليس شيء يقربكم من الجنة، ويباعدكم من النار إلا قد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم من النار، ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (٢) فلذلك كان لزاما على العبد أن يطلب رزق الله مما أحله له وأباحه، وهذا من الرضى بقدر الله.

стр. 57

أما من يطلب رزقه بالمعاملات المحرمة التي ورد النهي عنها والوعيد لمن ولج أبوابها فهذا مستبطئ لرزقه معترض على ما شرعه الله من كسب ماله بالطرق المباحة فإن الله تعالى قال في حق آكل الربا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦]. قال الحافظ ابن كثير ﵀ في قوله: (والله لا يحب كل كفار أثيم): لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. (١) وهكذا كل آكل للحرام سواء بالربا أم بالغش أو المقامرة, أو التطفيف بالميزان, أو أكل أموال اليتامى ظلما فإنه غير راض لما قسمه الله, فعليه أن يتوب إلى الله وأن يكون راضيا بما قسم الله له في الدنيا من سعة أو ضيق, محتسبا الأجر في الآخرة, فهذه هي حال المؤمنين المذعنين المسلمين لشرع الله فعن صُهَيْبٍ الرومي ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (٢)

стр. 58

المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا جاءت الشريعة الإسلامية بما تَصلُح به حياة البشرية, كيف لا وهي من عند أحكم الحاكمين -جل وعلا- الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم. وإن أعظم صلاح للبشرية هو إقامة شرع الله في الأرض وحفظ الدين, إذ به النجاة في الدنيا والآخرة, ولا يتم ذلك إلا بالقيام بحق الله كما أمر. وقد جبل الله النفس الإنسانية على حب المال والتكسب, وأمره باتخاذ الطرق الشرعية في ذلك. ومع بريق الأموال وحب التجارة, وظهور الجشع قد تطغى النفس الأمارة, وتنسى شكر المنعِم المولى, فتضيِّع حق الله تعالى, رغبة في تنمية المال أو خوفا من الخسارة والزوال. وقد جاءت الآيات في كتاب الله تبين خطر من وقع في هذا المزلق, وممتدحة من قدم حق الله تعالى على تجارته ومعاشه. • المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله . أمر الله رسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة, جاء الوعيد الشديد لمن لم يهاجر خوفا من كساد تجارته وضياعها (١) , فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]

стр. 59

وهذا الوعيد يشمل كل من قدّم تجارته وماله فأصبحت متاجرته ومضاربته في الأموال أحب إليه مما افترضه الله عليه من الواجبات, فإذا رأى العبد من نفسه ميلا ومحبة إلى هذه الملذات على محبة الله ورسوله فليحذر أن يبيع دينه بدنياه فيكون من الفاسقين. (١) وعلامة هذه المحبة: أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه. (٢) فإذا تملكت التجارة والمال قلب العبد فأصبحت شغله الشاغل وألهته عن أوامره الله فليبشر بالتعاسة, فقد أصبح عبداً لتجارته, فإن زادت أمواله فرح واستبشر , وطغى وتجبر, وإذا خسر في صفقة أو معاملة, حزن واكتأب, وقد تصيبه الأمراض والأوجاع, بل قد يموت حسرة على ذهاب ماله, وقد نسي أنه ضيع حق الله قبل ذلك, فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) (٣) فأي ربح جناه من قدم التجارة والمضاربات على حقوق الله؟!! بل هو من الخاسرين الذين وصفهم الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]. • المطلب الثاني: معاتبة أهل الإيمان في انصرافهم عن خطبة الجمعة إلى البيع والتجارة. وقد جاء القرآن معاتبا من انصرف عن خطبة الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب, إلى التجارة والبيع, فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١].

стр. 60

فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) (١). ولما كانت التجارة من أعظم ما يشغل العبد عن الصلاة (٢) , أمرهم الله تعالى كما انفضوا إليها وسعوا لها, أن يسعوا إلى الصلاة فإنها هي الأحق بالسعي والاهتمام وأن يتركوا البيع والشراء, فإن ما عند الله خير من اللهو والتجارة فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ [الجمعة: ٩]. وليس المراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، وإنما الإسراع بالقلب والنية والعمل، بأن تكون الصلاة هي الشغل الشاغل, وأن يكون العبد متيقظا لأمر الله بالاستجابة لأمره والقيام بحقوقه (٣). فالواجب على العبد أن يقدم حق الله على مصالحه وذلك لأن الله قد تكفل لعباده بالرزق، فمن قدّم حق الله واشتغل بما أمر كفاه الله مؤونة الرزق (٤) والله خير الرازقين.

стр. 61

وقد كَانَ عَرَّاكُ بْنُ مَالِكٍ (١) ﵁، إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ، أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (٢). • المطلب الثالث: الثناء على من قدّم حق الله على بيعه وتجارته . وكما بين الله عقوبة من ضيع حقه, و وجّه عباده المؤمنين إلى السعي إلى ذكره امتدح أولئك الرجال الذين لم تلههم تجارتهم عن القيام بأوامره, ووعدهم بالفضل العظيم والأجر الجزيل فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨] فذكر الله ﵎ أنهم يتاجرون ويبيعون ولكن. لم تلههم هذه التجارة عن ذكر الله من صلاة وزكاة وأي عبادة أمر الله بها, فهم لها مسارعون. وأخرج الطبري عن ابن مسعود ﵁: أنه رأى قوما من أهل السوق حيث نودي بالصلاة، تركوا بيعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ﴾. (٣) وقال أبو الدرداء ﵁: (إِنِّي أَقَمْتُ عَلَى هَذَا الدَّرَجِ أُبَايِعُ عَلَيْهِ أَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ دِينَارٍ, وَأَشْهَدُ الصَّلاةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فِي الْمَسْجِدِ, أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ

стр. 62

بِحَلالٍ, وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ مِنَ الَّذِينَ, قَالَ اللَّهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾) (١). ومن هؤلاء الرجال الذين امتدحهم الله ﵎ لأنهم باعوا أنفسهم بجميع ما حصلوه من المال في سبيل الله, صهيب بن سنان الرومي ﵁ حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُك عِنْدَنَا، وَبَلَغْت الّذِي بَلَغْت، ثُمّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِك وَنَفْسِك، وَاَللّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ, فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْت لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ فَإِنّي جَعَلْت لَكُمْ مَالِي. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ فَقَالَ رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ. (٢) فكذلك يجب على العبد المسلم الذي يرجو تزكية نفسه وصلاحها ألا يقدِّم مصلحته الذاتية, ورغبته الشخصية على أمر الله تعالى, فيتعامل بالمعاملات المحرمة, وإن أدى ما افترضه الله عليه من صلاة وزكاة وغيرها من الأعمال, فإن الله تعالى كما أمر بهذه العبادات أمر بالكسب الطيب فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١] , وقال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟) (٣). فتقديم أمر الله بالأكل من الطيبات إنما هو تقديم لهوى النفس من الجشع والتكاثر بالمال.

стр. 63

والنهي لا يقف عند المحرمات البيِّنة فحسب، بل إن الكمال وصلاح الدين إنما يكون بالبعد عن المعاملات المشتبهة, لأن الولوج في هذه الشبهات وقوع في الحرام, كما ثبت عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام .. ) الحديث (١). فإذا وُفِّق العبد لتقديم حق الله عند تعارض المصالح أثمر ذلك في قلبه توكلا على الله واعتمادا عليه, وحسن ظن به، كيف لا .. وقد فوّض أمره إلى خالقه ورازقه (٢). وقد تجلت هذه الثمرة في حديث رسول الله ﷺ حينما أوصى عبد الله بن عباس ﵄ قائلا: يا غلام إني أعلمك كلمات (احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف). (٣) فعلى العبد أن يسعى إلى براءة دينه وعرضه, وأن يبعدها عما نهى الله من الانشغال بجمع المال والتجارة عن القيام بحقوق الله والسعي إليها, فإن ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين.

стр. 64

المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة إن غاية ما يرجوه العبد يوم القيامة هو أن يزحزحه الله عن النار ويدخله الجنة, وهذا غاية الفوز وأعظمه كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] , بل إن الكافر يتمنى أن يكون ترابا وألا يذوق العذاب كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾ [النبأ: ٤٠]. ولما نهى الله عباده عن المعاملات المحرمة، بيّن ما ينبني على مخالفة أمره من سوء العاقبة. فإن النفس البشرية إن لم يصلحها الترغيب بما أعد الله لها، فقد يردعها التخويف والوعيد, وفي ذلك صلاح للنفس البشرية وتزكية لها حتى تعبده سبحانه كما شرع, وتتوب إليه إن هي خالفت أمره. وقد جاء هذا التحذير بأشد الأوصاف التي تبين قبح ما يؤول إليه من اتبع هواه, وأعماه جشعه وطمعه عن الوقوف عند حدود الله. • المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل . جاء الوعيد الشديد لمن يأكل أموال الناس بالباطل, فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]. فأخبر جل وعلا أن النار هي مصير من يأكل أموال الناس بالباطل, فأي وسيلة حرم الله التعامل بها فهي أكل لأموال الناس بالباطل، سواء كانت بالربا أو القمار أو غيرها من العقود الفاسدة والمعاملات المحرمة (١) , حتى وإن كانت عن طريق الحيلة, وظاهرها طريقة

стр. 65

شرعية, فليحذر صاحبها هذا العقاب (١) , لما في هذه المعاملات من الاعتداء والتجاسر على أمر الله, والظلم الواقع على عباده فعلى العبد أن يتحرى ما فيه نجاته وعتق رقبته من النار. وخير وسيلة لتجنب أكل المال بالباطل أن يتعلم العبد ما يهمه من هذه الأحكام, وأن يسأل من يثق بعلمه وتقواه من أهل الفتوى, حتى لايكون معتديا ظالما. (٢). ومن المعاملات التي هدد الله فاعلها بسوء العقاب لما فيها من أكل مال الناس بالباطل: التطفيف (٣) في الميزان كما قال : ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾ [المطففين: ١ - ٣]. فقد توعد الله المطففين بالهلاك والعذاب وقد وصفهم الله أنهم إذا اكتالوا على الناس يأخذون حقهم بالوافي الزائد أما إذا كالوا للناس فهم ينقصون منه (٤) وهذا من أعظم الظلم لأن عامة الناس محتاجون للمعاملات المبنية على الكيل والوزن, ولذلك عظّم الله أمر المكيال والميزان فقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ [الرحمن: ٧ - ٩] ... وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. ولقد قص الله لنا في كتابه من ختم لهم بسوء العاقبة بسبب كفرهم بالله وبخسهم وتطفيفهم في الميزان, وهم أصحاب الأيكة, فقد قال لهم نبي الله شعيب ﵇: ... ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣]. ولكن حين عصوا واستكبروا وخالفوا أمر الله في ذلك سلط الله عليهم أشد أنواع العقاب فقد أخبر تعالى

стр. 66

أنهم قد أخذتهم الرجفة فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾ [الأعراف: ٩١] , وأخبر أنهم أخذتهم الصيحة فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾ [هود: ٩٤]. وأخبر أنهم أخذهم عذاب يوم الظلة فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ [الشعراء: ١٨٩]. فقد جاءتهم سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح وفاضت النفوس وخمدت الأجسام, وما أشدها وأقساها من عاقبة سيئة (١)، أبعدوا فيها وخابوا وخسروا كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ [هود: ٩٥]. ومن الذين يأكلون أموال الناس بالباطل وجاء فيهم الوعيد الشديد بسوء العاقبة: الذين ينفقون سلعتهم بالحلف الكاذب، فعن أبي ذر ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَار ,قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِب) (٢) • المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا . وكما بين الله سوء مصير من يأكل مال الناس بالباطل على وجه العموم، فقد خص منهم أصنافا بالتهديد والعقاب، تشنيعا لما يتعاملون به. ومن هؤلاء: المرابون, فقد بين تعالى سوء عاقبة أكلة الربا وأنهم يقومون يوم القيامة بهيئة مقيتة فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 67

فيبعث آكل الربا كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر. (١) والتخبط: التخبل فيتخبل من مسه إياه, كما قال قتادة ﵀: (وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان). (٢) ولا يخص هذا الوعيد آكل الربا فحسب بل كل من شارك في هذه الصفقة المحرمة, فعن جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء) (٣). فليتأمل المرابي حاله إذا أغراه المال والطمع فقام إلى صفقاته ومراباته كالمجنون لا يفكر إلا في مصلحته وغناه, أنه يقوم يوم القيامة كأن به خبلا ومسا من الشيطان!! فإن تأمل هذا الحال كان رادعا له عن هذا المنكر العظيم, أما إذا عاند واستكبر, فليتفكر فيما ختم الله به الآية حيث قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ فهل يطيق ذلك؟! وقد وصف لنا النبي ﷺ حال آكل الربا, أشنع وصف وأقبحه ليبين سوء عاقبة هذه الجريمة، فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا) (٤). وعلى هذا .. فليعلم المتعامل بالربا بعد أن عرف سوء مآله ومصيره ثم أصر على ذلك أنه مخذول مهزوم, كيف لا وقد أعلن بمعاقرته للربا الحربَ على الله ورسوله, وأنى يستطيع ذلك؟ فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩].

стр. 68

قال ابن عباس ﵁ عند تفسير هذه الآية: (فمن كان مقيمًا على الرّبا لا ينزعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضَرب عنقه) (١). • المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم . ومن المعاملات التي بين الله سوء عاقبة فاعلها: أكل مال اليتيم فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]. فتوعد الله من أكل مال اليتيم أو انتفع به بغير وجه حق أنه يأكل في بطنه نارا تأجج يوم القيامة (٢) وذلك أن الولي حين لم يراع حال اليتيم وضعفه وعجزه عن صيانة ماله في وقت كان أحوج فيه إلى الرعاية, توعده الله جل وعلا بسوء العقاب, بل جعل عقابه أشد من عقوبة مانعي الزكاة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] والسبب فيه: أن الفقير لا يملك المال ابتداءً وإنما يحصل له التمليك بدفع الزكاة إليه, أما اليتيم فهو مالك لذلك المال فكان منعه منه أقبح من منع الزكاة، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا يقدر على الاكتساب، أما اليتيم فإنه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد. (٣) وتقريرا لهذا الوعيد فقد بين النبي ﷺ أن الربا وأكل مال اليتيم من السبع المهلكات. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ. قَالُوا يَا رَسُولَ الله: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ, وَالسِّحْرُ, وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) (٤)

стр. 69

فعلى العبد المسلم الذي يرجو صلاح نفسه وتزكيتها البعد عما يوجب سوء العاقبة باجتناب ما حرم الله, فإنه وإن تحمل عواقب ما اقترفه في الدنيا فلن يتحمل سوء العقاب يوم القيامة, حينها يتمنى أن يتقدم بالمعاذير وهيهات هيهات كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨].

стр. 70

الفصل الثاني وفيه مبحثان: المبحث الأول: تقوى الله . المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته.

стр. 71

المبحث الأول: تقوى الله جبلت النفس البشرية على حب ملذات الحياة الدنيا وزينتها. وبين الله ﵎ أن المال والولد من زينة الحياة الدنيا وقد أوصى الله عباده وحثهم على النفقة للفقراء والمساكين. وحينئذ قد يقع العبد في حيرة, وخصوصا إذا حضرته الوفاة و أراد أن يوصي وبين يديه تركة , هل يوصي بإنفاقها على الفقراء والمحتاجين علها تكون سترا له من النار, أم يتركها لأولاده المستحقين, خاصة إذا كانوا ضعفة وليس لهم من يقوم على مصالحهم؟ وقد ورد النص القرآني صريحا مبينا أن امتثال التقوى يقود إلى الصواب والرشاد, فقال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]. فجاء الأمر بالتقوى الذي في امتثاله صلاح العبد وتوفيقه إلى القول السديد, سواء في ذلك الموصي أو من حضره حال وصيته. فإن كان يخشى إن هو أوصى بماله للفقراء والمساكين أن يضر بورثته وأولاده, فعليه أن يتقي الله في هؤلاء الورثة وألا يدعهم فقراء (١) , وهذا من السداد. فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا, قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: الثُّلُثُ؟ قَالَ: (فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ إنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ. (٢)

стр. 72

وكذلك فإن من حضر الميت أثناء وصيته ورأى في وصية الميت ما يضر بورثته, فعليه أن يتقي الله ويجعل ورثة الميت مكان أولاده, فهل يرضى لهم ما يرضى لأولاده, فإذا رآه أوصى بما يضر بورثته فعليه نصحه وتوجيهه إلى الهدي النبوي والشرع الإلهي. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ. (١) أما إن غلب على ظنه أنه لو أوصى للفقراء والمساكين ألا يضرَّ بورثته, فإن ذلك من التقوى, فكما أنه يحب أن يُحسَن إلى ذريته فعليه أن يتقي الله في الفقراء والمساكين. و من حضر الميت حين وصيته في هذه الحال فعليه أن ينصحه عن الزيغ وأن لا ينهاه عن الوصية لذوي القربى من الفقراء والمساكين, بل يأمره بذلك, وأن هذا الأمر فيه صلاحه, إذ لو كان مكانهم لسره أن يوصى له. (٢) فتقوى الله متحققة في كلا الحالين بالنظر فيما هو أقرب إلى الله وأصلح إلى عباده فيقوم به, ويراعي الأضعف والأحوج فإذا ترك ورثة مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية، ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثة ضعفاء مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين فالمراعى إنما هو الضعف، فيجب أن يمال معه, حتى لا يكون المال وزرا على صاحبه. (٣) وكذلك فإن من التقوى أن يوصي العبد لأهل قرابته المحتاجين بما لا يضر بورثته أيضا, فقد جعل الله ذلك حقا على المتقين لأنهم هم الذين يسعون إلى الكمال ويخافون التقصير وذلك في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠].

стр. 73

ومعنى (حقا) أي: ثابتا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب. (١) ومعلوم أن هذه الآية قد خرج منها الوالدان الوارثَان وبقى ذوو القرابة الذين لا يرثون فعن ابن عباس ﵄: (كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين, فأنزل الله آية الميراث, فبين ميراث الوالدين وأقر وصية الأقربين في ثلث مال الميت) (٢) قال النووي (٣) ﵀: (إِنْ كَانَتْ الْوَرَثَة أَغْنِيَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِي بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا، وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاء اُسْتُحِبَّ أَنْ يَنْقُص مِنْ الثُّلُث). (٤) فالحاصل أن التقوى تمنع العبد من الظلم وتعينه على حراسة حقوق الضعفاء من الضياع أو التبديد. (٥) والتقوى كذلك تقود العبد إلى الصراط السوي وامتثال ما أمر الله به وفرضه من أحكام المواريث. ومن التقوى كذلك: تعلم هذه الفرائض وتعليمها حتى يتعلم الناس ما يجب عليهم في أموالهم بالطريقة التي شرعها الله جل وعلا. فإذا امتثل العبد المسلم أمر ربه, سلم من الضلال والزيغ كما قال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والمعنى: يفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده ويوضح لكم شرائعه لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان. (٦)

стр. 74

المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته أسماء الله غاية في الحسن والكمال, وصفاته عليا في القدر والمنزلة كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. ولما كانت هذه الأسماء العظيمة الدالة على صفات الله ختمت بها معظم آيات المواريث, فتارة يقرن صفة العلم بصفة السمع وتارة يقرن العلم بالحكمة, وأخرى يقرن المغفرة بالرحمة, كان من المهم أن تدرس هذه الصفات وما تدل عليها من حكم, وما تبعثه في نفس القارئ من آثار ومعانٍ عظيمة, فإن العارف بالله حقيقة المعرفة يستدل بما يعرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله جل شأنه, وعلى ما يشرعه من أحكام, لأنه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته, فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة. (١) ومن الآثار والمعاني العظيمة التي تحصل من التفكر في هذه الأسماء ما يلي: • المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى . قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة: ١٨١]. نهى الله جل وعلا عن تبديل ما أوصى به الميت أو كتم شيئا من وصيته ثم ختم الآية بقوله: (إن الله سميع عليم) وفي هذين الاسمين ما يدعو النفس إلى مراقبة الله جل وعلا وامتثال أمره, سواء في ذلك الموصي فلا يوصي بمحرم أو

стр. 75

بما يضر ورثته, فالله يسمع ما يوصي به الميت قبل موته حين يوصي هل يعدل أم يظلم؟ (١). وكذلك فإن الآية داعية لأهل الميت وورثته إلى أن يراقبوا الله فيما أوصى به الميت ويسعون في تنفيذها إن لم يكن فيها ظلم وجوْر, فلا يقومون بتبديلها أو كتمان شيء منها, في حين لا يراهم أحد ولا يعلم الموصَى له ما أوصى له الميت فيدفعهم ذلك إلى الظلم, فأخبر الله تعالى أنه يعلم تبديل المبدل وإن تحايل على الناس فإن الله عليم بما تخفيه نفسه. (٢) والتعبير بهاتين الصفتين لله جل وعلا من أقوى الدوافع لمراقبته تعالى والخوف من عقابه لأنه لا يخفى معهما شيء من جور الموصين وتبديل المعتدين (٣). ومتى تذكر العبد هذين الاسمين في جميع شؤونه وأعماله, فإن حياته ستؤول إلى الأفضل لأنها ستجعله دائم التعلق بالله , يخشى أن يسمع منه باطلا, ويخشى أن يخفي ويضمر سوءا وشرا فيطلع الله عليه. • المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح . وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢]. وهذه الآية مكملة للآية التي قبلها وقد ختمت باسمين من أسماء الله تعالى التي تحث على التوبة والاستغفار, وتدارك الظلم والزلل. وقوله: (غفور رحيم) أي: يغفر جميع الزلات ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه, رحيم بعباده، حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون.
следующие страницы →