← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 274

المحصول في شرح صفوة الأصول

عبد العزيز الريس

Полный текст (109 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد: فقد منَّ الله بدرس أسبوعي في شرح متن (صفوة أصول الفقه) للعلَّامة عبد الرحمن بن سعدي ﵀، وقد كنت أُمليه, فقام أحد أخواننا الأفاضل بكتابته وتوثيق النقولات، فراجعته بعد ذلك على عُجالة، وأسميته: المحصول في شرح صفوة الأصول أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله وهو الرحمن الرحيم، وأن يغفر للإمام العلامة ابن سعدي ﵀. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. د. عبدالعزيز بن ريس الريس. ١٦/ ١١ / ١٤٣٦ هـ

стр. 2

تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فإنَّ علم أصول الفقه: علم مهم ومفيد وسهل، وحاجة المجتهد إليه ماسَّةٌ. وقبل البدء بالتعليق على هذه الرسالة، أقدِّم بمقدِّمات: المقدِّمة الأولى: أهمُّ علوم الآلة على الإطلاق هو علم أصول الفقه، وهو الشَّرط الأساس لكلِّ مجتهد، ولا يُتَصَوَّر مجتهد ليس ذا علم بأصول الفقه، ذكر هذا أبو المظفر السمعاني (١)، والرازي (٢)، والشوكاني (٣). المقدِّمة الثانية: علم أصول الفقه علمٌ سهل؛ لأنَّه علم عمليٌّ والذي صَعَّبه في الغالب ما يلي:

стр. 3

الأمر الأول: أنَّه أصبح أرض معركة بين المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة. الأمر الثاني: أنَّه أُدخِل فيه كثير من المسائل النَّظرية التي لا يترتب عليها عمل. الأمر الثالث: أنَّ بعض مَنْ كتب فيه كتب بأسلوب صَعْب، وكأنَّه كتَبَه مُسْوَدَّة، كابن قدامة في روضة النَّاظر، فإنَّه يكتب بعبارات مغلقة، وأحيانًا يُدخل مسألتين في مسألة. المقدِّمة الثالثة: ينبغي لدارس علم أصول الفقه أن يعتمد المسائل الأصولية بدليلها، وألَّا يتبنى المسائل تقليدًا؛ لأنَّ المسألة الأصولية الواحدة ينبني عليها مسائل فقهية كثيرة، ولأنَّ علم أصول الفقه أساسٌ لكلِّ مجتهد، فكيف يكون مجتهدًا وقد بنى اجتهاده على تقليد؟!. المقدِّمة الرابعة: أنَّ هناك فرقًا بين علم أصول الفقه, وعلم الفقه, وعلم القواعد الفقهية؛ فأصول الفقه هو الأساس وهو آلةُ معرفةِ الفقه، فمنه ينتج الفقه، فإذا كثرت المسائل الفقهية وأمكن جمعها في قاعدة بحيث ترجع هذه الأجزاء والمسائل الكثيرة إلى قاعدة كلية، فتُسمى هذه القاعدة حينئذٍ بالقواعد الفقهية، فالأصوليُّ يبحث في الأدلة الإجمالية فَيقرِّرُ أنَّ الأمر يقتضي الوجوب، ويذكر الدليل على ذلك، والفقيه يُطبِّق هذه المسائل الأصولية على المسائل الفقهية فردًا فردًا، فهو

стр. 4

محتاجٌ إلى الأدلة الإجمالية، وعلماء القواعد الفقهية يُلَخِّصُون هذه المسائل الكثيرة في قاعدة ترجِعُ إليها مسائل كثيرة, وتُسمَّى بالقاعدة الفقهية. تنبيهان: التنبيه الأول: ينبغي لدارس القواعد الفقهية أن يُفرِّق بين القواعد المذهبية والقواعد التي ذُكرت بالنَّظر للدَّليل؛ فإنَّ كتب القواعد الفقهية المذهبية تَذْكُر القاعدة التي ترجع إليها مسائل المذهب، ولو لم يكن كاتبها مقتنعًا بهذه القاعدة من جهة الدليل. التنبيه الثاني: لا يصح أن تُرَدَّ الأدلة الشرعية بكلِّ ما يُدّعى أنَّها قاعدة فقهية، وكم رُدَّتْ الأدلَّة بمثل هذا، ذكر هذا ابن القيم (١)، والشوكاني (٢). لذا ينبغي لمن أراد أن يتبنَّى قاعدة؛ أن يتبناها بعد النَّظر في دليلها، وكم رَدَّ أهل البدع من الماضين والمعاصرين، من الحَرَكِيين وغيرهم الأدلة الشرعية؛ بحُجَّةِ أنَّ معهم قاعدة.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال المصنِّف ﵀: «الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه .. اللهم صلَّ على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: فإن أصول الفقه علم شريف مهم، يحصل بمعرفته لطالب العلم ملكة يقتدر بها على النظر الصحيح في أصول الأحكام، ويتمكن من الاستدلال على الحلال والحرام». تقدم في المقدمة الأولى: أن علم أصول الفقه شرط أساس لكل مجتهد، ولا يصح أن يكون الرجل مجتهدًا إلا بعد دراسة علم أصول الفقه. قَوْلُهُ: «ويستعين به على استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، ويَعْرِفُ بذلك كيفية ذلك كلِّه وطريقه». علم أصول الفقه يقوم على أُسُسٍ ثلاثة:

стр. 6

الأساس الأول: الأدلة الشرعية، والمراد بها الأدلة المُجْمَع عليها والمخْتَلَف فيها. الأساس الثاني: كيفية التعامل مع هذه الأدلة، وذلك إذا تعارض عامٌّ وخاصٌّ فيقدَّمُ الخاصُّ .. وهكذا. الأساس الثالث: حال المستفيد، وذلك بأن ينظر في شروط المجتهد، والمسائل التي يجتهد فيها، وينظر في حال المستفيد وغيره، ذكر هذه الأسس الثلاثة المرداوي (١)، والسبكي (٢). قَوْلُهُ: «وهذا مختصر انْتَقَيْتُهُ من كتب أصول الفقه, اقتصرت فيه على المهم المحتاج إليه، واجتهدت في توضيحه؛ لأن الحاجة إلى التوضيح والبيان أشد من الحاجة إلى الحذف والاختصار». جمع المؤلف ﵀ في هذا المتن بين أمرين: الأول: الاقتصار على المهم المحتاج إليه. الثاني: الاجتهاد في التوضيح والبيان، ولو ترتب على ذلك شيء من الإطالة، فإن التوضيح والبيان أهم من الاختصار والحذف.

стр. 7

قَوْلُهُ: «وأرجو الله تعالى الإعانة والسداد, وسلوك أقرب طريق يوصل إلى الهدى والرشاد بمنه وكرمه. آمين.». هذا ما فَعَلَهُ المؤلِّف في هذه الرسالة النافعة، فإنَّها مع اختصارها قد جمعت مسائل كثيرةً عمليةً. قَوْلُهُ: «اعلم أنَّ أصول الفقه هي: الأدلة المُوصِلة إليه، وأصلها الكتاب والسنة والإجماع والقياس». سيذكر المصنف هذه الأدلة والمسائل المتعلقة بها. واشتهر تعريف علم أصول الفقه بتعريفات ترجع إلى أنَّه: معرفة الأدلة الإجمالية، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. تنبيه: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رَدِّه على المناطقة أنَّ مما عند المناطقة من الأخطاء: أنَّهم يُغَالُون في الاشتِغَال بالتَّعاريف والحدود، ثُمَّ ذكر أنَّ كثيرًا من المتأخرين من الفقهاء وقَعُوا في هذا، واشتغلوا بالتَّعاريف، بخلاف الفقهاء الأولين، كمالك والشافعي وأحمد. لذا من الخطأ أن يُشتغل بالتَّعاريف. هذا معنى كلامه (١).

стр. 8

وقد يقال: إنَّه يصِحُّ الاجتهاد في التَّعاريف في حالة، وهو إذا كان التعريف ضابطًا وقاعدة، فليس الاجتهاد فيه؛ لأنَّه تعريفٌ وحَدٌّ, وإنَّما لأنَّه قاعدة. قَوْلُهُ: «والأحكام الشرعية خمسة». اشتهر تسمية هذه الأحكام الخمسة ب الأحكام التكليفيَّة ، وهذه التَّسمية فيها نَظَرٌ، وأصلها من المعتزلة، وقد أنكرها شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وسيأتي بيان هذا أكثر عند التعليق على رسالة ابن عثيمين ﵀ في أصول الفقه. والأصوليُّون يَجعلون الأحكام الشرعية قسْمَين: الأوَّل: أحكام تكليفيَّة. الثاني: أحكام وضعيَّة. والأحكام التكليفية هي الأحكام الخمسة المشهورة. قَوْلُهُ: «الواجب وهو: ما أُثيبَ فاعله وعوقب تاركه». الذي ينبغي معرفته في الواجب: أنَّه ما طلبت الشريعة فعله، بحيث إذا لم يُفعل أثم صاحبه، ولا ينبغي أن يُشتغل ب تعريف الواجب ، وإنما يُكتفى بفهم معناه.

стр. 9

وأيضا - والله أعلم - لا ينبغي أن يُدَقَّق فيُقال في تعريفه: ما أثيب فاعله، أي: امتثالًا، وعوقب تاركه، أي: استحقاقًا؛ لأنَّ هذا تحصيل حاصل. ثم إنَّ كلَّ ما يدلُّ على الواجب فهو من الدَّلائل الدَّالة على الوجوب، فكلُّ ما دلَّت الأدلة على أنَّ تركه إثم فهو واجب. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فالصلوات الخمس المفروضة واجبة. قَوْلُهُ: «والحرام يقابِلُه». أي: يقابل الواجب، فكلُّ ما دلَّت الشريعة على أنَّ فعلَه إثمٌ فهو مُحرَّم، وكلُّ ما دلَّ على ذلك من الدلائل والصيغ فهو مما يدُلُّ على المُحرَّم، وسيذكر المصنِّفُ شيئًا من ذلك كالنَّهي. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، فالزنا مُحرَّم. قَوْلُهُ: «والمسنون وهو ما أُثِيبَ فاعلُه ولم يُعاقَب تاركُه». المسنُونُ: هو كلُّ ما أثابت الشريعة على فعله، ولو تُرِك لم يؤثم تاركه. ويعرف المسنون: بكلِّ فعلٍ امْتَدَحَتْهُ الشريعة بأيِّ دلالة، ولو تُرِكَ هذا الفعل لم يأثم تاركه، كأن تَذْكُر فضلَ فِعلٍ، أو تَجعلَه مِن شعب الإيمان .. وهكذا.

стр. 10

وذلك مثل: صلاة السنن الرواتب؛ لما أخرج مسلم (٧٢٨) عن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «مَنْ صلَّى اثنتي عشرة ركعة في يومٍ وليلةٍ، بُني له بِهِنَّ بيتٌ في الجنة». قَوْلُهُ: «وضِدُّه المكروه». أي: ضِدُّ المسنون المكروه، وهو: كلُّ فعلٍ أَثابت الشريعة على تَرْكِه، ولو فعله المسلم المكلف لم يأثم، وكلُّ ما يدُلُّ على ذلك فهو مكروه. وذلك مثل: الشرب قائمًا؛ لما أخرج مسلم (٢٠٢٤) عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ : «أنَّه نَهى أن يشرب الرجل قائمًا». قَوْلُهُ: «والمباحُ ما لَا يتعلَّقُ بِهَ مدْحٌ ولا ذمٌّ». أي: المباح وسط لم تطلب الشريعة فعله ولا تركه. وذلك مثل النَّوم فإنَّه مباح. وينبغي أن يُتنبه فيما يتعلق بالأحكام إلى أمور: الأمر الأول: أنَّ العبادة هي: فعلُ ما يُحبُّه الله أو تركُ ما يُحبُّ الله تركه، وهذا معنى قول ابن تيمية أنَّها: «اسم جامعٌ لِكلِّ ما يُحبُّه الله ويرضاه من

стр. 11

الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» (١)، وهو معنى قوله في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: «أنَّ العبادات لا تكون إلَّا واجبة أو مستحبة» (٢). فعلى هذا التعبُّدُ بالمباح لذاته بدعة ، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، ولا يُتعبد بالمباح إلا إذا استُعِينَ به على طاعة الله، ذكر هذا ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥). وقد جاء في صحيح البخاري (٤٣٤١) عن معاذ ﵁ قال: «أحتَسِبُ نَومَتي كما أحتسب قَوْمَتي». الأمر الثاني: إنَّ من تحريف الكلِم أن تُفسّر الأدلة الشرعية بالاصطلاحات الحادثة، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وابن القيم (٧)، وعلى هذا أمثلة:

стр. 12

المثال الأول: إنَّ معنى الواجب اصطلاحًا هو ما تقدَّم ذكره، أما شرعًا فيطلق على المعنى الاصطلاحي وعلى السنَّة المؤكدة، قال ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجبٌ على كلِّ مُحتلم». والمراد بالوجوب في هذا الحديث السنَّة المؤكدة، ذكر هذا ابن المنذر (١)، وابن عبد البر (٢)، ويُطلق الواجب أيضا على المعنى الاصطلاحي، وذلك كما في صحيح مسلم (٤١٢) لما سُئل الرَّسول ﷺ عن الحجِّ في كلِّ عامٍ؟ فقال ﷺ : «لو قلت نعم لَوَجَبَت ولما استطعتم». المثال الثاني: لفظ المكروه، له معنى اصطلاحي تقدَّم ذكره، أما شرعًا فيطلق بمعنى التحريم غالبًا، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾. قاله ابن القيم. ويُطلق بمعنى الكراهة الاصطلاحية، وذلك كحديث المهاجر بن قنفذ ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «إنِّي كَرِهْتُ أن أذكرَ الله إلَّا على طُهْرٍ. أو قال: على طَهَارة» أخرجه أبو داود (١٧). المثال الثالث: الرُّخصة، لها معنى اصطلاحي سيأتي، لكن لابدَّ في المعنى الاصطلاحي للرخصة أن تكون مسبوقة بِحَظْرٍ، وهذا بخلاف المعنى الشرعي، فإنها بمعنى السُّهولة واليُسر، ولا يلزم أن تكون مسبوقة بحظرٍ.

стр. 13

قال ابن القيم: «وقولُكم إنَّ الرُّخصة لا تكون إلا بعد النهي باطلٌ بنفس الحديث، فإنَّ فيه رَخَّصَ رسول الله في القبلة للصَّائم، ولم يتقدَّم منه نهي عنها، ولا قال أحد إنَّ هذا التَّرخِيص فيها ناسخ لمنعٍ تَقدَّم» (١)، وبمثله قال الصنعاني (٢). قَوْلُهُ: «وإذا وردَ الأمر في الكتاب والسنَّة فالأصل أنَّه للوجوب». دلَّ على هذا الأدلة وإجماع الصحابة، أما الأدلة فقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وأما إجماع الصحابة فقد حكاه أبو يعلى (٣)، وابن قدامة (٤)، والعلائي (٥). وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنَّه أمر، والأصل في الأمر أنَّه يقتضي الوجوب، ولا صارف. قَوْلُهُ: «إلا بقرينةٍ تصرِفُه إلى النَّدب». وذلك مثل: صلاة الوتر فقد أمر بها الرسول ﷺ ، أخرج الخمسة عن علي ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال: «أوتروا يا أهل القرآن؛ فإنَّ الله وتر يحبُّ الوتر» (٦).

стр. 14

فهذا أمر للاستحباب؛ لأنَّ له صارفًا، وهو ما أخرجه الشيخان (١) عن ابن عباس ﵁ في قصة إرسال الرسول ﷺ معاذًا ﵁ لليمن وفيه: «أنَّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلِّ يومٍ وليلة»، فكلُّ صلاة متعلقة باليوم والليلة غير الخمس المفروضات فهي للاستحباب ومنها صلاة الوتر. قَوْلُهُ: «أو الإباحة إذا كان بعد الحظر غالبًا». أي: أنَّ الأمر بعد الحظر يرجع إلى حكم الأمر قبل الحظر، عزا شيخ الإسلام ابن تيمية هذا إلى السلف والأئمة (٢)، ورجَّحه ابن كثير (٣)، وابن رجب (٤)، والشنقيطي (٥). فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ هذا أمر بعد حظر؛ وذلك أنَّ الاصطياد مباح، فلما أَحْرَم المسلم صار محرَّمًا، فلما تحلَّل أُمِر به، فرجع إلى حكمه إلى ما قبل الحظر، أي: قبل الإحرام وهو الإباحة، ولَعلَّ قول المصنف هنا: «غالبًا»: يريد أنَّه يرجع إلى حكمه قبل الحظر غالبًا، كما أشار لذلك في تعليقاته على هذه الرسالة.

стр. 15

تنبيه: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا على وجه التهديد لا على التخيير، وقد دَرَجَ على هذا العلماء والمفسرون، فمن استدل به على جواز ترك دين الاسلام إلى غيره فقد تزنَّدق؛ ويدلُّ لذلك سياق الآية، فإنَّه قال بعد ذلك ﴿ ... إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ فهو سِياق تهديد. قَوْلُهُ: «والنَّهي للتَّحريم إلا بقرينة تصرفه إلى الكراهة». ومن القرائن أنَّه إذا نهى الرسول ﷺ عن أمرٍ ثم خالفه وفعله، أو أَقَرَّ أحدًا خالفه، فإنَّ النَّهي ينتقل من التحريم إلى الكراهة، وذلك مثل نهي الرسول ﷺ عن الشرب قائمًا، أخرجه مسلم (٢٠٢٤) عن أنس ﵁، ثُمَّ فعله وشرب من زمزم وهو قائم، أخرجه البخاري (٥٦١٥) عن ابن عباس ﵁، فدلَّ هذا على أن النَّهي للكراهة لا للتَّحريم. قَوْلُهُ: «ويتعين حمل الألفاظ على حقائقها دون ما قالوا أنَّه مجاز». هذا مبنيٌّ على أنَّ في الكلام مجازًا، وتُفهَم هذه القاعدة بمعرفة معنى المجاز، وهو ما جمع أركانا أربعة: الركن الأول: الوضع الأول، وهو الوضع الحقيقي. الركن الثاني: الوضع الثاني، وهو الوضع المجازي.

стр. 16

الركن الثالث: القرينة، وهي التي منعت حمل الكلام على المعنى الحقيقي، وكانت سببًا لحمله على المعنى المجازي. الركن الرابع: العلاقة بين الوضع الأول والوضع الثاني. فإذا قال قائل: رأيت أسدًا على فرسٍ شاهرًا سيفه. فيُقال: الوضع الأول للأسد هو: الحيوان المعروف، والوضع الثاني للأسد هو: الرجل الشجاع، والقرينة التي منعت حمله على الوضع الأول، وأوجبت حمله على الوضع الثاني هي: أنه على فرسٍ شاهرٌ للسيف، وهذا لا يكون في الحيوان المفترس، فلا بدَّ أن يُحمل على الرجل الشجاع. أما العلاقة: فهي القوة والإقدام؛ لذا أُطلِق على الرجل الشجاع أنَّه أسد، هذا خلاصة معنى المجاز. وقد أجمع العلماء على أنه إذا لم يكن هناك قرينة توجِبُ حمل الكلام على المعنى المجازي، فإنَّ الكلام محمول على الوضع الأول وهو الحقيقي، حكاه إجماعًا ابن تيمية (١) والرازي (٢)، وغيرهما. إذا تبيَّنَ هذا فإنَّه إذا حصل تردد في كلام هل يراد به المعنى المجازي أو الحقيقي، فإنَّ هذا الكلام يُحمل على المعنى الحقيقي، ومن أمثلة ذلك ما أخرجه

стр. 17

الشيخان عن ابن عمر وحكيم بن حزام ﵃ أنَّ الرسول ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار مالم يتفرقا» (١). قال بعضهم: المراد بالتفرق هنا: التفرق المجازي، وهو: التفرق بالكلام، وقال بعضهم: المراد بالتَّفرُّقِ هنا: التَّفرُّق الحقيقي، وهو التَّفرُّق بالأبدان، فيحمل هذا الحديث على التَّفَرُّق الحقيقي؛ لأنَّه الأصل، وهو التفرق بالأبدان. قَوْلُهُ: «وعلى عمومها دون خصوصها». أي: أنَّ الأصل في الكلام أن يُحمل على عمومه، ولا يُخَصَّصُ إلَّا بدليل، فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ هذا عامٌّ في كلِّ الإنسان، ولا يُخَصَّصُ منه أحدٌّ إلا بدليل. وقول الرسول ﷺ : «عُمرة في رمضان حجة». أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵁ (١٧٨٢)، هذا لفظ عامٌّ باقٍ على عمومه؛ لأنَّ لفظ «عمرة» نكِرةٌ في سياق الامتنان فتفيد العموم. قَوْلُهُ: «وعلى استقلاله دون إضماره». أي أنَّ الكلام يُحمل على صورته الظاهرة من غير تقدير محذوف، ولا يُقدَّرُ محذوف إلا بدليلٍ أو قرينةٍ، فقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾. محمولٌ على الاستِقْلال،

стр. 18

دون تقدير محذوف أو إضمار، فمن قال: إنَّ المعنى: وجاء أمر ربك. فهذا خلاف الأصل، فلا يُعَوَّل عليه. قَوْلُهُ: «وعلى إطلاقه دون تقييده». الكلام فيه كالكلام في العموم، ومثاله: قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فإنَّ الأيام مطلقة، وكقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ فإنَّ الأيام مطلقة أيضًا؛ لأنَّها نكرة في سياق الإثبات. قَوْلُهُ: «وعلى أنَّه مُؤَسِّسٌ للحكم لا مُؤّكِّد». أي: إذا حصل تردد في لفظ، هل هو مؤكد لغيره، أو مبتدأ لحكم لمعنى جديد، فإنَّه يُحمل على التأسيس والابتداء لمعنىً جديد؛ لأنَّ الأصل في كلِّ لفظ أنَّه دالٌّ على معنى جديد . وذلك كقوله ﷺ : «إنَّما الأعمال بالنِّية، وإنّما لكلِّ امرئ ما نوى» (١)، فقد تنازع العلماء في قوله: «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» هل هو مؤكِدٌ لمعنى «إنما الأعمال بالنية» أو مُؤَسِّسٌ لحكم جديد؟ على أصحِّ الأقوال: أنَّه مُؤَسِّسٌ لحكمٍ جديدٍ، وهو أنَّ معنى قوله: «إنَّما الأعمال بالنِّية» أي: أنَّ كلَّ عمل واقعٌ بإرادةٍ فهو بنيِّة، سواءٌ أَكان في أمور

стр. 19

الدين أم الدنيا، وقوله: «وإنّما لكل امرئ ما نوى» مبيِّنٌ للحكم الشرعي، إن أراد خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قَوْلُهُ: «وعلى أنَّه متباين لا مُترادف». أي: إذا اختُلِف في لفظين، هل الثاني مرادِفٌ للأول أو مغاير له ومختَلِف؟ فالأصل أن يُقال: إنَّه مختلف ومغاير له؛ لأنّ الأصل في كل لفظ أنَّ له معنى. وذلك مثل: ما أخرجه مسلم (٤٣٢) عن أبي مسعود البدري ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «لِيَلِني منكم أُولوا الأحلام والنُّهى». تنازع العلماء هل أولوا النُّهى هم أولوا الأحلام أم بينهما فرق؟ والأصحّ أنَّ بينهما فَرْقًا؛ لأنَّ الأصل التباين، وأن يقال: إنَّ معنى أولي الأحلام أي: البالغون، ومعنى أولي النُّهى أي: أهل العقول، ذكر هذا ابن علان (١)، وأشار لذلك السيوطي (٢). قَوْلُهُ: «وعلى بقائه دون نَسْخِه». أي: إذا حصل تردُّد واختلاف: هل هذا الحكم منسوخ أم غير منسوخ، ومحمول على حال أخرى؟

стр. 20

فالأصل أن يُحمل على حال أخرى، ولا يُقال بالنسخ. وذلك مثل: آيات القتال والسَّيف مع آيات الصبر، فلا يقال: إنَّ آيات السيف نَسخت آيات الصبر، بل يُقال آيات السَّيف في حال القوة وآيات الصبر في حال الضعف، ذكر هذا ابن جرير في تفسيره (١)، وابن تيمية (٢). قَوْلُهُ: «إلَّا بدليل يدل على خلاف ما تقدم». أي: إنَّه يُنتَقل إلى خلاف الأصل إذا وُجِد دليل أو قرينة. قَوْلُهُ: «وعلى عُرف الشارع إن كان كلامًا للشارع». المراد بالشارع: الله ورسوله، وَيُطلق الشارع على الله من باب الإخبار، ويُطلق على الرسول ﷺ ، وقد دَرَج العلماء على ذلك من الأصوليين وغيرهم، واستعمل ذلك ابن تيمية. والمراد بهذه القاعدة: أنَّه إذا ورد لفظ في كلام الشارع فيُحمل المعنى على عُرف الشارع، فمثلًا لفظ الشارع «لا ينبغي» يدلُّ على التَّحريم، بخلاف ألفاظ الناس.

стр. 21

قَوْلُهُ: «وعلى عُرف المتكلم به في أمور العقود وتوابعها». أي: أنَّه يُرجَع في معنى كلام الناس إلى أعرافهم، وهذا من أمثلة تغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان، فإذا كان في عُرف الناس إطلاق اللَّحم على لحم الغنم دون الدَّجاج فإِنَّه يُحمل على ذلك، فإذا باع رجل رجلًا لحمًا، فالمراد به لحم الإبل أو الغنم، ولا يصحُّ للمشتري أن يطالِب بلحم الدَّجاج أو السَّمك؛ لأنَّه عُرفًا لا يشمله. قَوْلُهُ: «الوسائل لها أحكام المقاصد» . هذه قاعدة مهمَّة وتندرج تحتها قواعد. ومعنى هذه القاعدة: أنَّه إذا كانت الغاية محرَّمة كانت الوسيلة محرَّمة، وإذا كانت الغاية واجبة كانت الوسيلة واجبة، ومن أدلة هذه القاعدة ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. وجه الدَّلالة: أنَّ الشريعة حرمت هذه الوسيلة لأنَّ الغاية منها محرَّمة وهي إظهار الزينة. ومما يتفرَّع على قاعدة الوسائل: أنَّ وسائل العبادةِ عبادةٌ، وأنَّ البدع تَدْخلُ في الوسائل كما تدخل في الغايات، وهذا هو الذي قرَّره السَّلف من هذه الأمة.

стр. 22

أخرج الدارمي (٢١٠) وابن وضاح (١) عن ابن مسعود ﵁ أنَّه أنكر على الذين كانوا حِلقًا يُسبِّحون بالحصى مائة، فدلَّ هذا على أنَّ البدع تدخل في الوسائل؛ لأنَّ هذا التَّحلُّق والتسبيح بالحصى من الوسائل، ومع هذا أنكره ابن مسعود ﵁ وجَعَله مُحدَثًا، والقاعدة في التَّفريق بين الوسائل المحدثة وغيرها أن ينظر إلى المُقْتَضِي والمانع فإذا وُجِدَ المقتضي لفِعل عبادة، ولا مانع يمنع منها، ولم يفعلها الرسول ﷺ ولا الصحابة ﵃، ففعل هذه الوسيلة بدعة؛ لأنَّه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فقد يوجد المقتضي عند الرسول ﷺ والصحابة ﵃، ولا يفعلون هذه الوسيلة لمانع، ففعل هذه الوسيلة ليس بدعة، كمثل الأذان في مكبِّر الصوت وحفظ الدروس بالمسجِّلات الصَّوتية وغيرها، وقد يُوجد المقتضي في عهد الصحابة ﵃، ولا يكون موجودًا في عهد الرسول ﷺ ، فلا تُعدُّ هذه الوسيلة محدثة وذلك مثل جمع القرآن من الصحابة، فإنَّهم ما جمعوه إلَّا لما خشوا ذهابه بعد مقتل كثير من القراء، أخرجه البخاري (٧١٩١)، فهذا المقتضي ليس موجودًا في عهد الرسول ﷺ ، فلمَّا لم يوجَد المقْتَضَى في عهدِ الرَّسول ﷺ ، ثم وُجد بعدُ، لم يكن إحداث هذا الفعل بدعة، وقَرَّر هذه القاعدة ابن تيمية (٢)، وهي فَيْصل في التَّفرِيق بين وسائل الدَّعوة، وبيان الفَرْق بين التَّوقيفي منها وغير التَّوقيفي، ذكر هذا كثيرًا الامام الألباني ﵀.

стр. 23

فبِهذا يُعرف أنَّ الأناشيد المُسمَّاة إسلامية بدعة؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ والصَّحابة ﵃ لم يفعلوها مع وُجُود المُقْتَضِي وانتفاء المانع، ولابُدَّ أن يُتَنَبَّه للفَرْقِ بين الإنشاد على وجه التَّسْلية، والإنشادِ على وجه الدعوة، وبهذا يتبين أنَّ التمثيل المُسمَّى إسلاميًا بدعة، زيادة على كَوْنِه كذبًا. تنبيه: ممَّا يَتَعلَّقُ بهذه القاعدة وهو من دقائقها: أنَّ ذنوبَ العباد ليست مُسَوِّغًا لإحداث الوسائل، بل العباد مأمورون بأن يرجعوا إلى الله، وأن يتوبوا، لا أن تُغَيَّر الشريعة من أجلهم، ذكر هذا ابن تيمية (١). قَوْلُهُ: «و ما لا يَتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجبٌ» . هذه القاعدة فرع عن قاعدة الوسائل المتَقدِّمة، ومن أمثلتها: لو أَنَّ رجلًا حَجَّ وهو بِمِنى لا يستطيع المشي، وفَقَدَ راحِلَته، وهو يستطيع أن يشتري راحلة لِمثْله، فيجِب عليه أن يشتري راحلة لمثله، ليذهب لِعَرَفة؛ لقاعدة: مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 24

قَوْلُهُ: «وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب». هناك فرق بين الواجب والوجوب، فالمراد بالوجوب الخطاب الشرعي، فمثلًا: لا يجب أن نُغرِب الشمسِ ليدْخُل وقتُ صلاةِ المعرب، فهذا الوجوب ليس واجبًا، بِخلاف إذا دخل وقتُ المغربِ فقَدْ ثبت واجب صلاةِ المغرب على المكلَّف، ومِن أمثلة هذا: أنَّه لا يجب أن يحصل المال الذي يبلغ نصابًا ليزكى، لكن إذا حصل وَجَبَت زكاتُه. قَوْلُهُ: «والصَّحِيحُ من العبادات والعقُود والمعاملات ما اجتَمَعت شروطها وفروضها وانتفت مفسداتها، والباطل والفاسد بالعكس». والمراد بهذه القاعدة: أنَّه لا تتمُّ العبادات ولا العقود ولا المعاملات إلا بِتَوفُّرِ شروطها وفروضها، وانتفاء موانعها، فلو حصل البيع بلا تراضٍ، فإنَّه لا يصح؛ لأنَّه اختَلَّ شرطٌ من شروطه، فعلَى هذا لا تنتقل العين ملكًا من البائع إلى المشتري.

стр. 25

قَوْلُهُ: «وما كان طلب الشارع له من كلِّ مكلَّف بالذَّات فهو فرض عين، وما كان القصد مجرَّد فعله والإتيان به، ويتبع ذلك مصلحة الفاعل فهو فرض كفاية، إذا فعله من يحصل به المقصود كفى عن غيره، وإن لم يفعله أحد أَثِم كلُّ من علمه وقدر عليه، وهو يصير فرض عين في حق من يعلم أنَّ غيره لا يقوم به عجزًا أو تهاونًا». قَسَّم المصنِّف المفروضات قسمين: الأول: فرض عين، وبين أنَّ المراد بفرض العين: المكلَّف، فما كان المراد من خطاب الشارع عين المكلف أن يوجد هذا الطلب فعلًا أو تركًا فهو فرض عين. فمثلًا: أرادت الشَّريعة من المكلَّفِين أن يصلُّوا الصلوات الخمس فهذا فرض عين، وهو من الفعل، وأرادت الشريعة من المكلَّفين أن يتركوا الزنى، وهذا فرض عين، لكنَّه تَرْك. الثاني: فرض كفاية، وهو ما كان الخطاب راجعًا إلى إيجاد الفعل، بدُون نَظَر إلى المكلَّفين، بمعنى أن المهمَّ أن يوجد الفعل، وذلك كمثل صلاة الجنازة وتغسيل الميت، فمثل هذا يسمى فرض كفاية، فإذا فَعلَه من يكفي سقط هذا الفرض، فإذا وُجِد مَنْ يكفي لتغسيل الميِّت سَقَط هذا الفرض، أمَّا إذا لم يفعل هذا الفرض فيأْثَم من اجتمع في حقه أمران: الأمر الأول: أنَّه قادِر على فعل هذا الفرض.

стр. 26

الأمر الثاني: أنَّه قد علم بهذا الفرض. فإذا اجتمع هذان الأمران ولم يفعل هذا الفرض فكلُّ من اجتمع فيه هذان الأمران فهو آثِمٌ، فلو أنَّ رجلًا من المسلمين لم يُغسَّل وعَلِم به رجال وهم قادرون على تغسيله ولم يُغسِّلوه فهم آثمون، بخلاف من لم يعلم به، أو من علم به وهو عاجز غير قادر. قَوْلُهُ: «وإذا تزاحمت مصلحتان قُدِّم أعلاهُما». والمراد بقوله: «تزاحمت»، أي: تعارَضَت، فلا بُدَّ من العمل بأحد المصلحتين، ولا يمكن الجمع بينهما، فعند التعارض تُقَدَّم المصلحةُ الكبرى والأعلى وتُتْرك المصلحة الصُّغرى والأقل. ومن أمثلة ذلك: أنَّ الجهاد المستحب يُترك لحاجة الوالدين، أخرج الشيخان عن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رجلًا استأذن الرسول ﷺ في الجهاد، فقال: «أَحيٌّ والدك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» (١). فمصلحة بِرِّه بوالديه بالنسبة إليه أكبر من مصلحة الجهاد؛ لأنَّ غيره يقوم به. قَوْلُهُ: «أو مفسدتان لا بُدَّ من فعل إحداهما ارْتُكِب أخفُّهما مفسدة». هذه المسألة كالمسألة السَّابقة، لكنَّها عند الاضطِّرار لفعل أحد المفسدتين فإنَّه يُفعل المفسدة الصغرى ويُترك المفسدة الكبرى.

стр. 27

ومن أمثلة ذلك: - تَرْكُ الأعرابي يبُول في المسجد مع أنَّه مفسدة لِدَفْع مفسدة أكبر وهو أَنَّه لو أُنكِرَ عليه قَدْ يرتَدُّ، وأيضًا مع تحرُّكِه ينتشر بولُه في المسجد وفي بدنه وثيابه أكثر، أخرج الشيخان عن أنس بن مالك: أنَّ أعرابيًا بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله ﷺ : «لا تَزْرِمُوه» ثُمَّ دعا بِدلْو من ماءٍ فصُبَّ عليه (١). - صُلْح الحديبية، فإنَّ الرَّسول ﷺ قد أحرَم ولم يتم عمرته، وتَرك المستضعفين في مكة يُعذَّبون لدفع مفسدة أكبر، وحديث صلح الحديبية أخرجه الشيخان من حديث سهل والبراء ﵃ (٢)، ومسلم من حديث أنس ﵁ (١٧٨٤). قَوْلُهُ: «وإذا اشتبه المباح بالمحرَّم في غير الضَّرورة وجب الكفُّ عنهما». وهذا فرع من قاعدة: مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب. ذكر هذا الشنقيطي (٣)، وذلك أنَّه عند الاشتباه فلو فعل فقد يقع في المحرَّم، وترك المحرم واجب؛ لذا مالا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 28

ويذكر العلماء مثالًا على هذا: وهو أنَّه لو كان لرجل امرأة محرَّمة عليه برضاع، وكانت هذه المرأة في قرية وهو لا يعرِفها بعينها، فإنَّ جميع نساء هذه القرية محرَّمات عليه؛ لما تقدَّم ذكره. ومن أمثلة ذلك: ما لو اشتبه على مضطَّر أكل لحم الخنزير بلحم غنم. وقول المصنف: «في غير الضَّرورة» هذا من باب التأكيد، وإلَّا فهو معلوم؛ وذلك أنَّ جميع المحرَّمات ترتفع مع الضَّرورة، ومن ذلك المحرَّمات لذاتها، فالمحرَّمات لغيرِها من باب أولى. قَوْلُهُ: «والأمر يقتضي الفورية». أي: يقتضي المبادرة لتحصيل المأمور وإيجاده، ولو تأخَّر بِلا عذر فإنَّه آثِم؛ ويدُلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا﴾. قَوْلُهُ: «والحكمة الشرعية، ويقال لها العلَّة: هي المعنى المناسب الذي شُرع الحكم لأجله». العلَّة من حيث المعنى هي سبب الحكم، فبوجودها يُوجد الحكم وبزوالها يزولُ الحكم، وهذا معنى قول العلماء: «الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا». وظاهر كلام العلامة بن سعدي أنَّه لا يُفرِّق بين العلَّة والحكمة.

стр. 29

والصواب: أنَّ بينهما فرقًا، وذلك أنَّ العلة ما تقدَّم ذكره، أما الحكمة فهي معنى من معاني الحُكم، لكن ليس الحُكم معلَّقًا بالحكمة، وذلك مثل السَّفر الطَّويل، فإنَّه علَّة لقصر الصلاة، فإذا انتفى السَّفر الطَّويل وجب إتمام الصلاة، وإذا وُجِد السَّفر الطَّويل استُحِبَّ قَصْر الصلاة، فصار القصر يدور مع السفر الطويل وجودًا وعدمًا، بخِلاف المشقة فإنَّها معنى من معاني قصر الصلاة في السَّفر، فهي حكمة، فلو انتفت المشقة في السفر الطويل فإنَّ الصلاة تقصر، ولو وُجِدَت المشقة في الحضر فإنَّ الصَّلاة لا تُقْصر، فإِذن هي حكمة وليست علَّة. قَوْلُهُ: «و يعمُّ الحكم بعمُوم علَّته» . معنى هذا: أنَّ اللَّفظ قد يكون خاصًّا، ومع ذلك يعمم؛ لأنَّ علَّته تُفيد العموم، ويُسمى هذا بالعموم المعنوي، وذلك مثل: حكم الشريعة على الهِرَّة بأنَّها طاهرة، بعلَّة وهي أنَّها من الطوَّافين علينا والطوافات (١)، هذه العلَّة تُفيد أنَّ كلَّ ما هو غير مأكول اللحم من الطوافين فهو طاهِر، عُمِّم هذا لعموم العِلَّة. ومن الأمثلة أيضًا: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال: «لا يَقْضِيَن حكم بين اثنين وهو غضبان» (٢)، هذا الحكم خاصٌّ بالغضبان من حيثُ الأصل، لكن لعموم العلة، وهو أنَّ الغضبان يكون

стр. 30

مُشَوَّشًا غير حاضِر القلب والفكر، فإنَّه يُعَمَّم في كلِّ من كان كذلك، كالجائع فلا يقضي القاضي وهو جائع. وبهذا يُعرف أنَّ العموم نوعان: النوع الأول: العموم اللَّفظي، وهو العموم المعروف، وله صيغه المعروفة كالنَّكرة في سِياق الشَّرط. النوع الثاني: العموم المعنوي, وهو ما تقدم بيانه، وهو القياس الصَّحيح. قَوْلُهُ: «كما أنَّ اللَّفظ العام يُخَصَّص إذا علم خصوص علَّته». والمراد بهذا أنَّ اللَّفظ يكون عامًا بأَلفاظِ العموم المعروفة، ومع ذلك يُخَصَّص ولا يَبْقى على عُمومه؛ وذلك لأنَّ علَّته تفيد التَّخصيص، وذلك مثل حديث: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» , فإنَّ ظاهره لفظًا أنَّه عام في كلِّ غضب ولو كان غير مشوش للفكر، لكن بالنَّظر إلى المعنى والعلَّة يُخَصَّص بمن كان غَضَبه مشوشًا للفكر. ومثل ذلك ما أخرج مسلم (٥٦٠) عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان»، بالنَّظر إلى اللَّفظ فإنَّه يفيد العموم في كل طعام حاضر، سواء اشتهاه صاحبه أم لم يشتهه؛ وذلك للعلة، فإنَّ العلَّة خَصَّصت الحكم بمن كان قلبُه متعلقًا بالطَّعام، فمن هنا يتبيَّن أنَّ المعاني مقدَّمة على الألفاظ عند التعارض؛ لأنَّ

стр. 31

المعاني مقصودة لذاتها، والألفاظ مقصودة لغيرها، وهي قوالب المعاني، ذكر هذا ابن القيم (١) في مناسبة أخرى، لذا عَمَّمت العلَّة اللفظ الخاص، وخَصَّصت العلَّة اللفظ العام. قَوْلُهُ: «والسَّبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته». بدأ المصنِّف بذكر بعض الأحكام الوضعية بعد أن ذكر الأحكام التكليفية؛ فإن السبب والشرط والعزيمة والرخصة من الأحكام الوضعية، وإن السبب يُعرف بالمثال: وذلك أن غروب الشمس سبب لصلاة المغرب، وعدم غروبها سبب لعدم صلاتها، تطبيقًا على تعريف المصنِّف يقال: يلزم من وجود غروب الشمس وجود صلاة المغرب، ومن عدم غروب الشمس عدم صلاة المغرب، أما قوله «لذاته» فسيأتي بيانه إن شاء الله. قَوْلُهُ: «والشَّرط ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته». وهذا يعرف بالمثال: فالوضوء للصلاة شرط لصحتها، وتطبيقًا على هذا التعريف يقال:

стр. 32

يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الصلاة، ولا عدم لذاته. أما قول الأصوليين عند ذكر السَّبب والشَّرط والمانع ونحوها، لفظ «لذاته» فذلك لحكمة وهي: أنَّه ينظر إلى هذا السبب وحده وذاته دون النَّظر إلى الأسباب الأخرى والموانع والشروط، إذ لو نُظِر إلى الأسباب الأخرى والشروط والموانع لم يتحقق هذا التعريف، ففيما يتعلق بالسَّبب لو غربت الشمس على من أغمي عليه، لم تجب الصلاة عليه على الصحيح لوجود مانع، وكذلك فيما يتعلق بالشرط لو لم يجد المصلي شيئًا يتطهر به فلم يتمكن من الوضوء ولا التيمم، فإِنَّه يصلي صلاة فاقد الطهورين على الصَّحيح، فلو لم يقل: لذاته، لم يستقِم تعريف السبب والشرط والمانع ... الخ قَوْلُهُ: «والعزيمة حكم ثابت بدليل شرعي خالٍ من مُعارض راجح». هذا يُتَصَوَّر بالمثال، فكل واجبُ يُعدُّ عزيمة؛ لأنَّه حكم ثابت بدليل شرعي، وليس له معارض راجح. قَوْلُهُ: «وضِدُّها الرُّخصة» . أي: ضِدّ وعكس العزيمة: الرُّخصة، وهي حكم ثابت على خلاف دليل شرعي، وهذا المعارض أرجح، وذلك كالقصر في السَّفر فإنَّ العزيمة ألا تقصر،

стр. 33

لكن جاء دليل معارض لهذه العزيمة وهو أرجح منه فعمل به وتُسمى رخصة، وتقدَّم أنَّ هناك فرقًا بين الرُّخصة في اصطلاح الأصوليين وفي الاستعمال الشرعي. قَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ والمكره لا إثم عليهم». المراد بالنَّاسي: من علم الشيء وذهل عنه. والمخطئ: من أراد شيئًا ففعل غيره بلا قصد، وله معانٍ أخرى، لكن هذا هو المراد بكلام المصنف في هذا الموضع كبقية الأصوليين. والمُكْره: هو من أُلْزِم على فعل شيء ففعله مُلْزمًا. قوله: «لا إثم عليهم». أي أنَّ الإثم مرتفع عنهم، أما دليل النَّاسي والمخطئ فقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، جاء في صحيح مسلم (١٢٦) أنَّ الرسول ﷺ قال: قال الله تعالى: «قد فعلت». أما دليل المكره فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ قَوْلُهُ: «ولا يترتَّب على فعلهم فساد عبادة». أي: لو فعل المخطئ أو النَّاسي أو المكره فعلًا يُفسِد العبادة فإنَّ عبادته لا تَفْسد، وذلك كأكل الصائم وشربه نسيانًا، لما أخرج الشيخان عن أبي هريرة

стр. 34

- ﵁ أنَّ الرسول ﷺ قال: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإِنَّما أطعمه الله وسقاه» (١). والمخطئ كالنَّاسي في الأحكام الشرعية، وكذلك المكره بجامع أنَّهم لم يتعمدوا الفعل لذات الإفساد. قَوْلُهُ: «ولا إلزام لهم بعقد». أي كما لا تفسد عبادتهم، فكذلك لو عقدوا عقدًا فإنَّه غير لازم، لأنَّهم معذورون. قَوْلُهُ: «والنَّاسي والمخطئ يضمنان ما أتلفاه من النُّفوس والأموال». الإتلاف أمرٌ متعدٍ وألزمته الشريعة صاحب الغنم المفرط، ولم يذكر المصنف المكره؛ لأنَّ الضمان ليس عليه، وإنَّما على من أكرهه كما بيَّنه في الشرح. قوله: «من النُّفوس والأموال». الأصل - والله أعلم - أن يُعَمَّم ولا يُخصَّص بالأموال، بل يُقال: في كلِّ ما أتلفا، ليدخل في ذلك ما أتلَفه المحرِم من شَعْر وقلمه من أظفار، فقد ذهبت المذاهب الأربعة في أنَّ عليه كفارة (٢)، وهو

стр. 35

قول عطاء فقد قال: «النَّاسي والمتعمِّد سواء» (١)، وكأنَّ المصنِّف تبع في هذا ابن تيمية وابن القيم. وبعد هذا هناك قواعد مهمَّة تتعلَّق بما ذكره المصنِّف: القاعدة الأولى: من ترك مأمورًا ناسيًا فلا إثم عليه، لكن يجب أن يأتي بالمأمور (٢). ودليل عدم الإثم: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. ودليل أنَّه يجب أن يأتي بالمأمور: ما أخرج الشيخان عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (٣). وجه الدَّلالة: أنَّه لم يُسْقِط المأمور لنسيانه بل ألزَمه أن يأتي به عند تذكره. القاعدة الثانية: من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، ولا يأتي بشيء (٤). أما رفع الإثم فقد تقدَّم قوله سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، أما أنَّه لا يأتي بشيء فلما أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنَّ

стр. 36

الرسول ﷺ قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه» (١). وجه الدَّلالة: أنَّه لم يأمر أن يُؤتَى بشيء عند النسيان. ومن حيثُ المعنى: فعل المحظور ليس إيجادًا لشيء حتى يُطَالب بإيجاده كترك المأمور. القاعدة الثالثة: الخطأ كالنسيان في القاعدتين السابقتين (٢). القاعدة الرابعة: من ترك مأمورًا جاهلًا فلا إثم عليه ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (٣)؛ لعموم الأدلَّة في عُذر الجاهل من جهة الإثم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. مفهوم المخالفة: أنَّ اتِّباع أهوائهم جهلًا لا يجعله من الظالمين.

стр. 37

أمَّا الأدِلَّة على أنَّه لا يأتي بشيء فحديثُ المسيء في صلاته، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثُمَّ جاء فسلَّم على رسول الله ﷺ ، فردَّ رسول الله ﷺ السلام وقال: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، فرجع الرجل فصلَّى كما كان قد صلَّى، ثم جاء إلى النَّبي ﷺ فسلَّم عليه فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السلام»، ثُمَّ قال: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا علِّمني ... الحديث (١) وبعد ذلك علَّمه الرسول الصلاة ولم يأمره بالإعادة. وجه الدَّلالة: أنَّه كان يظنُّه عالمًا مفرِّطًا فأمره بالإعادة، لكن لما تبيَّن له أنَّه جاهل لم يأمره بالإعادة، فدلَّ هذا على أنَّ الجاهل معذور في ترك المأمور. ولو لم يظنُّه مفرِّطًا لما أمره بالإعادة؛ لأنَّه جاهل سيصلِّي صلاة غير شرعية ولو عادها كثيرًا بما أنَّه لم يُعلَّم. أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنَّها جاءت إلى النَّبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنِّي امرأة أُستَحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنَّما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم وصلِّي» (٢).

стр. 38

فهي قد تركت مأمورًا وهو الطهارة للصلاة جهلًا، فَعذَرها الرسول ﷺ ولم يأمرها أن تقضي الصلوات الماضيات. ذكر هذا ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١). القاعدة الخامسة: من فعل محظورًا جهلًا فلا إثم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (٢). أمَّا فلا إثم عليه؛ فهو للأدلة التي تقدَّم ذكرها في القاعدة السابقة. أمَّا الدَّليل على أنَّه لا يجب عليه أن يأتي بشيء: فهو ما أخرج مسلم (٥٣٧) في قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁، وهو أنَّه تكلم في الصلاة ولم يبطل الرسول ﷺ صلاته؛ لأنَّه كان جاهلًا. وكل ما تقدم ذكره من القواعد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في إعلام الموقعين. قَوْلُهُ: «فصل: السُّنَّة: قول النَّبي ﷺ وفعله وإقراره». المراد بالسنة هنا: ما بيَّنه المصنِّف من قول النَّبي ﷺ وفعله وتقريره، ولا يريد به السنة بمعناها عند علماء المعتقد، ولا السُّنة بمعناها عند علماء الحديث.

стр. 39

قَوْلُهُ: «فقوله واضح». أي: تقدَّم الكلام عليه، وهو أنَّه إذا كان أمرًا فهو للوجوب .. وهكذا. قَوْلُهُ: «وفعله الأصل فيه أنَّه مندوب». وذلك أنَّ الشريعة دعت إلى الاقتداء به، وهذا مستحب ومندوب، وليس واجبًا؛ لأنَّه لا دليل على الوجوب، ومن الأدلَّة على استحباب متابعته قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وما أخرج البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث ﵁ أنَّ الرَّسول ﷺ قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». وأخرج مسلم (١٢٩٧) عن جابر ﵁ أن الرَّسول ﷺ قال: «لِتأْخذوا مناسككم». وكلا هذين الحديثين يَدلَّان على عموم الاتِّباع، لا على الوجوب كما أفاده ابن القيم (١). قَوْلُهُ: «وقد تصرفه القرينة إلى الوجوب». أي: قد يَنتقل الفعل من الاستحباب إلى الوجوب بدليل، وذلك مثل طواف الإفاضة فهو فعل، وانتقل إلى الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.

стр. 40

ومثل ذلك: الركوع والسجود في الصلاة فهو فعل للاستحباب لولا الأمر به لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. قَوْلُهُ: «أو الخصوصية». أي: أنَّ الأصل في أفعاله عدم الخصوصيَّة إلَّا لدليل، وقد تنازع العلماء في تطبيق هذه القاعدة في أمثلة كثيرة ومما قرَّرَه جمهور أهل العلم أنَّ الوصال خاصٌّ بالرسول ﷺ . قَوْلُهُ: «إلَّا أفعاله التي علم أنَّه لم يفعلها على وجه التشريع». أي: مالم يفعله على وجه التشريع فليس مستحبًا. قَوْلُهُ: «كالأمور التي يفعلها اتفاقًا بلا قصد لجنسها، فإنَّها تكون مباحة». معنى هذا: أنَّ مالم يفعله لذاته، بل فعله وِفاقًا فإنَّه لا يُتَقَصَّد ويُفْعل لذاته. وذلك مثل: الأماكن التي صلَّى بِها ﷺ في طريقه ذهابًا وإيابًا وفي سفره فإِنَّها لا تُتَقَصَّد، لذا لا يقال إنَّ فعلها مندوب، لأجل هذا قال المصنف: «فإنَّها تكون مباحة» أي لذاتها، وهذا المباح محرَّم لدوافع أخرى كالتَّعبُّدِ فإنَّه يكون بدعة. وينبغي أن تعرف أقسام أفعال الرسول ﷺ . إنَّ أفعال الرسول ﷺ أقسامٌ خمسة:
следующие страницы →