← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 274

المحصول في شرح صفوة الأصول

عبد العزيز الريس

Полный текст (109 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الرسول ﷺ قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه» (١). وجه الدَّلالة: أنَّه لم يأمر أن يُؤتَى بشيء عند النسيان. ومن حيثُ المعنى: فعل المحظور ليس إيجادًا لشيء حتى يُطَالب بإيجاده كترك المأمور. القاعدة الثالثة: الخطأ كالنسيان في القاعدتين السابقتين (٢). القاعدة الرابعة: من ترك مأمورًا جاهلًا فلا إثم عليه ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (٣)؛ لعموم الأدلَّة في عُذر الجاهل من جهة الإثم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. مفهوم المخالفة: أنَّ اتِّباع أهوائهم جهلًا لا يجعله من الظالمين.

стр. 37

أمَّا الأدِلَّة على أنَّه لا يأتي بشيء فحديثُ المسيء في صلاته، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى، ثُمَّ جاء فسلَّم على رسول الله ﷺ ، فردَّ رسول الله ﷺ السلام وقال: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، فرجع الرجل فصلَّى كما كان قد صلَّى، ثم جاء إلى النَّبي ﷺ فسلَّم عليه فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السلام»، ثُمَّ قال: «ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ»، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا علِّمني ... الحديث (١) وبعد ذلك علَّمه الرسول الصلاة ولم يأمره بالإعادة. وجه الدَّلالة: أنَّه كان يظنُّه عالمًا مفرِّطًا فأمره بالإعادة، لكن لما تبيَّن له أنَّه جاهل لم يأمره بالإعادة، فدلَّ هذا على أنَّ الجاهل معذور في ترك المأمور. ولو لم يظنُّه مفرِّطًا لما أمره بالإعادة؛ لأنَّه جاهل سيصلِّي صلاة غير شرعية ولو عادها كثيرًا بما أنَّه لم يُعلَّم. أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ في قصة فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ أنَّها جاءت إلى النَّبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنِّي امرأة أُستَحاض فلا أطهر. أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنَّما ذلك عِرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم وصلِّي» (٢).

стр. 38

فهي قد تركت مأمورًا وهو الطهارة للصلاة جهلًا، فَعذَرها الرسول ﷺ ولم يأمرها أن تقضي الصلوات الماضيات. ذكر هذا ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١). القاعدة الخامسة: من فعل محظورًا جهلًا فلا إثم عليه، ولا يجب عليه أن يأتي بشيء (٢). أمَّا فلا إثم عليه؛ فهو للأدلة التي تقدَّم ذكرها في القاعدة السابقة. أمَّا الدَّليل على أنَّه لا يجب عليه أن يأتي بشيء: فهو ما أخرج مسلم (٥٣٧) في قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁، وهو أنَّه تكلم في الصلاة ولم يبطل الرسول ﷺ صلاته؛ لأنَّه كان جاهلًا. وكل ما تقدم ذكره من القواعد ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى وابن القيم في إعلام الموقعين. قَوْلُهُ: «فصل: السُّنَّة: قول النَّبي ﷺ وفعله وإقراره». المراد بالسنة هنا: ما بيَّنه المصنِّف من قول النَّبي ﷺ وفعله وتقريره، ولا يريد به السنة بمعناها عند علماء المعتقد، ولا السُّنة بمعناها عند علماء الحديث.

стр. 39

قَوْلُهُ: «فقوله واضح». أي: تقدَّم الكلام عليه، وهو أنَّه إذا كان أمرًا فهو للوجوب .. وهكذا. قَوْلُهُ: «وفعله الأصل فيه أنَّه مندوب». وذلك أنَّ الشريعة دعت إلى الاقتداء به، وهذا مستحب ومندوب، وليس واجبًا؛ لأنَّه لا دليل على الوجوب، ومن الأدلَّة على استحباب متابعته قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. وما أخرج البخاري (٦٣١) عن مالك بن الحويرث ﵁ أنَّ الرَّسول ﷺ قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». وأخرج مسلم (١٢٩٧) عن جابر ﵁ أن الرَّسول ﷺ قال: «لِتأْخذوا مناسككم». وكلا هذين الحديثين يَدلَّان على عموم الاتِّباع، لا على الوجوب كما أفاده ابن القيم (١). قَوْلُهُ: «وقد تصرفه القرينة إلى الوجوب». أي: قد يَنتقل الفعل من الاستحباب إلى الوجوب بدليل، وذلك مثل طواف الإفاضة فهو فعل، وانتقل إلى الوجوب لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.

стр. 40

ومثل ذلك: الركوع والسجود في الصلاة فهو فعل للاستحباب لولا الأمر به لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. قَوْلُهُ: «أو الخصوصية». أي: أنَّ الأصل في أفعاله عدم الخصوصيَّة إلَّا لدليل، وقد تنازع العلماء في تطبيق هذه القاعدة في أمثلة كثيرة ومما قرَّرَه جمهور أهل العلم أنَّ الوصال خاصٌّ بالرسول ﷺ . قَوْلُهُ: «إلَّا أفعاله التي علم أنَّه لم يفعلها على وجه التشريع». أي: مالم يفعله على وجه التشريع فليس مستحبًا. قَوْلُهُ: «كالأمور التي يفعلها اتفاقًا بلا قصد لجنسها، فإنَّها تكون مباحة». معنى هذا: أنَّ مالم يفعله لذاته، بل فعله وِفاقًا فإنَّه لا يُتَقَصَّد ويُفْعل لذاته. وذلك مثل: الأماكن التي صلَّى بِها ﷺ في طريقه ذهابًا وإيابًا وفي سفره فإِنَّها لا تُتَقَصَّد، لذا لا يقال إنَّ فعلها مندوب، لأجل هذا قال المصنف: «فإنَّها تكون مباحة» أي لذاتها، وهذا المباح محرَّم لدوافع أخرى كالتَّعبُّدِ فإنَّه يكون بدعة. وينبغي أن تعرف أقسام أفعال الرسول ﷺ . إنَّ أفعال الرسول ﷺ أقسامٌ خمسة:

стр. 41

القسم الأول: ما كان من الأفعال الخاصة به، وتقدم الكلام على مثاله. القسم الثاني: ما كان من الأفعال بيانًا للفظ مجمل من القرآن أو من قوله ﷺ ، كصلاة الظهر أربع ركعات. القسم الثالث: ما كان من الأفعال ابتداء تَعبُّدِيًا من الرَّسول ﷺ ، مثل السِّواك، والأكل بالأصابع الثلاث. القسم الرابع: ما كان من الأفعال راجعًا إلى عادة قومه، أي: الأفعال العادية، فهذه الأصل فيها أنَّه يستحب أن يفعل فيها كعادة قومه، وذلك كاللباس فإنَّ السنة في اللباس أن يلبس بلباس قومه، ذكر هذا ابن تيمية (١). القسم الخامس: ما كان من الأفعال راجعًا إلى الجبِلَّة، كمحبَّة أكل شيء أو صفة المشية .. وهكذا. تنبيه: ما كان من عادة القوم، إن كانت إحدى العادات موافقة لعادة الرسول ﷺ ، فإنَّ تعمَّد فعل ذلك مستحب، مثل: أن تكون للقوم أكثر من عادة، ومن ذلك: لبس العمامة، فتقصُّد لبس العمامة لأنَّها عادة الرَّسول ﷺ مستحب، ويدلُّ لذلك ما أخرج البخاري (١٦٦) أنَّ ابن عمر ﵁ كان يلبس النّعال السبتية لأنَّ الرَّسُول ﷺ كان يلْبَسُها.

стр. 42

وكذلك من تَعمَّد محبة طعام أو جبلة جُبِل عليها الرَّسول ﷺ ، فإنَّه يثابُ على ذلك، لذا أخرج الشيخان عن أنس ﵁ أنَّه كان يحبُّ الدّباء لما رأى الرَّسول ﷺ يتَتبَّعها في القصعة (١). قَوْلُهُ: «والأصل أنَّ أمَّته أسوة له في الأحكام كلها إلا ما خصَّه الدَّليل». تقدَّم الكلام على هذا. قَوْلُهُ: «وإقراره ﷺ على شيء يدلُّ على الجواز إلَّا بدليل». الإقرار دليل شرعي، ويدلُّ عليه: كلُّ دليل على وجوب إنكار المنكر، فإنه إذا لم ينكر النبي ﷺ شيئًا دلَّ على أنَّه ليس منكرًا وأنَّه قد أقره. والإقرار نوعان: النوع الأول: إقراره ﷺ على شيء اطَّلع عليه، وهذا النَّوع قسمان: القسم الأول: إقرار كلِّي، وذلك أنَّه اطَّلَع على عَمَل فَأَقَرَّه، كمثل الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في كلِّ ركعة، أخرجه الشيخان عن عائشة ﵂ (٢). القسم الثاني: إقرار جُزئي، ومعنى الإقرار الجزئي: أن يفعل أحدُ الصحابة أفعالًا، فيُنكر بعضها دون بعض، أو ما كان بهذا المعنى، فعدم إنكاره للأمور

стр. 43

الأخرى يدلُّ على إقراره، وقد أشار لهذا النوع جمع من العلماء منهم ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢). ومن الأدلة على هذا: أنَّ عائشة ﵂ قالت: دخل أبو بكر ﵁ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا بكر، إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدنا» (٣). وجه الدَّلالة: أنَّ الرسول ﷺ لم ينكر على أبي بكر ﵁ لما وصف الدف بأنَّه مزمار الشيطان، فدلَّ هذا على أنَّه كذلك، فيُستفاد منه أنَّ الدف محرَّم لكن استُثنيَ في العيد. النوع الثاني: إقرار شيء وقع في عهد الرَّسول ﷺ ولم يطلع عليه، فمثل هذا حجة ولو لم يطلع عليه؛ لأنَّه لو لم يكن مرضيًا لما أقرَّه ربُّ العالمين. أخرج الشيخان عن جابر ﵁ أنَّه قال: «كنَّا نعزِل والقرآن ينزل» قال الثوري: لو كان شيء يُنهى عنه لنهانا عنه القرآن (٤).

стр. 44

أيضًا أخرج البخاري (٥٥١٩) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «نحرنا فرسًا على عهد الرَّسول ﷺ فأكلناه». أي: أنَّه لو كان محرمًا لنُهينا عن ذلك. تنبيه: الإقرار يأخذ حكم ما أُقِرَّ عليه، فإن أقرَّ على عبادة فتكون هذه العبادة مشروعة؛ كما أخرج الشيخان عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال: «إنِّي رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر» (١)، فأقرَّه الرسول ﷺ ولم ينكر عليه، فدلَّ على استحباب سَرْدِ الصِّيام، أي: على صيام الدهر، والمراد ما عدا الأيام المحرَّمة كالعيدين وأيام التشريق. أما إذا أقرَّ على الجواز فإنَّه يكون جائزًا، كأكل الفرس في حديث أسماء المتقدِّم. قَوْلُهُ: «ويُقدَّم قوله على فعله». أي: عند التعارض ولم يمكن الجمع، أما إذا أمكن الجمع بأن كان قوله لفظًا عامًا وخالفه بفعله فإنَّه يكون تخصيصًا أو غير ذلك ممَّا يستقيم معه الجمع.

стр. 45

ومن أمثلة هذه القاعدة - وهي عدم إمكان الجمع - أنَّ الرَّسول فَطر بالحجامة، وقال: «أفطر الحاجم والمحجوم» أخرجه الخمسة إلا الترمذي من حديث شداد بن أوس ﵁ (١). وهذا قول يتعارض مع فعله ﷺ ، وهو ما أخرجه البخاري (١٩٣٩) عن ابن عباس ﵁ أنَّ الرسول ﷺ احتجم وهو صائم. ففي هذا المثال يقدَّم قوله ﷺ ؛ لأنَّ فعله محتمل لاحتمالات، ذكرها ابن القيم (٢). منها: أن يكون مريضًا أو مسافرًا .. وهكذا. تنبيه: ينبغي أن يُدّقَّقْ عند احتجاج العلماء بهذه القاعدة؛ لأنَّه قد لا يُوافق في كلِّ مثال على التطبيق. مثل: نهي الرَّسول ﷺ عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، أخرجه الشيخان عن أبي أيوب ﵁ (٣)، ثم خالف ذلك بفعله فاستدبر القبلة

стр. 46

في بيت حفصة عند بوله أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵁ (١). فمنهم من طبَّق هذه القاعدة وقدَّم القول على الفعل، والأولى في هذا المثال الجمع لأنَّه ممكن، لقاعدة إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. ووجه الجمع: ما جمع به جمهور أهل العلم وهو الحرمة في الفضاء والصحراء، والجواز في البنيان. قَوْلُهُ: «إجماع الأمَّة». بدأ كلام المصنِّف في الدَّليل الثالث، وهو دليل الإجماع؛ فإنَّه مشهور عند الأصوليين أن يذكروا: الدَّليل الأول: القرآن. الدَّليل الثاني: السنة. الدَّليل الثالث: الإجماع. والإجماع حجَّةٌ شرعية، دلَّ على ذلك أدلة: الدَّليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

стр. 47

وجه الدَّلالة: أنَّ الله ذمَّ على ترك سبيل المؤمنين، فدلَّ هذا على أنَّ اتباع سبيل المؤمنين واجب، ذكر هذا الشافعي (١). الدَّليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وجه الدَّلالة: أنَّه إذا لم يحصل نزاع، وهو الإجماع، فاجتمعوا بهذا الإجماع، ذكر هذا الآمدي (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣). الدَّليل الثالث: عن المغيرة بن شعبة ﵁ عن النَّبي ﷺ قال: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» (٤). وجه الدَّلالة: أنَّ العلماء إذا أجمعوا على قول، فلابدَّ وأنَّ من بينهم الفرقة الناجية التي لا تكون إلَّا على الحق، فدلَّ هذا على أنَّ ما أجمعوا عليه فهو حق.

стр. 48

وإذا عرف هذا فإنَّ لدليل الإجماع مزيَّة على بقية الأدلة، وهو: أنَّه لا يكون إلَّا قطعيًّا في دلالته، فلا يأتي الإجماع محتمِلًا في دلالته، ذكر هذا ابن قدامة (١)، وابن تيمية (٢). ومن هاهنا صار دليل الإجماع دليلًا مهمًّا، واعتنى به علماء الأمة؛ لأنَّه بهذه المزية أصبح من أعظم ما يُحفظ به معتقد أهل السنة؛ لأنَّ أصول معتقد أهل السنَّة مُجمع عليها، فلا يصَحُّ لأحدٍ أن يشكَّ في معتقد أهل السنَّة بحجَّة أنَّ دليله ظنِّي محتمل؛ لأنَّ مسائله مُجمع عليها، ودليل الإجماع لا يكون إلا قطعيًا في دلالته، بخلاف ثبوت الإجماع، فإنَّه من جهة الثبوت قسمان: القسم الأول: القطعي، وهو الذي استند على أدلة قطعية في دلالتها وصحتها، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فأجمع العلماء على أنَّ الصلوات الخمس فرض وواجب، وهذا النَّوع من الإجماع من أنكره كفر. القسم الثاني: الإجماع الظني، وهو مالم يكن من القسم الأول، وهذا النَّوع من الإجماع منكره لا يكفر. ذكر القسمين السابقين وما يتعلق عليها من الكفر ابن تيمية (٣).

стр. 49

ومما تقدَّم يُعرف أهمِّية الإجماع؛ لذا حاول أهل البدع إسقاطه، فأوَّل من خالف في حجيته النَّظَّام المعتزلي، وذكر هذا ابن قدامة (١) وغيره. ومن أهلِ البدع من لم يستطِع إسقاط الإجماع لكن جعلوا وقوعه كالمستحيل فقالوا: الحجَّة في الإجماع المنطوق دون المسكوت، ومعنى المنطوق: أن ينطق كلُّ عالم، ومعنى المسكوت: أن يتكلَّم طائفة من العلماء ولا ينكر عليهم الأخرون، ولازم هذا التأصيل أنه لا إجماع، لذا ذكر ابن قدامة أنَّه لا يُستطاع إثبات وجوب الصلاة عن كل فرد من أهل بدر فضلًا عن غيرهم، فإذا لم يستطع إثبات وجوب الصلاة عن أهل بدر فغيرها من الأحكام عن باقي العلماء من باب أولى، لذا تقسيم الإجماع إلى منطوق ومسكوت، والقول بأنَّ الإجماع السكوتي ليس حجَّة إنَّما قاله المتكلِّمون ومن تأثَّر بهم، ومن نسبه إلى الشافعي فقد أخطأ، كما بين هذا العلائي وأشار لهذا النَّووي، وقد أخطأ من ظنَّ أن الإمام أحمد لا يرى حجية الإجماع، مستندًا إلى قوله لابنه عبدالله: من ادَّعى الاجماع فهو كاذب، وما يدريه لعل النَّاس اختلفوا، هذه دعوى بِشر والأصَمّ. وقائل هذا مُخطئ؛ لأنَّ هذا يدلُّ على أنَّ الإمام أحمد لا يرى حُجِّية الإجماع. والجواب عن هذا من وجيهن: الوجه الأول: أنَّ الإمام أحمد قد حكى الإجماع في مسائل كثيرة:

стр. 50

منها: قوله: إنَّ قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. أنَّ هذا في الصلاة بالإجماع. ومنها: قوله إنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة بالإجماع، وأنَّ الدَّم نجِس، وأنَّ الاعتكاف سنَّة ... إلى آخره. الوجه الثاني: أنَّ أصحاب أحمد لم يفهموا هذا، وفهِموا أنَّه أراد شيئًا غير إنكار الإجماع؛ لذا اختلفوا في تأويل كلامه، وأصح أقوالهم - والله أعلم - أنَّه ذكر هذا في حق مَنْ ليس أهلا لحكاية الإجماع، كأهل البدع، لذا قال هذه دعوى بشر والأصم، اختار هذا أبو يعلى في أحد قوليه (١)، وهو ظاهر قول ابن القيم (٢)، ويُؤَكِّدُ هذا الوجه أنَّ العلماء لم ينسبوا إنكار الإجماع إلى أحمد وإنما اشتهر نسبته للنظام. ومما ينبغي أن يعلم أنَّ أكثر مسائل الدِّين مُجْمع عليها ، وإن كان مسائل الخلاف كثيرة لكنَّ المجمع عليه أكثر وأكثر، وهذا كالبحر بالنِّسبة للمحيط، قاله ابن تيمية (٣).

стр. 51

فإذن: قبل بحث أي مسألة فإنَّ احتمال أن تكون إجماعية أو خلافية احتمالٌ متساوٍ على أقلِّ تقدير، فإذا حكى عالم ذو استقراء إجماعًا فقد غلَّب كفة أنَّها إجماعية ولو بأدنى غلبة الظن؛ فإنَّ أدنى غلبة الظن حُجَّة، فكيف إذا حكى ذلك أكثر من عالم، فإنَّ الظنَّ يزداد بصِحَّة هذا الإجماع، فإذن إذا حكى الإجماع النَّووي أو ابن قدامة أو ابن عبدالبر أو الطحاوي، ومن باب أولى أحمد والشافعي والمروزي فإنَّ حكايتهم للإجماع حجة، ولا يُسقط هذا الدليل إلا بعد إثبات أنَّه مخروم بأن يُثبت الخلاف من عالم في وقت الإجماع، وممَّا يُؤكِّدُ هذا من وجه آخر أنَّه لا يصحُّ لأحد أن يقول في مسألة بقول إلَّا وله سلف، ولا يكفي الاعتماد على ظاهر النص، بل لابد من السلف؛ لأنَّنا مأمورون باتباع سبيل المؤمنين، فمن بدا له ظاهر نص ورأى العلماء على خلاف ما بدا له، فلا يصح له أن يعمل بما بدا له؛ لأنَّه محتاج إلى سلف، والسَّلف على خلاف هذا، فيجب أن يترك ما بدا له إلى قول السلف، وإنَّ القول بحجية مذهب السلف وفهم السلف هو صورة من صور الإجماع، فمن التناقض أن يقال: إنَّ فهم السلف حجة والإجماع ليس حجة، أو أن يُعتدَّ بإجماعٍ في المسائل العقدية دون الفقهية. قَوْلُهُ: «إجماع الأمَّة على حكم شرعي حجَّةٌ قاطعة». كأنَّ المصنِّف ﵀ يتكلَّم عن الإجماع القطعيّ دون الظنِّي، وإلَّا فإنَّ الإجماع الظني ليس بحجة قاطعة، بل حُجَّة ظنيَّة.

стр. 52

قَوْلُهُ: «لا يحلُّ لأحدٍ مخالفة الإجماع المعلوم». قولُه: «المعلوم»: يحتمل المعلوم من الدين بالضرورة، أي: القطعي، ويحتمل: المعلوم ثبوته، وعلى أي الاحتمالين، فحصر الإجماع في المعلوم من الدين بالضرورة لا يصِحُّ كما تقدَّم، بل منه المعلوم من الدين بالضرورة، ومنه المعلوم بالظنّ. قَوْلُهُ: «ولا بدَّ أن يستند الإجماع إلى دليل شرعي». هذا صحيح، بل لم يخالف في ذلك إلا طائفة شاذة، قاله الآمدي (١). قَوْلُهُ: «يعلمه ولو بعض المجتهدين». أي: أنَّه لا بد أن يوجد من يعلم مستند الإجماع، وهذا فيه نظر؛ بل المشهور عند الأصوليين أنَّه لا يشترط أن يعرف مستند الإجماع، وقد قرر هذا ابن حزم أيضًا (٢)، ولم أر سلفًا للعلامة بن سعدي إلا كلامًا محتملًا لابن تيمية (٣)، واشتراط أنْ يعلمه ولو بعض المجتهدين لا دليل عليه.

стр. 53

قَوْلُهُ: «والخبر المتواتر ... » إلخ. الأخبار تُقسم الى قسمين: الأول: المتواتر. والمتواتر نوعان: معنويٌّ ولفظيٌّ. الثاني: الآحاد، وهو كلُّ ما لَيس متواترًا. وهو أنواع ثلاثة: غريب وعزيز ومشهور. واشترط المصنف في المتواتر شروطًا يأتي ذكرها. قَوْلُهُ: «والخبر المتواتر لفظًا أو معنى يفيد اليقين بشرط أن ينقُلَه عدد لا يمكن تَواطُؤُهم على الكذب والخطأ». هذه الشروط لا تتوفر في حديث، أقر بهذا علماء المصطلح كابن الصلاح فيما ذكره ابن حجر (١)، وبعض الأصوليين كابن النجار (٢)، حتى إن ابن الصلاح قال: إلا أن يُدَّعى في حديث «من كذب علي متعمدًا» (٣).

стр. 54

والفرق بين التَّواتر اللفظي والمعنوي: أنَّ التَّواتر اللفظي تواتر على لفظ: كحديث «من كذب علي متعمدًا»، أما التواتر المعنوي فهو التواتر على إثبات أمر كتواتر الأخبار على إثبات الحوض .. وهكذا. وأفاد المصنف أن المتواتر يفيد اليقين. قَوْلُهُ: «فإذا لم يبلغ هذه الدرجة قيل له: آحاد». وتَقدَّمت الإشارةُ إلى معنى الآحاد، وهو كلُّ ما ليس بمتواتر. قَوْلُهُ: «وقدْ يحتف ببعض أخبارِ الآحاد من القرائن ما يفيدُ معها القطع». أي: أنَّ الأصل في أخبار الأحاد أنها تفيد الظنَّ إلَّا مع القرائن فإنَّها تفيد اليقين ، وهذا ما قرره ابن تيمية (١)، ونقل كلامه ابن حجر (٢)، وهو قول علماء من المذاهب الأربعة. إذا تبيَّن هذا فإنَّ تقسيم الأخبار إلى متواترة وآحاد بأن يجعل المتواتر بهذا المعنى هو في الأصل من المتكلمين دخل على الأصوليين، ومن الأصوليين دخل على كتب المصطلح المتأخرة، وقد تقدَّم أنَّه لا يوجد له مثال، وليس معنى هذا أنَّه لا يوجد شيء اسمه متواتر بل يريد المحدثون بالمتواتر معنى غير هذا المعنى، وهو أشبه ما يكون بالمعنى اللغوي أي بتكاثر الأخبار وليس كل ما تكاثر من

стр. 55

الأخبار صار متواترًا، بل يحدد هذا المحدثون، وقد يختلف باختلاف ما أخُبِر به عنه، وكذلك باختلاف رواته، هذا معنى كلام ابن تيمية (١). ثم بعد هذا كلِّه ينبغي أن يعلم أنَّه لا فائدة من دراسة التواتر والآحاد في كتب الأصول؛ لأنَّ الأصولي لا يحتاج إلى ذلك، فإنَّ علم الأصول متعلق بالمتن، لا بالسند. فإن قيل: إنَّ هذا ينفع عند تعارض خبرين فيُقدَّم الأقوى؟ فيقال: إنَّ تقديم الأقوى صحيح، لكن ليس مبنيًا على معرفة المتواتر والآحاد، بل إنَّ الحديث الغريب نفسه يتفاوت في القوة، فلو تعارض حديثان كلٌّ منهما لم يأت إلا من طريق واحد، ولم يمكن الجمع فإِنَّ الأقوى يقدم على ما دونه، من غير نظر إلى مبحث التواتر والآحاد. قَوْلُهُ: «وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من جملة الحجج». بدأ المصنف بذكر حُجِّية مذهب الصحابي ، وقبل البدء بهذه المسألة فأحرر النِّزاع فيها: الأمر الأول: أنَّ قول الصحابي أو غيره إذا خالف النَّص فهو مردود قال ابن القيم: «قال الشافعي - قَدَّس الله تعالى روحه -: أجمع المسلمون على أنَّ من

стр. 56

استبانت له سنَّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس» (١). وقرر هذا ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، والعلائي (٤). الأمر الثاني: أنَّ الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول أحدهم مقدَّمًا على الآخر، قرره ابن تيمية (٥) وابن القيم (٦) , والعلائي (٧). وفي هذه المسألة تفصيل وهو ما يلي: أولًا: عند تعارض أقوال الصحابة يرجح القول الأشبه بالكتاب والسنة، أي: الذي يدل الكتاب والسنة على أنَّه أرجح، ذكر هذا الشافعي والإمام أحمد (٨). ثانيًا: إذا اختلف الصحابة ولم يكن في المسألة دليل فإنَّ قول أحد الخلفاء الراشدين مقدَّم على غيره من الصحابة، ذكر هذا الشافعي وأحمد وابن القيم (٩)،

стр. 57

وابن رجب (١)، ويدلُّ لذلك: ما أخرج الخمسة إلا النَّسائي من حديث العرباض ابن سارية ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «إنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدين» (٢)، وبما أخرج مسلم (٦٨١) عن أبي قتادة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «فإن يطيعوا أبا بكر، وعمر يرشدوا». الأمر الثالث: أنَّ حُجِيِّة مذهب الصحابي صورة من صور الإجماع ، فكلُّ دليل يدلُّ على أنَّ الإجماع حجة يدلُّ على أنَّ قول الصحابي حجة؛ لأنَّ البحث جارٍ في قول الصحابي الذي لم يخالف. ويزاد على ذلك أدلة سيأتي ذكرها إن شاء الله. الأمر الرابع: أنَّ حجية مذهب الصحابي من باب الظنِّ الغالب ، أفاد هذا ابن القيم (٣)؛ لأنَّه جعل لقوله احتمالات ستة وكلَّها حجة إلَّا الاحتمال السادس فبهذا تكون حجيته من الظن الغالب، وقد يقال إنَّه من الظن الغالب؛ لأنَّه مبني على نفي أن يكون له مخالف، وهذا النفي ظنٌّ، والحجة فيه أن يكون غالبًا، ولو أدنى درجات غلبة الظن، فإن ما كان كذلك فهو حجة.

стр. 58

وقد دلَّت الأدلة على حجية مذهب الصحابي , ومن هذه الأدلة: الدليل الأول: كلُّ دليل يدلُّ على حجة الإجماع، وقد تقدَّم. الدليل الثاني: أدلة خاصة تدلُّ على مزيَّة مذهب الصحابي: منها: ما أخرجه مسلم (٢٥٣١) عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «النُّجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعدون». قال ابن القيم: «ووجه الاستدلال بالحديث أنَّه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النُّجوم إلى السماء، ومن المعلوم أنَّ هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم، وأيضًا فإِنَّه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم، وحرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزًا لهم، وهذا من المحال» (١). الدليل الثالث: قال ابن القيم: «إنَّ بيننا وبين الصحابة مدارك، منها ما اشتركنا نحن وإياهم فيها، ومنها ما انفصلوا بها عنا، وما اشتركنا نحن وإياهم فيها فقد فاقونا بمراحل، فأحدنا يحتاج وقتًا ليتعلم اللغة، فإذا تعلم ذلك أخذ

стр. 59

من ذهنه شُعبة، ثم يأخذ وقتًا يتعلم علم الحديث والإسناد فإذا تعلم ذلك أخذ من ذهنه شعبة ثم ذكر أشياء نحو ذلك، ثم قال: وإذا انتهينا من هذه انتهينا بأذهان قد كلَّت، قد تتم المسير وقد لا تتم، أما الصحابة فاللغة سليقتهم، والإسناد ما سمعوه من الرسول ﷺ .. وهكذا، فأين نحن منهم ﵃، أمَّا المدارك التي انفصلوا بها عنا، فهو أنهم إذا نقلوا حكمًا فقد يكونوا سمعوه من الرسول ﷺ أو سمعوه ممن سمعه من الرسول ﷺ ، أو نقلوا حكمًا كان عصرهم مجمعًا عليه، أو كان فهمًا فهمه بالنظر إلى السِّياق والسَّابق واللَّاحق .. » (١) الى اخر ما قال ﵀. وإنَّ أقوال الصحابة قسمان: القسم الأول: ما اشتهر، وقد ذكر ابن القيم أنَّ طائفة قالت: إنَّه إجماع، وقالت طائفة: إنَّه حجَّة وليس إجماعًا، ثم قال: «وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين: لا يكون إجماعا ولا حجة» (٢). القسم الثاني: أما إذا لم يشتهر قول الصحابي أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فقد ذهب أئمة المذاهب الأربعة وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه إلى أنَّه حجَّة، ثم قال ابن القيم: «وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد» (٣)، وقد وافق البيهقي ثم ابن القيم والعلائي أنَّ للشافعي أقوالًا في الجديد والحديث تدلُّ على أنَّ قول الصحابي حجَّة، فدلَّ على أنَّه يرى أنَّ قول

стр. 60

الصحابي حجَّةٌ ولو لم يشتهر، وأشار لهذا ابن تيمية (١)، ثم ذكر ابن القيم ستةً وأربعين دليلًا على حجِّية مذهب الصحابي، وأكثرها أدلة تدلُّ على حجية الإجماع عمومًا (٢). تنبيه: ومما يدل على أنَّ قول الصحابي حجَّة أنَّه لا يجوز إحداث قول جديد، فإذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز الخروج عن قوليهما، قال الإمام أحمد: «هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا»، نقله أبو يعلى (٣). وكذلك إذا قال الصحابي قولًا واحدًا ولم يعلم له مخالف، فليس لأحد أن يخالفه؛ لأنَّ من خالفه مأمور أن يأتي بسلف وإلا رُدَّ قوله لأنَّه مُحدِث. وبهذا الوجه يتبين أنَّ قول الصحابي حجة. قَوْلُهُ: «وإذا خالفه غيره رجع إلى الترجيح». تقدَّم بيان هذا.

стр. 61

قَوْلُهُ: «وإذا خالف رأي الراوي روايته عمل بروايته دون رأيه». وهذا حق لما تقدم أنَّ قول النَّبي ﷺ مقدَّمٌ على قولِ كلِّ أحد، ومن ذلك الصحابة، ولكن ينبغي أن يُتنبَّه إلى أمرٍ دقيق, وهو: ضابط في التمييز بين قول الصحابي الذي يعدُّ تفسيرًا للنَّص، كتخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل وقول الصحابي الذي يعدُّ مخالفًا للنص، والضابط هو: أنَّ الصحابي إذا خالف النص من كل وجه فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقول الصحابي المرجوح منكر من وجه، فلا يمكن أن ينقل لنا القول المنكر ولا ينقل لنا القول الراجح وهو المعروف، ولو قال الصحابي بقول مرجوح فلا بد أن ينكر عليه صحابي آخر؛ لأنَّهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، أفاد هذا ابن القيم (١). تنبيه: حاول بعضهم ردَّ قول الصحابي بأمور منها ما يلي: الأمر الأول: أن مقتضى القول بأن قولهم حجة أنَّهم معصومون، وليست العصمة إلا للرَّسول ﷺ ، ذكر هذا بعض المتكلمين كالغزالي (٢) وذكره ابن حزم (٣).

стр. 62

والجواب عن هذا من وجيهن: الوجه الأول: أنَّ هذا غير لازم؛ لأنَّ القائلين بحجية قول الصحابة، يقولون: إن قولهم إذا خالف النص فهو مردود, ويقولون: إذا اختلفوا رجح بين أقوالهم، وإنما قول الصحابي حجَّة لغيره لا بذاته، وهذا يتضح بالوجه الثاني. الوجه الثاني: تقدَّم أنَّ القول بحجية مذهب الصحابي راجعٌ إلى حجِّية الإجماع، فكما لا يقال إنَّ أفراد العلماء معصومون لأنَّ إجماعهم حجة، فكذلك يقال في القول بحجية مذهب الصحابي فإنَّه حجَّة؛ لأنَّه صورة من صور الإجماع. الأمر الثاني: يقول بعض المخالفين لحجية مذهب الصحابي: إنَّه لم يعمل أحد من أهل العلم بما ثبت عند البزار أنَّ أبا طلحة الأنصاري كان يأكل البرد وهو صائم، ويقول: ليس طعامًا ولا شرابًا. والجواب عن هذا أن يقال: إنَّه لما انعقد الإجماع على عدم العمل بهذا الأثر كما حكى الإجماع ابن الصلاح (١)، والشاطبي (٢)، فإنَّه لم يعمل بأثر أبي طلحة؛ وهذا ليس لأنَّ أقوال الصحابة ليست حجة وإنَّما للإجماع، وهذا مثل إجماع العلماء على ترك العمل ببعض الأحاديث فلا يلزم منه ترك الاحتجاج بالسنة.

стр. 63

تطبيقات على حجية مذهب الصحابي: وهذه التطبيقات قسمان: القسم الأول: مذاهب الصحابة في ابتداء حكم جديد. المسألة الأولى: رفع اليدين في تكبيرات الجنائز، ثبت رفع اليدين في تكبيرات الجنائز عن ابن عمر، فدل على أنَّه سنة على أصحِّ القولين. المسألة الثانية: ثبت عن ابن عباس عند الشافعي وغيره (١) أنَّه كان يمنع أن يدخل أحد الحرم إلا مُحرِمًا. قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ولا يُعرف له مخالف» (٢). فلذا على أصحِّ قولي أهل العلم يحرُم دخول مكة لغير المحرم. المسألة الثالثة: ثبت في مسلم (١٩٢) عن عمرو بن العاص ﵁ أنَّه طلب من أهله أن يمكثوا عند قبره بعد دفنه قدرَ ما ينحر جزور ويقسم لحمها، قال: «حتى أستأنس بكم».

стр. 64

القسم الثاني: أقوال الصحابة في تفسير النصوص من القرآن أو السنة. المسألة الأولى: ثبت عند ابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع وابن عمر ﵃ أنَّهما مسحا في الوضوء بعض الرأس (١). فدلَّ هذا على أنَّ مسح بعض الرأس مجزئ، وذهب إلى هذا جمهور أهل العلم. المسألة الثانية: ثبت في البخاري (٥٨٩٢) عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان يأخذ من لحيته بمقدار القبضة، فدلَّ هذا على أنَّه سنة، وهو قول أحمد والشافعي. المسألة الثالثة: ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٢). ثبت عند أبي داود (٢٤٠١) عن ابن عباس ﵄ أنَّه خَصَّصه بصوم النَّذر؛ فدلَّ هذا على أنَّه خاصٌ بالنَّذر. قَوْلُهُ: «والأمرُ بالشيء نهي عن ضده». وذلك كأن يقال لرجل: اجلس، فإنَّه نهي عن كلِّ ضدّ، كالقيام والاضطجاع لذا الأمر بالشيء نهي عن ضده، سواء كان ضدًّا واحدًا أو أكثر من ضد.

стр. 65

قَوْلُهُ: «والنهي عن الشيء أمر بضده». فإذا قيل: لا تجلس، فهو أمر بالضد، لكن إن كان له أكثر من ضد، فهو أمر بأحد هذه الأضداد، كالمثال السابق؛ فإنَّه أمر بالقيام أو بالاضطجاع. أما إذا لم يكن له إلا ضدٌّ واحد فهو أمر بهذا الضِّدِّ. كأن يُقال: لا تتكلم فهو أمر بالصمت. تنبيه: مذهب الأشاعرة أنَّ الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، وكذلك النَّهي عن الشيء هو عين الأمر بضده، وذلك أنَّهم لا يرون الكلام إلا نفسيًا، فلا يرون الكلام اللفظي، وبناءً على هذه البدعة عندهم جعلوا عين الأمر هو عين النهي. أما أهل السنة فإنَّهم يقولون إن الأمر بالشيء يقتضي ويستلزم النَّهي عن ضدِّه ... إلخ. ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (١). فإن قيل: إنَّه يوجد في كلام بعض أهل السنة كالعلامة السعدي في هذا المتن، يقول: إنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يوضح ذلك بقول: يستلزم ويقتضي.

стр. 66

فيقال: إنه قد يُحذف هذا عند أهل السنة لكونه معلومًا، ومن القواعد التي قررها ابن القيم: «أنَّه إذا تكلَّم الرجل بلفظ مجمل فإِنَّه يردُّ إِلى هديه وسيرته» (١). فكلام العلامة ابن سعدي يُردُّ إلى عقيدته وهي العقيدة السلفية. قَوْلُهُ: «والتحريم إن رجع إلى ذات العبادة أو شرطها فسدت، وإن رجع إلى أمر خارج عن ذلك حرم ولم تفسد». إذن قرر أنَّ النَّهي يقتضي الفساد في حالين: الحال الأولى: إذا رجع إلى ذات العبادة. الحال الثانية: إذا رجع إلى شرط العبادة. وما عدا ذلك فلا يقتضي الفساد. وقد أفاد شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ قول الصحابة والتابعين: أنَّ النَّهي يقتضي الفساد مطلقًا، وأنَّ الذي يقول بالتفريق بين ما يرجع إلى ذات العبادة أو شرطها أو وصفها الملازم فهو يقتضي الفساد وماعدا ذلك لا يقتضي الفساد، قال: إنَّ هذه التفصيلات هي تفصيلات المتكلمين، ثم بيَّن أنَّ النَّهي يقتضي الفساد إذا ورد في دليل واحد، كالنَّهي عن البيع بعد نداء الجمعة, قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فمثل هذا يقتضي الفساد، أما إذا كان مركبًا

стр. 67

كالنهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة فلا يقتضي الفساد؛ لأنَّه لم يأت نصٌّ صريح بهذا، وإنَّما مستنبط من الأدلة، وبيَّن أيضا أنَّ ما كان راجعًا إلى حق العباد فلا يقتضي الفساد إذا تراضوا، وتصالحوا» (١). والدليل على أن النهي يقتضي الفساد ما يلي: الدليل الأول: أنَّ الشريعة سمَّت المعاصي فسادًا، فإذًا كل نهي يقتضي الفساد. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. ذكر هذا ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣). الدليل الثاني: أنَّ الفساد يُعرف بمجرَّد النَّهي، لذلك لم يأتِ في الشَّريعة: إنَّ هذا النَّهي لا يقتضي الفساد، وإن هذا النهي يقتضي الفساد، فبمجرد النهي يُعلم أنَّه يقتضي الفساد. الدليل الثالث: أنَّ الصحابة أبطلوا عبادات ومعاملات، كالمعاملات الربوية لمجرَّد النَّهي، ولم يأتِ عنهم أنَّ هذا نهيٌّ يقتضي الفساد، وهذا نهي لا يقتضي الفساد. هذه الأدلة ملخصة من كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، وذكر بعضها ابن القيم في كتابه تهذيب السنن وإعلام الموقعين.

стр. 68

ويكفي في قوة هذا القول أنَّه قول الصحابة والتابعين وهو الذي عليه أكثر الفقهاء. قال المازري: «أكثر الفقهاء أنَّ النَّهي يقتضي الفساد وأكثر المتكلمين على أنَّ النَّهي لا يقتضي الفساد» (١). قَوْلُهُ: «ومن صيغ العموم: «من, وما, وأيّ, وأين» ونحوها، والموصولات، والألفاظ الصَّريحة في العموم كـ «كل, وأجمع» ونحوهما، وما دخلت عليه «أل» من الجموع والأجناس، والمفرد المعرف باللام غير العهدية، والمفرد المضاف لمعرفة، والنكرة في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام». ذكر المصنف: «ومن صيغ العموم»: فيه شيء من الإبهام والغموض؛ لذا أذكر صيغ العموم مع الأمثلة، ثم أرجع إلى كلام المصنف. صيغ العموم سبع: الصيغة الأولى: الأسماء الموصولة كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. فقوله: «الذين»: عام في كلِّ أحد، فهي اسم موصول. الصيغة الثانية: أسماء الاستفهام: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، وقوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. فقوله: «فمن»، وقوله: «أين»: من صيغ العموم؛ لأنَّها أسماء استفهام.

стр. 69

الصيغة الثالثة: أسماء الشرط: قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾. فقوله: «فمن»: عام في كل أحد؛ لأنَّه من أسماء الشرط. الصيغة الرابعة: كل ما أفادت العموم بلفظها، كلفظ: «كل, وكافة, وعامة» كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، وكما أخرج الشيخان من لفظ البخاري من حديث جابر ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قال: «وبُعثت إلى النَّاس كافة»، وفي رواية: «عامة» (١). الصيغة الخامسة: إضافة المفرد إلى المعرفة: كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فلفظ «نعمة» عامٌّ؛ لأنَّه مضاف إلى لفظ العظمة «الله». الصيغة السادسة: الألف واللام لاستغراق الجنس. ومعنى استغراق الجنس أي التي تكون بمعنى (كل)، بحيث إذا حُذفت (أل) ووُضع مكانها (كل)، لاستقام الكلام، كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي: إنَّ كلَّ إنسان لفي خسر. ذكر هذا الضابط الزركشي (٢)، وابن القيم (٣).

стр. 70

ومن أمثلة ذلك: ما أخرج السَّبعة من حديث مالك بن الحويرث ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم» (١)، فلفظ الصَّلاة عام؛ لأنَّ الألف واللام لاستغراق الجنس، فيصح أن تقول: إذا حضرت كلُّ صلاة فليؤذن أحدكم. الصيغة السابعة: النَّكرة في سياقات خمسة: السياق الأول: في سياق الشرط: كقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. فلفظ «خيرًا» عام؛ لأنَّه نكرة في سياق الشرط. السياق الثاني: في سياق الاستفهام: كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾. فلفظ «ماء» عام؛ لأنَّه في سياق الاستفهام. السياق الثالث: في سياق النَّهي: كقوله سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فلفظ «شيئًا» عام؛ لأنَّه في سياق النَّهي. السياق الرابع: في سياق النَّفي: كقوله سبحانه: ﴿وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. فلفظ «أحدًا» عام؛ لأنَّه في سياق النَّفي. السياق الخامس: الامتنان، كما أخرج أحمد عن عبدالله بن الزبير ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا» (٢)، فلفظ «صلاة» عام؛ لأنَّه في

стр. 71

سياق الامتنان. وكما أخرج البخاري (١٨٦٣) عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان»، فلفظ (عمرة) عام؛ لأنَّه نكرة في سياق الامتنان. والأصل في هذين المثالين أنَّهما من صيغ الإطلاق، لكن لأجل الامتنان، وهي قرينة معنوية صارت من ألفاظ العموم. بعد هذا نرجع إلى كلام المصنف: قَوْلُهُ: «ومن صيغ العموم: «من وما وأيّ وأين» ونحوها». يشير بهذا إلى أسماء الشَّرط والاستفهام؛ لأنَّ هذه الأسماء تأتي للشَّرط والاستفهام، فبِهذا يكون ذكر صيغتين. قَوْلُهُ: «والموصولات». هذه هي الصيغة الثالثة، وهي الأسماء الموصولة. قَوْلُهُ: «والألفاظ الصريحة في العموم كـ «كل وأجمع» ونحوهما». هذه الصيغة الرابعة، وهي التي تدلُّ على العموم بلفظها. قَوْلُهُ: «وما دخلت عليه (أل)». هذه هي الصيغة الخامسة، وهي (أل) لاستغراق الجنس. قَوْلُهُ: «من الجموع». أي ما دخل عليها (أل)، وهي من الجموع التي لها مفرد من لفظها، كلفظ المسلمين. قَوْلُهُ: «والأجناس». وهو الجمع الذي ليس له مفرد من لفظه كلفظ «الناس». قَوْلُهُ: «والمفرد». أي ليس جمعًا. قَوْلُهُ: «المعرَّف باللام». أي: لاستغراق الجنس.

стр. 72

قَوْلُهُ: «غير العهدية». يريد أنَّ (أل) للعهد لا تفيد العموم، وهذا ما قرره الأصوليون كابن قدامة (١)، وابن تيمية (٢)، فهي إنَّما تعود للمعهود بالإجماع، كما قاله الرازي (٣)، وإنَّما تكون بحسَب المعهود؛ فإن كان المعهود عامًّا فهي للعموم، وإن كان خاصًّا فهي للخصوص (٤). فبهذا يتبين أن (أل) أقسام ثلاثة: الأول: لاستغراق الجنس، وقد تقدَّم. الثاني: للعهد، وقد تقدَّم.

стр. 73

الثالث: لبيان الجنس، وهذه ليست من ألفاظ العموم، وإنما فيها بيان المعنى من حيث الجملة، ومثَّل الأصوليون والنحاة على ذلك بقول: «الرجل خير من المرأة»، وهذا من حيث الجملة لا كل مفرد. قَوْلُهُ: «والمفرد المضاف لمعرفة». هذه هي الصِّيغة السَّادسة. قَوْلُهُ: «والنكرة في سياف النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام». وهذه هي الصيغة السابعة. ويُزاد على ذلك الامتِنَان. وبعد هذا أنبِّه على أمرين: الأمر الأول: أنَّ للعموم أقسامًا أربعة: القسم الأول: العموم المحفوظ: أي: الذي لم يُخصَّص، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فلفظ الناس عامٌّ لم يُخصص. القسم الثاني: العموم المخصوص: كحديث أبي هريرة وابن عباس ﵃ في الصحيحين، قال ﷺ : «لا يُخْتلى خلاها، ولا يُقطع شجرها ... »، قال ﷺ : «إلا الإذخر» (١). فهذا تخصيص للعموم. القسم الثالث: عامٌّ يُراد به الخصوص، كما أخرج الشيخان من حديث مالك بن الحويرث ﵁: «إذا حضرت الصلاة» (٢)، والمراد الصلوات الخمسة المفروضة.

стр. 74

القسم الرابع: العام الواردُ على سبب، كالآيات والأحاديث التي جاءت بلفظ العام، وقد وردت على أسبابٍ، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾] النور: ٢ [، وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾] المجادلة: ٢ [. الأمر الثاني: قال كثير من الأصوليين المتأخرين: ما من عام إلا وقد خصص، إلا قوله تعالى: «إن الله على كل شيء قدير»، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] الأنفال: ٧٥ [ ... ونحوَ ذلك، وخالفهم الشاطبي وقال: «لا يوجد عام خُصِّص، بل العمومات إما محفوظة، أو يُراد بها الخصوص» (١). وذهب ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وقبلهما ابن حزم (٤) أنَّ أكثر العمومات لم تُخصَّص، ووضَّح ذلك شيخ الإسلام بما في سورة الناس. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾] الناس: ١ [: لفظ (الناس) عام لم يُخصَّص، إلى آخر السورة. وهذا هو الصواب، والردُّ على الشاطبي بحديث: «إلا الإذخر»، فهو بيِّنٌ في أن هذا العام خُصِّص بعد ثبوت عمومه. ومبحث العام مبحث مهمٌّ، وفيه مسائل دقيقة تُذكر - إن شاء الله - في شرح (الأصول من علم الأصول).

стр. 75

قَوْلُهُ: «وتخصيص العموم». لمَّا ذكر المصنف بحث العام وألفاظه ذكر بعد ذلك المخصِّصات، واقتصر المصنِّفُ على ذكرِ المخصِّصات المتَّصِلة؛ لأنَّ المتن مختصر. وينبغي أن يُعلم أن المخصصاتِ نوعان: النوع الأول: مخصِّصات مُتَّصلة: وهي التي لا تستقلُّ بنفسها. النوع الثاني: مخصصات منفصلة: وهي التي تستقلُّ بنفسها. وسيأتي - إن شاء الله - ذِكرُ الأمثلة على المخصِّصات المتَّصلة عند شرح كلام المصنف. أمَّا المثال على المخصِّصات المنفصلة: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾] النساء: ١١ [، هذا عام في جميع الأولاد، سواء كانوا مسلمين أو كافرين، لكن ثبت في البخاري من حديث أسامة ﵁ مرفوعًا قال ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (١). فخصَّص عموم الآية، وهذا التخصيص تخصيص منفصل؛ لأنَّه يمكن أن يَستقلَّ المخصِّصُ بنفسه، وهو حديث: «لا يرث المسلم الكافر».
следующие страницы →