ثم كيف هذا التصحيح للحديث مع احتمال أن يكون أبو إسحاق سمعه منهما، من عاصم، والحارث، والمعروف أن التصحيح لا يثبت بالاحتمال.
وهكذا نجد الدارقطني في "العلل"١ وقد سئل عن هذا الحديث يعطي إجابة محتملة غير جازمة، فيقول بعد أن وضّح الخلاف على أبي إسحاق: "ويشبه أن يكون القولان صحيحين" ا?.
قال أبو بكر بن العربي في "عارضة الأحوذي"٢: "أصحّ الأحاديث حديث أبي سعيد الخدري: "ليس فيما دون خمسة أوسق٣ من التمر صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق من الوَرِق٤ صدقة، ولا فيما
стр. 457
دون خمس ذود١ من الإبل صدقة" إلى أن قال: "وليس في هذا الباب حديث صحيح يعوّل عليه إلا حديث أبي سعيد انفرد به، ولا يوجد في الصحيح عن غيره، ولا يوجد في الحسان أبداً على ما قلنا شيء" ا?.
وهذا الحديث أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، والترمذي٤، وغيرهم وقد قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم ليس فيما دون خمسة أواق صدقة، والأوقية أربعون درهماً، وخمس أواق مئتا درهم" ا?.
وإذا جاء هذا الحديث في بيان مقدار نصاب الفضة الذي يجب فيه الزكاة، وهذا ما تناوله الشطر الثاني من حديث علي، أما الشطر الأول
стр. 458
وهو ما يتعلق بزكاة الخيل والرقيق، فقد جاء أيضاً في حديث صحيح أخرجه البخاري في "صحيحه"١ واللفظ له، ومسلم٢، والترمذي٣، وغيرهم من حديث أبي هريرة "﵁" عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه".
قال الترمذي عقبه: "حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة، ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة، إلا أن يكونوا للتجارة، فإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليه الحول" ا?.
هذا ولا نوافق ابن العربي أنه لا يوجد في الحسان حديث في هذا البابِ، فإن حديث عاصم إسناده حسن.
أما حديث الحارث فإن إسناده ضعيف، ويكون حسناً لغيره بإسناد عاصم والله أعلم.
تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله وفي الباب
حديث أبي بكر الصديق "﵁": أخرجه البخاري في "صحيحه"٤ من طريق عبد الله بن المثنى، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله
стр. 459
بن أنس أن أنساً حدثه أن أبا بكر "﵁" كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين١: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط: في أربع وعشرين من الإبل ... إلى آخر فرائض الصدقات التي بينها الحديث، وفيه: "وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة، فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها".
ورواه أيضاً أحمد٢ وأبو داود٣ والنسائي٤ وغيرهم. وهو يصلح شاهداً على الشطر الثاني للحديث.
حديث عمرو بن حزم: أخرجه الحاكم في "المستدرك"٥ من رواية سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، ومما جاء فيه قوله: "وفي كل خمس
стр. 460
أوراق من الوَرِق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء". "وأنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء".
ورواه الطبراني في "الكبير" عزاه إليه الهيثمي في "مجمع الزوائد"١، وقال: "فيه سليمان بن داود الخريبي٢، وثقه أحمد وتكلم فيه ابن معين، وقال أحمد: "أن الحديث صحيح. قلت: وبقية رجاله ثقات" ا?.
стр. 461
الحديث الثّاني عشر: باب ما جاء في الخرص من أبواب الزكاة عن رسول الله ﷺ .
٣/٢٧-٢٨ سنن الترمذي
بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي
стр. 462
ثنا أبو عمرو مسلم بن عمرو الحذاء المديني١، أخبرنا عبد الله ابن نافع٢، عن محمد بن صالح التمار٣، عن ابن شهاب٤، عن سعيد ابن المسيب٥، عن عتاب بن أسيد٦ أن النبي ﷺ كان يبعث على الناس من يخرص٧ عليهم كرومهم٨، وثمارهم".
стр. 463
وبهذا الإسناد: أن النبي ﷺ قال: -في زكاة الكرم-: "أنها تخرص كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث، حسن غريب، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة.
وسألت محمداً عن هذا؟ فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أصح.
تخريج الحديث
روى هذا الحديث غير الترمذي:
أبو داود في "سننه"١ بمعنى اللفظين.
ابن ماجه في "سننه"٢ بلفظ الترمذي الأول.
стр. 464
الشافعي في "الأم"١ باللفظين.
الدارقطني في "سننه"٢ باللفظين.
الطحاوي في "شرح معاني الآثار"٣ من طريق الزهري عن عيد ابن المسيّب، عن عتاب بن أسيّد أن رسول الله ﷺ أمره أن يخرص العنب زبيباً، كما يخرص الرطب.
البغوي في "شرح السنة"٤ بإسناده إلى الشافعي، وبإسناده إلى الترمذي باللفظين.
ابن حبّان في "صحيحه"٥ باللفظين.
الحاكم في "المستدرك"٦ بلفظ الترمذي الثاني، وقد سكت عنه هو والذهبي.
البيهقي في "السنن الكبرى"٧ بلفظ الترمذي الأول، وبمعنى اللفظ الثاني.
стр. 465
هذا وقد وهم ابن حجر في "بلوغ المرام"١ في عزوه هذا الحديث إلى أحمد؛ فإنه لم يخرجه، بل لم يورد عتاباً في مسنده، عرفت هذا بواسطة الدليل والكشاف الذي وضعه الألباني في أول السند، والذي فهرس فيه أسماء الصحابة الذين أخرجت مسانيدهم. والساعاتي في شرحه لمسند أحمد المسمى: "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"٢ جعل هذا الحديث في زوائد الباب، وهو عنوان يذكر فيه الأحاديث التي لم يخرجها أحمد وهي مما في الباب.
حكم هذا الحديث
لما كان مدار هذا الحديث على سعيد بن المسيّب عن عتاب فإن الحكم عليه يتوقف على صحة سماع سعيد من عتاب أو عدمه، والحال أن في سماعه منه كلاماً، فالغالبية من العلماء على أن سعيداً لم يسمع من عتاب، ولم يدركه.
قال أبو حاتم٣: "لم يسمع منه" ا?.
وقال أبو داود٤: "سعيد لم يسمع من عتاب شيئاً" ا?.
стр. 466
وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب"١ في ختام ترجمة عتاب: "وحدّث عنه سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، ولم يسمعا منه".
وقال ابن النافع٢: "لم يدركه" ا?.
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات"٣ وقد تترجم لعتاب بن أسيد: "روى عنه ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح، وروايتهما عنه مرسلة، لم يدركاه بلا شك" ا?.
وقال ابن الأثير في "أسد الغابة"٤ في ترجمة عتاب: "روى عنه عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، ولم يدركاه" ا?.
وإذا كان من هؤلاء من أطلق القول بنفي السماع أو الإدراك من غير أن يذكر دليلا عليه، فإن البعض ذكر دليل ذلك، وهو أن عتاباً توفي قبل مولد سعيد بسنتين، وقيل بأكثر.
قال ابن عبد البر في ترجمة عتاب من "الاستيعاب"٥: "وكانت وفاته –فيما ذكر الواقدي- يوم مات أبو بكر الصديق "﵁" قال: "ماتا في يوم واحد".
стр. 467
وكذلك يقول ولد عتاب، وقال محمد بن سلام وغيره: "جاء نعي أبي بكر "﵁" إلى مكة يوم دفن عتاب بن أسيد بها، وكان رجلا صالحاً خيراً فاضلاً".
قال النووي١: "قال الواقدي، وآخرون منهم أولاد عتاب: أنه توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق "﵁" ا?.
وقال الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة"٢: "عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة، وأمه زينب بنت عمر بن أميّة، أسلم يوم الفتح، وحسن إسلامه، واستعمله النبي ﷺ على مكة، وتوفي مع أبي بكر في يوم" ا?.
"وكانت وفاة الصديق "﵁" لثمان من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، فعلى هذا تكون وفاة عتاب في هذا الشهر، ويحتمل أن تكون في رجب من هذه السنة على القول بأنه توفي يوم جاء نعي الصديق؛ لجواز أن يكون نعيه أتى بعد انسلاخ جمادى الآخرة٣") .
وذكر الحاكم في "المستدرك"٤ بإسناده إلى مصعب بن عبد الله الزبيري قال: "توفي عتاب بن أسيد بمكة في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة" ا?.
стр. 468
وممن أرّخ وفاته في هذه السنة الذهبي في "العبر في خبر من غبر"١، وابن العماد في "شذرات الذهب"٢، وقال: "ومات يوم وفاة أبي بكر أميره على مكة عتاب بن أسيد الأموي"، وابن كثير في البداية٣. هذا عن وفاة عتاب.
وأما عن مولد سعيد فقد قال الذهبي في "تذكرة الحفاظ"٤: "أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر" ا?.
قال ابن أبي حاتم٥: "حدثنا علي بن الحسن، نا أحمد بن حنبل، نا سفيان عن يحيى٦ –إن شاء الله- قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: "ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر "﵁" ا?.
قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٧: " (قلت) على تقدير ما
стр. 469
ذكروا عنه أن مولده لسنتين من خلافة عمر، والإسناد إليه صحيح، يكون مبلغ عمره ثمانين سنة إلا سنة لا كما يقول الواقدي١") ا?.
وقال في تقريب التهذيب٢: سعيد بن المسيب بن حزن٣ بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين، روى له الجماعة.
فبناء على ما تقدم يكون الحديث منقطعاً، ومحل الانقطاع بين سعيد وعتاب.
فإنه بالنظر إلى وفاة عتاب وولادة سعيد نجد أن سعيداً ولد بعد موت عتاب بسنتين، ولا شك أن هذا الانقطاع موجب لضعف الحديث.
قال ابن حجر في "بلوغ المرام"٤ بعد أن أورد هذا الحديث: "فيه انقطاع" ا?.
стр. 470
وقال في ختام ترجمة ابن المسيب من "تهذيب التهذيب"١: "وأما حديثه عن بلال٢، وعتاب بن أسيد، فظاهر الانقطاع بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده والله أعلم" ا?.
وقال المنذري –وقد نقل في "مختصر سنن أبي داود٣") كلام الترمذي، والبخاري على الحديث-: "وذكر غيره (يعني غير البخاري) أن هذا الحديث منقطع، وما ذكره ظاهر جداً؛ فإن عتاب بن أسيد توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر الصديق، ومولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقيل: كان مولده بعد ذلك والله أعلم" ا?.
هذا ولما كان الانقطاع يسمى عند بعض المحدثين إرسالا٤، وكان المرسل سعيد بن المسيب لزم التوقف هنيهة، حيث أن مرسلات سعيد مما جرى فيها كلام، ودار حولها نقاش بين العلماء، مما يدل على اعتنائهم بها، وإعطائهم مزيد اهتمام لها من بين باقي المرسلات، حتى قال بعضهم: إنها فتشت فوجدت كلها مسندة من وجوه آخر.
стр. 471
وقال بعضهم: أنه يحتج بها مطلقاً، وقال بعضهم: بالتفصيل بها.
قال النووي في "المجموع شرح المهذب"١ عن حديث عتاب هذا: "وهو مرسل؛ لأن عتاباً توفي سنة ثلاث عشرة، وسعيد بن المسيب ولد بعد ذلك بسنتين، وقيل بأربع سنين، وقد سبق من الفصول السابقة في مقدمة هذا الشرح أن من أصحابنا من قال: "يحتج بمراسيل ابن المسيب مطلقاً.
والأصحّ: أنه إنما يحتج به إذا اعتضد بأحد أربعة أمور:-
١- أن يسند.
٢- أو يرسل من جهة أخرى.
٣- أو يقول به بعض الصحابة.
٤- أو أكثر العلماء.
وقد وجد ذلك هنا فقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم على وجوب الزكاة في التمر، والزبيب٢" ا?.
стр. 472
فكأن إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم على وجوب الزكاة في التمر والزبيب إجماع على الخرص فيهما، مما يؤيد هذا الحديث، مع أنه قد ورد بخصوص خرص التمر بعض الأحاديث الصحيحة١.
стр. 473
هذا وقد صحح ابن حجر سماع سعيد بن من عتاب فاستظهر –في ترجمته عتاب في "الإصابة"١، و"تهذيب التهذيب"٢- من حديث رواه أبو داود الطيالسي، والبخاري في تاريخه، أنَّ عتاباً عاش بعد أبي بكر الصديق "﵁"، وأُيِّد ذلك بأن الطبري ذكره في عمال عمر إلى سنة اثنين وعشرين من الهجرة.
قال: روى الطيالسي٣، والبخاري في "تاريخه"٤ من طريق أيوب ابن عبد الله بن يسار، عن عمرو بن أبي عقرب سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول: "والله ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين٥، كسوتهما مولاي كيسان".
стр. 474
وإسناده حسن. ومقتضاه: "أن عتاب تأخرت وفاته عما قال الواقدي؛ لأن أيوب١ ثقة، وعمرو بن أبي عقرب ذكره البخاري٢ في التابعين، وقال: سمع عتاباً. والله أعلم".
قال: ويؤيد ذلك أن الطبري ذكره في عمال عمر في سني خلافته كلها إلى سنة اثنتين وعشرين٣، ثم ذكر أن عامل عمر على مكة سنة ثلاث وعشرين كان نافع بن عبد الحارث٤.
قال ابن حجر: "قال أبو جعفر الطبري في "تاريخه"، وقد ذكر عتاباً فيمن لا يعرف تاريخ وفاته: "أنه كان والي مكة لعمر سنة عشرين" قال:
"وذكره قبل ذلك في سني عمر، ثم ذكره في سنة (٢١) ثم في سنة (٢٢) ، ثم قال في مقتل عمر سنة (٢٣) : "قتل وعامله على مكة نافع بن عبد الحارث"، فهذا يشعر بأن موت عتاب كان في أواخر سنة (٢٢) أو أوائل سنة (٢٣) ، فعلى هذا فيصحّ سماع سعيد بن المسيب منه. والله أعلم" ا?.
стр. 475
هذا ما كان من ابن حجر من اجتهاده هنا إلى الوصول إلى هذه النتيجة، وهي لا شك تغاير ما ختم به ترجمة سعيد بن المسيب في "تهذيب التهذيب"، حين قال –كما تقدم-: "أما حديثه عن بلال، وعتاب بن أسيد فظاهر الانقطاع بالنسبة إلى وفاتيهما ومولده. والله أعلم" ا?.
مما يدل على أنه قال هذا قبل أن يصل إلى تلك النتيجة، وعلى هذا مشى في "بلوغ المرام"١، وفي "التلخيص الحبير"٢؛ فإنه لما ذكر هذا الحديث قال: "وفيه انقطاع".
واكتفى في "تقريب التهذيب"٣ بأن أشار إلى أن الطبري ذكر أنه كان عاملا على مكة لعمر، فقال: "عتاب بن أسيد: -بفتح أوله- ابن أبي العيص، -بكسر المهملة- ابن أميّة الأموي، أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد المكي، له صحبة، وكان أمير مكة في عهد النبي ﷺ ، ومات في يوم مات أبو بكر الصديق فيما ذكر الواقدي، لكن ذكر الطبري٤ أنه كان عاملا على مكة لعمر، سنة إحدى وعشرين، روى له أهل السنن الأربعة".
وزاد الخزرجي في "الخلاصة"٥ بأن قال: إن هناك حديثاً يدل على
стр. 476
ذلك فقال: في ترجمة عتاب: "وعنه ابن المسيب وعطاء مرسل؛ لأنه مات يوم مات الصديق، وذكر الطبري١ أنه عمل لعمر، وفي صحيح مسلم حديث يدل على ذلك إلى سنة إحدى وعشرين" ا?.
قال الزركلي في "الأعلام"٢: "عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الرحمن والأموي قرشي، مكي من الصحابة، كان شجاعاً عاقلا من أشراف العرب في صدر الإسلام، أسلم يوم فتح مكة، واستعمله النبي ﷺ عليها عند مخرجه إلى حنين سنة ٨?، وكان عمره (٢١) سنة، وأقره أبو بكر فاستمر فيها إلى أن مات يوم مات أبو بكر، وفي المؤرخين من يذكر أنه عاش والياً على مكة إلى أواخر أيام عمر، فتكون وفاته في أوائل سنة ٢٣?" ا?.
قال صاحب العقد الثمين في "تاريخ البلد الأمين٣") : "وفي تاريخ ابن جرير، وابن الأثير٤ ما يقتضي أنه ولي مكة لعمر ﵁، وهذا يدل على أنه لم يمت في هذا التاريخ (يشير إلى سنة ثلاث عشرة التي ذكر أنه توفي فيها) والله تعالى أعلم" ا?.
ولا يفهم ممن حسّن الحديث حسناً لذاته كالترمذي إلا أنه يصحح
стр. 477
سماع سعيد بن المسيب من عتاب؛ لأن الاتصال شرط من شروط الحديث الحسن لذاته.
فالترمذي في حكمه على هذا الحديث بقوله: "هذا حديث حسن غريب"، يريد أنه حديث حسن لذاته.
قال البقاعي١: "استعمل الترمذي الحسن لذاته في المواضع التي يقول فيها "حسن غريب" ونحو ذلك" ا?.
قال نور الدين عتر٢: "إذا أطلق الترمذي كلمة "حسن" من غير صفة أو قرينة أخرى، فمراده الحسن لغيره، وإذا أراد الحسن لذاته أشعر في حكمه بتفرد هذا السند في الحكم بالحسن" ا?.
هل روي الحديث من وجه آخر
قال ابن السكن٣: "لم يرو عن رسول ﷺ من وجه غير هذا" ا?.
قال ابن حجر٤: "وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي، فقال: عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد" ا?.
стр. 478
قال الدارقطني في "سننه"١: "حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن شبيب حدثني إسحاق بن محمد، حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز الأيامي، ثنا ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عتاب بن أسيد قال: "أمرني رسول الله ﷺ أن أخرص أعناب ثقيف خرص النخل، ثم تؤدّى زكاته زبيباً، كما تؤدّى زكاة النخل تمراً".
قال الدارقطني: "خالفه الواقدي، رواه عن عبد الرحمن بن عبد العزيز فزاد في الإسناد المسور بن مخرمة" ثم قال: حدثنا محمد بن عمرو بن البختري، ثنا أحمد بن الخليل، ثنا الواقدي، ثنا محمد بن عبد الله بن مسلم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال الواقدي: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن المسور بن مخرمة، عن عتاب بن أسيد قال: "أمر رسول الله ﷺ أن نخرص أعناب ثقيف٢ كخرص النخل، ثم تؤدى زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
والمسور بن مخرمة هو ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبو عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين، روى له الجماعة٣.
стр. 479
أما الواقدي فهو محمد بن واقد الأسلمي المدني القاضي نزيل بغداد قال ابن حجر في "تقريب التهذيب"١: "متروك مع سعة علمه، من التاسعة مات سنة سبع ومائتين وله ثمان وستون، روى له ابن ماجة".
وقال الذهبي في "المغني في الضعفاء٢": "مجمع على تركه"، ونقل عن ابن عدي٣ أنه قال: "يروي أحاديث غير محفوظة والبلاء منه" ا?.
وقال في "ميزان الاعتدال"٤: "استقر الإجماع على وهن الواقدي" ا?.
قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٥ بعد أن نقل كلام الذهبي هذا: "وتعقبه بعض مشائخنا بما لا يلاقي كلامه"، وقال: "قال النووي في "شرح المهذب" في كتاب "الغسل منه": الواقدي ضعيف باتفاقهم" ا?.
فهذه الزيادة مردودة لا تقبل؛ لانفراد الواقدي بها، ولمخالفته لكل من رواه من الثقات على وجه خال من هذه الزيادة في الإسناد.
стр. 480
قال أبو حاتم١: الصحيح عندي والله أعلم عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب "أن النبي ﷺ أمر عتاب بن أسيد" مرسل.
وقال أبو زرعة٢: "الصحيح عندي عن الزهري أن النبي ﷺ أمر عتاب بن أسيد. مرسل".
فهذا يستفاد منه أن الحديث من وجه آخر، وسبق أن أشار الترمذي إلى أن هذا الحديث قد رواه ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. غير أن البخاري ذكر فيما نقله الترمذي عنه هنا أن حديث ابن جريج هذا غير محفوظ، وقال فيما نقله عنه في "العلل الكبير"٣: "غلط".
قال ابن حجر في "التلخيص الحبير"٤: حديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة خارصاً أول ما تطيب الثمرة" أبو داود٥ من حديث حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت، وهي تذكر شأن خيبر: "كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه ". وهذا فيه جهالة الواسطة.
стр. 481
وقد رواه عبد الرزاق١، والدارقطني٢ من طريقه (يعني من طريق عبد الرزاق) ، عن ابن جريج، عن الزهري ولم يذكر واسطة٣، وهو مدلس٤. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه ... " ا?.
قال الدارقطني في "سننه"٥: "حدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا محمد بن يحيى ح وحدثنا ابن صاعد، ثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر: "كان النبي ﷺ يبعث بابن رواحة إلى اليهود فيخرص النخل حين تطيب أول الثمرة قبل أن يؤكل منها، ثم يخير يهود يأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص وإنما كان أمر رسول الله ﷺ بالخرص؛ لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق".
стр. 482
رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة وأرسله مالك، ومعمر، وعقيل، عن الزهري، عن سعيد، عن النبي ﷺ مرسلاً" ا?.
رأي البخاري في حديث سعيد عن عتاب
لما بين البخاري حديث ابن جريج -كما سبق- رجح عليه حديث سعيد عن عتاب فقال: "وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أصح". أي أرجح.
قال نور الدين عتر١: "يوجد في "جامع الترمذي" كثيراً، وفي "تاريخ البخاري"، وغيرهما قولهم "أصحّ شيء في الباب كذا، أو أحسن شيء كذا، وحديث فلان أصحّ من حديث فلان أو أحسن".
فهل هذا حكم للأحاديث بالصحة أو الحسن؟
ربما يتوهم من لا إحاطة عنده أن ذلك هو المراد، وليس الحال كذلك بل المراد المفاضلة، وبيان رجحان بعضها على بعض، بقطع النظر عن ثبوت الصحة أو الحسن. قال النووي في "الأذكار"٢:
стр. 483
"لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث؛ فإنهم يقولون هذا أصحّ ما جاء في الباب، وإن كان ضعيفاً، ومرادهم أرجحه، أو أقله ضعفاً" ا?.
فعلى القول بأنه مرسل من مرسلات سعيد بن المسيب فقد مضى ما قاله النووي فيه، وقد أخرجه هكذا النسائي في "سننه"١ عن عمرو بن علي قال: حدثنا بشر بن المفضل، ويزيد بن زريع قالا: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ " أمر عتاب ابن أسيد أن يخرص العنب فتؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
وأخرجه كذلك البيهقي٢ ولكن من طريق يزيد بن زريع فقط، وفي آخره زيادة هي: "قال فتلك سنة رسول الله ﷺ في "النخل والعنب".
وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في "مصنفه"٣.
وعلى القول بأنه مرسل من مرسلات الزهري، فإن العلماء
стр. 484
تكلموا في مرسلات الزهري. قال أحمد بن سنان الواسطي١: "كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئاً، ويقول: "هو بمنزلة الريح"، ويقول: "هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوه".
وروى البيهقي٢ عن يحيى بن سعيد قال: "مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يستحب أن يسميه" ا?.
هذا ولا يبعد أن يرجع مرسل الزهري إلى مرسل سعيد بن المسيب، بل مرسل سعيد ما روى إلا من طريقه فمن المرجح أنه أخذه، وأرسله عن النبي ﷺ .
ومرسل الزهري هذا أخرجه عبد الرزاق٣، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أنه قال أمر النبي ﷺ عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة، فقال: "أخرص العنب، كما تخرص النخل، ثم خذ زكاته من الزبيب، كما تأخذ زكاة النخل من التمر". وفيه ابن جريج يروي بالعنعنة، وهو مدلس كما سبق.
стр. 485
وأخرجه أبو عبيد١ بنحوه فقال: "حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب، قال: "مضت السنة في زكاة الكرم أن يخرص، كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً.
قال: فتلك السنة من رسول الله ﷺ في النخل والكرم" ا?.
стр. 486
المجلد الثاني
الحديث الثالث عشر: باب ما جاء في فضل شهر رمضان من أبواب الصوم عن رسول الله ﷺ
...
الحديث الثّالث عشر: باب ما جاء في فضل شهر رمضان من أبواب الصوم عن رسول الله ﷺ .
حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء بن كريب١، أخبرنا أبو بكر بن عياش٢، عن الأعمش٣، عن أبي صالح٤، عن أبي هريرة٥ قال:
قال رسول الله ﷺ : "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت٦
стр. 487
الشياطين، ومردة الجن١، وغلقت أبواب النيران، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي٢ الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر٣، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة".
وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وسليمان.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة الذي رواه أبو بكر بن عياش حديث غريب، لا نعرفه من رواية أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة إلا من حديث أبي بكر.
وسألت محمد بن إسماعيل، عن هذا الحديث؟ فقال: أخبرنا الحسن ابن الربيع٤، أخبرنا أبو الأحوص٥، عن الأعمش، عن مجاهد٦ قوله
стр. 488
قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان". فذكر الحديث.
قال محمد: وهذا أصحّ "عندي" من حديث أبي بكر بن عياش.
تخريج الحديث
أخرج الحديث غير الترمذي:
النسائي١.
ابن ماجة في "سننه"٢.
ابن خزيمة في "صحيحه"٣ ولكن فيه "الشياطين مردة الجن" بغير عطف.
ابن حبّان في "صحيحه"٤.
الحاكم في "المستدرك"٥. وقال: هذا حديث صحيح على شرط
стр. 489
الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأقره الذهبي.
البيهقي في "السنن الكبرى"١، و"شعب الإيمان"٢.
أبو نعيم في "حلية الأولياء"٣ وقال: غريب من حديث الأعمش لم يروه عنه إلا قطبة بن عبد العزيز، وأبو بكر.
البغوي في "شرح السنة"٤ بإسناده إلى الترمذي.
حكم هذا الحديث
ضعّف الترمذي هذا الحديث بهذا الإسناد؛ لأن أبا بكر الذي ذكر أنه تفرد به متكلم فيه من قبل حفظه، فقد قال الذهبي في ترجمته من "ميزان الاعتدال"٥: "أحد الأئمة الأعلام، صدوق ثبت في القراءة، لكنه في الحديث يغلط ويهم، وقد أخرج له البخاري، وهو صالح الحديث، لكن ضعّفه محمد بن عبد الله ابن نمير".
ونقل عن أبي نعيم قوله: "لم يكن في شيوخنا أكثر غلطاً منه".
كما نقل عن أحمد أنه قال: "ثقة ربما غلط"، وأنه قال أيضاً فيما سمعه منه مهنا: "كثير الغلط جداً، وكتبه ليس فيها خطأ".
стр. 490
وقال ابن سعد١: "كان ثقة، صدوقاً، عارفاً بالحديث والعلم، إلا أنه كثير الغلط".
وقال العجلي٢: "كان ثقة، قديما، صاحب سنة وعبادة، وكان يخطئ بعض الخطأ".
وقال أبو أحمد الحاكم٣: "ليس بالحافظ عندهم".
وقال ابن رجب في "شرح علل الترمذي"٤: "وأما أبو بكر بن عياش فهو المقرئ الكوفي، وهو رجل صالح لكنه كثير الوهم، ومع هذا فقد خرّج البخاري حديثه، وأنكر عليه ابن حبان تخريج حديثه، وتركه لحماد بن سلمة".
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٥: "أبو بكر بن عياش: -بتحتانية ومعجمة- ابن سالم الأسدي الكوفي، المقرئ الحناط -بمهملة ونون- مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل اسمه محمد، أو حبيب أو ... فذكر في اسمه عشرة أقوال، ثم قال: ثقة عابد، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين أي ومئة،
стр. 491
وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب المئة، وروايته في مقدمة مسلم. روى له البخاري، وأهل السنن الأربعة" ا?.
وقد سقط من نسخة "تقريب التهذيب" المصرية التي بين أيدينا الرمز للبخاري، وهو قد أخرج له أحاديث يسيرة توبع عليها عنده، والرمز للبخاري موجود في ترجمته من "تهذيب التهذيب"١.
فأنت ترى أنهم أثنوا على فضله، وعمله، وصدقه، وأمانته، وعبادته وصلاحه، وأن توثيقهم له من هذه الناحية دون حديثه، وحفظه، وضبطه، وإتقانه. وإذا عرف ذلك فإن تفرده لا يقبل؛ لأنه لا يؤمن أن يكون هذا الحديث مما أخطأ ووهم فيه، وهذا الذي يخشى منه، إذا انفرد بشيء قد وقع هنا بمخالفة أبي الأحوص له، فقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث فأجابه بأن رواه له بسنده عن أبي الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد وصحح وقفه عليه، فكان هذا أرجح عنده من حديث أبي بكر بن عياش، فأبو الأحوص –واسمه سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة، متقن، كما وصفه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢- لما رواه عن
стр. 492
الأعمش جعله من قول مجاهد، فتبيّن خطأ رواية أبي بكر له، حيث جعله عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً.
قال العراقي١: "لم يحكم المصنف على حديث أبي هريرة بصحة ولا حسن، مع كون رجاله رجال الصحيح، وكأن ذلك؛ لتفرد أبي بكر بن عياش به، وإن كان احتج به البخاري، فإنه ربما غلط كما قال أحمد، ولمخالفة أبي الأحوص له في روايته عن الأعمش، فإنه جعله مقطوعاً به من قول مجاهد، كما رواه في آخر الباب، وكذلك أدخله المصنف في كتاب "العلل المفرد"٢، وذكر أنه سأل البخاري عنه، وذكر كونه عن مجاهد أصح عنده". ا?.
وفي هذا رد لما علقه الأعظمي على الحديث في صحيح ابن خزيمة٣، وعزاه للألباني وهو قوله: "إسناده حسن للخلاف في أبي بكر ابن عياش من قبل حفظه" ا?.
ولا شك أن الألباني كان مصيباً في تعليقه على "مشكاة المصابيح"٤، حين أقر الترمذي في حكمه على الحديث، وذلك أن صاحب "مشكاة
стр. 493
المصابيح" بعد أن أورد الحديث نقل قول الترمذي: "هذا حديث غريب"، فقال الألباني معلقاً عليه: "وهو كما قال" ا?، والألباني ممن يفسر غريب بمعني ضعيف، وما استدرك به من كون الحديث له شاهد في المسند يتقوى به، شيء آخر، بل الحديث أصله في الصحيحين، كما سيأتي.
وهذا الشاهد المشار إليه ذكره في "مشكاة المصابيح"١، وعزاه لأحمد٢، والنسائي٣، وهو عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم".
وقد أورده المنذري في "الترغيب والترهيب"٤، وقال: "رواه النسائي والبيهقي كلاهما عن أبي قلابة٥ عن أبي هريرة، ولم يسمع منه فيما أعلم" ا?.
قال الألباني: "وهو حديث جيد لشواهده" ا?.
стр. 494
أعود بعد هذا فأذكِّر بموقف العراقي، فإنه أقر الترمذي في عدم حكمه على الحديث بصحة أو حسن، ولم يعترض عليه، بل اجتهد في إظهار سبب ذلك.
وإذا تقرر ضعف الحديث بسند أبي بكر بن عياش، فلا نغتر بتصحيح الحاكم له على شرطهما وبموافقة الذهبي له، كما لا نغتر بإدخال ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان له في صحيحهما، وقد مضى أن البخاري رجح وقفه على مجاهد.
نعم أصل الحديث في الصحيحين متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: "ونادى مناد يا باغي الخير أقبل ... الخ"، قال: قال ﷺ : "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين".
هذا لفظ البخاري١، ولفظ مسلم٢: "فتحت أبواب الرحمة".
وفي رواية أخرى لمسلم٣: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".
стр. 495
وأما الزيادة على هذا وهي قوله: "ونادى مناد ... "، فقد جاءت في حديث الرجل الذي لم يسم من الصحابة الذي أخرجه مالك، وأحمد١، والنسائي٢، وهو: والسياق لأحمد: عن عرفجة٣ قال: "كنت عند عتبة ابن فرقد٤، وهو يحدث عن رمضان، قال فدخل علينا رجل من أصحاب محمد ﷺ فلما رآه عتبة هابه فسكت، قال: "فحدث عن رمضان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في رمضان تغلق أبواب النار، وتفتح فيه أبواب الجنة، وتصفد فيه الشياطين، قال: وينادي فيه ملك يا باغي الخير أبشر، ويا باغي الشر أقصر حتى ينقضي رمضان".
وهذا يصلح أن يكون شاهداً للحديث الذي معنا ككل، أما الشاهد الذي أشار إليه الألباني فيما سبق فهو شاهد له على أوله فقط.