المجلد الأول
مقدمة
...
ترجمة وافية ومستوعبة للإمام الترمذي "رحمه الله تعالى" تشمل:
اسمه، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ومولده، ونشأته، وطلبه للعلم، ورحلته، وصفاته الخلقية والخلقية، وشيوخه، وتلاميذه، وصلته بالإمام البخاري، ومكانته العلمية، وثناء الأئمة عليه، وآثاره، ووفاته.
نبذة يسيرة ومختصرة عن حياة الإمام البخاري "رحمه الله تعالى".
стр. 2
المقدِّمَة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
стр. 3
أما بعد/
فإنه يسرني –وقد تهيأت لي المناسبة- أن أقدّم –في مجال السنة النبوية- هذا الجهد المتواضع الذي أرجو أن يفسح له من القارئ الكريم محل وأن يصادف لديه قبولا.
كما يسرني شرف الانتساب إلى خدمة السنّة المطهّرة وأن أسلك في عداد من أتيحت له فرصة الاتصال بها والاطلاع على بعض جوانبها المشرقة، والتمتع بشيء من أنفاسها العطرة، والارتشاف من معينها الصافي.
وإني إذ أحمد الله وأشكره على ذلك ليسعدني أن أبدأ فأقدّم للقارئ العزيز:
فكرة موجزة عن موضوع هذه الرسالة مع ذكر أسباب اختياره ومنهج البحث فيه.
كلمة في علم علل الحديث تبحث في:
أهميته، ومنزلته من علوم الحديث، وتعريف العلة لغة واصطلاحاً، وتعريف الحديث المعل، ومواطن العلة، وأنواعها، وكيف تدرك، والطرق الموصلة إليها، وأهم الكتب المؤلفة في علل الحديث، مع ذكر مؤلفيها ووفياتهم.
المؤلفات التي على هذا النمط "السؤالات والأجوبة عليها، في علم الحديث، الموجود منها والمفقود، مع تعريف موجز لكل من السائل والمجيب".
стр. 4
فكرة موجزة عن موضوع الرسالة
ربما يظن البعض أو يتصور من عنوان هذه الرسالة أنها مخطوطة، وللبيان فإنها ليست كذلك؛ إذ أن موضوع هذه الرسالة أحاديث في "جامع الترمذي" أدار الترمذي حولها سؤالات وجهها لشيخه البخاري ونقل إجابته عليها، وقد قمت بادئ ذي بدء بتتبعها والتقاطها من "جامع الترمذي" ومن ثَمّ جمعها وترتيبها والاشتغال فيها، حتى برزت بهذا الشكل، وهذه الصورة التي نرى.
والحقيقة: أن الله هو الذي هداني إلى هذا الموضوع فلم يكن لي سابق علم به وبمضمونه، وما يحمله من مشاق وصعاب، ولم يذكره لي أحد، كما لم أر من نصّ عليه، أو ساقه ضمن مؤلفات الترمذي.
هذا والتزاماً مني بالسير على منهج البحث العلمي الصحيح؛ وأملا في الوصول إلى غاية منشودة ونتيجة حاسمة –حيث أخذت على عاتقي الكتابة في هذا الموضوع- قمت –فيما بعد- بالتأكد والتثبت فيما إذا كان هناك شيء مؤلف بهذا اللقب١ للإمام الترمذي أو لأحد غيره، فسألت بعض ذوي الاختصاص ولكن كانت الإجابة بنفي العلم وعدم الاطلاع.
стр. 5
كما أني فتشت ونقبت في المظان من فهارس المخطوطات وفهارس كتب السنة ومعاجم المطبوعات، مما قُدِّر لي الاطلاع عليه لعل وعسى إلا أنني لم أقف على ذكر لذلك أو خبر، ومعنى هذا سيظل الباب مفتوحاً حتى نحصل على شيء بهذا الصدد.
وكتتمة لما سبق البدء به فإنه رغم ما شغلته هذه السؤالات وأجوبتها من مواضع في "جامع الترمذي" تربو على الثلاثين موضعاً لم يكتب لها من نبه عليها بخصوصها بصريح العبارة، هذا ما لم يقع لي الظفر به حتى هذه اللحظة.
فلعلها ضاعت في زحمة الأقوال التي يزخر بها الجامع ويشتمل عليها فلم تبرز ككل.
أو أن لتباعدها وتناثرها موزعة هنا وهناك على طول وعرض الكتاب أثره الفعّال في عدم تبيين معالمها وتمييزها وإعطاء الذهن تنبيها عنها.
نعم نوه الترمذي عنها وأشار إليها ضمناً فلم يقتصر على إيرادها فحسب وذلك حين قال في كتابه "العلل الصغير"١ الذي في آخر "الجامع":
стр. 6
"وما كان فيه –يعني الجامع- من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب "التاريخ١" وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل ومنه ما ناظرت به عبد الله بن عبد الرحمن وأبا زرعة وأكثر ذلك عن محمد وأقل شيء فيه عن عبد الله وأبي زرعة" اه.
فإذا كان للترمذي أن يثبت رأي البخاري مثلا الذي جاء نتيجة المناظرة معه مجرداً من أي دلالة على ذلك، فإنه لا أصدق ولا أدلّ على المناظرة من هذه الأسئلة والأجوبة إذ المناظرة في الأصل المحاورة والمناقشة والمباحثة والمذاكرة وهذا ما تمثله هذه الأسئلة والأجوبة وتصوره تصويراً ظاهراً وحياً.
فلا يبقى إلا أن نهتدي من خلال كلام الترمذي ذلك إلى هذه الأسئلة والأجوبة التي يحويها "الجامع".
وإذا كنا بصدد إعطاء فكرة موجزة عن مختلف محتويات الأسئلة والأجوبة موضوع هذه الرسالة، فإنه بعد استعراض السؤالات وتقليب النظر فيها أمكن توزيعها على النحو الآتي:
القسم الأول: "أسئلة تختص بالرواة" وهي على أنواع:-
النوع الأوّل: يتعلق بطلب الكشف عن بعض الرواة ومعرفة
стр. 7
أسمائهم، كأن يكون الراوي المسئول عنه مبهماً كما في الحديث الرابع والحديث التاسع والعشرين، أو مذكوراً بكنية ونسبته، كما في الحديث السابع والثامن.
النوع الثاني: يتعلق بمعرفة سماع بعض الرواة من بعض أو عدمه مما يتوقف عليه اتصال الحديث أو انقطاعه. وهذا كما في الحديث الخامس والحديث الحادي والثلاثين.
النوع الثالث: يتصل بمعرفة أحوال بعض الرواة جرحاً وتعديلاً (علم ميزان الرجال) . وهذا كما في الحديث التاسع والحديث السادس والعشرين والحديث الأخير.
القسم الثاني: "أسئلة حول الصناعة الحديثيّة" وهي على نوعين:
النوع الأوّل: يتناول ناحية معينة في الحديث بغية الوصول إلى إيجاد حل ومخرج لها.
وذلك كأن يكون الحديث مختلفاً فيه فيلتمس ما يرفع الاختلاف ويزيله.
وهذا كما في الأحاديث الأول والثاني والحادي عشر والثاني عشر والثامن عشر.
أو أن يكون الحديث ورد متصلا ومرسلا والهدف الوقوف على الراجح والصحيح من ذلك. وهذا كما في الحديث السادس.
стр. 8
النوع الثاني: على العكس من سابقه، ويمثل غالبية الأسئلة؛ إذ لا يحدد طلبا معيناً في الحديث، فنجد الترمذي يطلق السؤال عن حكم الحديث عموماً، فيقول مثلا: "وسألت محمداً عن هذا الحديث".
هذا وأما بالنسبة للأجوبة فإنها تتسم بالدقة والعمق والإيجاز الشديد الذي يعرف به البخاري، مما يحتاج معه إلى تأمل طويل، وتدبر قوي على أنها أحياناً اقتصرت على التلويح دون التصريح، كما هي عادة البخاري، قال المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق"١ للخطيب البغدادي: "وللبخاري ﵀ ولع بالاجتراء بالتلويح عن التصريح كما جرى عليه في مواضع من "جامعه الصحيح" حرصاً منه على رياضة الطالب، واجتذاباً له إلى التنبيه، والتيقظ، والتفهم".
والحقيقة أن ذلك أتعبني جداً، وأخذ مني جهداً عظيماً ووقتاً كبيراً في فهمها، وفي معرفتها، وحلها، ومن ثَمّ بسطها، والكشف عن مراميها.
ولا أذيع سراً إذا قلت: إن البخاري كان موفقاً جداً في إجاباته، وعلى جانب عظيم من الورع، والتواضع، والحيطة،
стр. 9
والتحري، والتحفظ بعيداً عن المجازفة والإسفاف في القول، والتهور والتسرع في إصدار الأحكام، مما يفيدنا نحن في التريث والتثبت حينما نريد أن نُقْدِم على إصدار حكم، أو إعطاء إجابة على شيء ما.
وليس هذا غريباً على البخاري المعروف بسداد الرأي، وقوة العلم، وخدمة السنّة النبويّة، لا سيما وهو في مستوى العالم العامل المجرب الذي منحه الله نفاذاً في البصر، ونوراً في البصيرة.
فمن أجل ذلك تراه يجيب في بعض الأحيان بالاحتمال أو التخمين من غير قطع أو جزم، فيقول: يحتمل كذا، وأرى كذا.
كما تراه يقف على بعض السؤالات ولا يتعاظم أن يقول بملء فيه: لا أدري عن كذا، أولا أعرف ذا، من غير أن ينقص ذلك من معارفه الواسعة أو يمس مقداره، وهذا هو شأن كثير من كبار المحدثين، فإنهم لم يدعوا الإحاطة والمعرفة بكل شيء، مما يعطي انطباعاً حسناً عن حال سلفنا الصالح في عدم تحمل الإجابة والإقدام عليها بغير علم، "وإنهم يريدون بعلمهم وجه الله تعالى؛ فإن من يريد غير وجه الله
стр. 10
بعلمه لا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري"١
ولا ريب أن هذا يزيدنا تعلقاً بهم، واطمئناناً إلى أحكامهم، ووثوقاً بها، وأنهم بحق حماة الشريعة والقائمون عليها، الذين اختارهم الله للذود عنها، والذب عن كيانها.
ونحن إذا استعرضنا إجابات البخاري نجدها قد أغنت الرسالة بدسامة مادتها وأصالة جوهرها، وأمدت البحث بأشياء كثيرة فكشفت لنا عن أمور في غاية الأهمية اعتمد عليها البحث إلى حد بعيد، بل اعتمدت عليها كثير من المصادر الحديثيّة، كما ساعدت على حل بعض المشكلات العلمية إلى البت والجزم في بعض القضايا الحديثيّة، ولم تخل من إبداء آراء لها قيمتها وإضافة معلومات جديدة وضرورية يحتاج إليها المقام، وبدونها يبقى فراغ.
فمن ذلك أنها أوقفتنا على مكانة بعض رجال الحديث جرحاً وتعديلا مما يترتب عليه قبول الحديث أورده.
كما تناولت بالمقارنة والترجيح بعض الرواة الضعفاء، مما يفيدنا عند المعارضة.
стр. 11
وعن لقيا الرواة وسماع بعضهم من بعض، فقد ساهمت باطلاعنا على جانب من ذلك، فعرفتنا الثابت منه وغير الثابت، مما يكشف لنا عن اتصال الحديث أو انقطاعه.
كما أوضحت أسماء رواة ذكروا بكناهم أو العكس.
وفيما يختص بالأحاديث والكلام عليها وبيان حالها، فقد اعتنت بذكر درجات بعض الأحاديث من الصحة أو الحسن كما حكمت على بعضها بالضعف أو النكارة.
وفي التعرف على مسلك البخاري الذي سلكه في هذه الأجوبة في تصحيح الأحاديث وتضعيفها.
فإنه أحياناً يعل الحديث بذكر طريق أخرى راجحة، تدل على موضع العلة في ذلك الحديث، وذلك كما في الحديث الثالث، والحديث الثالث عشر، والحديث السادس عشر.
وقد يعل الحديث المرفوع بالوقف؛ بأن يرويه موقوفاً، وأحياناً يكتفي بإعلاله بذلك من غير أن يسوق الطريق إلى الموقوف عليه، كما في الحديث السابع عشر والعشرين.
وفي مجال المقارنة النقديّة بين الروايات فإنه أحياناً يرجح رواية على أخرى مصرحاً بصحة الرواية الراجحة، وصوابها
стр. 12
وخطأ وغلط الرواية المرجوحة، وأحياناً يكتفي في ذلك كله بالإشارة والتلميح، وهذا كما في الحديث الثاني عشر، والثاني والعشرين، والخامس والعشرين، والثاني والثلاثين. ويحصل أنه يجزم بترجيح رواية على روايات أخرى، ثم يعمد إلى محاولة يجمع فيها بين تلك الروايات كلها باحتمال يذكره، كما في الحديث الثامن عشر.
وقد يعل الحديث بالإرسال، معيناً من وقع منه الخطأ باتصاله ورفعه، كما في الحديث التاسع عشر.
وفي الاختلاف بين الوصل والانقطاع، فإنه يبين الراجح والصواب في ذلك مصحوباً بالدليل، وهذا كما في الحديث السادس.
стр. 13
اختيار الموضوع إذا كان كثير ممن يكتب في الرسائل الجامعية اعتاد أن يعطي في المقدمة جواب سؤال تقليدي وهو: "ما الداعي لاختيار هذا الموضوع؟ "
فإن سبب اختياري لهذا الموضوع: "سؤالات الترمذي للبخاري" والتصدي له بالكتابة والبحث فيه يتبدى في النقاط التالية:
أولاً: هو أنني رأيت أنه أولى الموضوعات التي فكرت فيها؛ لما يحمله من طابع الجدة حسب اعتقادي، وموطن الجدة فيه يكمن في حصر أسئلة الترمذي المتفرقة في "جامعه" وأجوبة شيخه البخاري عليها في مكان واحد ولأول مرة؛ إذ لم يسبق –فيما أعلم- أنها جمعت في مؤلف مستقل؛ ليتسنى للمطالع الوقوف عليها ككل، وبالتالي الرجوع إلى شيء منها وقت الحاجة.
وقبل هذا وذاك فإنه يمكن بعد تبين أمرها ألاّ تعدم مشتغلا في جانب منها آخر يراه ضرورياً وتدعو إليه الحاجة.
ولا يكفي وجودها مبثوثة في "جامع الترمذي"؛ لأن ذلك –في نظري- لا يؤلف وحدة متكاملة لها، كما لا استبعد أن مجيئها على ذلك النحو سبَّبَ ويسبِّبُ عدم التنبه لها.
стр. 14
ثانياً: ما يراودني من الأمل في أن تقف هذه السؤالات وأجوبتها بجانب أخواتها آخذة مكانها الذي ينتظرها تذكر إذا ذكرت، فإنه آن الأوان لتبرز مستقلة تضارع مثيلاتها.
ولا شك أن نزع تلك السؤالات والأجوبة عليها من جامع الترمذي فكرة ضرورية، لا سيما أنها لإمام المحدثين، وأمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله البخاري، وتلميذه الترمذي.
وكم يصعب على النفس أن تذكر المؤلفات المماثلة ولا تجد بينها سؤالات الترمذي ورد شيخه البخاري عليها.
ثالثاً: ما يتسم به هذا الموضوع –في نظري- من طرافة، وما يحمله من مفاجآت علمية، وقضايا حديثيّة مهمة، سواء في الأسئلة أو في الأجوبة.
وحقاً إن موضوعاً كهذا قائم على الحوار، وعلى شبه المجاذبة والمناظرة بين طرفين لا بد من أن يستميل النفوس ويحظى بإقبالها عليه.
وأينا لا يستهويه أسلوب الحوار وهو أسلوب شيق، ومحبب إلى النفس يطرد الملل، ويدفع السأم، ويربط الذهن بدورة منتظمة، ويجعله أكثر تفتحاً وتجاوباً.
وإنك لتجد هذا التفاعل واضحاً هنا في ترقب كيفية سؤال
стр. 15
الترمذي، وفي ترقب الجواب عنه، وفي تصور هذه الحركة الفكرية العلمية بين هذين الإمامين إذ يتقدم أحدهما من الآخر، ولا يضيره أن يخرج بمخرج التلميذ والمستفيد، ويجيبه الآخر ولا يتوانى في إفادته، والرد على استفساراته.
والحق يقال إن الترمذي بإثارته هذه الأسئلة شد انتباهنا وحرك أذهاننا وأكسبنا متابعته في كل الأحاديث التي سأل عنها، وأشركنا معه، وكأننا حاضرون نسمع سؤاله ونصغي جميعاً باحترام لجواب شيخه البخاري عليه.
رابعاً: أن هذا الموضوع يلتقي مع رغبة المشرف السابق فضيلة الدكتور محمد أمين المصري "رحمة الله تعالى" فإنه كان يوجه أنظارنا أثناء الدراسة التمهيدية إلى بذل الاعتناء بالسنن الأربعة أبي داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، والانصراف إلى خدمتها وإعطائها الأولوية في الاشتغال بها لحاجتها.
لذلك وجدتني مقبلا عليه مائلا إليه لأنه يمثل جزءاً من العمل في "سنن الترمذي" وهو جزء –كما يبدو لي- مهم.
كل ذلك وغيره مما لم أذكره شجعني على الإقدام على هذا الموضوع والسير فيه، وشدني للمساهمة، وبذل الجهد والوقت واستفراغ الوسع؛ شعوراً بالمسؤولية، وخدمة للعلم، وسداً لباب وقفت عليه، وتقديراً لهذين الرجلين
стр. 16
البخاري، والترمذي، واعترافاً بفضلهما وما قدماه لأمة محمد ﷺ .
وعلى الرغم من صعوبته التي لا تخفى فإنه في "علل الحديث" أدقّ علم وأعوصه، الذي لا يجيده إلا الأفذاذ من العلماء الحفاظ ذوي الفهم الثاقب والنظر النافذ. ولا أدل على ذلك من إدخال المصنف معظم هذه الأحاديث في كتابه "العلل الكبير" وقد نبهت على هذا في مواضعه.
أضف إلى ذلك أن الترمذي إمام لا يَسْأل إلا عما هو مهم ومجدي، أو عما عسر عليه التوصل إلى البت في أمره، وأن البخاري شيخه الذي يتوجه بأسئلته إليه إمام أعظم منه، فلتوقفه في الإجابة وزن، ولمخالفته غيره في الرأي شأن، ولإجابته المحتملة سر.
فكون الموضوع في علل الحديث، وكونه يعزى للإمامين الكبيرين البخاري، والترمذي المعروفين بثقلهما في ميدان الحديث وعلومه، فهذا كله مؤذن بقوّته وصلابته وقيمته والله المستعان.
стр. 17
كلمة في علل الحديث
لما كان موضوع هذه الرسالة أو معظمه في علل الحديث، رأيت تخصيص الكلمة الآتية للتحدث عن أهمية علم علل الحديث ومنزلته من علوم الحديث، وتعريف العلة، والحديث المعل، ومواطن العلة، وأنواعها، وكيف تدرك؟ والطرق الموصلة إليها مما أرشد إليه النقاد، وأهم الكتب المؤلفة في علل الحديث مع ذكر مؤلفيها ووفياتهم.
وذلك ليتمكن القارئ الكريم من متابعة بحوث هذه الرسالة بشكل جيد ومرضي، وليكون على ذكرى من هذا العلم العملاق والخطير، وما قام به أسلافنا الصالحون -رحمهم الله تعالى- من مجهودات ضخمة وعظيمة في هذا المضمار تفوق التصور والوصف، فيكفي أن نعلم أن الواحد منهم كان يقطع الفيافي والقفار –مع قلة الإمكانات وصعوبة وسائل المواصلات- ويسير المراحل الطويلة الواسعة ينتقل من مكان إلى مكان من أجل تصحيح حديث أو تضعيفه، وهذا بالفعل ما حصل لشعبة بن الحجاج ﵀ حين رحل من الكوفة إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم إلى البصرة يتتبع حديثاً واحداً فقط هو حديث عقبة بن عامر: "من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجداً فصلى ركعتين واستغفر الله غفر الله له". يريد
стр. 18
أن يتثبت منه ويقف على حقيقته، وقد تم له ذلك١
فتأمل إلى أي مدى وصل بهم الجهد والحرص والحدب على سنة النبي ﷺ والعناية بها، حتى أنهم أوقفوا حياتهم عليها، فاستحقوا أن يكونوا أمناء الله في أرضه، وأن يتناولهم الحديث المرفوع الذي يقول: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته"٢.
وما ذلك إلا مثل واحد من عشرات بل مئات الأمثلة، فإذا شئت أن تقف عليها أو على بعضها فما عليك إلا أن تدنو من سير القوم وتنظر فيها، وهي مدونة –ولله الحمد- في كثير من كتب التراجم التي حفلت بهم؛ لترى العجب العجاب من مزايا ومحاسن وجهاد أولئك القوم مما يبعث على الاعتزاز والاقتداء بهم، والاعتراف بتقصيرنا وتأخرنا الشديد في عدم اللحوق بركابهم، فضلا عن الوصول إلى ما وصلوا إليه مع توفر كافة الإمكانات، وتيسير سبل العلم، وما هذا إلا بسبب فساد نياتنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
стр. 19
علم علل الحديث
لا تنكر أهمية هذا العلم، ومكانته من علوم الحديث، فهو يأتي في مقدمتها وعلى رأسها، إذ هو أعظمها وأرفعها، به يتميز صحيح السنة من سقيمها، وسليمها من معلولها، وقويها من ضعيفها ومقبولها من مردودها.
وقد اهتم به العلماء اهتماً بالغاً وكبيراً حتى روى ابن أبي حاتم١ بإسناده إلى ابن مهدي أنه قال:
"لأن أعرف علة حديث واحد هو عندي أحب إليّ من أن أكتب عشرين حديثاً ليست عندي".
ولدقة مسلك هذا الفن وصعوبته وغموضه واعتماده على يقظة وفطنة، ومهارة ومجالسة ومذاكرة،وخبرة قوية، وذكاء متوقد، وممارسة ودربة طويلة، فإنه خفي على كثير من علماء الحديث ولم يتمكن منه ويخض غماره إلا نفر قليل من أكابر علماء هذا الشأن ذوي الاختصاص، ممن وهبه الله فهماً ثاقباً، ونظراً فاحصاً، وحفظاً واسعاً، واطلاعاً حاويا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة واعية بالأسانيد والمتون، كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي
стр. 20
حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والترمذي، وابن عدي، والدارقطني. وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين من أساطين هذا العلم والماهرين فيه الجهابذة، أهل النقد الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السنة والاشتغال في علومها.
فلا تنكر جهود هؤلاء العلماء الأفذاذ التي بذلوها في حياطة الحديث وحراسة أسانيده، كما لا ينكر مدى حرصهم على تقويمه، ومبلغ عنايتهم في تنحية ما علق به من دخل وخلل أو وهم وخطأ وتنقية ما يشوب صفاءه من كدر، وأباطيل وترهات، وآفات.
فبينوا –رحمهم الله تعالى- علل أحاديث كثيرة ومحصوها، وحققوا القول فيها؛ أداء للأمانة، ونصحاً للمسلمين، وحفظاً لسنة النبي ﷺ ، وصيانة لها، ودفاعاً عنها.
وفي هذا حماية للشريعة؛ فإن السنة صنو القرآن مبينة له وشارحة له.
وأن آثارهم العظيمة التي خلفوها شاهدة لهم بذلك، ودالة على دقة منهجهم وسلامته، وشدة بحثهم وقوة ضبطهم، واحتياطهم وتحريهم.
стр. 21
تعريف العلة*
العلة في اللغة:
"العِلّة بالكسر، المرض علَّ الرجل يَعِلّ علاّ فهو عليل، واعتلّ
стр. 22
اعتلالا، وأعلّه الله أي أصابه بعلّة فهو معل وعليل. ولا تقل معلول".
والعلة في اصطلاح المحدثين:
عبارة عن سبب غامض خفي قادح في صحة الحديث.
فالحديث المعل١:
هو ما اطلع فيه على علة خفية قادحة في صحته مع أن ظاهره السلامة منها.
وقد تطلق العلة على غير معناها الاصطلاحي:
فتطلق على القوادح الظاهرة في الحديث ككذب الراوي
стр. 23
وفسقه وغفلته وسوء حفظه ونحو ذلك من أنواع الجرح. وهذا موجود بكثرة في كتب علل الحديث.
وأما الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" فإنه جعل معرفة علل الحديث علماً برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل حيث قال:
"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فيخفى عليهم علمه فيصير الحديث معلولا ... "
قال: السخاوي: "قد يعِلّون -أي أهل الحديث- في كتبهم الحديث بكل قدح ظاهر كفسق وغفلة ونوع جرح ونحو ذلك من الأمور الوجودية التي يأباها كون العلة خفية ولذا صرّح الحاكم بامتناع الإعلال بالجرح ونحوه، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ ولا يعل الحديث إلا بما ليس بالجرح فيه مدخل. قال السخاوي: على أنه يحتمل أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق أخر ليخبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلِّل أشار إلى تفرده".
كما أطلقها أبو يعلى الخليلي في كتاب "الإرشاد" على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف كإرسال ما وصله الثقة الضابط حتى قال: "من أقسام الصحيح: ما هو صحيح معلول" كما قال
стр. 24
بعضهم١:"من الصحيح ما هو صحيح شاذ".
ونقل ابن الصلاح وتبعه غيره أن الترمذي سمّى النسخ علة من علل الحديث.
قال العراقي: "فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث (بمعنى أنه لا يعمل بالحديث المنسوخ) فهو كلام صحيح، وإن أراد أنه علة في صحة نقله فلا، لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة" اه.
قال السخاوي: "بل وصحح الترمذي نفسه من ذلك جملة فتعيّن لذلك إرادته". ا?.
قال الشيخ أحمد شاكر: "والذي أجزم به أن الترمذي إنما يريد به أنه علة في العمل بالحديث فقط، ولا يمكن أن يريد أنه علة في صحته، لأنه قال في سننه٢:
"إنما كان "الماء من الماء" في أول الإسلام ثم نسخ بعد ذلك" فلو كان النسخ عنده علة في صحة الحديث لصرح بذلك" اه.
مواطن العلة:
وأكثر ما تقع العلة في السند فتقدح فيه وفي المتن معاً وذلك
стр. 25
كالإعلال بالوقف١ أو الإرسال٢ أو الانقطاع.
وقد تقدح في السند وحده إذا كان المتن مروياً بإسناد آخر صحيح٣.
وتقع العلة في المتن ولكن قليلا، وهذه قد تستلزم القدح في السند وقد لا تستلزم بأن يقتصر أثرها على المتن فقط.
أنواع العلل:
قسم الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه "معرفة علوم الحديث" أجناس العلل إلى عشرة أجناس وأورد لكل جنس مثالا، موضحاً العلة التي فيه، ثم قال عقب ذلك منبهاً على أن أجناس علل الحديث كثيرة غير محصورة في هذا العدد:
"وبقيت أجناس لم نذكرها، وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة ليهتدي إليها المتبحِّر في هذا العلم، فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم"
وقد اختصرها البلقيني في "محاسن الإصطلاح" ذاكراً قبل كل
стр. 26
مثال تعريف الجنس الذي أورد الحاكم ذلك المثال لأجله؛ وخوفاً من الإطالة فإنني أكتفي بسرد تعاريف الأجناس من غير ذكر الأمثلة، ومن أحبّ أن يقف على الأمثلة فليرجع إلى مصدرها المشار إليه آنفاً أو إلى محل اختصارها المذكور، هذا وإن من المؤسف جداً أن السيوطي في "تدريب الراوي" نسب صنيع البلقيني هذا لنفسه١؛ والذي حدث عقب ذلك أن من جاء بعد السيوطي ولم يحقق في الموضوع أضاف ذلك الصنيع له، باعتبار أنه صاحبه وهو للبلقيني كما عرفت؛ لذا رأيت التنبيه على ذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الأول: أن يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يُعْرف بالسماع ممن روى عنه٢.
الثاني: أن يكون الحديث مرسلا من وجه، رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة ولكن له علة تمنع من صحة السند.
الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي، فيروى عن غيره لاختلاف بلاد رواته، كرواية المدنيين عن الكوفيين.
стр. 27
الرابع: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي ويروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحبته بل ولا يكون معروفاً من جهته، وربما وقع وهم آخر في إسناده.
الخامس: أن يكون الحديث روي بالعنعنة وسقط منه رجل دلّ عليه طريق أخرى محفوظة١.
السادس: أن يخْتلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد فيكون ذلك علة في المسند.
السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه وتجهيله.
الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه ولكن لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه من غير ذكر واسطة تبينت علتها ببيان أنه لم يسمعها منه.
التاسع: أن تكون طريق معروفة يروي أحد رجالها حديثاً من غير تلك الطريق فيقع مَن رواه من تلك الطريق بناء على الجادة في الوهم.
العاشر: أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه آخر٢.
стр. 28
وتدرك العلة:
بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له ممن هو أحفظ واضبط أو أكثر عدداً مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه الناقد الحاذق البصير بهذا الفن على وهم وقع بإرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، أو دخول حديث في حديث، أو إبدال راو ضعيف بثقة أو غير ذلك من الأشياء القادحة بحيث يقع في نفسه أن الحديث معل، ويغلب على ظنه ذلك فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف فيه.
وربما تقصر عبارته عن إقامة الحجّة على دعواه فيما ذهب إليه بأن يعلم أن في الحديث قصوراً لكن لا يقدر على بيانه كالصيرفي١ في نقد الدينار والدرهم إذ قد يصل إلى اكتشاف العلة بضرب من الإلهام.
قال عبد الرحمن بن مهدي: "معرفة الحديث إلهام٢ فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة".
قال السخاوي: "يعني يعبّر بها غالباً وإلا في نفسه حجج للقبول والرد" اه.
стр. 29
وقال ابن رجب في "شرح علل الترمذي": "قاعدة مهمة: حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبّر عنه بعبارة تحضره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم كما سبق ذكره في غير موضع فمن ذلك". ثم ساق بعض الأمثلة الموضحة لما ذكر.
وقال الشيخ طاهر الجزائري في كتابه "توجيه النظر إلى أصول الأثر": "وهذه المسألة ليست من المسائل الغامضة فإن كل من اشتغل بفن من الفنون وتفرغ له وسلك مسلك أهله وصرف عنايته إليه قد يحكم في مسائله بحكم لا يتيسر له إقامة الدليل الظاهر عليه، وإن كان له في نفس الأمر دليل ربما كان أقوى من الأدلة الظاهرة إلا أن العبارة تقصر عنه".
هذا وأسند ابن أبي حاتم إلى محمد بن عبد الله بن نمير قال: "قال ابن مهدي: "معرفة الحديث إلهام".
قال ابن نمير: "وصدق لو قلت له من أين قلت؟ لم يكن له جواب".
وقيل له أيضاً: "إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت فعمن تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته
стр. 30
دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا بهرج١، أكنت تسأل عمن ذلك أو تسلم له الأمر؟ قال: بل أسلم له الأمر. قال: فهذا كذلك بطول المجالسة والمناظرة والخبرة".
وقال ابن أبي حاتم في "تقدمة كتاب الجرح والتعديل" في ترجمة يحيى ابن معين: نا الوليد بن أبان الأصبهاني قال: سمعت يعقوب بن سفيان الفسوي قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: كان يحيى بن معين يقول في الحديث: "هذا خطأ"، فأقول: كيف صوابه؟ فلا يدري، فأنظر في الأصل فأجده كما قال.
وسئل أبو زرعة: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ فقال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة –يعني محمد بن مسلم بن وارة- وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته. ثم تقصد أبا حاتم فيعلله ثم تميّز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافاً في علته فاعلم أن كلاً منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم.
ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.
стр. 31
قال البلقيني في "محاسن الاصطلاح": "وهذه الحكاية التي ذكرها الحاكم تدل على أن الجهابذة النقاد يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجه ومستقيمه كما يميّز الصيرفي بين الجيد والرديء وكم من شخص لذلك لا يهتدي". اه.
وسأل بعض الأجلاء من أهل الرأي (القياس) أبا حاتم عن أحاديث؟ فقال في بعضها هذا خطأ دخل لصاحبه حديث في حديث وهذا باطل وهذا منكر وهذا صحيح.
فسأله: من أين علمت هذا أخبرك الراوي بأنه غلط أو كذب؟ فقال له: لا ولكني علمت ذلك، فقال له الرجل: أتدَّعي الغيب؟ فقال: ما هذا ادعاء غيب، قال: فما الدليل على قولك؟ فقال: أن تسأل غيري من أصحابنا فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف.
فذهب الرجل إلى أبي زرعة، وسأله عن تلك الأحاديث بعينها فاتفقا، فتعجب السائل من اتفاقهما من غير مواطأة، فقال له أبو حاتم: أفعلمت أنا لم نجازف؟ ثم قال: والدليل على صحة قولنا، أنك تحمل بهرجاً إلى صيرفي فإن أخبرك أنه بهرج وقلت له: أكنت حاضراً حين بهرج أو هل أخبرك الذي بهرجه بذلك؟ يقول لك لا. ولكن علم رزقنا معرفته، وكذلك إذا حملت إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج يعرف ذا من ذا، ونحن نعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاماً يصلح أن يكون كلام النبوة، ونعرف سقمه ونكارته بتفرد من لم تصح عدالته.
стр. 32
قال السخاوي ناقل ذلك: "وهو –أي الحديث المُعَلّ- كما قال غيره: أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها؛ ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البرّ لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعنٍ".
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مثل معرفة الحديث كمثل فصٍ ثمنه مئة دينار وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم.
وروى بإسناده إلى أحمد بن صالح أنه قال: "معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب، والشبه فإن الجوهر إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له كيف قلت هذا؟ ". يعني الجيد أو الرديء.
الطريق الموصلة إلى الكشف عن العلة:
والطريق إلى معرفة علل الحديث هو بالتفتيش وكثرة التتبع وجمع طرق الحديث واستقصائها من المجامع والمسانيد والأجزاء وغير ذلك من كتب الحديث، وفحصها وسبر أحوال رواتها والنظر في اختلافهم ومقدار ضبطهم وإتقانهم.
стр. 33
قال أبو بكر الخطيب: "السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته ويعتبر" أي الخطأ والصواب "بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط" اه.
وروى عن علي بن المديني أنه قال: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" اه.
وكان بعض الحفاظ١ يقول: "كل حديث لم يكن عندي من مئة وجه فأنا فيه يتيم"٢.
وقال ابن معين٣:"لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما عقلناه".
وقال أبو حاتم الرازي٤:"لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه".
أهم الكتب المؤلفة في علل الحديث:
كتاب "التاريخ والعلل"٥ للإمام يحيى بن معين (١٥٨-
٢٣٣هـ) رواية أبي الفضل العباس بن محمد الدوري عنه.
كتاب "العلل"١ للإمام على بن المديني (١٦١-٢٣٤هـ)
كتاب "العلل ومعرفة الرجال"٢ للإمام أحمد بن حنبل
стр. 36
(١٦٤-٢٤١هـ) وهو من رواية ابنه عبد الله عنه.
كتاب "علل الحديث ومعرفة الرجال"١ للإمام أحمد بن حنبل من رواية أبي بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي ( ... -٢٧٥هـ) وغيره. وهو إجابات أحمد على أسئلتهم في الحديث ورجاله.
كتاب "علل الحديث ومعرفة الشيوخ"٢ للإمام أبي جعفر محمد ابن عبد الله بن عمار المخرمي الموصلي (١٦٢-٢٤٢هـ)
كتاب "العلل"٣ للإمام أبي حفص عمرو بن علي الفلاس
стр. 37
( ... - ٢٤٩?) .
كتاب "العلل"١ للإمام البخاري (١٩٤-٢٥٦هـ) .
كتاب "العلل"٢ للإمام مسلم (٢٠٤-٢٦١هـ) .
стр. 38
كتاب "العلل"١ للإمام أبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم ( ... -٢٦٢هـ) .
كتاب "المسند الكبير المعلل"٢ للإمام يعقوب بن شيبة
стр. 39
السدوسي البصري (١٨٢-٢٦٢هـ) .
كتاب "العلل الكبير"١ للإمام الترمذي (٢٠٩-٢٧٩هـ) .
كتاب "العلل الصغير"٢ للإمام الترمذي.
كتاب "العلل"٣ للحافظ أبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو النصري الضبي ( ... -٢٨٠هـ) .
كتاب "العلل"٤ لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي
стр. 40
(١٩٥- ٢٨٥هـ) .
كتاب "المسند الكبير المعلل"١ للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو ابن عبد الخالق البزار البصري ( ... -٢٩٢هـ) .