تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي بقوله: "وفي الباب"
وهي تصلح شواهد لحديث عبد الله بن عمرو المتقدم الذي أخرجه مسلم وغيره:
حديث كعب بن عجرة: قال عنه المباركفوري في "تحفة الأحوذي"١: "فلينظر من أخرجه".
وبعد طول بحث وجدت الهيثمي في "مجمع الزوائد" ذكر حديثاً عن كعب بن عجرة، يشترك مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في ثواب الشهيد؛ إذ ليس فيه الاستثناء بالدين، فلعله هو الذي يريده الترمذي. قال الهيثمي٢: عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوماً: "ما تقولن في رجل قتل في سبيل الله؟ قالوا الجنة، قال: رسول الله ﷺ : الجنة إن شاء الله، قال: فما تقولون في رجل مات؟ فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم إلا خيراً. قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الجنة إن شاء الله، فما تقولون في رجل مات؟ فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم خيراً فقالوا: النار، فقال رسول الله ﷺ مذنب، والله غفور رحيم" قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن إبراهيم بن نسطاس وهو ضعيف"٣ ا?.
стр. 667
حديث جابر: أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"١ فقال: "حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "أرأيت إن جاهدت في سبيل الله بنفسي ومالي حتى أقتل؛ صابراً محتسباً مقبلا غير مدبر أأدخل الجنة؟ قال نعم. فلما ولي دعاه، فقال: إلا أن يكون عليك دين ليس له عندك وفاء".
قال صاحب "بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني"٢: "لم أقف عليه لغير الإمام أحمد، وفي إسناده من لا أعرفه..".
وهكذا قال: "وفي إسناده من لا أعرفه" مع أن كل رجاله معروفون فشيخ أحمد هو: "زكريا بن عدي بن زريق بن إسماعيل، ويقال ابن عدي بن الصلت بن بسطام التيمي أبو يحيى الكوفي، نزيل بغداد، روى عن: أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك، وعبيد الله بن عمرو الرقي، وغيرهم،
стр. 668
وروى عنه: إسحاق بن راهويه، والبخاري في غير الجامع، وعبد الله بن أبي شيبة، وآخرون"١.
والناظر في ترجمته في "تهذيب التهذيب"٢ يجد ثناء العلماء عليه، وتوثيقهم له.
قال المنذر بن شاذان: "ما رأيت أحفظ منه جاءه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين فقالا له: أخرج إلينا كتاب عبيد الله ابن عمرو، فقال ما تصنعون بالكتاب؟! خذوا حتى أملي عليكم كله، وكان يحدّث عن عدة من أصحاب الأعمش، فيميز ألفاظهم" ا?. إلى غير ذلك مما تراه في ترجمته.
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "زكريا بن عدي بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى، نزيل بغداد، وهو أخو يوسف، ثقة جليل، يحفظ، من كبار العاشرة مات سنة إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة ومئتين، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود في القدر، وباقي أصحاب السنن" ا?.
وعبيد الله الذي في السند هو: عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي، مولاهم أبو وهب الجزري، الرقي.
стр. 669
روى عن: عبد الله بن محمد بن عقيل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم.
وروى عنه: زكريا بن عدي، وأخوه يوسف، وبقية بن الوليد، وآخرون١.
قال علي بن معبد٢: "قيل لعبيد الله بن عمرو: بلغني أن عندك من حديث ابن عقيل كثيراً لم تحدّث عنه، لِمَ هل ألقيته؟ قال: لأن ألقيه أحب إلي من أن يلقيني الله، قال: وزعم أنه سمع بعض ذلك الكتاب مع رجل لم يثق به".
وقال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "ثقة فقيه، ربما وهم، من الثالثة، مات سنة ثمانين أي ومئة عن ثمانين إلا سنة، روى له الجماعة".
وأخيراً عبد الله بن محمد بن عقيل ما أظنه ليخفى، وقد مضت ترجمته بتوسع في الحديث الخامس، قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٤: عبد الله بن محمد بن عقيل، ابن أبي طالب الهاشمي، أبو محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوق، في حديثه لين، ويقال تغير
стр. 670
بآخره، من الرابعة، مات بعد الأربعين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة. فتبيّن بذلك تعجل وقصور صاحب الفتح الرباني في بحثه.
حديث أبي هريرة "﵁": رواه أحمد في "مسنده"١ من طريق عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي هريرة قال: "قام رسول الله ﷺ يخطب الناس فذكر الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال عند الله، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله وأنا صابر محتسب، مقبلا غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم قال: فكيف قلت؟ قال: فردّ عليه القول كما قال، قال: نعم. قال: فكيف قلت؟ قال: فردّ عليه القول أيضاً، قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً، مقبلا غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: نعم إلا الدين فإن جبريل ﵇ سارني بذلك" ...
قال أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد بن حنبل٢: "إسناده صحيح، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"٣. وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح" ولكن وقع متنه فيه مختصراً بحذف تكرار السؤال
стр. 671
والجواب، وأنا أرجح أن هذا خطأ من ناسخ، أو طابع" ا?.
وأخرجه النسائي في "سننه" بنحو هذا السياق من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة "﵁" وسيشير إليه الترمذي في الكلام على حديث أبي قتادة الآتي:
حديث أبي قتادة: أخرجه: مسلم في "صحيحه"١، والترمذي في "سننه"٢، والنسائي في "سننه"٣ مختصراً، وأحمد في "مسنده"٤.
وهو كما في الترمذي: حدثنا قتيبة: حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه أنه سمعه يحدّث عن رسول الله ﷺ : "أنه قام فيهم فذكر لههم أن الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ نعم إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم قال رسول الله ﷺ كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أيكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر إلا الدين، فإن جبرائيل قال لي ذلك".
стр. 672
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح، روى بعضهم هذا الحديث عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا١. وروى يحيى بن سعيد الأنصاري٢، وغير واحد٣ نحو هذا عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، وهذا أصح من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة"٤.
стр. 673
قال ابن عبد البر١: على حديث أبي قتادة هذا: "فيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب والنية، وأن أعمال البر المقبولة لا تكفر من الذنوب إلا ما بين العبد وبين ربه، فأما التبعات فلا بد فيها من القصاص، قال: وهذا في دين ترك له وفاء، ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤدّ، أو أنه في غير حق أو سرف، ومات ولم يوفه. أما من أدان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء فلا يحبس عن الجنة؛ لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه دينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء، وقد قيل: إن تشديده ﷺ في الدين كان قبل الفتوح" ا?.
وقال النووي في "شرح صحيح مسلم"٢: "قوله ﷺ للذي سأله عن تكفير خطاياه إن قتل، "نعم إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، ثم أعاده، فقال إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك".
стр. 674
فيه هذه الفضيلة العظيمة للمجاهد، وهي تكفير خطاياه كلها إلا حقوق الآدميين، وإنما يكون تكفيرها بهذه الشروط المذكورة، وهو أن يقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر.
وفيه أن الأعمال لا تنفع إلا بالنية والإخلاص لله تعالى.
قوله ﷺ "مقبل غير مدبر" لعله احتراز ممن يقبل في وقت، ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص لله تعالى؛ فإن قاتل لعصبية، أو لغنيمة، أو لصيت، أو نحو ذلك فليس له هذا الثواب ولا غيره.
وأما قوله ﷺ "إلا الدين" ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد، والشهادة، وغيرهما من أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله تعالى.
وأما قوله ﷺ "نعم" ثم قال بعد ذلك "إلا الدين" فمحمول على أنه أوحى إليه به في الحال؛ ولهذا قال ﷺ " إلا الدين فإن جبريل قال لي ذلك. والله أعلم" ا?.
وقال القرطبي في كتابه: "الجامع لأحكام القرآن"١ عند قوله تعالى:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٢ فيه ثمان مسائل، ثم قال:
السادسة: هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل في سبيل الله، والشهادة فيه، حتى أنه يكفر الذنوب كما قال ﷺ : "القتل في سبيل الله
стр. 675
يكفر كل شيء إلا الدين، كذلك قال لي جبريل ﵇ آنفاً".
قال علماؤنا: ذكر الدين تنبيه على ما في معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقتل العمد وجراحه، وغير ذلك من التبعات؛ فإن كل هذا أولى إلا يغفر بالجهاد من الدين فإنه أشد، والقصاص في هذا كله بالحسنات والسيئات، حسبما وردت به السنة الثابتة" ا?.
وقال ابن حجر١: "ويستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي –أي التبعات- لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تثبت لمن حصلت له ثواباً مخصوصاً، ويكرمه كرامة زائدة
وقد بيّن الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عمل صالح كفرت الشهادة سيئاته غير التبعات، ونفعه عمله الصالح في موازنة ما عليه من التبعات، ويبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له عمل صالح فهو تحت المشيئة" ا?.
وقال ابن الزملكاني٢: "فيه تنبيه على أن حقوق الآدميين لا تكفر؛ لكونها مبنية على المشاحة والتضييق، ويمكن أن يقال:
هذا محمول على الدين الذي هو خطيئة، وهو ما استدانه صاحبه
стр. 676
على وجه لا يجوز له فعله، بأن أخذه بحيلة، أو غصبه فثبت في ذمته البدل، أو أدان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون للجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتاً عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به لما بلطف الله بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل الله، فإن قيل ما تقول فيمن مات وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاء وفى؟ قلت: إن كان المال الذي لزم ذمته إنما لزمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب أو إتلاف مقصود، فلا تبرأ الذمة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه ولا تسقطه التوبة، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخروية فيما يختص بحق الله تعالى؛ لمخالفته، إلا لما نهى عنه الله، وإن كان المال لزمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يقدر فهذا ليس بصاحب ذنب حتى يتوب عنه، ويرضى له الخير في العقبى ما دام على هذا الحال" ا?.
قال الزرقاني١ ناقل ذلك عنه: "وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته" ا?.
قال الزرقاني٢ قوله: "كذلك قال لي جبريل" وفي رواية عند أبي عمر: "إلا الدين" فإنه مأخوذ كما زعم جبريل"، أي قال من إطلاق
стр. 677
الزعم على القول بالحق. قال ابن عبد البر فيه ليل على أن من الوحي ما يتلى، وما لا يتلى، وما هو قرآن، وما ليس بقرآن.
وقد قيل في قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَة﴾
١ أن القرآن الآيات والحكمة السنة، وكل من الله إلا ما قام عليه الدليل، فإنه لا ينطق عن الهوى" ا?.
ومما جاء معارضاً لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وما في معناه كحديث أبي قتادة، مما يفيد أن القتل يكفر جميع حقوق الله ، حديث ابن مسعود الذي أخرجه ابن جرير الطبري في "تفسيره"٢، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"٣ من طريق الطبراني.
وفيما يلي أسوقه من رواية ابن جرير الطبري:
قال ابن جرير: حدثنا تميم بن المنتصر قال: ثنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها
стр. 678
–أو قال- يكفّر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة، فيقال أدّ أمانتك، فيقول: أي رب وقد ذهبت الدنيا؟ ثلاثاً، فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيذهب به إليها فيهوي بها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج، زلت فهوى في أثرها أبد الآبدين". قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع.
فلقيت١ البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: وثنى عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء. قال ابن كثير٢: إسناده جيد، ولم يخرجوه.
قال الزرقاني٣: "وهذا يعارضه حديث الباب (يعني حديث أبي قتادة) الظاهر في أنه يكفّر جميع حقوق الله منها الصلاة، والصوم، إلا أنه
стр. 679
يحمل على أنه مطلق استشهاد، وحديث أبي قتادة مقيد بأنه صابر محتسب، مقبل غير مدبر" ا?.
والذي يبدو لي أنه لا يمكن أن يعارض حديث ابن مسعود هذا الأحاديث الصحيحة، كحديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، مما سبق ذكره، فقد اختلف في حديث ابن مسعود على عبد الله بن السائب١ في رفعه، وفي وقفه:
فرواه عنه الأعمش مرفوعاً وموقوفاً٢، حيث فيه عن الأعمش.
ورواه عنه سفيان، فوقفه على ابن مسعود٣.
ثم مع هذا الاختلاف لا يبقى لقوله "القتل في سبيل الله يكفّر الذنوب كلها" فائدة بعد الاستثناء؛ لأن الأمانة تشمل حقوق الله وحقوق الآدميين، فجميع هذه الحقوق يطلق عليه أمانة، فلذلك تجد في تفسير ابن مسعود الأمانة، أنه فسّرها بحقوق الله وبحقوق الآدميين، وهذا ما يأباه ما
стр. 680
في الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عمرو بن العاص وغيره، التي جعلت المؤاخذة مقصورة على حقوق الآدميين، أما حقوق الله فإنها معفو عنها.
ويؤيد ما ذكرته من كون الأمانة تشمل الحقين حق الله وحق الناس، هو أن بن كثير١ ساق حديث ابن مسعود هذا عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، مستدلا به على أنه يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله على عباده؛ من الصلاة، والزكاة، والصيام، وغير ذلك. ومن حقوق العباد بعضهم على بعض؛ كالودائع وغير ذلك.
فلا يبعد في نظري بناء على ما سبق –أن يكون المراد بقوله "إلا الأمانة" حقوق الآدميين، حتى يتفق مع قوله: "القتل في سبيل الله ... "، ولعل ما في الرواية الأخرى التي أوردها ابن جرير والتي تابع فيها عياش العامري عبد الله بن السائب، عن زاذان إلا أنه لم يذكر تفسير ابن مسعود للأمانة، يساعد على المراد الذي ذكرته. والله أعلم.
وقريب مما قلته عن حديث ابن مسعود من ناحية المعنى يقال عن الحديث الآخر، الذي لفظه: "شهيد البر يغفر له كل ذنب إلا الدين، والأمانة، وشهيد البحر يغفر له كل ذنب، والدين، والأمانة".
стр. 681
قال الألباني١: "ضعيف رواه أبو نعيم في "الحلية" ٨/٥١ وابن النجار ١٠/١٦٧/٢ عن نجدة ابن المبارك: ثنا حسن المرهبي، عن طالوت، عن إبراهيم بن أدهم عن هشام بن حسان، عن يزيد الرقاشي، عن بعض عمات النبي ﷺ مرفوعاً. قلت –القائل الألباني-: وهذا سند ضعيف نجدة هذا قال الحافظ: "مقبول"، ويزيد الرقاشي زاهد، ضعيف.
والحديث أورده السيوطي في "الجامع الصغير" من رواية أبي نعيم فقط، وتعقبه المناوي بقوله: "وقضية صنيع المصنف أن هذا لم يخرجه أحد من الستة، وإلا لما عدل عنه، والأمر بخلافه، فقد عزاه في "الفردوس" وغيره إلى ابن ماجة من حديث أنس مرفوعاً. قال ابن حجر: وسنده ضعيف، وقال جدنا الأعلى الإمام الزين العراقي: وفيه يزيد الرقاشي ضعيف". قلت –القائل الألباني-: وما تعقب به السيوطي لا وجه له، بل هو ذهول عن أن السيوطي قد ساق حديث ابن ماجه، عن أنس عقب هذا الحديث مباشرة، وهو حديث طويل، هذا الحديث قطعة منه، وسنده أشد ضعفاً من هذا، وهو الحديث الآتي:
"شهيد البحر مثل شهيد البر، والمائت في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وأن الله وكّل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهيد البحر، فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب والدين".
стр. 682
موضوع بهذا التمام رواه ابن ماجه رقم (٢٧٧٨) والطبراني في المعجم الكبير (ق ٢٥/١/ مجموع ٦) ، عن قيس بن محمد الكندي: ثنا عفير بن معدان الشامي، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: فذكره. قلت –القائل الألباني-: وهذا إسناد ضعيف جداً، بل الغالب أنه موضوع على سليم بن عامر الثقة، فإن في متن الحديث من المبالغة ما لا نعرفه في الأحاديث الصحيحة، وآفته عندي عفير هذا؛ فإنه متهم قال أبو حاتم: يكثر عن سليم عن أبي أمامة بما لا أصل له.
قلت –القائل الألباني-: وهذا منه.
والحديث عزاه السيوطي في "الجامع" لابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، وذكر المناوي أن الطبراني رواه عن الكندي أيضاً، ثم قال: قال الزين العراقي، وعفير بن معدان: ضعيف جداً.
واعلم أن هذا الحديث، والذي قبله مخالف لعموم قوله ﷺ : "يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين".
أخرجه مسلم، وغيره من حديث ابن عمرو ﵄" ا?.
стр. 683
الحديث الرابع والعشرون: باب ما جاء في الصف والتعبئة عند القتال من كتاب الجهاد عن رسول الله ﷺ
...
الحديث الرابع والعشرون: باب ما جاء في الصف والتعبئة عند القتال من كتاب الجهاد عن رسول الله ﷺ .
٤/١٩٤-١٩٥ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض
стр. 684
حدّثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف قال: "عبأنا١ رسول الله ﷺ ببدر٢ ليلا"
وفي الباب عن أبي أيوب.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه، وقال: محمد بن
стр. 685
إسحاق سمع من عكرمة.
وحين رأيته كان حسن الرأي في محمد بن حميد الرازي، ثم ضعّفه بعد.
تخريج الحديث
رغم ما بذلته من جهد، فإنني لم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد سوى الترمذي.
حكم هذا الحديث
ضعّف الترمذي هذا الحديث من هذا الوجه، وذكر أنه سأل عنه شيخه البخاري فلم يعرفه، وجعل –كما في العلل الكبير١، حيث أدخل الترمذي الحديث فيه يتعجب منه.
ولما سأله عن محمد بن إسحاق هل سمع من عكرمة؟ أجابه بقوله: نعم أحرفا٢.
قال ابن حجر٣: "قلت: قد أخرجه (يعني هذا الحديث) البزار من وجه آخر، عن ابن إسحاق فأدخل بينه وبين عكرمة ثور بن يزيد" ا?.
فقد بينت رواية البزار هذه واسطة بين ابن إسحاق وعكرمة،
стр. 686
هي ثور بن يزيد، مما يفيد أن ابن إسحاق لم يسمع هذا الحديث من عكرمة، وما يتبقى بعد ذلك هو النظر في سند البزار، وقد بحثت عن الحديث في مسند البزار الذي يوجد منه أجزاء "مايكروفلم" في المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، إلا أنني لم أجد فيها مسند ابن عوف.
الكلام على حديث أبي أيوب الأنصاري
حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ الذي أشار إليه الترمذي في قوله: وفي الباب أخرجه أحمد في "مسنده"١ فقال:
حدثنا عتاب بن زياد، ثنا عبد الله، أنا عبد الله بن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب أن أسلم أبا عمران التجيبي، حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: "صففنا يوم بدر فندرت منا نادرة أمام الصف فنظر رسول الله ﷺ إليهم فقال: معي معي".
ورواه عن موسى بن داود عن ابن لهيعة به إلا أنه قال: "فبدرت منا بادرة".
والحديث أورده ابن كثير في "تاريخه"٢ وقال: "تفرد به أحمد وهذا إسناد حسن".
стр. 687
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"١ معزواً لأحمد، وأعله بابن لهيعة حيث قال: "في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف ... ، ثم قال: "والصحيح أن أبا أيوب لم يشهد بدراً".
قلت: وعبد الله بن لهيعة وإن كان خلط وساء حفظه بعد احتراق كتبه، إلا أن الحديث -كما يبدو من سنده الأول- وقع من رواية ابن المبارك، وهو صحيح الحديث عنه؛ لأنه سمع منه قديماً كما نبه على ذلك العلماء الذين سأذكر طرفاً من أقوالهم، ويلاحظ أن الهيثمي لم يتنبه لذلك، فأعله بابن لهيعة كما سبق.
قال الفلاس٢: "من كتب عنه (يعني ابن لهيعة) قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك، والمقرئ، فسماعه أصح، وقال نعيم بن حماد٣
"سمعت ابن مهدي يقول: لا أعتد بشيء سمعته من حديث ابن الهيعة إلا سماع ابن المبارك ونحوه، وذكر ابن حجر٤ عن عبد الغني بن سعيد أنه قال: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح، ابن المبارك، وابن وهب، والمقرئ، وقال: وذكر الساجي وغيره مثله.
стр. 688
وقال ابن حبان١: "كان أصحابنا يقولون: إن سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة عبد الله بن وهب، وابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله ابن مسلمة القعنبي، فسماعهم صحيح، ومن سمع منه بعد احتراق كتبه فسماعه ليس بشيء. وكان ابن لهيعة من الكتابين للحديث، والجماعين للعلم، والرحالين فيه".
وقال ابن سعد٢: "كان ضعيفاً وعنده حديث كثير، ومن سمع منه في أول أمره أحسن حالا في روايته ممن سمع منه بآخره، وأما أهل مصر فيذكرون أنه لم يختلط، ولم يزل أول أمره وآخره واحد".
وفي "المغني"٣ للذهبي: "وقال بعض الناس: ما روى عنه مثل ابن وهب وابن المبارك، فهو أجود وأقوى".
وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٤: "عبد الله بن لهيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق، من السابعة خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك، وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون، مات سنة أربع وسبعين أي ومئة، وقد ناف على الثمانين، روى له مسلم، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه".
стр. 689
وقول الهيثمي: "والصحيح أن أبا أيوب لم يشهد بدراً" مشعر بأن أبا أيوب مختلف في شهوده بدراً، وأن الصحيح عدم شهوده لها، وهو قول عجيب وغريب، يدل على وهم الهيثمي، ومن تبعه كالشوكاني في "نيل الأوطار"١، إذ اكتفى بنقل كلام الهيثمي هذا من غير أن يعقب عليه بشيء، بينا كان الواجب يقتضيه التنبه لذلك، ومن ثم التنبيه عليه إذ لا مرية في حضور أبي أيوب بدراً. ومن يطالع الكتب التي ترجمته أو تناولته، فإن أول ما يصادفه فيها التنصيص على شهوده بدراً، وقد كان حضر المشاهد كلها، ولزم الجهاد بعد رسول الله ﷺ وداوم الغزو، ولم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا هو في أخرى إلا عاماً واحداً، كما ورد. وقد ساق ابن سعد٢ بسنده إلى محمد بن عمر٣ أنه قال: "شهد أبو أيوب
стр. 690
الأنصاري بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا هو في أخرى إلا عاماً واحداً، فإنه استعمل على الجيش رجل شاب، فقعد ذلك العام، فجعل بعد ذلك العام يتلهف ويقول: "ما على من استعمل علي، وما على من استعمل علي، وما على من استعمل علي.
قال فمرض وعلى الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده، فقال: حاجتك قال: نعم حاجتي إذا أنا مت فاركب بي، ثم سغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغاً، فإذا لم تجد مساغاً فادفني، ثم ارجع، فلما مات ركب به، ثم سار به في أرض العدو ما وجد مساغاً، ثم دفنه ثم رجع.
قال: وكان أبو أيوب رحمة الله عليه يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ ١، ولا أجدني إلا خفيفاً وثقيلاً".
قال ابن حجر في "الإصابة في تمييز أسماء الصحابة"٢ بعد نقله: "ورواه أبو إسحاق الفزاري، عن هشام، عن محمد وسمى الشاب عبد الملك ابن مروان" ا?.
هذا وقد أورده ابن سعد ضمن طبقات البدريين من الأنصار، فكان على رأس من ذكره ممن شهد بدراً من بني النجار، ومما قاله٣ في ترجمته: "وشهد
стр. 691
أبو أيوب بدراً واحداً، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ا?.
وسرد ابن إسحاق١ اسمه ضمن أسماء أهل بدر، وذكره البخاري في كتاب "الكنى"٢ من "تاريخه الكبير" فقال: "أبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد الخزرجي من بني مالك بن النجار شهد بدراً" ا?.
نعم لم يذكره في "الجامع الصحيح" في باب تسمية من سمى من أهل بدر، الذي وضعه على حروف المعجم؛ لأنه خاص بمن جاء في "الجامع" التنصيص على شهوده بدراً.
قال ابن حجر٣: "قوله باب تسمية من سمى من أهل بدر في "الجامع" أي: دون من لم يسم فيه، ودون من لم يذكر فيه أصلا، والمراد بالجامع هذا الكتاب يعني صحيح البخاري، والمراد بمن سمى من جاء ذكره فيه برواية عنه أو عن غيره، بأنه شهدها لا بمجرد ذكره دون التنصيص على أنه شهدها، وبهذا يجاب عن ترك إيراده مثل أبي عبيدة بن الجراح فإنه شهدها باتفاق، وذكر في الكتاب في عدة مواضع، إلا أنه لم يقع فيه التنصيص على أنه شهد بدراً" ا?.
стр. 692
فإذا كان أبو أيوب ذكر في الكتاب، علمنا السبب في عدم إيراده هنا، وهو أنه لم يقع فيه التنصيص على أنه شهد بدراً، وأنه جاء التنصيص عليه في غيره.
قال ابن حجر بعد أن بيّن جملة من ذكر البخاري من أهل بدر هنا وهم أربعة وأربعون رجلا قال: "وقد سبق البخاري إلى ترتيب أهل بدر على حروف المعجم، وهو أضبط لاستيعاب أسمائهم، ولكنه اقتصر على ما وقع عنده منهم، واستوعبهم الحافظ ضياء الدين المقدسي في "كتاب الإحكام"، وبيّن اختلاف أهل السير في بعضهم، وهو اختلاف غير فاحش، وأورد ابن سيد الناس أسماؤهم في "عيون الأثر"١، لكن على القبائل –كما صنع ابن إسحاق وغيره- واستوعب ما وقع له من ذلك، فزادوا –على ثلاثمائة وثلاثة عشر- خمسين رجلا، قال: "وسبب الزيادة الاختلاف في بعض الأسماء".
قلت (القائل ابن حجر) : "ولولا خشية التطويل لسردت أسماءهم مفصلا، مبيناً للراجح لكن في هذه الإشارة كفاية. والله المستعان" ا?.
قلت: فرحم الله ابن حجر ليته سرد لنا أسماء أهل بدر على النحو الذي ذكر، فإنه لا شك مهم ومفيد خاصة منه.
وكتاب "الإحكام" الذي أشار إليه ابن حجر للحافظ ضياء
стр. 693
المقدسي قد كان مادة ابن كثير في "البداية" في سرد أسماء أهل بدر؛ إذ استقاهم منه، فكان فيما قاله١ ابن كثير في فصل قبل البدء في سردهم: "وهذه تسمية من شهد بدراً من المسلمين مرتبين على حروف المعجم، وذلك من كتاب "الإحكام" الكبير" للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، وغيره بعد البداءة باسم رئيسهم، وفخرهم، وسيد ولد آدم محمد رسول الله ﷺ ا?.
ثم بدأ بمن اسمه على حرف الألف، وذكر أبا أيوب فيمن اسمه على حرف الخاء، ولم يشر ولو من بعيد إلى أي اختلاف فيه، مع أننا علمنا من كلام ابن حجر السابق أن كتاب "الإحكام" الذي استقى منه ابن كثير أهل بدر قد بيّن فيه الحافظ ضياء الدين المقدسي اختلاف أهل السير في بعضهم، فالذي يبدو أنه لو كان فيه اختلاف، لأورده ابن كثير، ثم تعقبه كعادته، أو أنه اعتمد الراجح، أو أنه لم يعبأ به؛ لأنه كما قال ابن حجر في وصف هذا الاختلاف في هذا البعض: وهو اختلاف غير فاحش أي يسير.
والأول هو الأقرب؛ إذ لو كان فيه اختلاف، لبينه ابن كثير، ولبينه أهل السير قبله كابن إسحاق.
هذا وممن نص على حضوره بدراً ابن عبد البر في
стр. 694
"الاستيعاب"١، وفي "اختصار المغازي والسير"٢، والنووي في "تهذيب الأسماء واللغات"٣، والخطيب في "تاريخ بغداد"٤، والذهبي في "سير أعلام النبلاء"٥، وابن الجوزي في "كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير"٦، وكتابه "المدهش"٧، وابن حجر في "تهذيب التهذيب"٨، وفي "تقريب التهذيب"٩، وفي "الإصابة"١٠. وأعتقد أننا لو استقرينا المؤلفات التي تعرضت لأبي أيوب ﵁ لطال بنا المجال، وما أوردته فيه غنية وكفاية إن شاء الله تعالى؛ إذ يقطع بما يفيد شهوده بدراً، وعده في البدريين، وإن ما جعله الهيثمي صحيحاً ليس بصحيح.
стр. 695
هذا ومما جاء في "الإصابة" قوله: "شهد العقبة وبدراً وما بعدها إلى أن قال: وشهد الفتوح، وداوم الغزو، واستخلفه علي على المدينة لما خرج إلى العراق، ثم لحق به بعد، وشهد معه قتال الخوارج. قال ذلك الحكم ابن عيينة" ا?.
فرجل كهذا يبلغ به هذا الحرص على حضور المعارك، هل يظن به أن يتخلف عن معركة مع رسول الله ﷺ ، لاسيما بدر أول معركة في الإسلام، وتوصف بأنها من المعارك الفاصلة.
ومن هذا الرجل؟ إنه أبو أيوب الذي احتضن رسول الله في قلبه، وبيته، والذي يظهر من النظر في سيرته، أنه كان قوي الشكيمة، كثير الشهود للمعارك، محباً للسفر والترحال، فقد سافر في طلب العلم إلى مصر من أجل حديث واحد حتى إنه مات في الغزو.
وإذا كان أنس "﵁" فيما رواه عمر بن شبة، ومحمد بن سعد١ يغضب، ويقول وهو غلام لمن قال له: أشهدت بدراً؟ لا أم لك، وأين أغيب عن بدر" ا?.
فهل يرضى أبو أيوب أن يتخلف عن بدر، وإذا كان تخلف عنها
стр. 696
فأين تخلف؟ وما هو عذره في ذلك؟ وأين هذا الاختلاف في شهوده بدراً؟ هذا ما لم يذكره الهيثمي.
إن من اليسير أن ننفي شيئاً ما ولكن ما هو الدليل على نفيه؟ وإذا كان الهيثمي لم يقدم دليلا على نفي شهود أبي أيوب بدراً، فما هو الجواب؟ أنه الوهم، والوهم فقط، بدليل أن الهيثمي نفسه ذكره في موضع آخر من كتابه فيمن حضر بدراً، وذكر له حديثاً يفيد خروجه إلى بدر. فقال في غزوة بدر من "مجمع الزوائد"١: "قد حضر بدراً جماعة فمنهم من ذكرت ذلك في مناقبه بإسناده، وأذكره هنا بغير سند وأنبه عليه" ثم سردهم، وفيهم أبو أيوب، ولم يشر إلى أي خلاف فيه.
وأما الحديث وهو في قصة مطولة متضمناً الحديث الذي معنا، فهو عن أبي أيوب الأنصاري٢ قال: قال رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: إني أخبرت ونحن بالمدينة عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذا العير، لعل الله يغنمناها؟ قلنا نعم فخرج، وخرجنا معه، فلما سرنا يوماً أو يومين، قال لنا ما ترون في القوم، فإنهم أخبروا بمخرجكم، فقلنا لا والله مالنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير، ثم قال ما ترون في القوم؟ فقلنا
стр. 697
مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذاً لا نقول لك يا رسول الله، كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون. قال: فتمنينا معشر الأنصار. أنا قلنا: كما قال المقداد، أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله ﷺ ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾
١ ثم أنزل الله ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٢ وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ ٣ والشوكة القوم، وغير ذات الشوكة العير، فلما وعد الله إحدى الطائفتين، إما القوم، وإما العير طابت أنفسنا، ثم إن رسول الله ﷺ بعث ينظر ما قبل القوم،
الحديث الخامس والعشرون: باب ما جاء في الألوية من كتاب الجهاد عن رسول الله ﷺ .
٤/١٩٥-١٩٦ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض
стр. 700
حدثنا أبو كريب، ومحمد بن عمر بن الوليد الكندي، ومحمد بن رافع قالوا: حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك١، عن عمار –هو الدهني-، عن أبي الزبير، عن جابر٢"أن رسول الله ﷺ دخل مكة ولواؤه٣ أبيض".
стр. 701
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى ابن آدم، عن شريك.
وسألت محمداً عن هذا الحديث؟. فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم، عن شريك. وقال: حدثنا غير واحد، عن شريك، عن عمار، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء" ١.
قال محمد: والحديث هو هذا.
والدهن بطن من بجيلة، وعمار الدهني هو: عمار بن معاوية الدهني، ويكنى أبا معاوية، وهو كوفي، ثقة عند أهل الحديث١.
стр. 704
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
أبو داود في "سننه"١. وسكت عليه، واقتصر المنذري في "مختصر السنن"٢ على نقل كلام الترمذي.
النسائي في "سننه"٣.
ابن ماجة في "سننه"٤. بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح ولواؤه ابيض".
ابن حبّان في "صحيحه"٥. بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل عام فتح مكة ولواؤه أبيض".
الحاكم في "المستدرك"٦ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط
стр. 705
مسلم، ولم يخرجاه"، وأقرّه الذهبي.
البيهقي في "السنن الكبرى"١.
ابن عبد البر في "التمهيد"٢. بلفظ: "دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، ولواؤه أبيض".
حكم هذا الحديث
تفرد يحيى بن آدم بهذا الحديث، وخالف فيه بقية أصحاب شريك، فقد رواه غير واحد –كما قال البخاري- عن شريك بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء"، لذا حكم البخاري بأن الحديث المحفوظ هو هذا، وأما حديث يحيى بن آدم فليس بمحفوظ أي شاذ.
ويحيى بن آدم يقبل تفرده؛ لأنه ثقة ولكن إذا خالف الجماعة كما هو هنا فلا يقبل؛ فإن تخطئة الفرد أقرب من تخطئة الجميع، وكأن يحيى بن آدم عرف بشيء من المخالفة؛ لأننا نجد ابن أبي شيبة يقول فيه كما في "تهذيب التهذيب"٣: "ثقة، صدوق، ثبت، حجة