كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى ابن آدم، عن شريك.
وسألت محمداً عن هذا الحديث؟. فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم، عن شريك. وقال: حدثنا غير واحد، عن شريك، عن عمار، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء" ١.
قال محمد: والحديث هو هذا.
والدهن بطن من بجيلة، وعمار الدهني هو: عمار بن معاوية الدهني، ويكنى أبا معاوية، وهو كوفي، ثقة عند أهل الحديث١.
стр. 704
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
أبو داود في "سننه"١. وسكت عليه، واقتصر المنذري في "مختصر السنن"٢ على نقل كلام الترمذي.
النسائي في "سننه"٣.
ابن ماجة في "سننه"٤. بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح ولواؤه ابيض".
ابن حبّان في "صحيحه"٥. بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل عام فتح مكة ولواؤه أبيض".
الحاكم في "المستدرك"٦ وقال: "هذا حديث صحيح على شرط
стр. 705
مسلم، ولم يخرجاه"، وأقرّه الذهبي.
البيهقي في "السنن الكبرى"١.
ابن عبد البر في "التمهيد"٢. بلفظ: "دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، ولواؤه أبيض".
حكم هذا الحديث
تفرد يحيى بن آدم بهذا الحديث، وخالف فيه بقية أصحاب شريك، فقد رواه غير واحد –كما قال البخاري- عن شريك بلفظ: "أن النبي ﷺ دخل مكة، وعليه عمامة سوداء"، لذا حكم البخاري بأن الحديث المحفوظ هو هذا، وأما حديث يحيى بن آدم فليس بمحفوظ أي شاذ.
ويحيى بن آدم يقبل تفرده؛ لأنه ثقة ولكن إذا خالف الجماعة كما هو هنا فلا يقبل؛ فإن تخطئة الفرد أقرب من تخطئة الجميع، وكأن يحيى بن آدم عرف بشيء من المخالفة؛ لأننا نجد ابن أبي شيبة يقول فيه كما في "تهذيب التهذيب"٣: "ثقة، صدوق، ثبت، حجة
стр. 706
ما لم يخالف من هو فوقه؛ مثل وكيع" ا?.
هذا وورد في لواء النبي ﷺ وكونه أبيض أكثر من حديث، فقد أخرج:
الترمذي في "سننه"١.
وابن ماجة في "سننه"٢.
والحاكم في "المستدرك"٣.
والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"٤.
كلهم من طريق يزيد بن حيان، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، عن ابن عباس "﵄" قال: "كانت راية النبي ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض".
قال الترمذي عقب تخريجه: "هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس" ا?.
стр. 707
وقال المنذري١: "وأخرج البخاري هذا الحديث في "تاريخه الكبير"٢ من رواية يزيد هذا مقتصرا على الراية" ا?.
قال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "يزيد بن حيان النبطي (بفتح النون والموحدة) البلخي نزيل المدائن أخو مقاتل، صدوق يخطئ، من السابعة، روى له أبو داود في "القدر"، والترمذي وابن ماجة".
أما أبو مجلز (بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي) فهو: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري، مشهور بكنيته، ثقة من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل تسع ومئة، وقيل قبل ذلك، روى له الجماعة٤.
وقد ذكر ابن حجر الحديث في "فتح الباري"٥، ووهم في عزوه لأبي داود والنسائي؛ لأنهما لم يخرجاه٦. وقال ابن حجر عقب ذلك: "ومثله لابن
стр. 708
عدي من حديث أبي هريرة، ولأبي يعلى من حديث بريدة" ا?.
وسيأتي إن شاء الله تعالى حديث أبي هريرة من رواية أبي الشيخ ابن حيان، كما سيأتي حديث بريدة.
وأورد الحديث السيوطي في "الجامع الصغير"١، وعزاه لابن ماجة والحاكم كما رمز لضعفه.
قال المناوي٢: "ولم يصححه الحاكم وزاد الذهبي فيه: أن فيه يزيد بن حيان وهو أخو مقاتل، وهو مجهول الحال. وقال البخاري: عنده غلط ظاهر، وساقه ابن عدي٣ من مناكير يزيد بن حيان، عن عبيد الله٤ إلى أن قال: ورواه الطبراني باللفظ المذكور من هذا الوجه، وزاد مكتوب عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ا?.
стр. 709
ولم يقل الذهبي ذلك، وإنما قال١: "قلت: يزيد ضعيف" ا?.
وحتى لو قال الذهبي ذلك فلا يسلّم؛ لأن يزيد بن حيان معروف.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"٢: "وعن ابن عباس قال: "كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض، مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله" –قلت: رواه الترمذي، وابن ماجة خلا الكتابة عليه- رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه حيان بن عبيد الله. قال الذهبي: "بيض له ابن أبي حاتم، فهو مجهول" ا?.
وقد تعقبه حبيب الرحمن الأعظمي في "تحقيقه" للمطالب العالية لابن حجر فقال٣: "الذي قال فيه ابن أبي حاتم أنه مجهول غير هذا٤، قد قال في هذا٥: إنه صدوق" ا?.
стр. 710
وعندي أنه كان ينبغي أن يكون التعقيب على هذه الصورة الآتية:-
"الذي بيض له ابن أبي حاتم غير هذا –على أنه لم يبيض له، كما هو موضح في الهامش- وقد قال في هذا أنه صدوق؛ لأن كلمة فهو مجهول من الذهبي، وإلا كيف يقال عن ابن أبي حاتم أنه بيض له، ثم يقال: إنه قال فيه: إنه مجهول".
وإذا تقرر ذلك فإن الذي قال: إنه مجهول ابن حزم، نقل ذلك عنه ابن حجر في "لسان الميزان"١ في ترجمة حيان بن عبيد الله هذا، ولكن ابن حجر تعقبه ولم يتركه فقال: "وقال ابن حزم مجهول فلم يصب" ا?.
وروى أبو يعلى في "مسنده"٢، والطبراني في "الكبير"٣ من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض".
قال الهيثمي "مجمع الزوائد"٤ بعد أن أورد هذا الحديث: "فيه حيان بن عبيد الله ... ، وبقية رجال أبي يعلى ثقات".
стр. 711
كما رواه الذهبي مع الذي قبله وهو حديث ابن عباس، ولكن دون الزيادة في ترجمة حيان بن عبيد الله من "ميزان الاعتدال"١، فقال: "حيان ابن عبيد الله أبو زهير شيخ بصري عن أبي مجلز. قال البخاري٢: ذكر الصلت منه الاختلاط. روى عنه مسلم وموسى التبوذكي. وقال إبراهيم ابن الحجاج السامي: حدثنا حيان بن عبيد الله أبو زهير العدوي، حدثنا أبو مجلز عن ابن عباس، وحدثنا ابن بريدة عن أبيه: "أن راية رسول الله ﷺ كانت سوداء، ولواؤه أبيض، وذكره ابن عدي في الضعفاء".
وصفوة القول: أن حديث ابن عباس حديث حسن، فقد تابع يزيد ابن حيان على روايته، عن أبي مجلز حيان بن عبيد الله، وشاهده حديث عبد الله بن بريدة، وحديث أبي هريرة الذي رواه أبو الشيخ ابن حبان؛ فإنه بعد أن روى حديث ابن عباس وحديث ابن بريدة، روى حديث أبي هريرة إلا أنه أحال به عليه بقوله "مثله ولم يذكره فقال:
حدثنا أحمد بن زنجويه المخرمي، ثنا محمد بن أبي السري العسقلاني ثنا ابن وهب، ثنا محمد بن أبي حميد الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله.
كما روى أبو الشيخ ابن حيان٣ الحديث عن عائشة وابن عمر
стр. 712
وابن عباس من طريق آخر، فقال: حدثنا إسحاق بن أحمد الفارسي، ثنا سعيد بن عنبة، ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة أظنه عن عائشة ﵂ قالت: "كان لواء رسول الله ﷺ أبيض، وكانت رايته سوداء من مرط١ لعائشة مُرَحَّل".٢
حدثني عبد الله بن يحيى بن حاتم حدثني أبي، عن أبيه، عن المعلى بن هلال، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن سول الله ﷺ كان إذا عقد لواء عقده أبيض، وكان لواء رسول الله ﷺ .
حدثنا محمد بن عمر بن حفص، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا سعد عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: "كان لواء رسول الله ﷺ أبيض ورايته سوداء".
стр. 713
الحديث السّادس والعشرون: باب ما ذكر من الشرب بنفسين من كتاب الأشربة عن رسول الله ﷺ .
٤/٣٠٣ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق: إبراهيم عطوة عوض
стр. 714
حدثنا علي بن خشرم: حدثنا عيسى بن يونس، عن رشدين بن كريب، عن أبيه١، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان إذا شرب يتنفس مرتين".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين ابن كريب.
قال: وسألت عبد الله بن عبد الرحمن٢ عن رشدين بن كريب، قلت: هو أقوى أم محمد بن كريب؟
قال: ما أقربهما! ورشدين بن كريب أرجحهما "عندي".
وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا؟ فقال: محمد بن كريب أرجح من رشدين بن كريب.
والقول "عندي" ما قال أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن، رشدين ابن كريب أرجح وأكبر، وقد أدرك ابن عباس ورآه، وهما أخوان، وعندهما مناكير.
стр. 715
تخريج الحديث
أخرجه المصنف في "الشمائل المحمدية"١.
وابن ماجة في "سننه"٢.
وابن عدي في "الكامل"٣.
كلهم من طريق رشدين بن كريب، عن أبيه، عن أبي عباس.
التعريف ببعض رجال السند
هذا الحديث يدور على رشدين٤ بن كريب، فإنه تفرد به على ما ذكر الترمذي، وهو رشدين بن كريب بن أبي مسلم الهاشمي، مولاهم أبو كريب المدني. رأى ابن عمر، وذكر الترمذي هنا أنه أدرك ابن عباس ورآه. روى عن: أبيه، وعلي بن عبد الله ابن عباس. وروى عنه: عيسى بن يونس، ومروان بن معاوية، ومحمد بن فضيل.
ضعّفه ابن المديني، وابن نمير، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي والدارقطني، وابن معين.
стр. 716
وقال الجوزجاني: "لا يقوى حديثه".
وقال البخاري: "منكر الحديث"، ومرة قال فيه وفي أخيه محمد: "فيهما نظر"، ومرة قال: "عنده مناكير".
وقال ابن حبان: "كثير المناكير يروى عن أبيه أشياء ليس تشبه حديث الأثبات عنه، والغالب عليه الوهم والخطأ، حتى خرج عن حدِّ الاحتجاج به" ا?.
وقصارى القول: أن هذا الراوي ضعيف عند جماعة العلماء، وعلى هذا مشى ابن حجر في "تقريب التهذيب" حيث قال١: "ضعيف، من السادسة، روى له الترمذي، وابن ماجه".
أما ابن عدي فإنه لم يخرج عن هذا الرأي حين ذكر أن رشدين على ضعفه يكتب حديثه، ويختبر، ويعتبر به، فأحاديثه مع ضعفها مقاربة لأحاديث غيره. وابن عدي مع اعترافه بأن لرشدين أحاديث منكرة إلا أنه لم ير فيها حديثاً منكراً جداً قال٢:
стр. 717
"ولرشدين غير ما ذكرت وليس بالكثير، وأحاديثه مقاربة لم أر فيها حديثاً منكراً جداً، وهو على ضعفه يكتب حديثه" ا?.
هذا ولما كان رشدين أخاً لمحمد بن كريب١، وكلاهما ضعيف عند أئمة الحديث والنقد، فإن هذا لا شك باعث للسؤال عنهما، هل هما في منزلة واحدة من الضعف؟ أو متفاوتان فيه؟ فإن الضعف يشتد ويخف.
والذي يخطر لي أن الترمذي في سؤاله عنهما كلاً من الدارمي والبخاري، إنما يريد أن يستوثق مما عنده، حتى إذا رأى جواب الدارمي التقى مع ما هو مستقر لديه، لم يتأخر بأن أعلن موافقته للدرامي في ترجيح رشدين على أخيه محمد، وتقديمه عليه.
فالترمذي لم يكن خافياً عليه أنهما غير متساويين في
стр. 718
الضعف، بدليل أنه قال في السؤال أيهما أقوى، وبدليل أنه رجّح ما رجّح شيخه الدارمي، وإنما كل ما في الأمر كما سبق أنه يريد أن يتأكد من موقفه؛ فلذلك ألقى السؤال على البخاري، وعلى الدرامي، ولم يكتف بسؤال واحد منهما. وأما البخاري فإنه رأى ترجيح محمد على رشدين، وتقديمه عليه.
وهذا الترجيح لمحمد أو رشدين فإنه نسبي، وفائدته تظهر عند التعارض، فيما إذا تعارض حديث لرشدين مع حديث لمحمد.
وقد وقع نحو سؤال الترمذي هذا من ابن أبي حاتم لأبيه، وأبي زرعة ومن الأثرم للإمام أحمد، وكانت النتيجة أن أحمد لم يرجح أحدهما على الآخر، وجعلهما في مرتبة واحدة من غير مفاضلة بينهما، حيث اعتبرهما في مستوى واحد من الضعف.
وأما الأولان أبو حاتم وأبو زرعة فإنهما رأيا محمداً كأنه أقرب وأرجح. وعلى هذا يكون ما عندهما وافق ما عند البخاري.
قال ابن أبي حاتم١: "سمعت أبي وأبا زرعة وذكرا محمد بن كريب ورشدين بن كريب؟ فقالا: هما أخوان قلت: أيهما أحب إليكما؟ قالا: ما أقربهما، ثم قالا: محمد كأنه اقرب" ا?.
وهكذا رأينا جانب البخاري تدعم وتقوي وأنه لم ير هذا الرأي وحده، بل معه أبو حاتم وأبو زرعة.
стр. 719
أما رأي أحمد فإنه يمثل موقفاً ثالثاً من حيث إنه لم يرجح بينهما.
قال الأثرم١: "قلت لأحمد بن حنبل: "رشدين ومحمد أخوان؟ فقال: "نعم"، فقلت: أيهما أحب إليك؟ قال: "كلاهما عندي منكر الحديث" ا?.
مرتبة هذا الحديث
حكم الترمذي على هذا الحديث بالضعف، وهو كذلك؛ لتفرد رشدين بن كريب به، وهو ضعيف، كما سبق وأن عرفت.
وهذا الحكم يتفق مع قول الترمذي "غريب" كما في بعض النسخ، ولا يتفق مع قوله "حسن غريب" كما في بعض النسخ الأخرى، ومنها نسخة نقل منها العيني في "عمدة القارئ"٢، وقد ذكر الحديث.
والذي يترجح لي أن الترمذي اقتصر في حكمه على هذا الحديث على كلمة "غريب"، وأنه لم يقل "حسن غريب" للأمور الآتية:
أن الوصف ب"حسن غريب" يعطيه الترمذي للحديث الحسن لذاته، كما هو معروف من اصطلاحه، وهذا الحديث ضعيف؛
стр. 720
لضعف رشدين بن كريب في قول الجميع، وقد تفرد به.
أن الوصف بكلمة "غريب" فقط من غير كلمة "حسن" هو على ما في نسخة المزي، كما في "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف"١.
أن الترمذي في تفسير سورة الطور روى حديثاً لرشدين بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس، وهو من الأحاديث التي سوف تأتي معنا فاقتصر في الحكم عليه على كلمة "غريب"، ولم يقرنها بكلمة "حسن".
وهذا الحديث عدا أنه ضعيف، فإنه معارض للحديث الصحيح الذي رواه مسلم٢، وأبو داود٣، والترمذي٤ عن أنس أن النبي ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثاً، ويقول: "هو أروى، وأمرأ، وأبرأ". هذا لفظ مسلم، وفي رواية أبي داود: "أهنأ" بدل قوله "أروى".
وهذا التعارض أمكن إزالته باحتمال ذكره ابن حجر في "فتح الباري"٥ حيث قال:
стр. 721
"وأخرج الترمذي بسند ضعيف عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا شرب تنفس مرتين" وهذا ليس نصاً في الاقتصار على المرتين، بل يحتمل أن يراد به التنفس في أثناء الشرب، فيكون قد شرب ثلاث مرات، وسكت عن التنفس الأخير؛ لكونه من ضرورة الواقع" ا?.
والحديث أورده السيوطي في "الجامع الصغير"١ ورمز لضعفه.
стр. 722
الحديث السّابع والعشرون: باب ما جاء في صفة أبواب الجنة من كتاب صفة الجنة عن رسول الله ﷺ .
٤/٦٨٤-٦٨٥ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض
стр. 723
حدّثنا الفضل بن الصباح البغدادي: أخبرنا معن بن عيسى القزاز، عن خالد بن أبي بكر، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه١ قال: قال رسول الله ﷺ : "باب أمتي الذين يدخلون منه الجنة، عرضه مسيرة الراكب المجوِّد ثلاثاً، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول".
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. وسألت محمداً عن هذا الحديث؟ فلم يعرفه وقال: لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم بن عبد الله.
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
أبو يعلى في "مسنده"٢.
ابن الجوزي في "العلل المتناهية"٣ بإسناده إلى الترمذي.
стр. 724
البيهقي في "البعث والنشور"١.
أبو نعيم في "صفة الجنة"٢.
المزي في "تهذيب الكمال"٣ من طريق أبي نعيم نحوه، ولفظه "الباب الذي يدخل منه أهل الجنة مسيرة الراكب المشحوذ ثلاثاً، والباقي مثله".
وأورده ابن كثير في "النهاية"٤ من طريق يعقوب بن سفيان، عن الفضل بن الصباح، واكتفى بنقل كلام الترمذي عليه.
درجة هذا الحديث
ضعّف الترمذي هذا الحديث، وذكر أنه سأل البخاري عنه إلا أنه لم يعرفه هذا، ولما كان البخاري عالماً بالرجال وأحوالهم، وفي سند هذا الحديث خالد بن أبي بكر فإنه قال له: "لخالد بن أبي بكر مناكير عن سالم ابن عبد الله".
والبخاري بجوابه هذا، كأنه يقول من غير جزم ولا تأكيد: يحتمل أن يكون هذا الحديث من مناكير خالد المذكور.
ولا شك أن البخاري بكلامه هذا عن خالد بن أبي بكر وضع تنبيهاً على هذا الحديث، فجزاه الله خيراً.
стр. 725
وهكذا نجد البخاري أجاب عن الحديث مع أنه لم يعرفه بكل لباقة وبراعة، ودقة، وحيطة، وأمانة.
وإذا كان ذلك موقف البخاري من هذا الحديث، حيث إنه خشي أن يكون من مناكيره عن سالم، فإن بعضهم انطلاقاً من موقف البخاري هذا أعلّ الحديث بخالد المذكور، وجعله من مناكيره هكذا على جهة الجزم، مع أن موقف البخاري كما لا حظنا ليس فيه جزم، غاية ما فيه احتمال أن يكون من مناكير خالد.
يؤيد هذا توقف البخاري فيه وعدم معرفته له، كما صرّح بهذا للترمذي، على أنه يمكن أن يستفاد الجزم من عدم معرفة البخاري له، ومن تفرد خالد به وهو ضعيف، حيث لا متابع له ولا شاهد.
ولو لم يفصح البخاري بأن له مناكير، والتي يبدو أنها حصلت بسبب ضعفه، فإنه على رأي بعض العلماء أن الضعيف إذا تفرد فحديثه منكر.
هذا وما جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه من حديث أبي هريرة، كما سيأتي غنية وكفاية.
وبعد فلنفصح عن ذلك البعض الذي أبهم، فنقول: قد أخرج الحديث ابن الجوزي في "العلل المتناهية"، كما سبقت الإشارة إليه، وأكتفي بنقل كلام الترمذي عليه.
стр. 726
وتبعه على ذلك الذهبي فأورده في "مختصر العلل"١. وقال عقبه: "أخرجه الترمذي من حديث خالد بن أبي بكر منكر الحديث، عن سالم ابن عبد الله، عن أبيه" ا?.
كما ذكر الحديث في "ميزان الاعتدال" في ترجمة خالد هذا فقال٢: "ومن مناكيره ثم ساقه، ولكن قال: "الباب الذي يدخل منه أهل الجنة ... ، وقد أعله المناوي جد صاحب "فيض القدير" بخالد المذكور، وقال٣: له مناكير".
كما أورده السيوطي في "الجامع الصغير"٤، ورمز لضعفه، وأقره المناوي صاحب "فيض القدير" بما نقله من كلام الترمذي عليه، وتعليل جده له بخالد.
ويعرف خالد بن أبي بكر: بالعمري؛ لأنه يصل في نسبه إلى عمر بن الخطاب؛ إذ هو:
خالد بن أبي بكر بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني.
روى عن: جده عبيد الله، وعن عمّي أبيه حمزة، وسالم.
стр. 727
روى عنه: ابنه عبد الله، ومعن بن عيسى القزاز، وزيد بن الحباب١.
ولقد كان لقول البخاري في خالد بن أبي بكر الذي نقله الترمذي عنه، هنا صدي في كتب التراجم إذ اعتمده الذهبي في ترجمة هذا الراوي، من "ميزان الاعتدال"٢، و"المغني في الضعفاء"٣، كما أورده ابن حجر في ترجمته من "تهذيب التهذيب"٤.
كما أورد ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، ومن قبله الذهبي في كتابيه المذكورين سابقاً قول أبي حاتم٥ فيه، وهو: "يكتب حديثه".
وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٦ أيضاً: "وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي عاصم مات سنة (١٦٢) . قلت، (القائل ابن حجر) : "وكذا أرخه ابن سعد، وابن حبان، وزاد يخطئ، وزاد ابن سعد كان كثير الحديث والرواية" ا?.
стр. 728
ولقد لخص ابن حجر في "تقريب التهذيب"١ القول في هذا الراوي حيث قال:
فيه لين من السابعة، مات سنة اثنتين وستين. أي ومئة، روى له الترمذي، ويبدو أن هذا الراوي لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة غير الترمذي؛ لذلك فإننا لا نجد عند الذهبي، وابن حجر الرمز له بسوى الترمذي، هذا وقد ورد في صفة أبواب الجنة، وسعة أبوابها الحديث الآتي عن أبي هريرة "﵁" عن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده أن ما بين المصراعين٢ من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير٣، أو كما بين مكة وبصري٤ ") . رواه البخاري في صحيحه٥.
стр. 729
ورواه مسلم في "صحيحه"١، وأحمد في "مسنده"٢ إلا أنهما قالا: "لكما بين مكة وهجر٣، أو كما بين مكة وبصرى".
стр. 730
الحديث الثامن والعشرون: باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة من أبواب العلم عن رسول الله ﷺ
...
الحديث الثّامن والعشرون: باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة من أبواب العلم عن رسول الله ﷺ .
٥/٤٦ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق إبراهيم عطوة عوض
стр. 731
حدثنا مسلم بن حاتم الأنصاري البصري: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك: قال لي رسول الله ﷺ : "يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد، فافعل، ثم قال لي: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة" وفي الحديث قصة طويلة.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ومحمد ابن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبوه ثقة، وعلي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره، قال: وسمعت محمد بن بشار، يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة حديثا على بن زيد وكان رفاعاً.
ولا نعرف لسعيد بن المسيب عن أنس رواية إلا هذا الحديث بطوله.
وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث، عن علي بن زيد، عن أنس، ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب.
قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل، فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد ابن المسيب، عن أنس هذا الحديث ولا غيره.
ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين مات سنة خمس وتسعين.
стр. 732
تخريج الحديث
أخرج الحديث سوى الترمذي:
البيهقي١ وقد اقتصر على الجملة الثانية.
الكلام على هذا الحديث
هذا الحديث –كما يظهر من سنده- يرويه سعيد بن المسيب٢، عن أنس بن مالك٣، وقد صرّح الترمذي أنه لا يعرف لسعيد، عن أنس إلا هذا الحديث٤.
стр. 733
والذي يبدو من تحسين الترمذي لهذا الحديث –وقد حسنه حسناً لذاته- أنه يذهب إلى سماع سعيد من أنس؛ لأن من شرط الحديث الحسن لذاته الاتصال بين رواته.
وقد أشار الترمذي في أعقاب كلامه على الحديث إلى إمكان سماع سعيد من أنس فقال: "ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين مات سنة خمس وتسعين" ا?.
قال المباركفوري١ صاحب "تحفة الأحوذي" معلقاً على هذا الكلام: "مقصود الترمذي بهذا أن المعاصرة بين أنس وبين سعيد ابن المسيب ثابتة، فيمكن سماعه منه" ا?.
وكأن الترمذي بما مهد به من توثيق الطريق التي يروى فيها سعيد، عن أنس أراد أن يقوي رأيه، وما ذهب إليه من سماع ابن المسيب من أنس.
وفي نظري أن الذي ألجأ إلى هذا التمهيد –وهو كما نلاحظ فيه عرض للأدلة على ما درج عليه علماؤنا في معالجة الأمور معالجة منطقية معقولة ومريحة-، هو كون الترمذي أحسن بانفراد تلك الطريق، فلعله يجيب بذلك عما عسى يوجه إليه، لو لم يلجأ إلى ذلك من انفراد الطريق وضعفها.
стр. 734
ومهما يكن من أمر فلقد كان ذلك اتجاه الترمذي في هذه المسألة واجتهاده فيها، وهذا لا يمنع من إبداء مناقشات حول ما تبناه مما يؤثر في قبوله، والأخذ به، أو عدمه.
فمن أولى النقاط التي تذكر بهذا الصدد مما له قيمة موقف البخاري من هذا الحديث، كما حكاه الترمذي عنه –فقد صرّح الترمذي أنه ذاكر بهذا الحديث شيخه البخاري فلم يعرفه، كما لم يعرف لسعيد بن المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره.
فموقف كهذا لا يمكن إمراره من غير الاستفادة منه، والتأكيد به على نفي سماع سعيد من أنس؛ إذ عدم معرفة البخاري رواية لسعيد عن أنس مطلقاً، يعطي مؤشراً على عدم وجودها، فالإمام البخاري معروف بغزارة علمه، وسعة إطلاعه.
ولا شك أن موقف البخاري بعد حجة إمام محاولة إثبات رواية لسعيد عن أنس بطريق واحدة، هذه الطريق فيها ما فيها، كما سوف نعرف.
وفي نظري أن هذا –أي ضعف الطريق- كفيل وحده بنقض إثبات تلك الرواية.
ومن المعتمد أن المزي حين نبه في "تهذيب الكمال"١ إلى أن سعيد روى، عن أنس من طريق ضعيف يقصد هذه الطريق.
стр. 735
وضعف هذه الطريق إنما أتى من قبل علي بن زيد المعروف بابن جدعان١، وهو –كما قال الذهبي في "ميزان الاعتدال"٢-: "اختلفوا فيه" ا?.
فقوى أمره بعضهم كالجريري، ومنصور بن زاذان، وحماد بن سلمة، وتكلم فيه الأكثرون.
قال الجريري٣: "أصحّ فقهاء البصرة عمياناً ثلاثة: قتادة، وعلي بن زيد، وأشعث الحداني".
وقال منصور بن زاذان٤:"قلت لعلي بن زيد لما مات الحسن: اجلس موضعه".
وقال موسى بن إسماعيل٥:"قلت لحماد بن سلمة: زعم وهيب أن علي بن زيد كان لا يحفظ، قال: ومن أين كان وهيب يقدر على مجالسة علي؟ إنما كان يجالسه وجوه الناس".
وقد احتج به الترمذي فحسّن حديثه، كما هنا، وقال فيه "صدوق"
стр. 736
وأثنى عليه الذهبي في تذكرة الحفاظ١، فقال فيه: "علي بن زيد بن جدعان الإمام ... ، عالم البصرة ... ، ولد أعمى، وهو من أوعية العلم، وفيه تشيع" ا?.
وقال في "المغني في الضعفاء"٢: "صالح الحديث".
وبالنظر فيما يأتي يتضح لنا أن الأرجح فيه أنه ضعيف، يصلح حديثه في المتابعات.
قال المباركفوري٣ بعد أن نقل قول الترمذي ذلك: "وضعّفه غيره واحد من أئمة الحديث".
وقال النووي في "تهذيب الأسماء واللغات"٤: "وهو ضعيف عند المحدثين" ا?.
وممن ضعّفه أحمد٥، وابن معين٦، والنسائي٧، وابن عيينة٨،
стр. 737
وابن سعد١، وتركه يحيى بن سعيد القطان٢ وبضعفه جزم ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣ فقال: "علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جده، ضعيف، من الرابعة مات سنة إحدى وثلاثين أي ومائة وقيل قبلها، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأهل السنن الأربعة".
وليعلم أن مسلماً لم يحتج به، وإنما روى له مقروناً بغيره، كما هو مذكور في "تهذيب التهذيب"٤.
قال الذهبي "في تذكرة الحفاظ"٥: "قلت: لم يحتج به الشيخان، لكن قرنه مسلم بغيره" ا?.
هذا وقال أبو حاتم٦: "ليس بقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به".
وقال الحاكم أبو أحمد٧: "ليس بالمتين عندهم".
стр. 738
وقال الدارقطني١: "أنا أقف فيه لا يزال عندي فيه لين".
وقد جاء بيان سبب ضعفه، وأنه من قبل حفظه. قال ابن خزيمة٢: "لا أحتج به لسوء حفظه".
ومما يدل على سوء حفظه ما قاله سليمان بن حرب٣، عن حماد ابن زيد "ثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث".
وفي رواية: "كان يحدثنا اليوم بالحديث، ثم يحدثنا غداً، فكأنه ليس ذلك".
وقال أبو زرعة٤: "ليس بقوي يهم ويخطئ".
وقال ابن حبّان٥: "كان شيخاً جليلاً، وكان يهم في الأخبار، ويخطئ في الآثار حتى كثر ذلك في أخباره، وتبين فيها المناكير التي يرويها عن المشاهير، فاستحق ترك الاحتجاج به" ا?.
ومن خطئه في الآثار ما نقله الترمذي هنا بسنده، عن شعبة بن الحجاج أنه قال: "حدثنا علي بن زيد، وكان رفاعا" يعني أنه كان يخطئ، فيرفع الحديث الموقوف كثيراً، كما جاء وصفه بأنه اختلط في آخر عمره.
стр. 739
أما ابن عدي فإنه قال١: "لم أر أحداً من البصريين، وغيرهم امتنع من الرواية عنه، وكان يغلو في التشيع، ومع ضعفه يكتب حديثه".
هذا وإن مما يدل على ضعف هذه الطريق هذا الاختلاف على علي ابن زيد بن جدعان الذي أشار إليه الترمذي، فقد ذكر أن عباد بن ميسرة المنقري٢، روى هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس، ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب على أنه ليس في رواية عبد الله بن المثنى الأنصاري٣، عن زيد ما يجزم بسماع ابن المسيب من أنس؛ إذ الصيغة التي يروي بها ابن المسيب؛ عن أنس وهي (قال أنس) محتملة، ولا يخفى
стр. 740
أن مجيئها هنا على هذا النحو يعطي دليلا على عدم سماع ابن المسيب من أنس بهذا الحديث الوحيد، يضاف إلى ما سبق من تقرير ضعف هذه الطريق.
والله أعلم ...